علي حسين يوسف
(Ali Huseein Yousif)
الحوار المتمدن-العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 00:47
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تقوم فلسفة ديفيد هيوم على مشروع بالغ الجرأة يرمي إلى إخضاع المعرفة الإنسانية للتحليل التجريبي، وردّ محتويات الذهن إلى الإدراكات الحسية والانفعالات والأفكار، ثم اختبار مدى قدرة هذه المعرفة على الوصول إلى الوجود الموضوعي. وقد أراد هيوم أن يطبق المنهج التجريبي تطبيقًا صارمًا حتى انتهى به الأمر إلى الشك في بعض أكثر المبادئ رسوخًا في التفكير، وفي مقدمتها السببية والجوهر والنفس ووجود العالم الخارجي ووجود الله. وهذه الجرأة النقدية تمنح فلسفته قيمة تاريخية كبيرة، غير أنها تكشف في الوقت نفسه عن تناقضات ومآزق تجعل نتائجها أبعد من مقدماتها.
ينطلق هيوم من التمييز بين «الانفعالات» و«المعاني»؛ فالانفعالات هي الإدراكات القوية الحاضرة، أما المعاني فهي صور هذه الانفعالات في الذهن، ولذلك يضع قاعدة مفادها أن كل معنى صحيح ينبغي أن يكون له أصل انفعالي يمكن إرجاعه إليه، وما لا يمكن رده إلى هذا الأصل يصبح تركيبًا ذهنيًا ينبغي فحصه وتبديده. ومن هنا يرفض المعاني المجردة ويتبنى النزعة الاسمية التي تجعل الكليات مجرد أسماء مرتبطة بمجموعة من الجزئيات المتشابهة.
غير أن هذا المبدأ نفسه يوقع هيوم في مشكلة يصعب تجاوزها؛ لأن عملية ردّ كل معنى إلى انفعال سابق تفترض وجود نشاط عقلي يقوم بالتمييز والمقارنة والانتقال من الجزئي إلى الجزئي، وهي أفعال لا يمكن تفسيرها بمجرد استقبال الانفعالات. والنص نفسه يلفت النظر إلى هذه الثغرة حين يقرر أن هيوم اضطر إلى الاعتراف بقوة خاصة في الذهن تدرك التشابه والتقارن، وبقوة أخرى تفسر انتقال الاسم الكلي من فرد إلى آخر. وهنا يظهر السؤال الحاسم: إذا كان الذهن مجرد مستقبل سلبي للانطباعات، فمن أين جاءت قدرته على المقارنة والتصنيف والتعميم؟ إن القول بقوانين التداعي وحدها لا يفسر فعل العقل في اكتشاف العلاقات، بل يفترض ضمنًا فاعلية عقلية حاول المذهب الهيومي تقليصها.
وتتضح المشكلة أكثر في تفسيره للسببية. يرى هيوم أننا لا ندرك بالحواس ضرورة سببية بين الحوادث؛ فنحن نرى كرة بلياردو تصطدم بأخرى، ثم نرى الثانية تتحرك، لكننا لا نرى «القوة الضرورية» التي تجعل الحركة الأولى سببًا للحركة الثانية. ومن ثم فالسببية، في رأيه، ليست علاقة عقلية ضرورية، وإنما عادة ذهنية تنشأ من تكرار اقتران حادثتين بحيث يؤدي حضور الأولى إلى توقع الثانية.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط القوة في نقد هيوم وأحد أهم مواطن ضعفه في الوقت نفسه. فهو محق في التمييز بين مشاهدة التعاقب الزمني ومشاهدة الضرورة السببية؛ إذ لا تظهر الضرورة الحسية أمام العين كما تظهر الألوان والأشكال. لكنه ينتقل من عدم إدراك الضرورة بالحس إلى إنكار الضرورة العقلية نفسها، وهذه قفزة لا يفرضها التحليل التجريبي. فكوننا لا نرى السببية بوصفها جسمًا أو لونًا لا يعني أنها مجرد عادة نفسية. إن العادة تفسر نشوء الاعتقاد النفسي، لكنها لا تكفي لتفسير الأساس الموضوعي الذي يجعلنا نبحث عن أسباب الظواهر أصلًا.
والأخطر من ذلك أن تحويل السببية إلى عادة يجعل العلم الطبيعي نفسه مجرد مجموعة من التوقعات التي اعتدنا عليها. وقد أدرك النقد هذه النتيجة حين يقرر أن فلسفة هيوم تنتهي إلى إلغاء ضرورة القانون العلمي وردّ الشعور بالضرورة إلى أثر العادة. فإذا كانت العلاقة بين النار والاحتراق مجرد اقتران تكرر في الماضي، فإن انتقالنا من «حدث الاحتراق مرات كثيرة» إلى «النار تحرق بطبيعتها» يصبح بلا أساس ضروري. وبذلك يتحول العلم من معرفة بالقوانين إلى وصف لعادات الطبيعة كما ظهرت لنا حتى الآن.
وهذا يضع هيوم أمام مأزق الاستقراء. فالقول إن المستقبل سيشبه الماضي لا يمكن إثباته بالتجربة؛ لأن الاستدلال بالتجربة يفترض أصلًا أن المستقبل سيجري على النحو الذي جرى عليه الماضي. وهذه ملاحظة عميقة في فلسفة المعرفة، لكنها لا تبرر بالضرورة النتيجة الشكية القصوى. فالإنسان لا يبني العلم على اليقين المنطقي المطلق وحده، وإنما يبنيه أيضًا على الانتظام الموضوعي وقابلية الاختبار والتنبؤ والتصحيح. إن عدم امتلاك برهان قبلي على انتظام الطبيعة لا يعني أن انتظامها مجرد عادة ذاتية.
وتظهر ثغرة أخرى في موقف هيوم عندما يميز بين الحساب والجبر، اللذين يمنحهما درجة عالية من اليقين، وبين الهندسة التي يجعل نتائجها أقرب إلى الاحتمال بسبب عدم مطابقة الخطوط والأسطح المثالية لما نجده في الواقع. لكن هذا التفريق يكشف مشكلة أعمق: إذا كانت المعاني كلها في أصلها صورًا للانفعالات، فكيف تكتسب العلاقات الرياضية ضرورتها؟ وقد لاحظ النص أن هيوم، حين منح الرياضيات قيمة يقينية، لم ينسجم تمامًا مع مبدئه الحسي؛ لأن المعاني عنده مرتبطة بالانفعالات، والعلاقات نفسها متصلة بالتداعي والتكرار.
أما في قضية الوجود الخارجي، فيذهب هيوم إلى أن الذهن لا يتعامل مباشرة إلا مع إدراكاته، ولذلك لا يستطيع أن يتجاوزها إلى إثبات الأشياء المستقلة عنها. فالوجود، في تصوره، لا يضيف انفعالًا جديدًا إلى الشيء، ومن ثم لا نستطيع تكوين انطباع خاص يسمى «الوجود». وينتهي موقفه إلى تعليق الحكم في وجود المادة والنفس والله، مع اهتمامه بنقد الأدلة التي يستند إليها الناس لإثباتها.
لكن هنا أيضًا ينبغي التمييز بين أمرين: حدود المعرفة المباشرة، وبين نفي الوجود الموضوعي. إن كوننا ندرك العالم عبر صور وإدراكات ذهنية لا يساوي منطقيًا أن العالم الخارجي غير موجود. فالإدراك وسيلة اتصال بالواقع، وليس بالضرورة هو الواقع نفسه. ولو جعلنا عدم امتلاكنا إدراكًا مباشرًا للشيء دليلًا على عدم وجوده، لأصبح وجود العالم كله موضع شك؛ بما في ذلك الأجسام التي نتعامل معها في حياتنا اليومية. ومن ثم فالهيومية تنتقل من سؤال مشروع: «كيف نعرف العالم؟» إلى نتيجة أكثر جرأة: «لا نستطيع إثبات العالم كما هو في ذاته»، دون أن يكون الانتقال إلى نفي أو تعليق الوجود نفسه لازمًا بالضرورة.
وفي تحليله للنفس، يرفض هيوم فكرة الأنا الثابتة؛ فعندما ينظر الإنسان إلى داخله لا يجد جوهرًا دائمًا، وإنما يجد سلسلة من الإدراكات والانفعالات المتغيرة. ولذلك تصبح النفس، في هذا التصور، مجموعة من الظواهر الداخلية وعلاقاتها، لا جوهرًا ثابتًا مستقلًا عنها.
وهذا التحليل يلتقط جانبًا حقيقيًا من التجربة الإنسانية؛ فالإنسان فعلًا يختبر تغير مشاعره وأفكاره وذكرياته. لكنه لا يثبت أن وحدة الذات وهم. فالتغير لا يستلزم انعدام الهوية؛ إذ يمكن أن تتغير حالات الشيء مع بقائه هو نفسه. والطفل الذي يصبح رجلًا يختلف في صفاته عن الطفل، ومع ذلك لا نفترض أن شخصًا جديدًا ظهر من العدم. كما أن الذاكرة لا تفسر بالضرورة الهوية الشخصية كلها، بل قد تكون الذاكرة نفسها دليلًا على وجود ذات تستمر عبر الحالات المتغيرة.
ومن أكثر جوانب فلسفة هيوم جرأة نقده للأدلة على وجود الله. فهو ينتقد دليل الغائية، ويرى أن تشبيه الكون بالآلة وتشبيه الله بالصانع الإنساني يتجاوز حدود التجربة؛ لأننا لا نملك تجربة سابقة لخلق الكون حتى نستطيع إقامة القياس عليه. كما يعترض على دليل المحرك الأول ودليل الموجود الضروري، ويرى أن التجربة لا تمنحنا انفعالًا ضروريًا بالوجود، وأن العقل يستطيع تصور الموجود معدومًا. ويستند كذلك إلى مشكلة الشر في نقد تصور العناية الإلهية الشاملة.
وقوة هذا النقد تكمن في أنه يكشف محدودية بعض الاستدلالات الساذجة التي تتعامل مع الكون كما لو كان مجرد مصنوعات بشرية ضخمة. لكنه يصبح أقل حسمًا حين يجعل التجربة الحسية معيارًا وحيدًا لما يمكن للعقل إثباته؛ لأن بعض القضايا الفلسفية لا تكون تجريبية بالمعنى الحسي أصلًا. فالسؤال عن أصل الوجود، وسبب وجود العالم، وضرورة الموجود، لا يمكن اختزاله بسهولة إلى مستوى المشاهدة الحسية. ولذلك فإن نقد دليل معين لا يعني إبطال جميع الأدلة الممكنة على القضية التي يتناولها ذلك الدليل.
وفي الأخلاق، يرفض هيوم رد الحكم الأخلاقي إلى العقل وحده، ويرى أن الإنسان يحكم على الأفعال من خلال الانفعال والتعاطف والشعور بالمنفعة العامة. فالخير والشر لا يظهران في الفعل كصفات مادية مستقلة، وإنما ينشأ الحكم الأخلاقي من طريقة تأثرنا بالفعل، مع تجاوز النزعة الأنانية إلى التعاطف والإنسانية.
وهذه من أكثر أفكار هيوم قابلية للدفاع؛ لأن الأخلاق بالفعل لا تنشأ في الإنسان بوصفها معادلات عقلية مجردة، بل ترتبط بالمشاعر والتعاطف والمصلحة الإنسانية. غير أن جعل الشعور أساسًا نهائيًا للقيمة الأخلاقية يثير مشكلة معيارية: إذا كان الخير ما نستحسنه والشر ما نستقبحه، فمن أين تأتي إلزامية الأخلاق؟ وكيف نميز بين شعور إنساني راقٍ وشعور منحرف أو عدواني؟ إن التعاطف يفسر نشأة بعض الأحكام الأخلاقية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات صحتها.
والنتيجة العامة التي يصل إليها هيوم، بحسب النص، هي «الظاهرية» التي ترد المعرفة إلى ظواهر لا تربط بينها إلا العلاقات التجريبية، وتحوّل الشك إلى موقف فلسفي دائم، مع اعتماد الحياة العملية على الغريزة والعادة. وهذه النتيجة تكشف المفارقة الكبرى في مشروعه: لقد أراد أن ينقذ الفلسفة من الأوهام الميتافيزيقية بواسطة التجربة، لكنه انتهى إلى موقف يهدد الأسس التي تقوم عليها المعرفة العلمية والعقلية نفسها.
فإذا كانت السببية عادة، والقوانين العلمية توقعات، والذات مجموعة إدراكات، والعالم الخارجي افتراضًا، والضرورة العقلية غير قابلة للإثبات التجريبي، فإننا نكون أمام فلسفة شكية يصعب عليها تفسير لماذا ينجح العلم في الكشف عن انتظامات العالم، ولماذا يستطيع العقل أن يبني أنظمة رياضية ومنطقية تتجاوز الخبرة الجزئية، ولماذا يستطيع الإنسان أن يميز بين الوهم والحقيقة.
ومع ذلك، فإن قيمة هيوم الفلسفية لا تتوقف على صحة نتائجه النهائية. لقد أجبر الفلسفة على إعادة النظر في معنى التجربة، وحدود الاستقراء، وطبيعة السببية، ومشكلة الهوية الشخصية، وأسس الاعتقاد الديني والأخلاقي. ومن هذه الناحية يمثل هيوم لحظة نقدية حاسمة في الفلسفة الحديثة. غير أن نقده يصبح أكثر إقناعًا حين يستخدم بوصفه تنبيهًا إلى حدود التجربة، وأقل إقناعًا حين يحوّل تلك الحدود إلى مبرر لإقصاء العقل والوجود والضرورة.
إن المأزق الأساسي في فلسفة هيوم يكمن في أنه جعل التجربة معيارًا للحقيقة، ثم استخدم هذا المعيار لهدم بعض الشروط التي تجعل التجربة نفسها معرفة ذات قيمة. فالتجربة تحتاج إلى عقل يربط ويقارن ويستدل، والعلم يحتاج إلى افتراض قدر من انتظام الطبيعة، والهوية الشخصية تحتاج إلى مبدأ يفسر وحدة التجارب المتعاقبة، والحكم الأخلاقي يحتاج إلى معيار يتجاوز مجرد الإحساس الفردي. لذلك يمكن القول إن هيوم نجح نجاحًا كبيرًا في هدم اليقينيات السطحية، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في بناء نظرية بديلة قادرة على تفسير إمكان المعرفة والعلم والهوية والقيمة.
ومن هنا تظل فلسفته عظيمة من حيث قوتها النقدية، محدودة من حيث قدرتها التأسيسية؛ فقد علّم الفلسفة أن تسأل: «كيف نعرف؟» قبل أن تدعي أنها تعرف، لكنه بالغ في تضييق مجال المعرفة حين جعل ما لا يقع في دائرة الانطباع الحسي قريبًا من الوهم أو العادة. وأهم ما ينبغي الاحتفاظ به من هيوم هو روح النقد والتحقق من أصول المفاهيم، أما تحويل هذا النقد إلى شك شامل في العقل والوجود والضرورة، فيؤدي إلى موقف يصعب عليه أن يفسر نفسه دون الاستعانة ضمنًا بما ينكره من قدرات العقل ومبادئه.
#علي_حسين_يوسف (هاشتاغ)
Ali_Huseein_Yousif#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟