أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسون جهور - الأيزيدية: قراء في تصحيح المسار وتحديات الاستمرارية















المزيد.....

الأيزيدية: قراء في تصحيح المسار وتحديات الاستمرارية


حسون جهور

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 21:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


الايزيدية: قراءة في تصحيح المسار وتحديات الاستمرارية

تأتي هذه الدراسة في سياق اهتمام بحثي باعادة قراءة الموروث الديني والتاريخي الايزيدي، تمهيدا لعمل اوسع في "الانتقال من السرد الموروث الى الفهم الجديد"، وذلك من خلال قراءة نقدية تقوم على التمييز بين الموروث وجذوره التاريخية، وبين ما طرأ عليه من تفسيرات وتأويلات واضافات عبر مراحل زمنية مختلفة. ولا شك ان هذه القراءة لا تهدف الى هدم الموروث او الانتقاص من مكانته، بل الى فهمه في سياقه التاريخي والفكري، بما يسمح بالانتقال من مجرد نقل الرواية الموروثة الى فهم جديد قادر على استيعاب تطورات الانسان والمجتمع ومتغيرات هذا العصر، الذي يواصل تطوره بوتيرة متسارعة تتجاوز في كثير من الاحيان تصوراتنا وتوقعاتنا. الدين في جوهره الروحي والتاريخي، عاش مع البشرية عبر مختلف مراحل وجودها، وهو ظاهرة حية تتفاعل مع المجتمع والزمان والمكان. ولذلك يحتاج الى التكيف والتجدد حتى يحافظ على حضوره واستمراريته. وحسب رؤية الفيلسوف الالماني فريدريك نيتشه (1844م – 1900م)، فان المنظومات العقائدية التي لا تتجدد لتواكب السياق "الزمكاني" للانسان تؤول حتما الى الانكماش والزوال. يقول الدكتور يوسف البنّاي، وهو فيزيائي نظري متخصص في علم الكونيات من جامعة لايبزيغ، ان الدين يقدم للانسان عزاء روحيا ومعنى لوجوده، كما يقدم اجابات عن بعض اسئلته الكبرى، ولا سيما ما يتعلق بالحياة وما بعد الموت. ومن هنا فمن الضروري ان يتلاءم الخطاب الديني مع تطور الانسان الفكري والمعرفي، وان يحافظ في الوقت نفسه على جوهره الروحي وهويته التاريخية.
ثمة دراسات انثروبولوجية تجمع على ان المعتقدات الدينية الاولى ارتبطت ارتباطا وثيقا بالطبيعة وارواح الاسلاف، وشكلت جزءا اساسيا من تشكل الوعي الروحي للبشرية، ومن بين النماذج الحية التي يمكن قراءتها في هذا السياق تبرز الديانة الايزيدية، التي تؤمن بان للكون ولكل ظاهرة طبيعية خالقا لها، وتحمل في موروثها عناصر طبيعانية وعرفانية متوارثة، فضلا عما شهدته عبر تاريخها الطويل من تفاعل وتكيف مع التحولات التي مرت بها المجتمعات المحيطة بها. ويتجلى البعد الطبيعاني في الايزيدية بوضوح في طقوسها ومناسباتها الدينية، حيث تتوجه دعواتهم نحو الشمس باعتبارها نورا الهيا ومصدرا رئيسيا لديمومة الحياة. كما تحيط عناصر الطبيعة الاربعة، الماء والهواء والتراب والنار، بهالة من التقديس والاحترام، بما يعكس عمق ارتباط الموروث الديني الايزيدي بالطبيعة وعناصرها.
هذا الارتباط الوثيق بالكون يعكس امتدادًا مباشرًا لعبادات الطبيعة الأولى التي عرفها الإنسان، ومن جهة أخرى يبرز الجانب العرفاني في الإيزيدية من خلال اعتمادها على النقل الشفهي للأسرار الروحية والنصوص الدينية "القول"، وحصر المعرفة الدينية العميقة بصورة رئيسية في طبقات دينية متوارثة، وهي الشيوخ والبير، ومع ذلك هناك ايضا رجال دين من خارج هاتين الطبقتين، أي من المريدين يؤدون أدوارا روحية ودينية، من حفظ النصوص وتلاوتها في المناسبات الدينية ومجالس العزاء وغيرها. وحسب رؤية بعض الباحثين في التاريخ الإيزيدي، ومنهم الكاتب القدير المرحوم بير خدر سليمان، فإن الإيزيدية مرت بثلاث مراحل ومتغيرات، أي أنها كانت في حالة تغيير وتجدد مستمرين، ومن بين هذه المتغيرات الانتقال من مرحلة تعدد الآلهة إلى تصور الإله الواحد ولا سيما بعد بروز الأديان الإبراهيمية، وما رافق ذلك من اكتساب بعض الأفكار الخارجة عن طبيعة المعتقد الأولى، سواء نتيجة ظروف فرضت التكيف والتعايش مع المجتمعات المجاورة، أو نتيجة التفاعل الطويل معها. اما عملية التجديد والتطور، مثلما ذكر اعلاه، فتبدو واضحة في التاريخ الايزيدي، اذ لم تنعزل الايزيدية في قالب جامد، بل تفاعلت وتاثرت عبر العصور بالمعتقدات الشرقية المحيطة بها، بدءا من الموروثات السومرية والبابلية والميثرائية، وما ارتبط بها من طقوس ومناسبات واعياد متصلة بدورة السنة واستمرارية الطبيعة وتغيراتها، كما يرى الدكتور ارشد محو، الاكاديمي في جامعة دهوك والمتخصص في الدراسات الايزيدية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، ياتي عيد راس السنة الايزيدية (سرسال) الذي يصادف يوم الاربعاء الاول من شهر نيسان وفق التقويم الشرقي اليولياني الذي وضعه يوليوس قيصر عام 46 ق.م.، حيث تزين الارض وجهها وتتهيأ لاستمرار الحياة فيها. وهناك نص الديني يشير الى يوم الاربعاء بوصفه اليوم المرتبط بهذا العيد اي يوم خلق الكون، وهو ما يجعله جزءا اساسيا من رمزيته الدينية. ومن الجدير بالذكر ان تحديد موعد العيد بالاربعاء الاول قد يكون مرتبطا بالتطورات التي طرأت على طرق حساب الزمن والتقويم عبر التاريخ حينئذ. ومن ثم لا يستبعد ان يكون موعد العيد في مراحل تاريخية اقدم قد خضع لحساب مختلف قبل ان يستقر وفق التقويم الشرقي اليولياني المتداول لاحقا. وهذا الامر يظل مجالا مفتوحا للتأويل والبحث التاريخي، ولا سيما في ضوء ارتباط سرسال بدورة الطبيعة وبداية السنة وتجدد الحياة في الموروث الايزيدي. ثم جاء التفاعل مع التصوف العرفاني في عهد الشيخ آدي (عدي) بن مسافر الهكاري (نحو 1075-1162م)، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ تجديد الديانة الايزيدية، وهو ما تناوله الدكتور خليل جندي بالتفصيل في كتبه ولاسيما "البحث عن الدين الايزيدي". وفي هذه المرحلة تفاعل الفكر العرفاني مع الموروث الايزيدي القديم وواقعه الجديد، في سياق يمكن ربطه بما يسميه الكاتب هوشنك بروكا بـ"انسنة الطبيعة". وقد ساعد هذا التمازج بين الجذور الطبيعانية القديمة والابعاد العرفانية اللاحقة الايزيدية على التفاعل مع محيطها والحفاظ على استمراريتها عبر مراحل تاريخية صعبة.
غير أن الاستمرارية لا تعني الجمود، بل تتطلب القدرة على مراجعة الموروث وتمييز جوهره عن العناصر التي قد تكون طرأت عليه عبر التاريخ، ومن هنا تبرز ضرورة غربلة النصوص الدينية والتراثية التي دونت في مراحل لاحقة، ولا سيما تلك التي ظهرت بعد وفاة الشيخ عدي باكثر من قرنين. ولا تعني هذه الدعوة الانتقاص من الهيبة الدينية او التدخل في شؤون القائمين عليها، بل تهدف الى حماية الهوية والموروث من خلال قراءة نقدية علمية دقيقة، والتمييز بين النص الاصيل والتفسيرات والاضافات، لان الذاكرة الشفهية الايزيدية خضعت عبر العصور لظروف سياسية معقدة ومناخات من الاضطهاد التي قد تكون دخلت عليه عبر مراحل تاريخية مختلفة وتحت ظروف متباينة، كان هدفها في كثير من الاحيان محوها من الوجود والقضاء على هويتها الدينية والثقافية.

نستنتج من طرحنا هذا ما يلي:
ـ على الصعيدين الديني والدنيوي، يحتاج الإيزيدي إلى النهوض من سباته وعقلنة الدين.
ـ غربلة مفهوم الدين والنصوص الدينية (الأقوال) والإبقاء على ما يلائم المفهوم الحقيقي للعقيدة الايزيدية.
ـ على الفوق الديني الايزيدي التشاور مع أهل الاختصاص من الكتاب والباحثين وحافظي الأقوال، لغرض الوصول إلى الصيغة المناسبة دون المساس بجوهره الحقيقي.
ـ إخراج بيوت الدين من البازار أوالايجار، وإبعادها عن المصالح المادية والتجارية التي قد تسيء إلى مكانتها ووظيفتها الروحية، بل استخدام واردات لالش المقدس في خدمة المجتمع الايزيدي وتطوير فكره الديني من خلال دراسة رصينة.
ـ مأسسة الدين بما يضمن تنظيم شؤونه.

طالب دكتوراه في التاريخ الحديث
جامعة اوسنبروك - المانيا
10.08.2026



#حسون_جهور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- - تخلخل الحكمة للعقل السياسي في العراق-
- خفايا مجنونة


المزيد.....




- مبادرة إيطالية لمنح أطفال غزة جائزة نوبل للسلام.. وانتقادات ...
- إسرائيل.. 300 جندي يطالبون جيش الاحتلال بوقف الإرهاب اليهودي ...
- الاحتلال يغلق المسجد الإبراهيمي في الخليل لتأمين اقتحامات ال ...
- هل يكرّس قانون العفو العام منطق التسويات الطائفية في لبنان؟ ...
- 100 مستوطن يقتحمون المسجد الأقصى
- الإسلامية المسيحية تدين قرار سلطات الاحتلال إبعاد المفتي عن ...
- أرسل أسرته إلى -الجنة- ثم انتحر!
- عبدول في مرمى الجمهوريين.. هل تتحول هويته الإسلامية إلى معرك ...
- سلطات الاحتلال تمدد إبعاد مفتي القدس عن المسجد الأقصى لستة أ ...
- سوريا.. تكبيرات في المساجد واحتفالات بحكم إعدام بشار الأسد و ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حسون جهور - الأيزيدية: قراء في تصحيح المسار وتحديات الاستمرارية