أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالكريم قيس الشمري - حصر السلاح أم فك الارتباط؟ قراءة في التحولات الأمنية والسياسية في العراق















المزيد.....

حصر السلاح أم فك الارتباط؟ قراءة في التحولات الأمنية والسياسية في العراق


عبدالكريم قيس الشمري

الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 09:29
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أثار قرار الحكومة العراقية بشأن حصر السلاح بيد الدولة، والمحدد له سقف زمني حتى 30 أيلول/ 2026، جدلاً واسعاً تجاوز في أبعاده حدود الملف الأمني المباشر، ليرتبط بأسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة العراقية، ومركز القرار الأمني والسياسي فيها، فضلاً عن موقع العراق في التوازنات الإقليمية والدولية المحيطة به. وتزداد أهمية هذا التوقيت بالنظر إلى تزامنه مع الموعد المعلن لانتهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، الأمر الذي أضفى على المشروع أبعاداً تتجاوز مسألة تنظيم السلاح إلى إعادة ترتيب البيئة الأمنية والسياسية التي تشكلت خلال السنوات الماضية.
ومن حيث المبدأ، لا تبدو فكرة حصر أدوات القوة بيد الدولة جديدة أو استثنائية، بل ترتبط بجوهر الدولة الحديثة وفلسفتها، وبمفهوم السيادة واحتكار الاستخدام المشروع للقوة. فالدولة لا تكتسب كامل قدرتها السيادية بمجرد امتلاكها مؤسسات عسكرية وأمنية رسمية، وإنما عندما تصبح صاحبة القرار النهائي في استخدام القوة وتنظيمها وتحديد وظائفها ومجالات توظيفها. ومن هذا المنظور، فإن حصر السلاح بيد الدولة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عملية مادية لجمع الأسلحة أو إعادة توزيعها فحسب، وإنما باعتباره محاولة لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة الموجودة داخل النظام السياسي أو على هامشه، وإعادة تحديد حدود السلطة التي تمتلكها هذه القوى في المجالين الأمني والسياسي.
غير أن الإشكالية الأساسية لا تكمن في مشروعية المبدأ المعلن بقدر ما تكمن في كيفية تطبيقه، ومدى شموله، والمعايير التي ستعتمدها الدولة في تحديد الجهات المشمولة به، فضلاً عن طبيعة السياق السياسي والإقليمي الذي يجري فيه تنفيذه. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل نحن أمام مشروع أمني يستهدف استعادة احتكار الدولة للقوة فحسب، أم أن حصر السلاح يمثل جزءاً من مسار سياسي وأمني أوسع لإعادة تشكيل مركز القرار العراقي وإعادة تعريف علاقة الفصائل المسلحة بمؤسسات الدولة وبمحيطها الإقليمي؟
وتكتسب هذه الإشكالية أهميتها من حقيقة أن جزءاً من المشهد المسلح العراقي لم يتشكل بمعزل عن البيئة الإقليمية، إذ نشأت خلال السنوات الماضية علاقات سياسية وأمنية بين عدد من الفصائل المسلحة العراقية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد تشكل جانب مهم من هذه العلاقات في سياق التهديدات الأمنية التي واجهها العراق وإيران، ولا سيما خلال مرحلة تصاعد خطر التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي أسهم في بناء أنماط من التعاون والارتباط تجاوزت أحياناً حدود العلاقات الرسمية بين الدولتين.
وبناءً على ذلك، فإن إخضاع السلاح بصورة كاملة للقرار الرسمي للدولة لا يقتصر أثره بالضرورة على إعادة تنظيم المجال الأمني الداخلي، وإنما يمكن أن يمتد إلى طبيعة هذه العلاقات، وإلى قدرة الفصائل المسلحة على الاحتفاظ بهامش مستقل في الحركة واتخاذ القرار خارج المؤسسات الرسمية للدولة. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مشروع حصر السلاح بوصفه أحد المداخل المحتملة لإعادة تنظيم الارتباطات الأمنية والسياسية لهذه الفصائل، ولا سيما تلك التي تمتلك علاقات إقليمية مؤثرة.
فإذا أصبحت الدولة هي الجهة الوحيدة التي تمتلك القرار النهائي بشأن استخدام القوة وتحديد وظائفها، فإن ذلك قد يؤدي إلى تقليص قدرة الفاعلين المسلحين على ممارسة أدوار مستقلة في الملفات الإقليمية، أو توظيف القوة في سياقات تتجاوز القرار الرسمي للدولة. وهنا تظهر فرضية «فك الارتباط» بوصفها إحدى القراءات الممكنة لمشروع حصر السلاح. والمقصود بفك الارتباط في هذا السياق ليس قطع العلاقات العراقية–الإيرانية، ولا إنهاء الروابط السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدين، وإنما تقليص الارتباطات الأمنية والعسكرية والسياسية المستقلة لبعض الفصائل العراقية بإيران، بحيث تصبح الدولة العراقية الإطار الحصري الذي تُمارس من خلاله القوة المسلحة وتُتخذ القرارات ذات الطابع الأمني والعسكري.
وتتصل هذه الفرضية بصورة مباشرة بطبيعة الصراع الأمريكي–الإيراني، وبموقع العراق داخل هذه المعادلة. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي والسياسي، يمثل إحدى الساحات التي تتقاطع فيها مصالح الطرفين، كما أن وجود قوى مسلحة عراقية تمتلك علاقات وثيقة بإيران جعل الساحة العراقية جزءاً من معادلات الأمن الإقليمي. ومن ثم، فإن أي تحول في طبيعة العلاقة بين الدولة العراقية والفصائل المسلحة يمكن أن ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على مستوى النفوذ الإيراني داخل العراق وعلى طبيعة التوازنات المرتبطة بالصراع الأمريكي–الإيراني.
ومن هنا يمكن فهم الاهتمام الأمريكي بمسألة حصر السلاح ضمن سياق أوسع من مجرد دعم مبدأ احتكار الدولة للقوة. فمن منظور المصالح الأمريكية، فإن تقليص قدرة الفصائل المرتبطة بإيران على العمل بصورة مستقلة عن مؤسسات الدولة العراقية قد يسهم في الحد من قدرة إيران على استخدام الساحة العراقية ضمن صراعاتها الإقليمية مع الولايات المتحدة. وبذلك يمكن أن يصبح تعزيز سلطة الدولة العراقية على المجال المسلح، من زاوية المصالح الأمريكية، عاملاً يسهم في تقليص إحدى قنوات النفوذ الإيراني في العراق.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل العامل الأمريكي عند تحليل دوافع المشروع وتداعياته، بالنظر إلى قدرة الولايات المتحدة على التأثير في اتجاهات الأمن الإقليمي، وطبيعة علاقاتها بالمؤسسات العراقية، فضلاً عن موقعها في ترتيبات الأمن والدفاع الدولية المرتبطة بالعراق. غير أن ذلك يستدعي التمييز بين انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي وبين انتهاء الدور الأمريكي في العراق؛ إذ إن انتهاء الوجود العسكري المباشر، أو تحوله، لا يعني بالضرورة تراجع النفوذ الأمريكي بصورة متزامنة، بل قد يدفع إلى الانتقال من أدوات الوجود العسكري المباشر إلى أنماط أخرى من التأثير السياسي والأمني والاقتصادي والمؤسسي.
وعليه، فإن مرحلة ما بعد انتهاء المهمة الدولية لا ينبغي أن تُفهم بالضرورة باعتبارها نهاية للتأثير الأمريكي في العراق، وإنما باعتبارها مرحلة قد تشهد إعادة تعريف لأدوات هذا التأثير وأشكاله. ومن هنا تبرز إشكالية أكثر عمقاً تتعلق بالنتائج المحتملة لمشروع حصر السلاح: هل يؤدي تقليص الارتباط الأمني والعسكري بإيران إلى تحييد العراق، أم يمكن أن يؤدي، بصورة غير مباشرة، إلى إعادة توجيهه نحو الولايات المتحدة؟
إن التحييد الحقيقي للعراق لا يتحقق بمجرد تقليص نفوذ طرف إقليمي لمصلحة طرف دولي آخر، وإنما يتحقق عندما تصبح الدولة العراقية قادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفقاً لمصالحها الوطنية، بعيداً عن توظيف أراضيها أو مؤسساتها أو قواها السياسية والأمنية في صراعات إقليمية ودولية لا تمتلك الدولة القدرة على التحكم بمساراتها أو تحمل نتائجها. ومن ثم، فإن معيار نجاح مشروع حصر السلاح لا ينبغي أن يتمثل في مقدار تراجع النفوذ الإيراني وحده، وإنما في مدى قدرة الدولة العراقية على منع أي قوة خارجية، أياً كانت، من امتلاك قنوات وأدوات مؤثرة في القرار الأمني والسياسي الداخلي.
وبهذا المعنى، فإن نجاح المشروع لا يرتبط فقط بقدرة الحكومة على جمع السلاح أو إعادة تنظيم أوضاع الفصائل المسلحة، وإنما بقدرتها على بناء مركز قرار وطني قادر على ممارسة السيادة بصورة متوازنة. فحصر السلاح بيد الدولة سيكون ناقصاً إذا بقيت قنوات التأثير الخارجي قادرة على الوصول إلى القرار السياسي أو الأمني من خلال أدوات أخرى، كما أن استبدال ارتباط خارجي بآخر لن يمثل معالجة حقيقية لمشكلة السيادة، وإنما مجرد إعادة توزيع لمصادر النفوذ داخل الدولة العراقية.
ومن هنا، فإن الحكومة العراقية، على الرغم من أحقيتها القانونية والسياسية في تنظيم مؤسسات الدولة وإعادة بناء القرار الأمني، تحتاج إلى مجموعة من الشروط التي تجعل المشروع قابلاً للتنفيذ والاستمرار. وفي مقدمة هذه الشروط يأتي تحقيق قدر مناسب من التوافق السياسي، وتعزيز القدرة المؤسسية للدولة، وتوفير وضوح قانوني بشأن الجهات المشمولة بالمشروع، فضلاً عن تحقيق مستوى من القبول الاجتماعي والسياسي، واعتماد التدرج في التنفيذ، ووجود مسارات مؤسسية واضحة أمام القوى والأفراد الذين ستتم إعادة تنظيم أوضاعهم.
كما أن التعامل مع الملف بمنطق أمني صرف قد يؤدي إلى نتائج عكسية إذا لم يسبقه تفاهم سياسي واسع. فالمشكلة لا تتعلق بالسلاح بوصفه أداة مادية فحسب، وإنما بالبيئة السياسية التي تمنح بعض القوى القدرة على الاحتفاظ به، وبالدور الذي تؤديه تلك القوى داخل النظام السياسي. ولذلك قد تكون سياسة الحوار والاحتواء وإعادة الدمج المؤسسي أقل كلفة وأكثر قابلية للاستمرار من الانتقال المباشر إلى المواجهة، ولا سيما في ظل تعقيد بنية النظام السياسي العراقي وتشابك العلاقات بين الفاعلين السياسيين والأمنيين.
وتزداد أهمية هذا المسار في ظل التباين بين الفصائل المسلحة نفسها؛ إذ لا تمثل هذه القوى بالضرورة كتلة واحدة متجانسة في مواقفها من الدولة، أو من الوجود الأجنبي، أو من طبيعة العلاقة مع إيران، أو من مستقبل دورها داخل النظام السياسي والأمني. فبعضها قد يكون أكثر استعداداً لإعادة تنظيم وضعه ضمن مؤسسات الدولة، في حين قد تتمسك أطراف أخرى بمواقف أكثر تشدداً تجاه عملية حصر السلاح. ويمكن لهذا التباين أن يمنح الحكومة فرصة لبناء مسار تدريجي ومتعدد المستويات، بدلاً من التعامل مع جميع القوى باعتبارها حالة واحدة متجانسة.
وبناءً على ذلك، يمكن النظر إلى «فك الارتباط» بوصفه إحدى النتائج السياسية المحتملة لمشروع حصر السلاح، وليس بالضرورة غايته الوحيدة أو المعلنة. فإذا أدى المشروع إلى تقليص الارتباطات الأمنية المستقلة لبعض الفصائل بإيران، فإنه سيؤثر بصورة واضحة في طبيعة التوازن العراقي–الإيراني، كما قد يؤثر في معادلة الصراع الأمريكي–الإيراني داخل العراق. غير أن هذه النتيجة لا تمثل بالضرورة نجاحاً كاملاً للمشروع إذا انتهت إلى نقل العراق من دائرة ارتباط خارجي إلى دائرة ارتباط أخرى.
وعليه، فإن جوهر الإشكالية لا يتمثل في السؤال عن الطرف الخارجي الذي سيزداد نفوذه بعد حصر السلاح، وإنما في قدرة الدولة العراقية على استعادة موقعها بوصفها مركز القرار السيادي والأمني والسياسي. فالمعيار الحقيقي لنجاح المشروع يتمثل في الانتقال من تعدد مراكز القوة والقرار إلى مركز دولة قادر على إدارة علاقاته الداخلية والخارجية وفقاً للمصلحة الوطنية، بما يحول دون استخدام العراق كساحة لتصفية الصراعات الإقليمية والدولية. ومن هذا المنظور، يصبح حصر السلاح بيد الدولة مشروعاً يتجاوز البعد الأمني المباشر، ليمس بصورة أعمق طبيعة الدولة العراقية، وحدود سيادتها، وموقعها في النظام الإقليمي، ومستقبل علاقاتها بالقوى الإقليمية والدولية المؤثرة في محيطها.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تكليف رئيس الوزراء العراقي: بين شرعية الإجراء وإشكالية البني ...


المزيد.....




- رئيس وزراء قطر من طهران: يجب احترام سيادة دول الجوار
- بغداد تحبط محاولة لتصنيع مسيّرات وتتمسك بموعد حصر السلاح.. م ...
- هرمز في قلب القمة المقبلة بين ترامب وشي.. كيف سيتعامل البيت ...
- قطر وإيران تناقشان إنشاء ممر ملاحي مشترك مع عمان في مضيق هرم ...
- -رحّلوني إلى إسرائيل!-.. صرخة عارضة شهيرة توقف محاكمتها
- حل -قسد-.. نهاية تنظيم أم قضية؟
- الجيش الإسرائيلي يسقط مسيرة لـ-حزب الله- ويشن غارات على الن ...
- رومانيا.. سائحتان تنتشلان من البحر حطام طائرة مسيّرة متفجرة ...
- مسرح روماني مزيف.. قصة إيطالي غش العالم
- موقع -واللا- العبري: نتنياهو أجرى مفاوضات سرية ومباشرة مع حم ...


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالكريم قيس الشمري - حصر السلاح أم فك الارتباط؟ قراءة في التحولات الأمنية والسياسية في العراق