أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كارم محمود عزيز - بين فن السلويت والسرد القصصي قراءة في المجموعة القصصية -رسائل مُشفَّرة- للكاتب: أحمد محمد عبده















المزيد.....



بين فن السلويت والسرد القصصي قراءة في المجموعة القصصية -رسائل مُشفَّرة- للكاتب: أحمد محمد عبده


كارم محمود عزيز

الحوار المتمدن-العدد: 8803 - 2026 / 8 / 20 - 19:16
المحور: الادب والفن
    


من المقبول القول إن هناك نوعاً من العلاقات الوثيقة بين كافة أشكال الإبداع الإنساني, بمستوياتها الذهنية والوجدانية والروحية, وإن اختلفت وسائل التعبير بها, من هنا يمكن تصور العلاقات القائمة (مثلا) بين كل من: الشعر والسرد القصصي والفنون التشكيلية, والموسيقى, واللغة, والمنطق, فلا أحد يمكنه إنكار تلك العلاقة بين الرواية والرسم, أو بين التصوير والفيزياء, أو بين الرواية والهندسة الفراغية والمنظور.
من هنا, فإنه ما من نشاط إبداعي إنساني يبقى وحده مستقلاً بنفسه, معزولاً بذاته عن بقية أوجه الإبداع الإنساني, مادامت المرجعية إلى العقل البشري والروح الإنسانية, وإن سلمنا بهذه الحقيقة " النسبية", فقد يكون هذا مدخلا ملائماً للولوج إلى عالم " أحمد عبده" القصصي في مجموعته القصصية التي تحمل العنوان " رسائل مُشفرة""1", هذه المجموعة القصصية تتكون من اثنى عشرة قصة, يمكن وصفها بالقصيرة, ليس بسبب حجمها, أو عدد كلماتها فحسب, بل بسبب طابع التكثيف والمدى الزمني وحركة الشخصيات داخلها أيضاً, من ثم, فإن هذه السمات مما يليق ويتناغم مع عنوان المجموعة ومضامينها, التي أراد المؤلف وصفها بــ " الرسائل المشفرة"
وعنوان المجموعة يؤكد على أن قصصها ليست سوى "رسائل", والرسالة (أي رسالة) لابد أن تكون ثلاثية الأطراف: مُرسِل (المؤلف) ـــ صيغة أو مضمون نص لغوي هنا ـــ مستقبِل ( وتتحدد طبيعته هنا تبعاً لفهم الرسالة) ... لكن المؤلف أراد تحديد طبيعة الرسالة ــ عبر وصف رسائله بأنها" مشفرة", مُحيلاً بذلك إلى منهجه وأسلوبه في توجيه رسائله, منبهاً المتلقي المباشر كي يبذل جهداً ذهنياً مساوياً لما بذله المؤلف نفسه من أجل التوصل إلى صناعة هذه " الشفرة القصصية" ... وهنا أجاد الكاتب باختياره صيغة "التنكير" للموصوف وللصفة في العنوان, تعميقاً لسمة "المُطلقية" ( على المستوى اللغوي), وتجانساً مع مفاهيم/ "اللامباشرة" ,"الإحالة", "المجاز", "الرمزية", "المراوغة", اختصاراً مع مفهوم "الشفرة"
والشفرة (فيما أرى) هي رسالة (قد تكون لغوية أو دون ذلك), تتسم في ذاتها بالخصوصية والاختلاف عن المألوف والسائد المعرفي, وتكتسي بطابع"رمزي" يُحيل إلى "الغموض" بدرجات متفاوتة, ومن ثم فإنها (بالضرورة) تتطلب "التأويل" بأي شكل, من أجل إدراك معنى الرسالة ــ بشكل جزئي أو كلي.. الخلاصة أن "الشفرة" لعبة عقلية ذهنية تقع في مسافة ما, بين عقل" المُرسِل" وعقل " المُستقبِل", بحيث إن تأويلها يُنتج لنا عدداً من التأويلات والرؤى الموازية لرؤى المبدع صاحب الرسالة.
أما عن مضامين الرسائل المشفرة في المجموعة, فإنها تعد في مجموعها "ذات توجه أخلاقي إصلاحي", ينصب على الحالة (القومية) في أبعادها السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية, وتنتحي" منحىً نقدياً", يصل أحياناً إلى درجة "جلد الوعي الجمعي", وذلك دون أي نوع من "المباشرة", بل على العكس تماماً, حيث زاوجت الرسائل بين "الأخلاقي" ـــ من ناحية, وبين " الفني الجمالي" ـــ من ناحية أخرى..
***
ومن وجهة نظري الخاصة, يمكن تأويل رسائل المجموعة المشفرة كالتالي:
• (أقراص مدمجة) الغزو الأمبريالي والاختراق الثقافي للمنطقة العربية, في مقابل تردِّي أوضاع هذه المنطقة, بالسقوط في براثن الجهل والخرافة وتقديس الماضي.
• (رؤيا الكاهن) التمييز الديني والكراهية المجانية "على الهوية العقائية" داخل الواقع المصري بجناحيه: مسيحيين ومسلمين, وتوجسات كل طرف من الآخر, بما يشير إلى "رسالة تحذيرية", وإن كانت طرحت حلاً رومانسياً (على غرار أفلام الأبيض والأسود)
• (رؤوس الشياطين) تضافر قوى الإرهاب الداعشية وشبيهاتها, مع المشروع الإمبريالي الصهيو ـــ أمريكي, لتفكيك المنطقة والإجهاز عليها, من خلال عرض حالة سبايا المعسكرات الداعشية..
• (مزرعة الشيح) جماعات الإسلام السياسي وسطوتها على المنطقة, وتهديدها لحياة الناس ومصالحهم وابتزازهم, وتدمير المشاريع الإنمائية المستقبلية...
• (محكمة تفتيش) تركيز الخطاب الديني الإسلامي المعاصر, بالتفتيش في الضمائر والنوايا, وتقديم نموذج أحادي لفهم الدين, ورفض المعارضات التقدمية المستنيرة, ما أدى إلى بلبلة الناس...
• (جرعة من الداتورة) الخطاب الديني الرسمي " في مساجد الدولة", ومدى ترديه وضحالته واحتفائه بكل ما هو غيبي" الجنة والنار", ورمي معارضيه بالجهل أو الكفر, أيهما أقرب وحال المتلقين.
• ( فلسفة البنطلون المقطَّع) أثر المدنيات الحديثة في تغييب عقل الشباب المصري, الذي ينجرف وراء التقليد الأعمى للمظاهر الجوفاء لتلك المدنية, وانعكاساته على " تمزق الهوية".
• (متحف آثار) الوقوع في أسر الماضي والتحرك على خلفيته, من خلال وضع اجتماعي تمثله "غيرة زوجات الرجل الواحد" ( السابقة واللاحقة), والخلاص منه بوهم آخر( ممارسة اليوجا), في إشارة إلى أن الحضور والغياب ليسا بالجسد بل بالروح..
• (الله والمرأة) جنون الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي التي تتسم بــ "العبثية الشديدة" وهي التكنولوجيا التي بقدر ما أغنت صانعيها, بقدر ما أفقرت مستهلكيها في الدول المتخلفة وأضاعت رشدهم, ومن قبلها "هوياتهم الأخلاقية".
• ثلاثية ( معالجة جانبية للفتنة) الحق أن هذه الثلاثية هي أكثر قصص المجموعة " تجريداً وغموضاً ", فإن كان ظاهرها بسيطاً يتناول مفهوم "الجمال والفتنة" بين بعديهما: المادي الحسي المؤدي للشهوة, والبعد الروحي المطلق (مع إيماءات غامضة عن حياة القصور), فالمعالجة "اليمنى واليسرى" تشير إلى إعجاب بطلة القصة بجمال شخص ما, مما أغضب زوجها, فما كان منها إلا أن أسقطت الحالة على قصة "يوسف" ( القرآنية والتوراتية) باعتبارها نموذجاً للجمال والفتنة والغواية, أما المعالجة (من الداخل) فتومئ بشكل ـــ ربما يكون مباشراً ــ إلى مفهوم "الحرية والحبس في قفص ذهبي", غير أني لم أتمكن من إيجاد الرابط بينها وبين المعالجتين الأوليين, وأنا أدرك تماماً أن الأمر يتطلب عمقاً تأويلياً أكبر, لكني لا أملكه حالياً!
وإن كانت هذه هي مضامين رسائل "أحمد عبده" التحذيرية, فالأهم ــ في نظري ــ هو السؤال عن الأداء الفني, أي "الخطاب السردي", والوسائل الفنية لطرحه!
في مجموعة "رسائل مشفرة " تتأكد العلاقة التناغمية المنسجمة بين كل من (القصةstory ) و (الخطاب Discourse)
فلأن المؤلف كان مهموماً بإرسال رسائل أخلاقية قيمية مثالية, فقد اهتم بهذا النوع من الخطاب على حساب " القيم الجمالية", والتي لم يغفلها أبداً, لكنه راعى مسألة "الأولويات" وهذا بالطبع فيما أظنه.
وكان من الطبيعي ــ تأسيساً على هذا, أن يكتسي الخطاب السردي في المجموعة بطابع " تجريدي Abstract "2", أكثر من كونه "تشخيصياً" personilicated" مما يلائم طبيعة التشفير" Encoding" و" الترميز symbolizing" . إذن فقد فرض "المضمون" نفسه على (التشكيل), وهو مايوجب التساؤل: هل كان بإمكان أحمد عبده اللجوء إلى التجسيد بديلا عن "التجريد" في ظل هدفه الأخلاقي؟
لكن بعيدا عن محاولة الإجابة , فإن المبدع وحده هو من يملك" تشكيل رؤياه" بما يناسبه, في ظل مفاهيم" الاختيار والانزياح والمفارقة" "3", التي تقرها الأسلوبية الحديثة.
وأكثر ما يتجلى الخطاب السردي في المجموعة, في عدة ظواهر سردية أهمها مايلي:

أولا: الصيغ السردية "الضمائر"
: إن اختيار الصيغ السردية في أي عمل أدبي يخضع بالضرورة لرؤية الكاتب, كما يخضع لتقييم مدى ملاءمتها للعمل الأدبي ــ من قبل النقاد, وذلك فيما يتعلق بــ" المنظور", و"الصوت", الذين يقدم من خلالهما العمل السردي بصفة خاصة, وما يتعلق بــ " المسافة" بين كل من : المؤلف والراوي الخفي والراوي الشخصية والشخوص القصصية الأخرى.
وفي "رسائل مشفرة" لم يلجأ أحمد عبده إلى استخدام ضمير "المتكلم" بصيغته: أنا ونحن, سوى في بعض الحواريات في القصص الثلاث الأخيرة, على ألسنة الشخصيات... كما استخدم ضمير" المخاطب" في قصة (محكمة تفتيش) ــ متقمصا شخصية بطل القصة ومتماهيا معها, عدا ذلك, فيبدو أن الكاتب قد آنس رشدا في ضمير الغائب, الذي أحدث مسافة واضحة بينه وبين وكيله السردي " الراوي الخفي", مسافة مطلوبة تتسق مع حالة " التجريد" التي ارتضاها لمعظم قصصه, تجانسا بين: الخفاء والرمزية والمجهولية.

ثانيا: الشخصيات بين " القصصي" و " فن السلويت":
كلما كانت الشخصية القصصية "مجسدة/ مُشخصة" كلما كانت قابلة للخصوبة والثراء والدينامية, وتعدد الأوجه, خاصة فيما يتعلق بالشخصيات الرئيسية, وهذا ينعكس ــ بالضرورة ــ على حركة الشخصيات والأحداث, وعلى تعقيدات وحلول الحبكة.
أما عندما تصبح الشخصية " بيضاء" أو" مسطحة" فإن هذا يعد أمرا من اثنين: فإما أن هذا قصور من الكاتب ــ في أدائه ـــ وعدم تمكنه من رسم الشخصية وتصويرها, بالتالي فإنها تجيء " باهتة", أو أن المؤلف يكون واعيا بما يفعل تماما, وأن هذا أحد انحيازاته أو انزياحاته السردية, وأظن أن هذا ماحدث هنا!
فلأن أحمد عبده قد راهن من البداية على " تجريد" رسائله و "ترميزها", فإنه بخبراته السردية الكبيرة اتسق مع الهدف والأداء, وصبغ قصصه بنفس السمات التجريدية المطلقة, بحيث تصلح لأي زمان أو مكان, أو حتى لإناطتها بأي أدوار أخرى, فيما يشبه "تنميط الشخصية", إلى حد ما. بالتالي جاءت الشخصيات شبيهة تماما بنوع آخر من الفنون التشكيلية هو فن" السلويت silhouette" , أو "الصورة الظلية", والتي تعتمد على استعمال اللون الأسود على خلفية بيضاء لإظهار الحدود الخارجية للشكل, وهو مايطلق عليه أيضا " التصوير التضادي", لأنه يُنفذ بصورة عكسية للإضاءة "4"
فشخصيات المجموعة (في غالبيتها) جاءت بهيأة قوالب مصمتة تخلو من الملامح الجسدية أو النفسية أو المعرفية, التي تخص شخصية بعينها, بحيث يخضع ملء فجواتها ومساحاتها البيضاء " واللون هنا ليس مقصودا بذاته", لخيال المتلقي ــ كل منهم على حدة, وتبقى الشخصية في ذاتها رموزا أو شفرات معروضة لمن يمكنه التأويل.
وعلى عكس ما قد يراه أي ناقد غير مستبصر ــ من أن هذا النمط من الشخصيات يعد مأخذا نقديا يخص سطحية شخصيات المجموعة, فإني أرى أن مسلك أحمد عبده بهذه الطريقة, هو ما حقق عبقرية رسم الشخصيات, بإدراكه مسألة التوازن والأولويات في لعبة السرد ــ بين الهدف والمضمون من ناحية, وبين التشكيل وعناصر السرد المختلفة من ناحية أخرى.
ويمكن أن نحظى بشيء من اليقين حول هذا المنحى, إن حاولنا اختزال كل شخصية من شخصيات المجموعة في " رمز" محدد بشكل تأويلي, اختزالا يمكن اعتباره ردا " شفريا" على شفرات أحمد عبده والعين بالعين!
• أقراص مُدمجة: الراوي الخفي: الدهشة والسؤال لايكفيان للحماية !
عبد الصبور: هذا هو حال العارفين !
• رؤيا الكاهن : كميل: ضحك عليك أحمد عبده باسم المساواة !
مصطفي: هل تذكر أحداث الزاوية الحمراء؟
• رؤوس الشياطين: لكل المتأسلمين: إن الله يكره الأغبياء والعملاء !
• مزرعة الشيح: لكل من: وردة وزهرة وسوسن وياسمين: ليس الورد, بل الحنطة, هي الأصوب للحيطة !
• محكمة تفتيش: المجادل: خطؤك الأكبرأنك لم تتذكر( جاليليو) و( الحلاج) و( نصر أبو زيد)
• جرعة الداتورة: خطيب الجمعة هنيئا لك بصكوك الغفران, مؤكد كنت تطمح أن تكون خطيبا لمسجد السيدة زينب!
المجادل: لاتجادل يا أخ علي, رغم أني لا أعرف اسمك!
المصلون: نوم العوافي !!
• فلسفة البنطلون المقطع: بطل القصة: هل تعلم أن قصة " بنك punk " كانت للشواذ في الغرب؟!
• متحف آثار: شيرين: النار تأكل نفسها إن لم تجد ماتأكله! كان نفسي أتعرف تفاصيل جسدك!
آثار: شاطرة يابنت! أحيانا نجد في الغياب حضورا أقوى وأجمل!
ـــ الله والمرأة: سماح: مضغ اللبان أحيانا يقوي عضلات الفك, ومؤكد مضغ سيرة الناس طريق للجحيم !
ـــ معالجة جانبية للفتنة: كل الشخوص: لاتهنوا ولاتحزنوا, فقد أستطيع قراءتكم فيما بعد!
***
كان ماسبق مجرد " إطلالة" على مجموعة" رسائل مشفرة, إطلالة ــ في ظني لا تسمن ولاتغني من جوع, تبعا لما دأبت عليه في إنجازي للدراسات النقدية, لذا, وحتى أقنع وأُقنع, أقدم فيما يلي: عرضا تحليليا وقراءة متعمقة إلى حد ما, للقصتين الأوليين في المجموعة " أقراص مدمجة / رؤيا الكاهن", فقط سأغير الترتيب تبعا لمَ أظنه فيهما من عمق في التناول.
قراءة في قصة رؤيا الكاهن: (هل يجمعنا طبق الفول, ويفرقنا طبق العقيدة) ؟!, بلاقفاز, وبيد خشنة قوية, يمد أحمد عبده أصابعه عميقا (داخل جرح قديم جديد متجدد؛ جرح قشرته الظاهرية رقيقة هشة) شأنه شأن النار الكامنة تحت سطح مترمد, يقوم بنكئه كي يُشفى"ولكن هيهات"!
إنه جرح العلاقة بين أصحاب الديانات المختلفة في الواقع المصري "وربما العربي كله" , والذي يمارس أفراده الحب والكراهية تبعا للهوية الدينية, فعبر عقود كثيرة كانت ثمة محاولات لإخفاء جرح التعصب الديني, أو حتى تجميله بطرق شتى " على الأقل منذ ثورة 1919, وحتى 1972 تقريبا. عندما أعلن "الرئيس المؤمن" انحيازاته السافرة إلى جانب (الزبيبة والعباءة والسمت الديني) ناهيك عن تبنيه لحركات الإسلام السياسي الإرهابية ــ في مواجهة الشيوعيين والناصريين زعما, وفي مواجهة المجتمع المصري بمسلميه ومسيحييه فعلا, وبالطبع لاننسى أحداث الزاوية الحمراء "5"
عموما, وبعيدا عن التنظير السياسي وتداعيات التاريخ, فإن أحمد عبده يعالج المشكلة معالجة قصصية سردية لطيفة, من خلال مونولوج أحادي, بصوت كميل, بطل القصة الذي تلعب برأسه الهواجس حول هذه العلاقة, بسبب موقف بسيط بالفعل, لكنه فجر شكوكا ضخمة, اضطر معه إلى عقد مقارنات بين دلالة هذا الموقف, ودلالات الكثير من المواقف النقيضة, فقد كان ينتظر (على أحر من الجمر) البث المباشر للقداس المزمع إذاعته في التليفزيون, ليقدم فيه" بابا الفاتيكان" موعظة ثم رسالة تلقاها في الرؤيا من السيد المسيح, موجهةً لزعماء العالم المسيحي, إذن ما المشكلة؟
تكمن في اختفاء الريموت كنترول الذي يقلب بين القنوات, فكيف يصل إلى القناة المطلوبة, وقد ترك مصطفى ــ زميله في غرفة المدينة الجامعية التليفزيون على "قناة المجد للقرآن الكريم", كعادته اليومية قبل النوم, لقد اختفى الريموت واختفى مصطفى هو الآخر, هنا تنفتح قناة أخرى للشكوك, ينساق داخلها رغما عنه, غير قادر على تخطي هواجسه, مقارنا بين الوضع المثالي للتسامح الديني, وللتعايش, الذي أقرته إدارة المدينة الجامعية, بتعليماتها الصارمة, ومن قبل أقره الواقع الاجتماعي المفترض نفسه عن طريق الكثير من الشواهد والأدلة العملية, وذلك في مواجهة الوضع الشاذ الاستثنائي الذي أحدثه مصطفى, والذي ترجح الشواهد المنطقية أنه كان عمديا.
ومن هنا جاء جدل كميل : " أنا ومصطفى فولة مقسومة نصفين, الكيمياء متوائمة خارج اعتبارات العقيدة, لا أطيق غيابه ولا هو يطيق فراقي, حتى إذا جئنا للمسألة الدينية, والتي هي كاللعاب في حلوقنا, إن جفت نرويها, وإن ارتوت نلوكها, لولا تحذيرات المدينة الجامعية, تجد كلا منا ربما لايستطيع كتمان تبرمه أو ملله من رفيقه, وقد أقول اشمئزازه" ص23ــ 24
في هذا السياق الاسترجاعي, يُبرز كميل دور إدارة المدينة الجامعية (كشريحة لدور الدولة, وللوضع الطبيعي السوي, انطلاقا من مسئولياتها) عندما تكرس لعملية الصهر والامتزاج بين أفراد هذا المجتمع الصغير "المدينة الجامعية", بلا مواعظ ولا إرشاد, بل بطريقة عملية ممنهجة؛ حتى تقتل مظاهر التبرم والملل ومشاعر الاستعلاء, مما يسمى التعصب الديني ص 24, حيث لجأت قدر الإمكان إلى تسكين أصحاب الأسماء ذات المرجعيات الدينية المختلفة" محمد ومشتقاته ومصطفى" و " لوقا ومينا ورمسيس" معا, لكنها أحيانا كانت تفشل في ذلك ص 25, ويستمر كميل في توجسه وهواجسه وشكوكه, إلى جانب حيرته فيما ينبغي عليه فعله, بل إنه حاول إيجاد حل فني لتجاوز الأزمة, يمكنه تحقيق الغرض المطلوب, فيفشل, ولأن الأمر معقد جدا قرر أحمد عبده أن يتدخل بنفسه وينهي المأزق الذي أوقع نفسه فيه, فلجأ إلى مفارقة تصادفية قدرية, لاتنتمي لواقع الحياة ولا لواقع القصة, واصطنع منها حلا تأسس في الأصل على أمنية خيالية من قبل المؤلف, فقد تفاجأ كميل بأن قناة " المجد للقرآن الكريم " تقطع إرسالها والمذيع ينوه عن نقل مراسم القداس من الفاتيكان على الهواء مباشرة بعد قليل ص28
هكذا نغادر القصة ونحن لانعرف يقينا أو تخمينا, هل كانت " الكرامة " من أجل كميل ودعواته فاستجاب له المسيح, أم من أجل أحمد عبده الرومانسي الحالم!
قراءة في قصة أقراص مدمجة:
( يبدو أن الغربان اختزلت قرى العالم في قريتنا, اختارتها هي بالتحديد)
لايمنحنا العنوان شفرة معينة, بل إنه يحرضنا على التسلل خفية وبحذر, محملين بهواجس تأسست على عنوان المجموعة بكاملها ( رسائل مشفرة) ومع أول ست كلمات تتبدى ثمة محاولة طفيفة للتشفير عبر لعبة " اللغة والزمن", فصوت الراوي يصف ليل القرية وصفا تشبيهيا " كطرحة أمي", لكنه وصف جاء مقيدا بحد زمني" يوم جنازتي" !!, هذا هو مناط التشفير هنا: خرق قواعد الزمن المفترض للحدث( إذ كيف يتحدث الراوي عن وضع مستحيل واقعيا وزمنيا: التكلم بعد موته؟, سواء أكانت الحادثة (من الناحية الزمنية) وقعت على سبيل التداعي, أو سوف تقع على سبيل الاستباق, فليس للترتيب معنى هنا, لكننا في النهاية إزاء أدب يتلمس الخيال فيما يقص ص7: 1 ــ 5
يلي ذلك محاولة أخرى للتشفير تتأسس على حدث يبدو اعتياديا لأول وهلة: انقطاع الكهرباء متضافرا مع غروب القمر, ليقدم لنا هذا الجو "علة مبدئية", يمكنها تبرير " المعلول" المتجسد في الخوف الإنساني الغريزي من الظلام, وما يصاحبه (في ذلك الوعي الإنساني) من أوهام وخيالات " كائنات تهب على القرية", هنا يتجسد المعلول الحقيقي "كائنات", لفظة مجردة نكرة ألقى بها الراوي على سبيل افتتاح الحدث "مبتدأ" ثم مثيرا فضولنا وتشوقنا, يؤجل إتمام الكلام " الخبر" قاطعا بينه وبين المبتدأ بجملة اعتراضية قوامها " 17 كلمة", " في غموض وضبابية الأحلام والكوابيس, كأنها السر الغامض الذي يلخص الرهبة من العفاريت, كأنها البذرة الأولى للخوف", ثم يُتبع ذلك بـ " الخبر" " تهب على القرية موجة وراء أخرى", إنه المعلول الذي يحرض على البحث عن العلة/ السر, وما يصاحبها من احتمالات لتأويلات مختلفة لفك الشفرة ص7 من 6ـ 12

بين المألوف والغامض ــ تمهيدا للتأويل:
هكذا يأخذنا أحمد عبده بأيدينا ويضعنا على أولى عتبات شفرة النص الحقيقية, كي نندهش ونتساءل مع الراوي ومع عبد الصبور وسعدية, عن كنه هذه الكائنات الغامضة, والتي لاتشبه أصواتها أصوات كائناتنا الأليفة : المعتاد / في مقابل الغامض, تجسيدا لمعنى الشفرة, الأمر الذي يفضي بكل المؤولين " المتلقي, أنا, الراوي, بعض الشخوص", إلى أمرين: أولهما المقارنة بين ما هو مألوف وما هو غامض, والثاني: محاولة استكناه ماهية ذلك الغامض عبر نظرية الاحتمالات مع انضفار كلا الأمرين وتشابكهما معا, حيث يأتي الاستكناه عبر المقارنة.
وتأسيسا على قاعدة "بأضدادها تتمايز الأشياء", تأتي المقارنة بين المألوف ممثلا في ناس القرية ببعدهم البشري, الضعف الخوف من المجهول, منضما إليهم مألوف آخر مثلا في النوع الحيواني, بشقيه الأليف المستأنس" الذي نعرفه من أصواته الاصطلاحية في اللغة: نعيق, نباح, مواء, نعير, صهيل, نهيق, أو بأسماء جنسه: عصافير, هداهد, حمامات, كلاب, قطط, أرانب"وشقه الآخر" البري المفترس "الوطاويط, الغربان, النسور, البوم, الصقور, الثعابين, الفئران, القنافذ, الأسود, الفهود, الذئاب"
كل هذا في مواجهة: غير المألوف/ الغامض/ غير المجسد إلا من خلال التوهم مجسدا في تلك الكائنات الغامضة غير المرئية, التي هيأتها بشكل لعتمة ورهبة الكهوف وعلى أجناب الجبانات, ص 8, مرتبطة بكائنات أخرى أقل غموضا, وإن لم تكن لها هيئة ما, سوى في اللاوعي الإنساني, ممثلة في العفاريت والنداهة وأبو رجل مسلوخة والغيلان, وكل ما تضمنته حواديت الجدات, وتنتهي هذه المقارنة لصالح مقولة " إن العدو الحقيقي للإنسان هو الخوف"
إذن ماذا عن التأويل ونظرية الاحتمالات؟
بينما تغرق تلك القرية الكونية في مواجهة هجوم الكائنات المرعبة, بكاء الأطفال وصراخ النسوة وابتهالات ضعاف القلوب من الرجال, فإنه لم يتصدَ لهذا الزحف سوى ثلاثة أشخاص, هم من حاولوا فك الشفرة, متسلحين بالتماسك والوعي, بدرجات متفاوتة: الراوي وعبد الصبور وزوجته سعدية.
ولئن كان دور سعدية ضئيلا جدا, تجسد في مجرد حدث كلامي بسيط, سؤال وتعجب, من ناحية, وفي التلقي الصامت لكل مايقول زوجها دون لجج, إلا أن دورها كان فاعلا, كونه استنفر القدرات المعرفية لزوجها, خالقا مبررا سرديا, لتأويل تلك الأحداث الغامضة في جزء مهم من القصة.
وباستثناء سعدية, اصطفى أحمد عبده من كل تلك القرية شخصين فقط, ليمارسا معنا لعبة الخفاء والتجلي, وتقسيم الأدوار, هما الراوي وعبد الصبور, فهما اقتسما معا مساحة السرد, وهدفا معا إلى محاولة فك شفرة المجهول والغامض والسري فيها, مع تباين بسيط في طبيعة الأداء بين كليهما, وكأن كلا منهما استمع للمؤلف ووعى حدود دوره السردي المنوط به. وربما يمكننا أحيانا تمييز صوت الراوي من صوت عبد الصبور, لكن هناك مساحات يشتبك فيها الصوتان ويتداخلان في صوت واحد يصعب تمييزنسبته لأي منهما, لكن لابأس, فالهدف في النهاية هو التأويل وفك الشفرة.
ـــ صوت الراوي: يستخدم الراوي في عرض القصة عدة تقنيات سردية/ لغوية تلخص في مجملها مسألة السعي نحو تأويل غموض الرسالة/ الشفرة, بما يعكس عملية الجدل, الديالكتيك, خاصة الجدل الهيجلي, بمراحله الثلاث: الطريحة, النقيضة, الجميعة 6, هذه التقنيات لم يعرضها الراوي بشكل منعزل, كل منها يستقل بمساحة سردية ما, بل إنها جميعا تداخلات في بعضها البعض, مقدمة تشكيلة فسيفسائية متجانسة على نحو ما, وكان من أبرز هذه التقنيات مايلي:
1 الوصف التقريري: وهو الأسلوب الأساس, حيث وصف أحداث هجوم الكائنات الغازية بأسلوب مشوق استنفر خيال المتلقي ( أجنحتها تشرخ الحارة, ماسحة بحر أرضيتها بريش أجنحتها الطويل والغليظ, ص8, كل أربعة أو خمسة منها اختارت لها نافذة من نوافذ البيوت وراحت تنقر في زجاجها أو خشبها ص 8,9 ) ورغم أننا لايمكننا أن نتساءل: كيف يرى الراوي طول الأجنحة وغلظها في ذلك الظلام الدامس؟, وأنه كان بإمكانه أن يعبر عن حركة هذه الكائنات بالحاسة السمعية مع التمثيل, رغم ذلك فهذا الوصف يذكرنا قليلا فيلم الطيور the Birds للعظيم ألفريد هتشكوك, مع اختلاف المقام.
2 الوصف التقريبي التشبيهي: ولأننا إزاء كائنات غامضة, إضافة إلى حالة الظلام المطبق, يلجأ الراوي إلى استخدام الوصف التقريبي التشبيهي, باستخدام أدوات التشبيه اللغوية, كي يقرب للأزهان صورة الرعب كما يراه بخياله, وذلك بالمماثلة التقريبة بين " غموض صورة الكائنات, وبين أشياء اعتيادية تمثل أقرب صورة لها, مستخدما في ذلك القياس التمثيلي, وهنا تكثر التشبيهات " كوطاويط قمت بنخس جحرها 000, كأنها جاءت لتكنسها من الحصى 0000 كسرب من الطائرات تصنع مناورة 000 كأنها تقوم بعملية مسح جيولوجي 000 كانت كسرب العصافير000 ص8, كأنها تنقر على سطح من الصاج, وكأن هناك علاقة مدبرة بين إغارة هذه الكائنات وبين الكهرباء ص9, كأنها أدت دورا ص10
3 البعد الافتراضي الاحتمالي: من الطبيعي في التأويل أن يرافق الوصف التقريبي نوع من الافتراض, أو الاحتمال, والذي يناقض اليقين والقطع بالضرورة, ومن الناحية اللغوية استخدم نص القصة أسلوبين: إما المراوحة بين أمرين, أو الأداة ربما التي تفيد الاحتمال, غير أنه قبل عرض الشواهد النصية, يجدر التنويه إلى أن استخدام هذه التقنيات في القصة, جاء بعضها على لسان الراوي نفسه, وبعضها الأخر مشتبه, يمكن نسبته إلى الراوي أو لشخصية عبد الصبور بنفس القدر" إن كانت زجاجا ص8, أو كانت خشبا ص9, أو ربما أوحت لها تلك الكائنات ص10, وربما التخمين جاء من سواد الأجنحة ص11, تنقر على الزجاج ربما تظنه عيون قتلى ص 14, وربما جاءت لكي تقيم جنازات لقتلى العصر الحديث ص15
4 طرح السؤال بشكل مباشر: وذلك باستخدام صيغ أسئلة عن: تقرير الحالة( هل, ألف الاستفهام), أو عن السببية, ويمتد إلى هنا نفس الحال السابق فيما يخص اشتباه الصوت ( فلماذا جاءت هذه الكائنات الغامضة؟ ص8), فهل تواطأ معها الظلام واستدعاها؟ ص 9, فلماذا يرافق العفريت زميله في حارة 000؟ ص13
5 تقنية التنبيه والتحذير: أي تخدير المتلقي من الوقوع في شراك استباق المعرفة أو التأويل المتعجل للحدث, علاوة على تقديم إضافة معرفية تصحيحية للمتلقي, فصاحب التحذير( سواء أكان الراوي, أو من يشتبه في صوته), هو من يملك التأويل وحده ( إياك أن تتسرع في الحكم, بتخمين رائحة اللحظات الأولى للخطر والخوف ص7, لايغرنك أنها كانت تصيح في لحظات هجومها000, فلاتتسرع في الحكم بمشاعر الفكرة الموروثة ص11
ـــ صوت عبد الصبور: وإذا كان الراوي قد احتفى بالتقنيات سالفة الذكر, فإن عبد الصبور لم يلجأ إلى مثل هذه التقنيات, بما يعكس ربما درجة أكبر وأعلى من الوعي, فعبد الصبورمثلا لم يلجأ إلى الأسئلة الاستفهامية إلا عندما تتخطى الظواهر الغريبة حدود فهمه ومعرفته, ومع هذا فهو لم يستسلم لحالة الغموض, بل حاول الربط الفكري وتحليل حركة اللامرئي, لفك شفرة ذلك الغموض ( لكن لماذا تنقر هذه الغربان على الزجاج هكذا؟, لو كانت في هيأة المنشار المشرشط لشقت الزجاج شرائح, هل تلتقط من الزجاج أشياء لانراها؟, أم تنقش حروفا سوف تحتاج لإبرة مغناطيسية على جرامافون لتقرأها؟, هل تريد توصيل رسالة ما إلى أهل القرية, ولن تصل رسالتها إلا في الليل؟, لكنها ستأخذ من الزجاج ما يأخذه الريح من البلاط, وأيضا العفاريت لاتأتي برسائل, العفاريت تباغت, الملائكة فقط هي التي تأتي بالرسائل! ص14
هكذا يتبدى من نوعية الأسئلة حجم الظواهر العصية على الفهم, لكن عبد الصبور ـــ لاحظ دلالة الاسم ــ يحاول بمبدأ "العلية" استعراض معارفه بقدر ثقافته, تأكيدا عن ثقافة الغربان/ الغزاة, محاولا عقد مناظرة جدلية عقلية لمجابهة تلك الأسئلة الصعبة, لاجئا أحيانا إلى المقارنات بين الظواهر( العفاريت والملائكة مثلا) للوصول إلى إجابات مقنعة0
لم يقنط عبد الصبور في مواجهة الشفرة الغامضة, بل واصل بدأب, مُقلِّبا الأمرعلى وجوه احتمالية عديدة, محاولا ترجيح سبب معين لاختيار الغربان لقريته تحديدا, مستندا على سوابق شاهدة على فعلها الآثم ـــ بين القديم والحديث من الزمن, من هابيل مرورا بعبد المنعم رياض وإبراهيم الرفاعي, وصولا إلى معاذ الكساسبة, وجورج فلويد ص8, ولم ينس عبد الصبور الإحالة إلى إحدى الجرائم الكبرى في التاريخ الإجرامي للغربان" فيرث كورونا ــ كوفيد 19 ", كما لم ينس أيضا أن ينعي على أهل قريته التزامهم بالجهل والخرافات ــ دلالة الرقم 13 , ص14/ 15
لقد فضل عبد الصبور أن يكون صوته داخليا وحديثه مونولوجيا, لأنهم في النهاية لن يفهموا مايقول, فتنحى عن ذلك العبث وتحمل وحده عبء المقاومة, لأنه أدرك اللعبة الشرقية وثقافة البطل الفرد, فأهل قريته لن يزيدوا شيئا على استمرار التشاؤم واستئناس الوهم ص14
وربما لكل هذه الأسباب التي تسلح بها عبد الصبور في مواجهة الغزو الغامض ( الوعي وتفعيل الملكات العقلية والذهنية: الحدس, والقياس والاستنباط, إضافة إلى الشجاعة والنضال, لكل هذا استحق عبد الصبور أن يكون قاهر الغموض, عندما يجبر الكائنات الغازية على البوح بسر شفرتها التي هي مكمن قوة الغزاة, وهي الشفرة التي ـــ رغم كل هذا ـــ ظلت تتطلب قدرا من التأويل الإضافي, فالحرب لم تنتهِ بعد!
إن قصة أقراص مدمجة تأسيسا على عذابات التأويل بشكل لايقيني, وبما أنها أولى الرسائل المشفرة التي تحمل المجموعة عنوانها, يمكن القول إنها تحفل ببعض الكلمات المفتاحية التي ربما تساعد قليلا في محاولة حل شفرتها, من وجهة نظر ما, هذه الكلمات المفتاحية تأتي بمثابة ما يطلق عليه في علم النفس فلتات اللسان, التي صدرت من أحمد عبده, والتي من خلالها يمكن السعي لتقديم رؤية تأويلية محتملة, قدر الإمكان, فالقصة تنصب على صراع بين طرفين غير متكافئين, الطرف الأول: غزاة مجهولو الهوية, مسلحون بإمكانات علمية هائلة, يهاجمون قرية ما, يؤازرهم الظلام , ومن قبل ذلك متسلحون برغبة انتقامية قد تبدو أزلية, والطرف الثاني: قرية آمنة مطمئنة مؤتنسة بجهلها وخرافاتها, لكنها تحمل إرثا حضاريا قديما ظلت تعيش على ذكراه حتى تلاشى.
إذن هو صراع أو صدام حضاري أشار إليه صمويل هنتنجتون في مقولته صدام الحضارات, ص9, وأكمله فرنسيس فوكوياما بمقولته عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير ص10
لقد تضمنت الكلمات المفتاحية عبر لغة رمزية إحالية, وصف حال الصدام ووصف ما يتحلى به كل طرف من أطرافه من سمات فارقة له عن الآخر.
فالغزاة هم القوى الإمبريالية التي تشن تشكيلة من الحروب المتطورة باستمرار, وبها تهدف إلى تحويل العالم إلى قرية كونية, يسهل التحكم فيها, وتسليع البشر والقيم وتحويلهم إلى كائنات هشة مسلوبة الوعي والقدرة لخدمة مصالحهم, ولم تقتصر أدوات هذه القوى على التجسس التكنولوجي والحروب الالكترونية" الأقراص المدمجة", والحروب البيولوجية والجرثومية, والتجويع والحصار.
ويمكن التدقيق في هذه التعبيرات المفتاحية:
ـــ الكائنات الغازية ص7 المسح الجيولوجي والتصوير الجوي لباطن البيوت ص8, العلاقة المدبرة بين الإغارة وأفول القمر وانقطاع الكهرباء تمهيدا للغزو= نظرية المؤامرة ص9, الهجوم ليس جماعيا, بل في صورة الذئاب المنفردة " الحروب التقليدية والالكترونية" تتسلل وتظهر وتختفي فجأة0
ـــ القرية المغزوة: هي كل بلد في العالم لاتملك قُوتها ولا إرادتها ولا وعيها ولاعلما يحميها, دول العالم الثالث نموذجا, والمنطةالعربية, مصر بالتحديد, القرية التي تظل طول الوقت تعتصر تاريخها القديم, تقتات على الوهم والتخلف, وتستمرئ الخرافة, وتعيش على الكلام, لاحظ الكلمات المفتاحية الآتية:
ـــ ينقر على أزرار مفاتيح الآلة الكاتبة التي كنا نكتب عليها أيام زمان ص9, حبات المسابح تضيئ لهم ص9, الكلاب تحت النوافذ المقهورة ص9, الفأل الموروث عن النعيق المترسب في الخيال والحكم بمشاعر الفكرة الموروثة ص11, فششنا عائمة من السعادة ص12, يهشون مالايرون ص12, إزاحة الطاقية الصوف عن رأسه = امتهان الكرامة ص12, العفاريت توأم الليل, أو قل توأم الظلام, العفاريت هي الطرف الثالث = الليل, أو قل توأم الظلام, العفاريت هي الطرف الثالث = نظرية المؤامرة ص12, العفاريت لاتتلبس سوى بالضعيف ص13, استمراء التشاؤم واستئناس الوهم ص 14
يتبقى بعد ذلك الرمزان الأهم في عملية التشفير التي قدمتها لنا قصة" أقراص مدمجة", واللذان يخيرهما أحمد عبده لتجسيد القوتين المتصارعتين, وهما رمز الغراب في إحالة للقوى الإمبريالية الغازية, في مقابل أبو قردان للإحالة إلى القرية الضعيفة المغزوة
أولا: الغراب:
تتسم الغربان في الثقافة الإنسانية, وفي المأثورات الشعبية " في الغالب" بأبعاد متعددة متناقضة أحيانا, ففي النصوص المقدسة مثلا, تبدو الغربان على أنها تمتلك قدرا من المعرفة: ففي سورة المائدة الآية 31 كان الغراب هو من علم الإنسان القاتل كيفية الدفن, وفي أسفار العهد القديم يبدو الغراب على أنه رسول بعثه نوح بعد انتهاء الطوفان, ليستطلع أمر الأرض هل جفت أم لا, تكوين 8/ 9, وتتأكد نفس الفكرة في سفر الملوك الأول 17: 2 ــ 7, عندما يرسل الإله عددا من الغربان كي تتولى إعالة النبي إيلياء طوال سنوات الجفاف, فكانت تأتي له بالخبز واللحم صباحا ومساء, وانطلاقا من هنا, أو قل قبل ذلك ــ اكتسبت الغربان عدة تصورات شعبية حول سماتها: فالغراب له قدرة على التنبؤ كما أنه شديد الحذر, ومن الغربان نوع يسمى الأورق يمكنه أن يحكي كل ما سمعه ( لاحظ صورة الببغاء هنا!), ومنها نوع يسمى الأبقع, وهو كثيرالمعرفة, لذا لم يكن غريبا أن تعتقد بعض الشعوب أن الغراب هو رسول الآلهة, وأنه أحيانا يتصرف كدليل أو مرشد يقود الناس إلى المدن, وأن له ثمة علاقة بالماء , من ناحية, وبالعواصف والمطر من ناحية ثانية ص11
يضاف لكل ماسبق الصورة المألوفة النقيضة للغراب على أنه آكل الرمم والجيف, وله علاقة وثيقة بالدفن, ومن ثم بالموت, علاوة على صورته المألوفة في الوعي الشعبي باعتباره سارقا ولصا
من هنا كان أحمد عبده موفقا في اختياره الغراب, ليكون رمزا لقوى الدمار الغازية التي تهدد القرية, لذا فإني أميل إلى تأويل هذا الرمز القصصي هنا بأنه يحيل إلى إسرائيل وأمريكا تحديدا, حيث أنهما يشبهان الغربان, من ناحية كونهما يعيشان على السطو والغزو, وترتبط صورتهما الذهنية بالشؤم والموت, علاوة على أنهما في أصليهما: التاريخي والحضاري يمثلان جماعات اللصوص التي كانت تغير على مدن الشرق الأدنى القديم, ذات الأصول الحضارية, وتنهب خيراتها( وهو المعنى التاريخي للفظة عبرانيين), كما يمثلان جماعات الخارجين على القانون والمساجين التي تخلصت منهم أوربا, بإرسالهم لاستكشاف الأرض الجديدة المجهولة" أمريكا", فتخلصوا هم من أصحاب الأرض الأصلاء( الهنود الحمر" وأسسوا دولة دستورها" العنف والدم والاغتصاب"
ثانيا: أبو قردان:
يعد أبو قردان رمزا حضاريا يحمل خصوصية تومئ إلى الحضارات الزراعية, خاصة الحضارة المصرية, حيث إنه لايزال يحمل اسم صديق الفلاح, وبما أن الزراعة تعد الثورة الثانية في تاريخ البشرية بعد اكتشاف النار, فإنها دائما ماترمز إلى قوى الخير والخصوبة والنماء, إضافة إلى ارتباطها الوثيق بالحضارة, حتى أن اسمها في معظم اللغات الأوروبية يعني حرفيا "تهذيب الأرض", (Agriculture ), وهو مصطلح مركب, شقه الثاني هو لفظ (culture ), وهو يعني ثقافة/ حضارة, في بعدها الفكري الوجداني الروحي, وليس في بعدها المادي الذي يسمى civilization), أي المدنية. وعلاوة على ذلك فإن أبا قردان الكائن / الطير, الرمز نفسه, يحمل في ذاته أصالة رمزية قديمة, تتجلى في كونه أحد تجليات نوع مميز من الطيور, عرفه المصريون القدماء باسم" إبيس" أو أبو منجل, وقدسوه, بل واعتبروه رمزا للإله, جحوتي " dJhoty", المشهور باسم " تحوت thot, أو " توت", الذي كان إلها للقمر وللحكمة وللطب, وكني "سيد الكلمة المقدسة" على اعتبار أنه نسب إليه اختراع فن الكتابة ص12
وهنا تتجلى أهمية وعي أحمد عبده وتدقيقه في صناعة رموزه بما يلائم الوضع الحقيقي للمرموز إليه, فبعيدا عن المسألة الشوفينية, كانت مصر مع العراق هما مهد الحضارة الإنسانية, حتى أوصلنا عبث التاريخ والتداول الحضاري إلى مانحن فيه الآن "ونحن المسئولون) وحتى لو تحول أبو قردان, ذلك الطير الحكيم ناصع البياض, الذي دائما يخلص الأرض من ديدانها وخبثها, ويسهم في تأسيس الحضارات, لو تحول إلى طائر متشرد يحلق فوق أكوام القمامة, باحثا عن قوته, ملطخ الريش بأوساخ الزمن الردئ!

(هوامش الدراسة)
1 أحمد محمد عبده, رسائل مشفرة( قصص), دار عناوين بوكس, القاهرة 2024
2 التجريد Abstraction وهو نوع خاص من الإدراك, يعزل ذهنيا خصائص الشيء, جوهر الشيء, أو النفاذ إلى أغواره
انظر الموسوعة الفلسفية ص112
3 انظر د صلاح فضل علم الأسلوب: مبادئه, إجراءاته, مناهجه. الهيئة المصرية العامة للكتاب, القاهرة, ط2 1995, ص88 ـ 89
4 للمزيد انظر" فن السلويت" wik < hHps : ar.wikepedia org
5 جاءت أحداث حي الزاوية الحمراء المتاخم لحي الوايلي بالقاهرة يوم 17/ 6/ 1981, نتاجا طبيعيا لصعود القوى الإرهابية المنسوبة ظلما للإسلام, بداية من عقد السبعينيات, لتعكس الصفقات المشبوهة التي عقدها نظام حكم فترة السادات, وما أعقبها, والتي في إطارها غضت الدولة الطرف عن حوادث حرق محلات المسيحيين وقتل العشرات منهم, والحيلولة دون بناء الكنائس, وهو ما امتد بتجليات مختلفة حتى العقد الثاني من الألفية الثانية, للمزيد انظر جريدة البوابة نيوز
6 لم يعتبر الفيلسوف الألماني هيجل الجدل مجرد عملية استدلال , بل عده طريقا ليس في التدليل العقلي وحده, بل في التاريخ وفي الكون كله, ويتألف الجدل عند هيجل من حركة ضرورية تنتقل من القضية إلى نقيضها, ثم إلى التأليف بين الطرفين , انظر الموسوعة الفلسفية المختصرة ص165
7 معاذ الكساسبة طيار أردني وقع أسيرا في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية داعش يوم 24 ديسمبر 2014 في محافظة الرقة شمالي سوريا, فقاموا بإحراقه حيا وهو في قفص حديدي مغلق يوم 3 يناير 2015
8 جورج فلويد George Floyd مواطن أمريكي من أصل أفريقي, قتلته الشرطة الأمريكية أثناء اعتقاله في مدينة مينا بولس بولاية مينيسوتا يوم 25 مايو 2020, حيث ظل الشرطي يضغط على عنقه لمنعه من الحركة لمدة تسع دقائق, فلفظ أنفاسه وراح ضحية العنف العنصري الأمريكي, وتم فصل 4 من الشرطة المتورطين في الحادث
9 صمويل هنتنجتون Samuel Huntington عالم اجتماع وسياسي أمريكي وأستاذ في جامعة هارفارد 1927 / 2008, ويعد واحدا من أكثر علماء السياسة تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين, وهو صاحب نظرية clash of civilizations صدام الحضارات, أو إعادة تشكيل النظام العالمي, والتي أشار فيها إلي أن الحروب القادمة هي الحروب الثقافية, والصدام بين الحضارات أو المدنيات, الغربية, في مواجهة ثماني حضارات: اللاتينية واليابانية والصينية والهندية والإسلامية والأرثوذكسية والأفريقية والبوذية, وبالتالي فإن هذه النظرية تناقض مفهوم الدولة القومية في عالمنا المعاصر, وفي الوقت ذاته تكرس لفكرة أن الصدوع الثقافية, وليست الأيديولوجية أو القومية, يجب قبولها نظريا, باعتبارها الحروب القادمة, وقد نشر هنتنجتون كتابه المشار إليه عام 1996 قبل وفاته بحوالي اثنتي عشرة سنة
10 يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما Yoshi hieo francis fukuyama 1952,عالم وفيلسوف وسياسي واقتصادي وبروفيسور أمريكي من أصل ياباني, يعد تلميذا لهنتنجتون, واشتهر بكتابه the end of History And tHe last man نهاية التاريخ والإنسان الأخير, الصادر عام 1992 وبشر فيه بنهاية الصراع بين الأيديولوجيات, وباستقرار العالم على الديمقراطية الليبرالية, في أعقاب الحرب الباردة وسقوط جدار برلين, مايعني فرض العولمة الأمريكية, كشكل نهائي للحكومات الإنسانية.
11 انظر د/ كارم محمود عزيز, الأسطورة والحكاية الشعبية في العهد القديم, دار عين للبحوث والدراسات, القاهرة 2001 ص159 12 wiki < hHps : ar

أستاذ الأدب العبري جامعة حلوان

تم تقديم هذه الدراسة فى ملتقى السرديات بالزقازيق عند مناقشة مجموعة "رسائل مشفرة" يوم السبت الموافق 15 ديسمبر 2024

من المقبول القول إن هناك نوعاً من العلاقات الوثيقة بين كافة أشكال الإبداع الإنساني, بمستوياتها الذهنية والوجدانية والروحية, وإن اختلفت وسائل التعبير بها, من هنا يمكن تصور العلاقات القائمة (مثلا) بين كل من: الشعر والسرد القصصي والفنون التشكيلية, والموسيقى, واللغة, والمنطق, فلا أحد يمكنه إنكار تلك العلاقة بين الرواية والرسم, أو بين التصوير والفيزياء, أو بين الرواية والهندسة الفراغية والمنظور.
من هنا, فإنه ما من نشاط إبداعي إنساني يبقى وحده مستقلاً بنفسه, معزولاً بذاته عن بقية أوجه الإبداع الإنساني, مادامت المرجعية إلى العقل البشري والروح الإنسانية, وإن سلمنا بهذه الحقيقة " النسبية", فقد يكون هذا مدخلا ملائماً للولوج إلى عالم " أحمد عبده" القصصي في مجموعته القصصية التي تحمل العنوان " رسائل مُشفرة""1", هذه المجموعة القصصية تتكون من اثنى عشرة قصة, يمكن وصفها بالقصيرة, ليس بسبب حجمها, أو عدد كلماتها فحسب, بل بسبب طابع التكثيف والمدى الزمني وحركة الشخصيات داخلها أيضاً, من ثم, فإن هذه السمات مما يليق ويتناغم مع عنوان المجموعة ومضامينها, التي أراد المؤلف وصفها بــ " الرسائل المشفرة"
وعنوان المجموعة يؤكد على أن قصصها ليست سوى "رسائل", والرسالة (أي رسالة) لابد أن تكون ثلاثية الأطراف: مُرسِل (المؤلف) ـــ صيغة أو مضمون نص لغوي هنا ـــ مستقبِل ( وتتحدد طبيعته هنا تبعاً لفهم الرسالة) ... لكن المؤلف أراد تحديد طبيعة الرسالة ــ عبر وصف رسائله بأنها" مشفرة", مُحيلاً بذلك إلى منهجه وأسلوبه في توجيه رسائله, منبهاً المتلقي المباشر كي يبذل جهداً ذهنياً مساوياً لما بذله المؤلف نفسه من أجل التوصل إلى صناعة هذه " الشفرة القصصية" ... وهنا أجاد الكاتب باختياره صيغة "التنكير" للموصوف وللصفة في العنوان, تعميقاً لسمة "المُطلقية" ( على المستوى اللغوي), وتجانساً مع مفاهيم/ "اللامباشرة" ,"الإحالة", "المجاز", "الرمزية", "المراوغة", اختصاراً مع مفهوم "الشفرة"
والشفرة (فيما أرى) هي رسالة (قد تكون لغوية أو دون ذلك), تتسم في ذاتها بالخصوصية والاختلاف عن المألوف والسائد المعرفي, وتكتسي بطابع"رمزي" يُحيل إلى "الغموض" بدرجات متفاوتة, ومن ثم فإنها (بالضرورة) تتطلب "التأويل" بأي شكل, من أجل إدراك معنى الرسالة ــ بشكل جزئي أو كلي.. الخلاصة أن "الشفرة" لعبة عقلية ذهنية تقع في مسافة ما, بين عقل" المُرسِل" وعقل " المُستقبِل", بحيث إن تأويلها يُنتج لنا عدداً من التأويلات والرؤى الموازية لرؤى المبدع صاحب الرسالة.
أما عن مضامين الرسائل المشفرة في المجموعة, فإنها تعد في مجموعها "ذات توجه أخلاقي إصلاحي", ينصب على الحالة (القومية) في أبعادها السياسية والدينية والاجتماعية والثقافية, وتنتحي" منحىً نقدياً", يصل أحياناً إلى درجة "جلد الوعي الجمعي", وذلك دون أي نوع من "المباشرة", بل على العكس تماماً, حيث زاوجت الرسائل بين "الأخلاقي" ـــ من ناحية, وبين " الفني الجمالي" ـــ من ناحية أخرى..
***
ومن وجهة نظري الخاصة, يمكن تأويل رسائل المجموعة المشفرة كالتالي:
• (أقراص مدمجة) الغزو الأمبريالي والاختراق الثقافي للمنطقة العربية, في مقابل تردِّي أوضاع هذه المنطقة, بالسقوط في براثن الجهل والخرافة وتقديس الماضي.
• (رؤيا الكاهن) التمييز الديني والكراهية المجانية "على الهوية العقائية" داخل الواقع المصري بجناحيه: مسيحيين ومسلمين, وتوجسات كل طرف من الآخر, بما يشير إلى "رسالة تحذيرية", وإن كانت طرحت حلاً رومانسياً (على غرار أفلام الأبيض والأسود)
• (رؤوس الشياطين) تضافر قوى الإرهاب الداعشية وشبيهاتها, مع المشروع الإمبريالي الصهيو ـــ أمريكي, لتفكيك المنطقة والإجهاز عليها, من خلال عرض حالة سبايا المعسكرات الداعشية..
• (مزرعة الشيح) جماعات الإسلام السياسي وسطوتها على المنطقة, وتهديدها لحياة الناس ومصالحهم وابتزازهم, وتدمير المشاريع الإنمائية المستقبلية...
• (محكمة تفتيش) تركيز الخطاب الديني الإسلامي المعاصر, بالتفتيش في الضمائر والنوايا, وتقديم نموذج أحادي لفهم الدين, ورفض المعارضات التقدمية المستنيرة, ما أدى إلى بلبلة الناس...
• (جرعة من الداتورة) الخطاب الديني الرسمي " في مساجد الدولة", ومدى ترديه وضحالته واحتفائه بكل ما هو غيبي" الجنة والنار", ورمي معارضيه بالجهل أو الكفر, أيهما أقرب وحال المتلقين.
• ( فلسفة البنطلون المقطَّع) أثر المدنيات الحديثة في تغييب عقل الشباب المصري, الذي ينجرف وراء التقليد الأعمى للمظاهر الجوفاء لتلك المدنية, وانعكاساته على " تمزق الهوية".
• (متحف آثار) الوقوع في أسر الماضي والتحرك على خلفيته, من خلال وضع اجتماعي تمثله "غيرة زوجات الرجل الواحد" ( السابقة واللاحقة), والخلاص منه بوهم آخر( ممارسة اليوجا), في إشارة إلى أن الحضور والغياب ليسا بالجسد بل بالروح..
• (الله والمرأة) جنون الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي التي تتسم بــ "العبثية الشديدة" وهي التكنولوجيا التي بقدر ما أغنت صانعيها, بقدر ما أفقرت مستهلكيها في الدول المتخلفة وأضاعت رشدهم, ومن قبلها "هوياتهم الأخلاقية".
• ثلاثية ( معالجة جانبية للفتنة) الحق أن هذه الثلاثية هي أكثر قصص المجموعة " تجريداً وغموضاً ", فإن كان ظاهرها بسيطاً يتناول مفهوم "الجمال والفتنة" بين بعديهما: المادي الحسي المؤدي للشهوة, والبعد الروحي المطلق (مع إيماءات غامضة عن حياة القصور), فالمعالجة "اليمنى واليسرى" تشير إلى إعجاب بطلة القصة بجمال شخص ما, مما أغضب زوجها, فما كان منها إلا أن أسقطت الحالة على قصة "يوسف" ( القرآنية والتوراتية) باعتبارها نموذجاً للجمال والفتنة والغواية, أما المعالجة (من الداخل) فتومئ بشكل ـــ ربما يكون مباشراً ــ إلى مفهوم "الحرية والحبس في قفص ذهبي", غير أني لم أتمكن من إيجاد الرابط بينها وبين المعالجتين الأوليين, وأنا أدرك تماماً أن الأمر يتطلب عمقاً تأويلياً أكبر, لكني لا أملكه حالياً!
وإن كانت هذه هي مضامين رسائل "أحمد عبده" التحذيرية, فالأهم ــ في نظري ــ هو السؤال عن الأداء الفني, أي "الخطاب السردي", والوسائل الفنية لطرحه!
في مجموعة "رسائل مشفرة " تتأكد العلاقة التناغمية المنسجمة بين كل من (القصةstory ) و (الخطاب Discourse)
فلأن المؤلف كان مهموماً بإرسال رسائل أخلاقية قيمية مثالية, فقد اهتم بهذا النوع من الخطاب على حساب " القيم الجمالية", والتي لم يغفلها أبداً, لكنه راعى مسألة "الأولويات" وهذا بالطبع فيما أظنه.
وكان من الطبيعي ــ تأسيساً على هذا, أن يكتسي الخطاب السردي في المجموعة بطابع " تجريدي Abstract "2", أكثر من كونه "تشخيصياً" personilicated" مما يلائم طبيعة التشفير" Encoding" و" الترميز symbolizing" . إذن فقد فرض "المضمون" نفسه على (التشكيل), وهو مايوجب التساؤل: هل كان بإمكان أحمد عبده اللجوء إلى التجسيد بديلا عن "التجريد" في ظل هدفه الأخلاقي؟
لكن بعيدا عن محاولة الإجابة , فإن المبدع وحده هو من يملك" تشكيل رؤياه" بما يناسبه, في ظل مفاهيم" الاختيار والانزياح والمفارقة" "3", التي تقرها الأسلوبية الحديثة.
وأكثر ما يتجلى الخطاب السردي في المجموعة, في عدة ظواهر سردية أهمها مايلي:

أولا: الصيغ السردية "الضمائر"
: إن اختيار الصيغ السردية في أي عمل أدبي يخضع بالضرورة لرؤية الكاتب, كما يخضع لتقييم مدى ملاءمتها للعمل الأدبي ــ من قبل النقاد, وذلك فيما يتعلق بــ" المنظور", و"الصوت", الذين يقدم من خلالهما العمل السردي بصفة خاصة, وما يتعلق بــ " المسافة" بين كل من : المؤلف والراوي الخفي والراوي الشخصية والشخوص القصصية الأخرى.
وفي "رسائل مشفرة" لم يلجأ أحمد عبده إلى استخدام ضمير "المتكلم" بصيغته: أنا ونحن, سوى في بعض الحواريات في القصص الثلاث الأخيرة, على ألسنة الشخصيات... كما استخدم ضمير" المخاطب" في قصة (محكمة تفتيش) ــ متقمصا شخصية بطل القصة ومتماهيا معها, عدا ذلك, فيبدو أن الكاتب قد آنس رشدا في ضمير الغائب, الذي أحدث مسافة واضحة بينه وبين وكيله السردي " الراوي الخفي", مسافة مطلوبة تتسق مع حالة " التجريد" التي ارتضاها لمعظم قصصه, تجانسا بين: الخفاء والرمزية والمجهولية.

ثانيا: الشخصيات بين " القصصي" و " فن السلويت":
كلما كانت الشخصية القصصية "مجسدة/ مُشخصة" كلما كانت قابلة للخصوبة والثراء والدينامية, وتعدد الأوجه, خاصة فيما يتعلق بالشخصيات الرئيسية, وهذا ينعكس ــ بالضرورة ــ على حركة الشخصيات والأحداث, وعلى تعقيدات وحلول الحبكة.
أما عندما تصبح الشخصية " بيضاء" أو" مسطحة" فإن هذا يعد أمرا من اثنين: فإما أن هذا قصور من الكاتب ــ في أدائه ـــ وعدم تمكنه من رسم الشخصية وتصويرها, بالتالي فإنها تجيء " باهتة", أو أن المؤلف يكون واعيا بما يفعل تماما, وأن هذا أحد انحيازاته أو انزياحاته السردية, وأظن أن هذا ماحدث هنا!
فلأن أحمد عبده قد راهن من البداية على " تجريد" رسائله و "ترميزها", فإنه بخبراته السردية الكبيرة اتسق مع الهدف والأداء, وصبغ قصصه بنفس السمات التجريدية المطلقة, بحيث تصلح لأي زمان أو مكان, أو حتى لإناطتها بأي أدوار أخرى, فيما يشبه "تنميط الشخصية", إلى حد ما. بالتالي جاءت الشخصيات شبيهة تماما بنوع آخر من الفنون التشكيلية هو فن" السلويت silhouette" , أو "الصورة الظلية", والتي تعتمد على استعمال اللون الأسود على خلفية بيضاء لإظهار الحدود الخارجية للشكل, وهو مايطلق عليه أيضا " التصوير التضادي", لأنه يُنفذ بصورة عكسية للإضاءة "4"
فشخصيات المجموعة (في غالبيتها) جاءت بهيأة قوالب مصمتة تخلو من الملامح الجسدية أو النفسية أو المعرفية, التي تخص شخصية بعينها, بحيث يخضع ملء فجواتها ومساحاتها البيضاء " واللون هنا ليس مقصودا بذاته", لخيال المتلقي ــ كل منهم على حدة, وتبقى الشخصية في ذاتها رموزا أو شفرات معروضة لمن يمكنه التأويل.
وعلى عكس ما قد يراه أي ناقد غير مستبصر ــ من أن هذا النمط من الشخصيات يعد مأخذا نقديا يخص سطحية شخصيات المجموعة, فإني أرى أن مسلك أحمد عبده بهذه الطريقة, هو ما حقق عبقرية رسم الشخصيات, بإدراكه مسألة التوازن والأولويات في لعبة السرد ــ بين الهدف والمضمون من ناحية, وبين التشكيل وعناصر السرد المختلفة من ناحية أخرى.
ويمكن أن نحظى بشيء من اليقين حول هذا المنحى, إن حاولنا اختزال كل شخصية من شخصيات المجموعة في " رمز" محدد بشكل تأويلي, اختزالا يمكن اعتباره ردا " شفريا" على شفرات أحمد عبده والعين بالعين!
• أقراص مُدمجة: الراوي الخفي: الدهشة والسؤال لايكفيان للحماية !
عبد الصبور: هذا هو حال العارفين !
• رؤيا الكاهن : كميل: ضحك عليك أحمد عبده باسم المساواة !
مصطفي: هل تذكر أحداث الزاوية الحمراء؟
• رؤوس الشياطين: لكل المتأسلمين: إن الله يكره الأغبياء والعملاء !
• مزرعة الشيح: لكل من: وردة وزهرة وسوسن وياسمين: ليس الورد, بل الحنطة, هي الأصوب للحيطة !
• محكمة تفتيش: المجادل: خطؤك الأكبرأنك لم تتذكر( جاليليو) و( الحلاج) و( نصر أبو زيد)
• جرعة الداتورة: خطيب الجمعة هنيئا لك بصكوك الغفران, مؤكد كنت تطمح أن تكون خطيبا لمسجد السيدة زينب!
المجادل: لاتجادل يا أخ علي, رغم أني لا أعرف اسمك!
المصلون: نوم العوافي !!
• فلسفة البنطلون المقطع: بطل القصة: هل تعلم أن قصة " بنك punk " كانت للشواذ في الغرب؟!
• متحف آثار: شيرين: النار تأكل نفسها إن لم تجد ماتأكله! كان نفسي أتعرف تفاصيل جسدك!
آثار: شاطرة يابنت! أحيانا نجد في الغياب حضورا أقوى وأجمل!
ـــ الله والمرأة: سماح: مضغ اللبان أحيانا يقوي عضلات الفك, ومؤكد مضغ سيرة الناس طريق للجحيم !
ـــ معالجة جانبية للفتنة: كل الشخوص: لاتهنوا ولاتحزنوا, فقد أستطيع قراءتكم فيما بعد!
***
كان ماسبق مجرد " إطلالة" على مجموعة" رسائل مشفرة, إطلالة ــ في ظني لا تسمن ولاتغني من جوع, تبعا لما دأبت عليه في إنجازي للدراسات النقدية, لذا, وحتى أقنع وأُقنع, أقدم فيما يلي: عرضا تحليليا وقراءة متعمقة إلى حد ما, للقصتين الأوليين في المجموعة " أقراص مدمجة / رؤيا الكاهن", فقط سأغير الترتيب تبعا لمَ أظنه فيهما من عمق في التناول.
قراءة في قصة رؤيا الكاهن: (هل يجمعنا طبق الفول, ويفرقنا طبق العقيدة) ؟!, بلاقفاز, وبيد خشنة قوية, يمد أحمد عبده أصابعه عميقا (داخل جرح قديم جديد متجدد؛ جرح قشرته الظاهرية رقيقة هشة) شأنه شأن النار الكامنة تحت سطح مترمد, يقوم بنكئه كي يُشفى"ولكن هيهات"!
إنه جرح العلاقة بين أصحاب الديانات المختلفة في الواقع المصري "وربما العربي كله" , والذي يمارس أفراده الحب والكراهية تبعا للهوية الدينية, فعبر عقود كثيرة كانت ثمة محاولات لإخفاء جرح التعصب الديني, أو حتى تجميله بطرق شتى " على الأقل منذ ثورة 1919, وحتى 1972 تقريبا. عندما أعلن "الرئيس المؤمن" انحيازاته السافرة إلى جانب (الزبيبة والعباءة والسمت الديني) ناهيك عن تبنيه لحركات الإسلام السياسي الإرهابية ــ في مواجهة الشيوعيين والناصريين زعما, وفي مواجهة المجتمع المصري بمسلميه ومسيحييه فعلا, وبالطبع لاننسى أحداث الزاوية الحمراء "5"
عموما, وبعيدا عن التنظير السياسي وتداعيات التاريخ, فإن أحمد عبده يعالج المشكلة معالجة قصصية سردية لطيفة, من خلال مونولوج أحادي, بصوت كميل, بطل القصة الذي تلعب برأسه الهواجس حول هذه العلاقة, بسبب موقف بسيط بالفعل, لكنه فجر شكوكا ضخمة, اضطر معه إلى عقد مقارنات بين دلالة هذا الموقف, ودلالات الكثير من المواقف النقيضة, فقد كان ينتظر (على أحر من الجمر) البث المباشر للقداس المزمع إذاعته في التليفزيون, ليقدم فيه" بابا الفاتيكان" موعظة ثم رسالة تلقاها في الرؤيا من السيد المسيح, موجهةً لزعماء العالم المسيحي, إذن ما المشكلة؟
تكمن في اختفاء الريموت كنترول الذي يقلب بين القنوات, فكيف يصل إلى القناة المطلوبة, وقد ترك مصطفى ــ زميله في غرفة المدينة الجامعية التليفزيون على "قناة المجد للقرآن الكريم", كعادته اليومية قبل النوم, لقد اختفى الريموت واختفى مصطفى هو الآخر, هنا تنفتح قناة أخرى للشكوك, ينساق داخلها رغما عنه, غير قادر على تخطي هواجسه, مقارنا بين الوضع المثالي للتسامح الديني, وللتعايش, الذي أقرته إدارة المدينة الجامعية, بتعليماتها الصارمة, ومن قبل أقره الواقع الاجتماعي المفترض نفسه عن طريق الكثير من الشواهد والأدلة العملية, وذلك في مواجهة الوضع الشاذ الاستثنائي الذي أحدثه مصطفى, والذي ترجح الشواهد المنطقية أنه كان عمديا.
ومن هنا جاء جدل كميل : " أنا ومصطفى فولة مقسومة نصفين, الكيمياء متوائمة خارج اعتبارات العقيدة, لا أطيق غيابه ولا هو يطيق فراقي, حتى إذا جئنا للمسألة الدينية, والتي هي كاللعاب في حلوقنا, إن جفت نرويها, وإن ارتوت نلوكها, لولا تحذيرات المدينة الجامعية, تجد كلا منا ربما لايستطيع كتمان تبرمه أو ملله من رفيقه, وقد أقول اشمئزازه" ص23ــ 24
في هذا السياق الاسترجاعي, يُبرز كميل دور إدارة المدينة الجامعية (كشريحة لدور الدولة, وللوضع الطبيعي السوي, انطلاقا من مسئولياتها) عندما تكرس لعملية الصهر والامتزاج بين أفراد هذا المجتمع الصغير "المدينة الجامعية", بلا مواعظ ولا إرشاد, بل بطريقة عملية ممنهجة؛ حتى تقتل مظاهر التبرم والملل ومشاعر الاستعلاء, مما يسمى التعصب الديني ص 24, حيث لجأت قدر الإمكان إلى تسكين أصحاب الأسماء ذات المرجعيات الدينية المختلفة" محمد ومشتقاته ومصطفى" و " لوقا ومينا ورمسيس" معا, لكنها أحيانا كانت تفشل في ذلك ص 25, ويستمر كميل في توجسه وهواجسه وشكوكه, إلى جانب حيرته فيما ينبغي عليه فعله, بل إنه حاول إيجاد حل فني لتجاوز الأزمة, يمكنه تحقيق الغرض المطلوب, فيفشل, ولأن الأمر معقد جدا قرر أحمد عبده أن يتدخل بنفسه وينهي المأزق الذي أوقع نفسه فيه, فلجأ إلى مفارقة تصادفية قدرية, لاتنتمي لواقع الحياة ولا لواقع القصة, واصطنع منها حلا تأسس في الأصل على أمنية خيالية من قبل المؤلف, فقد تفاجأ كميل بأن قناة " المجد للقرآن الكريم " تقطع إرسالها والمذيع ينوه عن نقل مراسم القداس من الفاتيكان على الهواء مباشرة بعد قليل ص28
هكذا نغادر القصة ونحن لانعرف يقينا أو تخمينا, هل كانت " الكرامة " من أجل كميل ودعواته فاستجاب له المسيح, أم من أجل أحمد عبده الرومانسي الحالم!
قراءة في قصة أقراص مدمجة:
( يبدو أن الغربان اختزلت قرى العالم في قريتنا, اختارتها هي بالتحديد)
لايمنحنا العنوان شفرة معينة, بل إنه يحرضنا على التسلل خفية وبحذر, محملين بهواجس تأسست على عنوان المجموعة بكاملها ( رسائل مشفرة) ومع أول ست كلمات تتبدى ثمة محاولة طفيفة للتشفير عبر لعبة " اللغة والزمن", فصوت الراوي يصف ليل القرية وصفا تشبيهيا " كطرحة أمي", لكنه وصف جاء مقيدا بحد زمني" يوم جنازتي" !!, هذا هو مناط التشفير هنا: خرق قواعد الزمن المفترض للحدث( إذ كيف يتحدث الراوي عن وضع مستحيل واقعيا وزمنيا: التكلم بعد موته؟, سواء أكانت الحادثة (من الناحية الزمنية) وقعت على سبيل التداعي, أو سوف تقع على سبيل الاستباق, فليس للترتيب معنى هنا, لكننا في النهاية إزاء أدب يتلمس الخيال فيما يقص ص7: 1 ــ 5
يلي ذلك محاولة أخرى للتشفير تتأسس على حدث يبدو اعتياديا لأول وهلة: انقطاع الكهرباء متضافرا مع غروب القمر, ليقدم لنا هذا الجو "علة مبدئية", يمكنها تبرير " المعلول" المتجسد في الخوف الإنساني الغريزي من الظلام, وما يصاحبه (في ذلك الوعي الإنساني) من أوهام وخيالات " كائنات تهب على القرية", هنا يتجسد المعلول الحقيقي "كائنات", لفظة مجردة نكرة ألقى بها الراوي على سبيل افتتاح الحدث "مبتدأ" ثم مثيرا فضولنا وتشوقنا, يؤجل إتمام الكلام " الخبر" قاطعا بينه وبين المبتدأ بجملة اعتراضية قوامها " 17 كلمة", " في غموض وضبابية الأحلام والكوابيس, كأنها السر الغامض الذي يلخص الرهبة من العفاريت, كأنها البذرة الأولى للخوف", ثم يُتبع ذلك بـ " الخبر" " تهب على القرية موجة وراء أخرى", إنه المعلول الذي يحرض على البحث عن العلة/ السر, وما يصاحبها من احتمالات لتأويلات مختلفة لفك الشفرة ص7 من 6ـ 12

بين المألوف والغامض ــ تمهيدا للتأويل:
هكذا يأخذنا أحمد عبده بأيدينا ويضعنا على أولى عتبات شفرة النص الحقيقية, كي نندهش ونتساءل مع الراوي ومع عبد الصبور وسعدية, عن كنه هذه الكائنات الغامضة, والتي لاتشبه أصواتها أصوات كائناتنا الأليفة : المعتاد / في مقابل الغامض, تجسيدا لمعنى الشفرة, الأمر الذي يفضي بكل المؤولين " المتلقي, أنا, الراوي, بعض الشخوص", إلى أمرين: أولهما المقارنة بين ما هو مألوف وما هو غامض, والثاني: محاولة استكناه ماهية ذلك الغامض عبر نظرية الاحتمالات مع انضفار كلا الأمرين وتشابكهما معا, حيث يأتي الاستكناه عبر المقارنة.
وتأسيسا على قاعدة "بأضدادها تتمايز الأشياء", تأتي المقارنة بين المألوف ممثلا في ناس القرية ببعدهم البشري, الضعف الخوف من المجهول, منضما إليهم مألوف آخر مثلا في النوع الحيواني, بشقيه الأليف المستأنس" الذي نعرفه من أصواته الاصطلاحية في اللغة: نعيق, نباح, مواء, نعير, صهيل, نهيق, أو بأسماء جنسه: عصافير, هداهد, حمامات, كلاب, قطط, أرانب"وشقه الآخر" البري المفترس "الوطاويط, الغربان, النسور, البوم, الصقور, الثعابين, الفئران, القنافذ, الأسود, الفهود, الذئاب"
كل هذا في مواجهة: غير المألوف/ الغامض/ غير المجسد إلا من خلال التوهم مجسدا في تلك الكائنات الغامضة غير المرئية, التي هيأتها بشكل لعتمة ورهبة الكهوف وعلى أجناب الجبانات, ص 8, مرتبطة بكائنات أخرى أقل غموضا, وإن لم تكن لها هيئة ما, سوى في اللاوعي الإنساني, ممثلة في العفاريت والنداهة وأبو رجل مسلوخة والغيلان, وكل ما تضمنته حواديت الجدات, وتنتهي هذه المقارنة لصالح مقولة " إن العدو الحقيقي للإنسان هو الخوف"
إذن ماذا عن التأويل ونظرية الاحتمالات؟
بينما تغرق تلك القرية الكونية في مواجهة هجوم الكائنات المرعبة, بكاء الأطفال وصراخ النسوة وابتهالات ضعاف القلوب من الرجال, فإنه لم يتصدَ لهذا الزحف سوى ثلاثة أشخاص, هم من حاولوا فك الشفرة, متسلحين بالتماسك والوعي, بدرجات متفاوتة: الراوي وعبد الصبور وزوجته سعدية.
ولئن كان دور سعدية ضئيلا جدا, تجسد في مجرد حدث كلامي بسيط, سؤال وتعجب, من ناحية, وفي التلقي الصامت لكل مايقول زوجها دون لجج, إلا أن دورها كان فاعلا, كونه استنفر القدرات المعرفية لزوجها, خالقا مبررا سرديا, لتأويل تلك الأحداث الغامضة في جزء مهم من القصة.
وباستثناء سعدية, اصطفى أحمد عبده من كل تلك القرية شخصين فقط, ليمارسا معنا لعبة الخفاء والتجلي, وتقسيم الأدوار, هما الراوي وعبد الصبور, فهما اقتسما معا مساحة السرد, وهدفا معا إلى محاولة فك شفرة المجهول والغامض والسري فيها, مع تباين بسيط في طبيعة الأداء بين كليهما, وكأن كلا منهما استمع للمؤلف ووعى حدود دوره السردي المنوط به. وربما يمكننا أحيانا تمييز صوت الراوي من صوت عبد الصبور, لكن هناك مساحات يشتبك فيها الصوتان ويتداخلان في صوت واحد يصعب تمييزنسبته لأي منهما, لكن لابأس, فالهدف في النهاية هو التأويل وفك الشفرة.
ـــ صوت الراوي: يستخدم الراوي في عرض القصة عدة تقنيات سردية/ لغوية تلخص في مجملها مسألة السعي نحو تأويل غموض الرسالة/ الشفرة, بما يعكس عملية الجدل, الديالكتيك, خاصة الجدل الهيجلي, بمراحله الثلاث: الطريحة, النقيضة, الجميعة 6, هذه التقنيات لم يعرضها الراوي بشكل منعزل, كل منها يستقل بمساحة سردية ما, بل إنها جميعا تداخلات في بعضها البعض, مقدمة تشكيلة فسيفسائية متجانسة على نحو ما, وكان من أبرز هذه التقنيات مايلي:
1 الوصف التقريري: وهو الأسلوب الأساس, حيث وصف أحداث هجوم الكائنات الغازية بأسلوب مشوق استنفر خيال المتلقي ( أجنحتها تشرخ الحارة, ماسحة بحر أرضيتها بريش أجنحتها الطويل والغليظ, ص8, كل أربعة أو خمسة منها اختارت لها نافذة من نوافذ البيوت وراحت تنقر في زجاجها أو خشبها ص 8,9 ) ورغم أننا لايمكننا أن نتساءل: كيف يرى الراوي طول الأجنحة وغلظها في ذلك الظلام الدامس؟, وأنه كان بإمكانه أن يعبر عن حركة هذه الكائنات بالحاسة السمعية مع التمثيل, رغم ذلك فهذا الوصف يذكرنا قليلا فيلم الطيور the Birds للعظيم ألفريد هتشكوك, مع اختلاف المقام.
2 الوصف التقريبي التشبيهي: ولأننا إزاء كائنات غامضة, إضافة إلى حالة الظلام المطبق, يلجأ الراوي إلى استخدام الوصف التقريبي التشبيهي, باستخدام أدوات التشبيه اللغوية, كي يقرب للأزهان صورة الرعب كما يراه بخياله, وذلك بالمماثلة التقريبة بين " غموض صورة الكائنات, وبين أشياء اعتيادية تمثل أقرب صورة لها, مستخدما في ذلك القياس التمثيلي, وهنا تكثر التشبيهات " كوطاويط قمت بنخس جحرها 000, كأنها جاءت لتكنسها من الحصى 0000 كسرب من الطائرات تصنع مناورة 000 كأنها تقوم بعملية مسح جيولوجي 000 كانت كسرب العصافير000 ص8, كأنها تنقر على سطح من الصاج, وكأن هناك علاقة مدبرة بين إغارة هذه الكائنات وبين الكهرباء ص9, كأنها أدت دورا ص10
3 البعد الافتراضي الاحتمالي: من الطبيعي في التأويل أن يرافق الوصف التقريبي نوع من الافتراض, أو الاحتمال, والذي يناقض اليقين والقطع بالضرورة, ومن الناحية اللغوية استخدم نص القصة أسلوبين: إما المراوحة بين أمرين, أو الأداة ربما التي تفيد الاحتمال, غير أنه قبل عرض الشواهد النصية, يجدر التنويه إلى أن استخدام هذه التقنيات في القصة, جاء بعضها على لسان الراوي نفسه, وبعضها الأخر مشتبه, يمكن نسبته إلى الراوي أو لشخصية عبد الصبور بنفس القدر" إن كانت زجاجا ص8, أو كانت خشبا ص9, أو ربما أوحت لها تلك الكائنات ص10, وربما التخمين جاء من سواد الأجنحة ص11, تنقر على الزجاج ربما تظنه عيون قتلى ص 14, وربما جاءت لكي تقيم جنازات لقتلى العصر الحديث ص15
4 طرح السؤال بشكل مباشر: وذلك باستخدام صيغ أسئلة عن: تقرير الحالة( هل, ألف الاستفهام), أو عن السببية, ويمتد إلى هنا نفس الحال السابق فيما يخص اشتباه الصوت ( فلماذا جاءت هذه الكائنات الغامضة؟ ص8), فهل تواطأ معها الظلام واستدعاها؟ ص 9, فلماذا يرافق العفريت زميله في حارة 000؟ ص13
5 تقنية التنبيه والتحذير: أي تخدير المتلقي من الوقوع في شراك استباق المعرفة أو التأويل المتعجل للحدث, علاوة على تقديم إضافة معرفية تصحيحية للمتلقي, فصاحب التحذير( سواء أكان الراوي, أو من يشتبه في صوته), هو من يملك التأويل وحده ( إياك أن تتسرع في الحكم, بتخمين رائحة اللحظات الأولى للخطر والخوف ص7, لايغرنك أنها كانت تصيح في لحظات هجومها000, فلاتتسرع في الحكم بمشاعر الفكرة الموروثة ص11
ـــ صوت عبد الصبور: وإذا كان الراوي قد احتفى بالتقنيات سالفة الذكر, فإن عبد الصبور لم يلجأ إلى مثل هذه التقنيات, بما يعكس ربما درجة أكبر وأعلى من الوعي, فعبد الصبورمثلا لم يلجأ إلى الأسئلة الاستفهامية إلا عندما تتخطى الظواهر الغريبة حدود فهمه ومعرفته, ومع هذا فهو لم يستسلم لحالة الغموض, بل حاول الربط الفكري وتحليل حركة اللامرئي, لفك شفرة ذلك الغموض ( لكن لماذا تنقر هذه الغربان على الزجاج هكذا؟, لو كانت في هيأة المنشار المشرشط لشقت الزجاج شرائح, هل تلتقط من الزجاج أشياء لانراها؟, أم تنقش حروفا سوف تحتاج لإبرة مغناطيسية على جرامافون لتقرأها؟, هل تريد توصيل رسالة ما إلى أهل القرية, ولن تصل رسالتها إلا في الليل؟, لكنها ستأخذ من الزجاج ما يأخذه الريح من البلاط, وأيضا العفاريت لاتأتي برسائل, العفاريت تباغت, الملائكة فقط هي التي تأتي بالرسائل! ص14
هكذا يتبدى من نوعية الأسئلة حجم الظواهر العصية على الفهم, لكن عبد الصبور ـــ لاحظ دلالة الاسم ــ يحاول بمبدأ "العلية" استعراض معارفه بقدر ثقافته, تأكيدا عن ثقافة الغربان/ الغزاة, محاولا عقد مناظرة جدلية عقلية لمجابهة تلك الأسئلة الصعبة, لاجئا أحيانا إلى المقارنات بين الظواهر( العفاريت والملائكة مثلا) للوصول إلى إجابات مقنعة0
لم يقنط عبد الصبور في مواجهة الشفرة الغامضة, بل واصل بدأب, مُقلِّبا الأمرعلى وجوه احتمالية عديدة, محاولا ترجيح سبب معين لاختيار الغربان لقريته تحديدا, مستندا على سوابق شاهدة على فعلها الآثم ـــ بين القديم والحديث من الزمن, من هابيل مرورا بعبد المنعم رياض وإبراهيم الرفاعي, وصولا إلى معاذ الكساسبة, وجورج فلويد ص8, ولم ينس عبد الصبور الإحالة إلى إحدى الجرائم الكبرى في التاريخ الإجرامي للغربان" فيرث كورونا ــ كوفيد 19 ", كما لم ينس أيضا أن ينعي على أهل قريته التزامهم بالجهل والخرافات ــ دلالة الرقم 13 , ص14/ 15
لقد فضل عبد الصبور أن يكون صوته داخليا وحديثه مونولوجيا, لأنهم في النهاية لن يفهموا مايقول, فتنحى عن ذلك العبث وتحمل وحده عبء المقاومة, لأنه أدرك اللعبة الشرقية وثقافة البطل الفرد, فأهل قريته لن يزيدوا شيئا على استمرار التشاؤم واستئناس الوهم ص14
وربما لكل هذه الأسباب التي تسلح بها عبد الصبور في مواجهة الغزو الغامض ( الوعي وتفعيل الملكات العقلية والذهنية: الحدس, والقياس والاستنباط, إضافة إلى الشجاعة والنضال, لكل هذا استحق عبد الصبور أن يكون قاهر الغموض, عندما يجبر الكائنات الغازية على البوح بسر شفرتها التي هي مكمن قوة الغزاة, وهي الشفرة التي ـــ رغم كل هذا ـــ ظلت تتطلب قدرا من التأويل الإضافي, فالحرب لم تنتهِ بعد!
إن قصة أقراص مدمجة تأسيسا على عذابات التأويل بشكل لايقيني, وبما أنها أولى الرسائل المشفرة التي تحمل المجموعة عنوانها, يمكن القول إنها تحفل ببعض الكلمات المفتاحية التي ربما تساعد قليلا في محاولة حل شفرتها, من وجهة نظر ما, هذه الكلمات المفتاحية تأتي بمثابة ما يطلق عليه في علم النفس فلتات اللسان, التي صدرت من أحمد عبده, والتي من خلالها يمكن السعي لتقديم رؤية تأويلية محتملة, قدر الإمكان, فالقصة تنصب على صراع بين طرفين غير متكافئين, الطرف الأول: غزاة مجهولو الهوية, مسلحون بإمكانات علمية هائلة, يهاجمون قرية ما, يؤازرهم الظلام , ومن قبل ذلك متسلحون برغبة انتقامية قد تبدو أزلية, والطرف الثاني: قرية آمنة مطمئنة مؤتنسة بجهلها وخرافاتها, لكنها تحمل إرثا حضاريا قديما ظلت تعيش على ذكراه حتى تلاشى.
إذن هو صراع أو صدام حضاري أشار إليه صمويل هنتنجتون في مقولته صدام الحضارات, ص9, وأكمله فرنسيس فوكوياما بمقولته عن نهاية التاريخ والإنسان الأخير ص10
لقد تضمنت الكلمات المفتاحية عبر لغة رمزية إحالية, وصف حال الصدام ووصف ما يتحلى به كل طرف من أطرافه من سمات فارقة له عن الآخر.
فالغزاة هم القوى الإمبريالية التي تشن تشكيلة من الحروب المتطورة باستمرار, وبها تهدف إلى تحويل العالم إلى قرية كونية, يسهل التحكم فيها, وتسليع البشر والقيم وتحويلهم إلى كائنات هشة مسلوبة الوعي والقدرة لخدمة مصالحهم, ولم تقتصر أدوات هذه القوى على التجسس التكنولوجي والحروب الالكترونية" الأقراص المدمجة", والحروب البيولوجية والجرثومية, والتجويع والحصار.
ويمكن التدقيق في هذه التعبيرات المفتاحية:
ـــ الكائنات الغازية ص7 المسح الجيولوجي والتصوير الجوي لباطن البيوت ص8, العلاقة المدبرة بين الإغارة وأفول القمر وانقطاع الكهرباء تمهيدا للغزو= نظرية المؤامرة ص9, الهجوم ليس جماعيا, بل في صورة الذئاب المنفردة " الحروب التقليدية والالكترونية" تتسلل وتظهر وتختفي فجأة0
ـــ القرية المغزوة: هي كل بلد في العالم لاتملك قُوتها ولا إرادتها ولا وعيها ولاعلما يحميها, دول العالم الثالث نموذجا, والمنطةالعربية, مصر بالتحديد, القرية التي تظل طول الوقت تعتصر تاريخها القديم, تقتات على الوهم والتخلف, وتستمرئ الخرافة, وتعيش على الكلام, لاحظ الكلمات المفتاحية الآتية:
ـــ ينقر على أزرار مفاتيح الآلة الكاتبة التي كنا نكتب عليها أيام زمان ص9, حبات المسابح تضيئ لهم ص9, الكلاب تحت النوافذ المقهورة ص9, الفأل الموروث عن النعيق المترسب في الخيال والحكم بمشاعر الفكرة الموروثة ص11, فششنا عائمة من السعادة ص12, يهشون مالايرون ص12, إزاحة الطاقية الصوف عن رأسه = امتهان الكرامة ص12, العفاريت توأم الليل, أو قل توأم الظلام, العفاريت هي الطرف الثالث = الليل, أو قل توأم الظلام, العفاريت هي الطرف الثالث = نظرية المؤامرة ص12, العفاريت لاتتلبس سوى بالضعيف ص13, استمراء التشاؤم واستئناس الوهم ص 14
يتبقى بعد ذلك الرمزان الأهم في عملية التشفير التي قدمتها لنا قصة" أقراص مدمجة", واللذان يخيرهما أحمد عبده لتجسيد القوتين المتصارعتين, وهما رمز الغراب في إحالة للقوى الإمبريالية الغازية, في مقابل أبو قردان للإحالة إلى القرية الضعيفة المغزوة
أولا: الغراب:
تتسم الغربان في الثقافة الإنسانية, وفي المأثورات الشعبية " في الغالب" بأبعاد متعددة متناقضة أحيانا, ففي النصوص المقدسة مثلا, تبدو الغربان على أنها تمتلك قدرا من المعرفة: ففي سورة المائدة الآية 31 كان الغراب هو من علم الإنسان القاتل كيفية الدفن, وفي أسفار العهد القديم يبدو الغراب على أنه رسول بعثه نوح بعد انتهاء الطوفان, ليستطلع أمر الأرض هل جفت أم لا, تكوين 8/ 9, وتتأكد نفس الفكرة في سفر الملوك الأول 17: 2 ــ 7, عندما يرسل الإله عددا من الغربان كي تتولى إعالة النبي إيلياء طوال سنوات الجفاف, فكانت تأتي له بالخبز واللحم صباحا ومساء, وانطلاقا من هنا, أو قل قبل ذلك ــ اكتسبت الغربان عدة تصورات شعبية حول سماتها: فالغراب له قدرة على التنبؤ كما أنه شديد الحذر, ومن الغربان نوع يسمى الأورق يمكنه أن يحكي كل ما سمعه ( لاحظ صورة الببغاء هنا!), ومنها نوع يسمى الأبقع, وهو كثيرالمعرفة, لذا لم يكن غريبا أن تعتقد بعض الشعوب أن الغراب هو رسول الآلهة, وأنه أحيانا يتصرف كدليل أو مرشد يقود الناس إلى المدن, وأن له ثمة علاقة بالماء , من ناحية, وبالعواصف والمطر من ناحية ثانية ص11
يضاف لكل ماسبق الصورة المألوفة النقيضة للغراب على أنه آكل الرمم والجيف, وله علاقة وثيقة بالدفن, ومن ثم بالموت, علاوة على صورته المألوفة في الوعي الشعبي باعتباره سارقا ولصا
من هنا كان أحمد عبده موفقا في اختياره الغراب, ليكون رمزا لقوى الدمار الغازية التي تهدد القرية, لذا فإني أميل إلى تأويل هذا الرمز القصصي هنا بأنه يحيل إلى إسرائيل وأمريكا تحديدا, حيث أنهما يشبهان الغربان, من ناحية كونهما يعيشان على السطو والغزو, وترتبط صورتهما الذهنية بالشؤم والموت, علاوة على أنهما في أصليهما: التاريخي والحضاري يمثلان جماعات اللصوص التي كانت تغير على مدن الشرق الأدنى القديم, ذات الأصول الحضارية, وتنهب خيراتها( وهو المعنى التاريخي للفظة عبرانيين), كما يمثلان جماعات الخارجين على القانون والمساجين التي تخلصت منهم أوربا, بإرسالهم لاستكشاف الأرض الجديدة المجهولة" أمريكا", فتخلصوا هم من أصحاب الأرض الأصلاء( الهنود الحمر" وأسسوا دولة دستورها" العنف والدم والاغتصاب"
ثانيا: أبو قردان:
يعد أبو قردان رمزا حضاريا يحمل خصوصية تومئ إلى الحضارات الزراعية, خاصة الحضارة المصرية, حيث إنه لايزال يحمل اسم صديق الفلاح, وبما أن الزراعة تعد الثورة الثانية في تاريخ البشرية بعد اكتشاف النار, فإنها دائما ماترمز إلى قوى الخير والخصوبة والنماء, إضافة إلى ارتباطها الوثيق بالحضارة, حتى أن اسمها في معظم اللغات الأوروبية يعني حرفيا "تهذيب الأرض", (Agriculture ), وهو مصطلح مركب, شقه الثاني هو لفظ (culture ), وهو يعني ثقافة/ حضارة, في بعدها الفكري الوجداني الروحي, وليس في بعدها المادي الذي يسمى civilization), أي المدنية. وعلاوة على ذلك فإن أبا قردان الكائن / الطير, الرمز نفسه, يحمل في ذاته أصالة رمزية قديمة, تتجلى في كونه أحد تجليات نوع مميز من الطيور, عرفه المصريون القدماء باسم" إبيس" أو أبو منجل, وقدسوه, بل واعتبروه رمزا للإله, جحوتي " dJhoty", المشهور باسم " تحوت thot, أو " توت", الذي كان إلها للقمر وللحكمة وللطب, وكني "سيد الكلمة المقدسة" على اعتبار أنه نسب إليه اختراع فن الكتابة ص12
وهنا تتجلى أهمية وعي أحمد عبده وتدقيقه في صناعة رموزه بما يلائم الوضع الحقيقي للمرموز إليه, فبعيدا عن المسألة الشوفينية, كانت مصر مع العراق هما مهد الحضارة الإنسانية, حتى أوصلنا عبث التاريخ والتداول الحضاري إلى مانحن فيه الآن "ونحن المسئولون) وحتى لو تحول أبو قردان, ذلك الطير الحكيم ناصع البياض, الذي دائما يخلص الأرض من ديدانها وخبثها, ويسهم في تأسيس الحضارات, لو تحول إلى طائر متشرد يحلق فوق أكوام القمامة, باحثا عن قوته, ملطخ الريش بأوساخ الزمن الردئ!

(هوامش الدراسة)
1 أحمد محمد عبده, رسائل مشفرة( قصص), دار عناوين بوكس, القاهرة 2024
2 التجريد Abstraction وهو نوع خاص من الإدراك, يعزل ذهنيا خصائص الشيء, جوهر الشيء, أو النفاذ إلى أغواره
انظر الموسوعة الفلسفية ص112
3 انظر د صلاح فضل علم الأسلوب: مبادئه, إجراءاته, مناهجه. الهيئة المصرية العامة للكتاب, القاهرة, ط2 1995, ص88 ـ 89
4 للمزيد انظر" فن السلويت" wik < hHps : ar.wikepedia org
5 جاءت أحداث حي الزاوية الحمراء المتاخم لحي الوايلي بالقاهرة يوم 17/ 6/ 1981, نتاجا طبيعيا لصعود القوى الإرهابية المنسوبة ظلما للإسلام, بداية من عقد السبعينيات, لتعكس الصفقات المشبوهة التي عقدها نظام حكم فترة السادات, وما أعقبها, والتي في إطارها غضت الدولة الطرف عن حوادث حرق محلات المسيحيين وقتل العشرات منهم, والحيلولة دون بناء الكنائس, وهو ما امتد بتجليات مختلفة حتى العقد الثاني من الألفية الثانية, للمزيد انظر جريدة البوابة نيوز
6 لم يعتبر الفيلسوف الألماني هيجل الجدل مجرد عملية استدلال , بل عده طريقا ليس في التدليل العقلي وحده, بل في التاريخ وفي الكون كله, ويتألف الجدل عند هيجل من حركة ضرورية تنتقل من القضية إلى نقيضها, ثم إلى التأليف بين الطرفين , انظر الموسوعة الفلسفية المختصرة ص165
7 معاذ الكساسبة طيار أردني وقع أسيرا في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية داعش يوم 24 ديسمبر 2014 في محافظة الرقة شمالي سوريا, فقاموا بإحراقه حيا وهو في قفص حديدي مغلق يوم 3 يناير 2015
8 جورج فلويد George Floyd مواطن أمريكي من أصل أفريقي, قتلته الشرطة الأمريكية أثناء اعتقاله في مدينة مينا بولس بولاية مينيسوتا يوم 25 مايو 2020, حيث ظل الشرطي يضغط على عنقه لمنعه من الحركة لمدة تسع دقائق, فلفظ أنفاسه وراح ضحية العنف العنصري الأمريكي, وتم فصل 4 من الشرطة المتورطين في الحادث
9 صمويل هنتنجتون Samuel Huntington عالم اجتماع وسياسي أمريكي وأستاذ في جامعة هارفارد 1927 / 2008, ويعد واحدا من أكثر علماء السياسة تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين, وهو صاحب نظرية clash of civilizations صدام الحضارات, أو إعادة تشكيل النظام العالمي, والتي أشار فيها إلي أن الحروب القادمة هي الحروب الثقافية, والصدام بين الحضارات أو المدنيات, الغربية, في مواجهة ثماني حضارات: اللاتينية واليابانية والصينية والهندية والإسلامية والأرثوذكسية والأفريقية والبوذية, وبالتالي فإن هذه النظرية تناقض مفهوم الدولة القومية في عالمنا المعاصر, وفي الوقت ذاته تكرس لفكرة أن الصدوع الثقافية, وليست الأيديولوجية أو القومية, يجب قبولها نظريا, باعتبارها الحروب القادمة, وقد نشر هنتنجتون كتابه المشار إليه عام 1996 قبل وفاته بحوالي اثنتي عشرة سنة
10 يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما Yoshi hieo francis fukuyama 1952,عالم وفيلسوف وسياسي واقتصادي وبروفيسور أمريكي من أصل ياباني, يعد تلميذا لهنتنجتون, واشتهر بكتابه the end of History And tHe last man نهاية التاريخ والإنسان الأخير, الصادر عام 1992 وبشر فيه بنهاية الصراع بين الأيديولوجيات, وباستقرار العالم على الديمقراطية الليبرالية, في أعقاب الحرب الباردة وسقوط جدار برلين, مايعني فرض العولمة الأمريكية, كشكل نهائي للحكومات الإنسانية.
11 انظر د/ كارم محمود عزيز, الأسطورة والحكاية الشعبية في العهد القديم, دار عين للبحوث والدراسات, القاهرة 2001 ص159 12 wiki < hHps : ar
بقلم د. كارم محمود عزيز أستاذ الأدب العبري جامعة حلوان
تم تقديم هذه الدراسة فى ملتقى السرديات بالزقازيق عند مناقشة مجموعة "رسائل مشفرة" يوم السبت الموافق 15 ديسمبر 2024






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- هل يمكن أن تتمزق طبلة الأذن في الطائرة أو بسبب الموسيقى الصا ...
- رفضا للإبادة.. فنانو أسكتلندا يطالبون مهرجان إدنبرة بنبذ داع ...
- منتدى النقد الثقافي والدراسات الثقافية يحتفي بتجربة البيضاني ...
- مايا مناع: إقبال الجمهور على -أرض اللبان- يؤكد نجاح RT في بن ...
- RT تعرض فيلمها الوثائقي -أرض اللبان- في سلطنة عمان باحتفالية ...
- الكلفة الإنسانية للرفاهية الغربية.. من مذبحة سفينة -زونغ- إل ...
- مروان خوري يعود إلى سوريا.. ليلة غنائية مجانية على مسرح معرض ...
- أيمن زيدان يكسر صمته ويرد على حملة -كيماوي الوطن ولا بارفان ...
- -حي الطفايلة- في عمّان.. كيف تحوّل سفح جبل فقير إلى -عاصمة ل ...
- الثقافة تعزز التقارب الروسي الجزائري


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كارم محمود عزيز - بين فن السلويت والسرد القصصي قراءة في المجموعة القصصية -رسائل مُشفَّرة- للكاتب: أحمد محمد عبده