يونس بوسعيد
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 11:52
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أحمد بوكوس
ترجمة: يونس بوسعيد
تقديم المترجم:
تأتي ترجمة هذا المقال في إطار مقاربة نقدية تهدف إلى مراجعة بعض التصورات الأيديولوجية والمغالطات الشائعة المرتبطة باللغة الأمازيغية وتاريخ الدراسات الأمازيغية. ويسعى هذا العمل إلى تقديم فهم أكثر توازناً لتطور البحث اللساني حول الأمازيغية، من خلال التمييز بين الحقائق العلمية والتأويلات السياسية التي أحاطت بها في بعض الخطابات المعاصرة. ومن بين هذه التصورات الادعاء القائل بأن الأمازيغية ليست سوى مشروع استعماري فرنسي أُنشئ بهدف تقسيم المغرب وإضعاف وحدته، وهو طرح يخلط بين وجود اهتمام استعماري بدراسة اللغة الأمازيغية وبين نشأة اللغة نفسها. فالأمازيغية ليست نتاجاً استعمارياً، بل هي لغة ذات تاريخ عريق يسبق الفترة الاستعمارية بقرون، وكانت متداولة بين مجتمعات شمال إفريقيا قبل ظهور الدراسات الأوروبية حولها. إن قيام باحثين أوروبيين بدراسة الأمازيغية خلال الفترة الاستعمارية لا يعني أنهم أنشأوا اللغة أو اخترعوها، وإنما يعني أن هذه اللغة أصبحت موضوعاً للبحث العلمي في سياق تاريخي معين، كما حدث مع العديد من لغات وثقافات العالم التي خضعت للدراسة في سياقات سياسية مختلفة.
كما يهدف هذا المقال إلى نقد التصور الاختزالي الذي يعتبر أن جميع الدراسات المنتجة خلال الفترة الاستعمارية، على غرار بعض الانتقادات الموجهة للاستشراق، كانت بالضرورة ذات طبيعة سلبية أو محكومة بأهداف سياسية فقط. ولا شك أن بعض الدراسات الاستعمارية تأثرت بالسياقات الفكرية والسياسية لعصرها، وقد حمل بعضها تصورات مرتبطة بالنظرة الاستعمارية للمجتمعات المحلية، وهو أمر يستوجب التحليل والنقد التاريخي. غير أن ذلك لا يبرر رفض مجمل الإنتاج العلمي الذي ظهر في تلك المرحلة، لأن تقييم المعرفة ينبغي أن يستند إلى معايير علمية، مثل دقة المنهج، وجودة الوصف، وقابلية النتائج للمراجعة والتحقق، وليس فقط إلى هوية الباحث أو السياق السياسي الذي أنتجت فيه المعرفة. وفي مجال اللسانيات الأمازيغية، ساهمت العديد من الدراسات المبكرة في توثيق المعطيات الصوتية والصرفية والمعجمية للهجات الأمازيغية، وفي تطوير الوصف المقارن والتاريخي لهذه اللغة، وهي أعمال أصبحت لاحقاً أساساً للبحث اللساني الحديث، رغم ضرورة إخضاع بعض جوانبها للنقد وإعادة التقييم.
وعليه، فإن المقاربة العلمية المتوازنة تقتضي التمييز بين الاستعمار باعتباره نظاماً سياسياً وتاريخياً وبين المعرفة العلمية التي أُنتجت في ظله. فانتقاد المشروع الاستعماري لا يعني بالضرورة رفض كل الدراسات التي ظهرت خلال تلك الفترة، كما أن الاعتراف بالقيمة العلمية لبعض هذه الدراسات لا يعني تبرير السياسات الاستعمارية. إن اختزال الأمازيغية في كونها "مشروعاً استعمارياً" أو التعامل مع كل الدراسات المرتبطة بها باعتبارها أدوات سياسية فقط يؤدي إلى إقصاء البعد اللساني والتاريخي للغة. لذلك، فإن دراسة الأمازيغية تقتضي تجاوز التفسيرات الأيديولوجية المبسطة، واعتماد مقاربة نقدية تضع اللغة ضمن سياقها التاريخي والعلمي، باعتبارها موضوعاً لسانياً وثقافياً له وجود سابق على الاستعمار ومستقل عن الأهداف السياسية التي قد ترتبط أحياناً بدراسته أو توظيفه.
المقدمة
يتمثل الهدف الأساسي من هذا المقال في تقديم نظرة عامة حول الأدبيات التي تناولت علم اللهجات الأمازيغية خلال الفترة الاستعمارية، والتي شملت مختلف المناطق ضمن المجال الأمازيغي. وتتناول الدراسة مجموعة من القضايا، من بينها تأثير الأيديولوجيا في الدراسات اللهجية الأمازيغية الاستعمارية، والأسس التي قامت عليها السياسة الاستعمارية في المجال اللغوي، ولا سيما الإطار السياسي، ووضعية الباحثين، والمؤسسات المكلفة بالبحث الميداني. كما تسعى إلى تقييم الأدبيات التي اهتمت باللهجات الأمازيغية، من خلال إبراز نقاط قوتها ونقائصها. وأخيرًا، يركز المقال على الإسهام اللاحق لعلم اللهجات الأمازيغية الاستعماري في عملية إحياء اللغة الأمازيغية ضمن حركة النهضة الأمازيغية خلال مرحلة ما بعد الاستقلال.
1. اللسانيات والأيديولوجيا
1.1. علم اللهجات الأمازيغية والاستعمار
على امتداد العالم، رافق الغزو الاستعماري اهتمامٌ واضح باللغات "الغريبة" لأغراض عملية ارتبطت أساسًا بالحاجة إلى فهم لغات الشعوب المستعمَرة والتحدث بها، والتعرّف على ثقافاتها ومعتقداتها وتصوّراتها عن الكون. ومن ثمّ، فقد خضع إنتاج المعرفة حول هذه اللغات، في المقام الأول، لدوافع سياسية مرتبطة بالسيطرة على المجال وثرواته وبإخضاع الشعوب "الأصلية". وفي هذا السياق تحديدًا، تطوّرت علم اللهجات الاستعماري أو الكولونيالي (colonial dialectology)، ليس فقط في ظل بعض الأحكام المسبقة والممارسات السياسية الفعّالة، وإنما أيضًا مع تحقيق إنجازات مهمة على مستوى علم اللغة . وتتشابه حالة الأمازيغية المغربية، من جميع النواحي، مع حالة لغات أخرى عرفت ممارسة علم اللهجات الاستعماري، رغم أنها عرفت بعض التأخر مقارنةً بلهجات أمازيغية أخرى، مثل القبائلية. فقد أصبحت اللهجات الأمازيغية في المغرب موضوعًا للدراسة العلمية في وقت متأخر نسبيًا، وذلك مع بداية الغزو الاستعماري، ثم خلال مرحلة ما بعد الاستعمار بفضل إسهامات اللسانيات الحديثة من خلال أبحاث أنجزها باحثون ناطقون بها وغير ناطقين بها. وقد أسهمت هذه الأبحاث، بطبيعة الحال، في تجديد الوعي بالأمازيغية من خلال دراسة أبعادها الصوتية والفونولوجية، والصرفية، والمعجمية، والتركيبية. وكان الأثر الأساسي لهذه الدراسات يتمثل في إسهامها في إسناد رصيد معرفي وعلمي للأمازيغية، جعل منها مجالًا للإنتاج العلمي المستفيد من منجزات العلوم والمعرفة.
1.2. ضرورة النقد المزدوج: نحو مراجعة الإرث الإستعماري في دراسة الأمازيغية
قبل الفترة الاستعمارية، لم تكن هناك سوى أعمال قليلة مكرّسة لدراسة اللغة والثقافة الأمازيغية، باستثناء بعض المخطوطات المكتوبة بالحرف العربي التي خلّفها بعض العلماء الأمازيغ. وهذا يعني أن الدراسات اللهجية التي أُنجزت خلال هذه المرحلة أسهمت، من جهة، في جعل الأمازيغية موضوعًا للدراسة العلمية، ومن جهة أخرى، في توفير شروط الحفاظ على اللغة والثقافة الأمازيغية وتعزيزهما، وذلك في ظل الزخم الجديد الذي منحته السياسات اللغوية والثقافية المستجدة في دول المغرب الكبير المستقلة.
يتمثل الهدف العام من هذا النص في الإسهام في توثيق تاريخ البحث العلمي حول الأمازيغية من خلال تقديم تقييم موضوعي ونقدي، بعيدًا عن المقاربات الإيديولوجية الاختزالية، للإرث العلمي الاستعماري وللأبحاث الاحقة التي أُنجزت في مرحلة ما بعد الاستعمار. أما هدفه الخاص فيتمثل في تقديم عرض موجز للدراسات التي أُنجزت في مجال اللهجات الأمازيغية خلال الفترة الاستعمارية في منطقة المغرب الكبير. ومن البديهي أن هذا العمل لا يهدف بالدرجة الأولى إلى تقديم وصف شامل ومفصل لمختلف الدراسات المنجزة، بقدر ما يسعى إلى تقديم قراءة تحليلية ونقدية للخطوط العامة للإنتاج العلمي للباحثين في الدراسات الأمازيغية. ومن الضروري التوضيح هنا أن الغاية ليست، بأي حال من الأحوال، ممارسة نقد يهدف إلى تصفية حسابات مع مرحلة معينة من تاريخنا المشترك؛ بل تتمثل في تقديم تقييم موضوعي ومتجرد لإنتاج علمي أُنجز ضمن سياق تاريخي محدد، وذلك بهدف قياس ما قدمه لنا من إسهامات ساعدت الدراسات الأمازيغية على استدراك تأخرها التاريخي، وكذلك فهم التصورات والصور التي حكمت مقاربات دراسة الأمازيغ ومختلف الصور التي قُدِّمت عنهم من خلالها.
2. الإطار المرجعي للدراسة
2.1. الإطار السياسي
نشأ اهتمام الغربيين بلغات البلدان الواقعة فيما وراء البحار في سياق تاريخي تزامن مع مرحلة النمو الصناعي والتجاري في أوروبا الغربية، وكذلك مع التوسع السياسي والعسكري لأقوى الدول الأوروبية، ولا سيما إنجلترا وفرنسا.
لقد سبقت الاستعمارَ الفعليَّ إجراءات سياسية وعمليات لجمع المعلومات، انطلاقًا من المبدأ المعروف: اعرف الناس لكي تتمكن من التأثير فيهم وإخضاعهم. وهكذا، يعود أول كتاب في قواعد اللغة الأمازيغية إلى سنة 1844، وهو من تأليف الدبلوماسي فينتور دو بارادي (Venture de Paradis) ومن اللافت دلاليًا أن هذا الكتاب نُشر بمساعدة وزارتي الحرب والتجارة.
أثارت لغات البلدان المستعمَرة أو التي كانت مهيّأة للاستعمار اهتمام الأوروبيين لثلاثة أسباب رئيسية على الأقل:
(1) باعتبارها وسيلة للتواصل، تتيح اللغات إمكانية إقامة اتصال مباشر مع المجتمعات المستعمَرة.
(2) وباعتبارها حاملاً للثقافة، توفر اللغات وسيلة للتعرّف على عادات المستعمَرين وتقاليدهم، وكذلك على تمثلاتهم الذهنية، ولا سيما من خلال تراثهم الشفهي وغير المادي.
(3) وأخيرًا، باعتبارها أداة أساسية، فإن اكتساب هذه اللغات يسهل البحث في مجالات معرفية أخرى، مثل الإثنوغرافيا (علم وصف الشعوب)، والجغرافيا، والتاريخ، وغيرها.
2.2. وضعية الباحث
إذا كان البحث العلمي قد خضع، بوجه عام، لتأثير السياسة الاستعمارية وتوجهاتها، فإنه ينبغي، مع ذلك، الحذر من الفكرة التبسيطية التي تعتبر دارسو اللهجات في الحقبة الاستعمارية مجرد عملاء عميان ومتحمسين للسياسة الاستعمارية وللإقامة العامة. كما يجب تجنّب الخلط بين مختلف فئات الفاعلين الذين كرّسوا جهودهم لمهمة وصف اللغات، وهم: العسكريون، والمبشرون، والباحثون الأكاديميون. ذلك أن تكوين هؤلاء الفاعلين وأهدافهم المباشرة لم تكن متطابقة، بل كانت تختلف فيما بينها:
(1) كان المترجمون العسكريون يهدفون، قبل كل شيء، إلى تزويد ضباط الشؤون الأهلية بكتب في قواعد اللغة ومعاجم ثنائية اللغة، تساعدهم على اكتساب المبادئ الأساسية للغات المجتمعات التي كان يُراد تهدئتها أو السيطرة عليها في وقت وجيز. ويُعدّ الجنرال هانوتو (Hanoteau)أبرز مثال على دارسو الأمازيغية ذوي الخلفية العسكرية، إذ ظلت مؤلفاته حول القبائلية (1858) والطوارقية (1860) ، لفترة طويلة، نماذجَ احتذى بها الباحثون اللاحقون. إضافة إلى ذلك، فقد أُطلقت العديد من الدراسات الوصفية للهجات الأمازيغية، ودُعمت ونُشرت تحت إشراف السلطات العسكرية التابعة للحكومة العامة في الجزائر.
كان من أبرز الضباط المهتمين بالدراسات الأمازيغية، إلى جانب هانوتو (Hanoteau)، كل من بيارني (Biarnay)، ورينيسيو (Renisio)، ولوبينياك (Loubignac)، وجوردان (Jordan)، وأسبينيون (Aspinion). كما ارتبط بالمشروع الاستعماري عددٌ من المترجمين الذين كانوا ناطقين أصليين بالأمازيغية، وكان معظمهم من منطقة القبائل، ومن بينهم عبيس (Abès)، وبوليفة (Boulifa)، وسيد كاوي (Cid Kaoui).
(2) أما بالنسبة إلى المبشّرين، فقد كان هدفهم من خلال دراسة لغات المجتمعات المستعمَرة هو تنصير المجتمعات الناطقة بالأمازيغية، انطلاقًا من تصور غير دقيق مفاده أن هذه المجتمعات لم تكن قد أسلمت إلا بشكل سطحي. وكان من أشهر هؤلاء الأب دو فوكو (Père de Foucauld) في مجال دراسة الطوارق، إضافة إلى المبشّرين الإسبان الأخ إيبانيز (Br. Ibañez) والأخ ساريونانديا (Br. Sarrionandia).
لقد أدّى المبشّرون عمومًا دورًا مهمًا في تطوّر الدراسات اللهجية الأمازيغية. فقد قام الأب ج. هيج (G. Huyghe) بإعداد معاجم (قبائلية-فرنسية وشاوية-فرنسية)، كانت من بين أولى المعاجم الثنائية اللغة. أما الأب شارل دو فوكو (Ch. de Foucauld)، وهو ضابط سابق أصبح راهبًا، فقد ألّف أضخم معجم في مجال المعجمية الأمازيغية، وهو المعجم الطوارقي-الفرنسي (Dictionnaire touareg-français, 1951). وفي فترة لاحقة، قدّم الآباء البيض (Pères Blancs) ،المعروفة كذلك بجمعية مرسلي إفريقيا، إسهامات بارزة في دراسة اللهجات الأمازيغية في الجزائر، كما تُعدّ الأعمال والمواد العلمية التي خلّفها كلّ من جان ماري داليت (J. M. Dallet)، و جان ديلور (J. Delheure)، وجاك لانفري (J. Lanfry)، أدوات بحثية لا تقدّر بثمن.
(3) أما الأكاديميون، فقد كان اهتمامهم الأساسي منصبًّا على وصف بنى اللغات، انطلاقًا من هدف علمي بالدرجة الأولى. ومن أبرز الباحثين في هذا المجال: رينيه باسي (R. Basset)، وأندري باسي (A. Basset)، وإمييل لاوست (É. Laoust)، إدموند ديستانغ (E. Destaing)، وجورج مارسي (G. Marcy)، وأرسين رو (A. Roux)، وأندري بيكار (A. E. Picard)، وليونيل غالان (L. Galand)، وبولت غالان-بيرني (P. Galand-Pernet). وقد تولّى الأكاديميون زمام المبادرة في دراسة الأمازيغية بعد مرحلة الفتح العسكري وإحكام السيطرة الاستعمارية. إذ وفّرت المدرسة العليا للآداب بالجزائر (L’École Supérieure des Lettres d’Alger)، ثم كلية الآداب بالجزائر (la Faculté des Lettres d’Alger)، ومعهد الدراسات العليا المغربية بالرباط (l’Institut des Hautes Études Marocaines)، عددًا كبيرًا من الباحثين الذين خلّفت أعمالهم قيمة علمية كبيرة.
ومع ذلك، فإن الدراسات الأكاديمية نفسها قد تُوظَّف لأغراض سياسية، كما يشهد على ذلك تصريح إيميل لاوست (É. Laoust):
لم تغبّ فكرة المنفعة قط عن البحوث اللغوية التي انطلقت واستمرت لأغراض علمية. وكما كان الأمر في عهد هانوتو (Hanoteau)، فإن دراسة اللهجات، في نظرنا، كانت ولا تزال ذات غاية عملية أكبر وفائدة أكثر مباشرة فيما يتعلق بإدارة هذا البلد (المغرب) والسيطرة عليه. فقد كان الإلمام باللغة العربية كافيًا ما دامت علاقاتنا مع القبائل الأمازيغية تقتصر على معالجة المصالح العامة المرتبطة بالفتح وإحلال السلم. غير أن ضباطنا ومترجمينا العسكريين كانوا أول من أدرك مدى أهمية التواصل المباشر مع السكان المحليين دون اللجوء إلى وسطاء قد لا يكونون موثوقين في بعض الأحيان. وبناءً على ذلك، أصبح تنظيم تعليم عملي للهجات الأمازيغية أحد أولى اهتمامات الإدارة.
(4) وإلى جانب هذه الفئات الثلاث من دارسو الأمازيغية، ينبغي إضافة فئة الناطقين بالأمازيغية، ومن أبرز ممثليها بن سديرة (Ben Se--dir--a)، وبوليفة (Boulifa)، وبن خواس (Ben Khouas)، وسيد كاوي (Cid Kaoui). وقد تلقّى هؤلاء تكوينهم إما من طرف المؤسسة العسكرية ليعملوا مترجمين و/أو من طرف الأكاديميين ليكونوا مساعدين لهم في مجال التدريس. وقد ألّف هؤلاء الباحثون الأمازيغ ذوو الأصل المحلي كتبًا في قواعد اللغة، وجمعوا مجموعات من النصوص والمعاجم الخاصة بلهجاتهم الأصلية. ومن أمثلة ذلك الدراسات التي تناولت القبائلية، مثل أعمال بن سديرة (1887)، وبوليفة (1913)، أو الدراسات المتعلقة بلهجات أمازيغية أخرى، مثل تشلحيت في أعمال بوليفة (1909)، وسيد كاوي (1907), والأمازيغية الوسطى (تمازيغت) في عمل سيد كاوي (1907). ويبدو أن هذه الظاهرة كانت مميّزة للأمازيغ الجزائريين، ولا سيما منطقة القبائل. أما بروز تيار قوي من الباحثين الأمازيغ المتخصصين في الدراسات العلمية فلم يظهر إلا بعد مرور ما يقارب قرن من الزمن.
تُعدّ حالة بلقاسم بن سديرة جديرة بالاهتمام والدراسة بشكل خاص. فقد كان من أبناء بسكرة، وتلقّى تكوينه في إحدى أوائل المدارس الفرنسية التي أُنشئت في الجزائر. ونظرًا لما أظهره من قدرات متميزة كطالب موهوب ومثابر، أُرسل إلى المدرسة العليا للتكوين بفرساي (École Normale de Versailles)، ثم إلى جامعة السوربون (Sorbonne) تحت رعاية الجنرال غريسلي (General Gresley) ودوروي (Duruy)، وزير التعليم العمومي. وبعد استكمال تكوينه، عُيّن أستاذًا للغتين العربية والأمازيغية في المدرسة العليا للآداب بالجزائر (École Supérieure des Lettres d’Alger). ويُعزى إليه تأليف إحدى أولى الدراسات حول القبائلية سنة 1887.
3.2. المؤسسات العلمية ودورها في دراسة الأمازيغية
استفادت الدراسات الأمازيغية من بنية مؤسساتية مهمة قائمة على التعليم والبحث والنشر. وفيما يلي بعض المعطيات التي تُظهر مدى الاهتمام بدراسة اللهجات الأمازيغية.
3.2..1 الجزائر
(1) تدريس الأمازيغية في المدرسة العليا للآداب، ثم في كلية الآداب بالجزائر، منذ ثمانينيات القرن التاسع عشر؛
(2) إحداث شهادة اللغة الأمازيغية سنة 1885؛
(3) إنشاء دبلوم في اللهجات الأمازيغية (والعربية)؛
(4) منح مكافأة مالية للأساتذة الحاصلين على شهادة الأمازيغية أو دبلوم اللغة العربية؛
(5) تدريس الأمازيغية في المدرسة العليا للأساتذة ببوزريعة (وكان سعيد بوليفة من بين أوائل الحاصلين على شهادتها)
(6) إنشاء الآباء البيض (Pères Blancs) لـملف التوثيق الأمازيغي (Fichier de documentation berbère) في فورت ناسيونال (Fort National)، وقد ظل هذا الملف قائمًا خلال الفترة الممتدة من سنة 1946 إلى سنة 1972؛
(7) وجود بعض دور النشر في الجزائر العاصمة المتخصصة في نشر الكتب الأمازيغية والعربية، كما هو الحال بالنسبة إلى دور جوردان (Jourdan)، وكاربونيل (Carbonel)، وتيبو-ليتو (Typo-Litho)، وغيرها.
3.2..2 المغرب
مباشرة بعد توقيع معاهدة الحماية سنة 1912، أنشأ ليوطي (Lyautey) مجموعة من المؤسسات والمنشورات التي كان هدفها تعزيز الأبحاث اللغوية والإثنوغرافية والتاريخية والقانونية والسياسية، والإشراف عليها وتوحيدها مركزيًا. وكانت أبرز مؤسسة أُنشئت في الرباط هي المدرسة العليا للغة العربية واللهجات الأمازيغية (Superior School of Arabic and Berber Dialects)، التي تحولت لاحقًا إلى معهد الدراسات العليا المغربية (Institute for Moroccan High Studies). كما أُنشئت لجنة الدراسات الأمازيغية (Committee of Berber Studies)، وشرعت منذ سنة 1915 في إصدار مجلة الأرشيف الأمازيغي (Archives Berbères)، وهي المجلة التي أفسحت المجال لاحقًا أمام إصدار نشرة معهد الدراسات العليا المغربية (Bulletin de l’Institut des Hautes Études Marocaines). وفي سنة 1921، تأسست مجلة هسبيريس (Hespéris) في الرباط، وقد احتضنت كلًّا من الأرشيف الأمازيغي ونشرة معهد الدراسات العليا المغربية.
كان للمعهد أيضًا منشوراته الخاصة. وقد تعاقب على إدارته عدد من الأكاديميين، من أمثال هـينري باسي (H. Basset)، وإيفاريست ليفي-بروفنسال (E. Lévi-Provençal)، ولويس برونو (L. Brunot)، وهـنري تيراس (H. Terrasse). وكان الحاصلون على الشهادات العلمية يُكافَؤون بمنح جوائز تشجيعية.
كما أُنشئت هيئات إدارية وعسكرية متخصصة في جمع المواد اللغوية والسوسيولوجية والإثنوغرافية. وقد أسهم المراقبون المدنيون، ولا سيما ضباط الشؤون الأهلية، في إنجاز أبحاث في مجالات مختلفة بكفاءة متميزة. وكانت هذه الأبحاث تُنشر عادةً في مجلات مثل الأرشيف الأمازيغي (Archives Berbères)، وإفريقيا الفرنسية (Afrique Française)، أو مجلة الجغرافيا المغربية (Revue de Géographie Marocaine).
في فرنسا نفسها، أُدرج تدريس الأمازيغية في مدرسة اللغات الشرقية (École des Langues Orientales) سنة 1913، وهي مؤسسة كانت مكرّسة لتكوين الأطر الاستعمارية. وقد أُسند تدريسها إلى إدموند ديستانغ (E. Destaing)، ثم، بعد وفاته سنة 1940، إلى أندري باسي (A. Basset) الذي ظل يشغل هذا المنصب إلى غاية وفاته سنة 1956، ليخلفه بعد ذلك ليونيل غالان (L. Galand). أما في المناطق الخاضعة للنفوذ الإسباني، أي المنطقة الشمالية والمنطقة الجنوبية التي تشمل إفني والصحراء، فقد كان للحماية الإسبانية أيضًا مؤسساتها ومنشوراتها وأطرها الخاصة فيما يتعلق بالبحث في المجالات الإثنوغرافية والتاريخية واللغوية والأدبية.
تتمثل ركائز التقليد العلمي الإسباني في دراسة العربية والأمازيغية في:
(1) مؤسساتٌ مثل المعهد العام فرانكو للبحث والدراسات الإسبانية العربية (Instituto General Franco de Investigación y Estudios Hispano Arabe) في تطوان، ومعهد الدراسات الإفريقية (Instituto de Estudios Africanos) في مدريد، ومدارس الدراسات العربية في مدريد وغرناطة (Las Escuelas de Estudios Arabes de Madrid y Granada)، و وغيرها؛
(2) منشوراتٌ مثل: دفاتر الدراسات الإفريقية (Cuadernos de Estudios Africanos)، ومجلة القوات الاستعمارية (Revista de Tropas Coloniales) التي أصبحت لاحقًا تحمل اسم إفريقيا (Africa)، وموريتانيا (Mauritania)، والمجلة الإسبانية الإفريقية (Revista Hispano-Africana)، والمجلة الريفية (Revista Rifeñia)، وتمودة (Tamuda)
(3) فاعلون مثل: المراقبين الإداريين (Interventores)، والمبشّرين، والباحثين، ومن بينهم الأخ إيبانيز (Br. Ibañez)، والأخ ساريونانديا (Br. Sarrionandia)، وفيغيراس (Figueras)، ودومينيك-لافوينتي (Domenech-Lafuente)، ولاريا بالاسين (L. Palacin).
ولتَلخيص التصور العام الذي كان يؤطر الدراسات الأمازيغية، يمكن الاستشهاد بمقتطف من المقدمة التي كتبها المقيم العام المفوض لفرنسا في المغرب، الجنرال غيوم (Army General Guillaume)، للكتاب المدرسي الذي ألّفه المقدم أسبينيون (Lieutenant-Colonel Aspinion) بعنوان لنتعلم الأمازيغية (Apprenons le Berbère):
إن هذا العمل الدقيق والشامل يأتي في وقته المناسب، لا سيما وأن كتب قواعد اللغة الأمازيغية السابقة أصبحت في الوقت الراهن غير متوفرة. وسيكون أداة قيّمة للفرنسيين الذين، إدراكًا منهم لمهمتهم في هذا البلد، أدركوا أن كسب تعاطف المجتمعات الأصلية يقتضي، قبل كل شيء، التحدث بلغتها. وليكن هذا العمل أيضًا شهادة موجهة إلى الضباط الشباب والمراقبين المدنيين الذين تتمثل مهمتهم في مراقبة السكان الأمازيغ، حتى يتمكنوا، على غرار المؤلف، من فهم الواقع الإنساني للمغرب.
ومن الجدير بالذكر، أخيرًا، أنه إلى جانب الباحثين الفرنسيين والإسبان في مجال الدراسات الأمازيغية، وُجدت مجموعة أخرى من الأكاديميين الألمان (أو الناطقين بالألمانية)، وهي مجموعة محدودة العدد لكنها ذات مستوى علمي متميز، من المتخصصين في اللغات الشرقية والمهتمين بالأمازيغية، ومن أبرزهم هـوغو شوخارت (H. Schuchardt)، وهـانز شتوم (H. Stumme)، وإدفارد فيسترمارك (E. Westermarck). وقد بدا أن هذا التقليد الألماني في الدراسات الأمازيغية قد اندثر منذ الحرب العالمية، غير أنه شهد انتعاشًا جديدًا ابتداءً من ستينيات القرن العشرين مع باحثين مثل شميت براندت (S. Brandt)، وفيرنر فيتشل (W. Vicychl)، وألفريد فيلمس (A. Willms)، وديمتر إيبريسيموف (D. Ibriszimov)، وغيرهم.
لم يظهر الباحثون الإنجليز في مجال الدراسات الأمازيغية إلا في أواخر خمسينيات القرن العشرين، ومن بينهم: جوزيف روي أبليغيت (J. R. Applegate)، وإرنست توفيق عبد المسيح (E. T. Abdelmassih)، وجانيت هاريس (J. Harries)، وتوماس بنشوين (T. Penchoen)، وجيمس بينون (J. Bynon).
.3تقييم إيجابي عام للإرث العلمي للدراسات الأمازيغية
تنقسم الأعمال المتعلقة باللهجات الأمازيغية إلى ما يلي:
(1) معاجم ثنائية اللغة أمازيغية-فرنسية و/أو فرنسية-أمازيغية، مثل عمل إدموند ديستانغ (E. Destaing, 1920) وكذلك المعاجم الإسبانية-الأمازيغية مثل أعمال إستيبان إيبانيز (E. Ibañez, 1944, 1949).
(2) دراسات تتضمن المبادئ الأساسية لعلم الأصوات، ووصفًا مفصلًا نسبيًا للصرف الاسمي والفعلي، وبعض عناصر تركيب الجملة، ونصوصًا من الأدب الشفهي مدوّنة بالحروف اللاتينية، إضافة إلى معجم؛ ومن أمثلتها أعمال إيميل لاوست (É. Laoust, 1918)، وأميدي رينيسيو (A. Renisio, 1932).
(3) دراسات في مجال المعجمية والجغرافيا اللغوية، مثل أعمال إيميل لاوست (É. Laoust, 1920)، وأندري باسي (A. Basset, 1942)، وليونيل غالان (L. Galand, 1960).
(4) دراسات دقيقة تتناول جانبًا محددًا من قواعد اللغة، وترتبط عمومًا بالصرف، مثل عمل أندري باسي (A. Basset, 1929).
(5) دراسات تركيبية شاملة، مثل أعمال جورج مارسي (G. Marcy, 1931)، وخاصة أندري باسي (A. Basset, 1952).
(6) مختارات أدبية (Chrestomathies) تشمل الحكايات والأساطير والأمثال والنصوص الإثنوغرافية، مثل أعمال أرسين رو (A. Roux, 1942)، وشارل بيلا (Ch. Pellat, 1955).
تجلّى حماس الباحثين الوصفيين أساسًا في نمط الدراسات الأحادية (المونوغرافية)، ولا سيما في إعداد الكتب التعليمية الموجّهة إلى تعليم اللغة وتعلّمها. ويمكن بسهولة فهم الدوافع الكامنة وراء هذا الاختيار. وعلى العكس من ذلك، فإن الدراسات التفصيلية التي تتناول نقاطًا محددة من قواعد اللغة تظلّ قليلة ونادرة.
كانت الدراسات المنجزة عبارة عن أوصاف تزامنية (synchronic de-script-ions) تركز عادةً على لهجة واحدة بعينها. وكان نطاق المقارنة يقتصر على اللهجات المجاورة، دون أن يمتد بشكل منهجي إلى باقي اللهجات الأمازيغية الأخرى، فضلًا عن اللغات الأخرى ضمن المجموعة الحامية (Hamitic group) أو اللغات السامية.
تتألف الأعمال المنجزة في معظم الأحيان من عرض نحوي موجز يشتمل على بعض العناصر الأولية في علم الأصوات، ووصف للصرف الاسمي والفعلي، ونصوص إثنوغرافية، ومعجم. كما أن تصنيف صيغ الأفعال وأنماطها إلى أشكال ومجموعات وأنواع يختلف من مؤلف إلى آخر، وهو ما يكشف عن محدودية مقاربتهم غير المنهجية.
إضافة إلى ذلك، فإن المؤلفين كانوا، في كثير من الحالات، يُسقطون الفئات النحوية للغة الفرنسية على قواعد اللغة الأمازيغية. ويظهر ذلك بشكل خاص في معالجة القيم الجهية (aspectual values) في الأمازيغية، حيث كانت تُدرس بطريقة مماثلة للقيم الزمنية والمزاجية في اللغة الفرنسية .فعلى سبيل المثال، يقوم سامويل بيارني (S. Biarnay, 1908) بمطابقة زمن الماضي في الأفعال الأصلية بالصيغة السببية (factitive) في ورقلة مع أزمنة اللغة الفرنسية، وهي: الماضي البسيط (past indefinite)، والماضي التام (past definite)، والماضي السابق (past anterior), والماضي التام/البعيد (pluperfect)، والماضي الشرطي (past conditional)، والماضي والماضي التام منصوب (past and pluperfect of the subjunctive)، والمستقبل التام (future anterior)، والمصدر الماضي (past infinitive). وإلى جانب وصف بعض اللهجات، فإن من أبرز إسهامات علم اللهجات في الحقبة الاستعمارية أنها أسهمت في رسم الملامح الأولى للخريطة اللغوية للمجال الناطق بالأمازيغية في المغرب الكبير.
.1.3 الجزائر
وفقًا لـ أندري باسي (A. Basset)، كان ثلث سكان الجزائر ناطقين بالأمازيغية. وينقسم هذا السكان إلى أربع مجموعات موزعة جغرافيًا على النحو الآتي (1) :شمال غرب الجزائر ووسطها؛ (2) منطقة القبائل؛(3) الشاوية؛ (4) المناطق الجنوبية، وتشمل جنوب وهران، ووادي مزاب، وجنوب قسنطينة.
تتسم الكثافة السكانية للناطقين بالأمازيغية بالتفاوت من منطقة إلى أخرى. ويُقدَّر أن منطقة القبائل، والأوراس، ومزاب تضم مجتمعةً حوالي 95% من المتحدثين بالأمازيغية في الجزائر؛ وتُعدّ القبائل أكبر هذه المجموعات من حيث العدد. وعليه، فإن المجالات الأربعة التي حدّدها علماء اللهجات تمثل تجمعات تتميز لهجاتها بدرجة كافية من التجانس تسمح باعتبارها كيانات متميزة. غير أن التنوع اللغوي (ولا سيما التنوع الصوتي والمعجمي) يُعدّ واقعًا موثقًا بشكل كافٍ داخل كل واحد من هذه التجمعات، مما يجعل من الممكن أيضًا تحديد جيوب لغوية فرعية داخلها.
لقد دُرست اللهجات الأمازيغية الجزائرية بشكل غير متكافئ من طرف الباحثين في الدراسات الأمازيغية خلال الحقبة الاستعمارية. واستنادًا إلى البيبليوغرافيا الواردة في أندري باسي (المصدر نفسه)، نلاحظ ما يلي:
(1) تخصّص 28 دراسة لغوية لمنطقة القبائل، من بينها 13 دراسة مكرّسة للهجات آيت إيراثن (Aït Iraten) وإيرجن ((Irjen؛
(2) ترتبط 23 دراسة بلهجات غرب الجزائر ووسطها، منها 6 دراسات مخصّصة للهجة بني سنوس، و5 دراسات للهجة بني مناصر؛
(3) تتناول 22 دراسة لهجات الشاوية، من بينها 10 دراسات مكرّسة خصوصًا للهجات الأوراس؛
(4) تركّز 14 دراسة على اللهجات الجنوبية، منها 6 دراسات تتعلق بشكل خاص باللهجات المزابية.
وبناءً على ذلك، نلاحظ أنه من الناحية الكمية، كانت اللهجات الأمازيغية الجزائرية موضوعًا لدراسات مهمة نسبيًا، بل إن عدد هذه الدراسات قد يفوق، ربما، عدد الدراسات التي خُصّصت للهجات الأمازيغية المغربية.
.2.3 تونس
قدّر أندري باسي (A. Basset, 1952) نسبة الناطقين بالأمازيغية في تونس بحوالي 1% من مجموع السكان، حيث يتركّز ما يقارب 40% منهم في جربة. وينقسم هؤلاء الناطقون إلى 13 تجمعًا سكانيًا تقع في جنوب تونس، يوجد خمسة منها في جربة. أما أبعد هذه التجمعات نحو الشمال، فيقع بالقرب من قفصة. وتتوزع هذه التجمعات ضمن أربع مجموعات رئيسية تقع في المناطق التالية: شرق قفصة، ومطماطة، وفمّ تطاوين، وجربة.
إن الوضعية اللغوية للأمازيغية في تونس، كما وصفها أندري باسي (A. Basset, 1952)، لم تعرف تغيرًا كبيرًا منذ ذلك الحين. فقد لاحظ توماس بنشوين (Th. G. Penchoen, 1968) ، في مرحلة لاحقة، أن الناطقين بالأمازيغية في سند لم يعودوا سوى من فئة المسنين. وتجدر الإشارة إلى أن هذا التجمع كان، في بداية القرن العشرين، أمازيغي اللسان بشكل حصري (P. Provotelle, 1911). ومع ذلك، لا تزال قرى مطماطة وفمّ تطاوين ناطقة بالأمازيغية بشكل كامل. أما في جربة، فما تزال قلالة (Guellala) ناطقة بالأمازيغية بصورة تامة، في حين أن سدويكش (Sadwiikesh) نصف ناطقة بالأمازيغية، بينما لا يتجاوز الناطقون بالأمازيغية في أجيم (Adjim) ثلث السكان فقط. وفي المال (Elmal)، لا يتحدث بالأمازيغية سوى بضع مئات من الأشخاص.
إن الأدبيات اللغوية المكرّسة للهجات الأمازيغية في تونس ليست وافرة ولا تتميز بعمق كبير. فقد خُصّص بالفعل ما لا يتجاوز نحو اثني عشر عملًا لدراسة اللغة و/أو الأدب الشفهي. وعلاوة على ذلك، فعند فحص هذه الأعمال عن كثب، لا بد من الإقرار بأنه، باستثناء دراسة حول الزناتية في قلعة السناد (Étude sur la Zenatia de Qalaat Es-Sened) للدكتور بول بروفوتيل (Dr. P. Provotelle, 1911)، لا توجد دراسة وصفية شاملة. وتتضمن هذه الدراسة عناصر عامة حول علم الأصوات والصرف في لهجة سند، إضافة إلى سبعة نصوص مدوّنة ومترجمة، ومعجم فرنسي-أمازيغي (يشمل لهجات مختلفة). كما أن الاهتمام الذي أثارته هذه اللهجات كان ذا طابع تاريخي بالدرجة الأولى. ففي معظم الدراسات المنجزة، كان الهدف يتمثل في جمع معطيات ـ غالبًا ما كانت متناثرة وغير مكتملة ـ حول بنية إحدى حلقات سلسلة الأمازيغية الشرقية، وهي سلسلة توجد بعض حلقاتها، مثل تلك الموجودة في مصر وليبيا، في أوضاع لا تساعد كثيرًا على الحفاظ عليها، فضلًا عن النهوض بها وتعزيز حضورها.
.3.3 المغرب
من بين اللهجات الأمازيغية في المغرب، تُعدّ لهجات تشلحيت أكثر اللهجات التي حظيت بالدراسة. وتعود أعمال الباحث الألماني هـانز شتومه (H. Stumme) حول لهجة تازروالت إلى أواخر القرن التاسع عشر . وقد جرى وصف مختلف مستويات بنية هذه اللهجات، بما في ذلك المعجم (مثل أعمال S. Cid Kaoui, 1907 A. Jordan, 1934 E. Destaing, 1920 ) والصرف (مثل أعمالÉ. Laoust, 1918, 1936 ). أما بالنسبة إلى لهجات وسط المغرب، فتوجد بعض الدراسات المهمة، من بينها دراسة فيكتوريان لوبينياك (V. Loubignac, 1924 ) حول لهجات زيان وآيت سغوغو، ودراسة إدموند ديستانغ (E. Destaing, 1920) حول لهجة آيت سغروشن. كما أثارت النصوص الإثنوغرافية اهتمام عدد من الباحثين، مثل أرسين رو (A. Roux, 1928, 1942) وإيميل لاوست (É. Laoust, 1928) وشارل بيلا (Ch. Pellat, 1947). أما اللهجات الريفية فقد بدت وكأنها كانت الأقل حظًا من البحث الاستعماري. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى وجود ثلاث دراسات ضخمة هي: بيدرو ساريونانديا (P. Sarrionandia, 1905 )، وسامويل بيارني (S. Biarnay, 1917)، وأميدي رينيسيو (A. Renisio, 1932)، إضافة إلى المعاجم (Diccionarios) التي أنجزها إستيبان إيبانيز (E. Ibañez, 1944-1949).
تُقرّ دراسات الجغرافيا اللغوية بوجود ثلاث مجموعات من اللهجات الأمازيغية، تتميز كل واحدة منها بدورها بدرجة من التباين الداخلي.
يُظهر هذا التقسيم الثلاثي للناطقين بالأمازيغية إلى مجموعات زناتية، وبرابرية، وشلحية وجود ثلاث مجموعات من اللهجات المتميزة نسبيًا، تقابل مجالات لهجية يُشار إليها حاليًا أيضًا باسم الريفية (Tarifit)، والأمازيغية الوسطى (Tamazight)، وتشلحيت (Tashlhit). وإلى جانب هذا التنوع الواضح، لم تغفل الدراسات عن التأكيد، من جهة، على أن كل مجموعة من هذه المجموعات تتميز بدرجة من التجانس الداخلي، قد تكون متفاوتة العمق، ومن جهة أخرى، على أن الاختلافات الحقيقية لا تظهر إلا عند الأطراف القصوى للمجالات التي تغطيها هذه اللهجات، بحيث لا توجد أبدًا قطيعة مفاجئة بين اللهجات. وأخيرًا، فقد لوحظ أيضًا وجود مناطق انتقالية بين المجالات الثلاثة، حيث تتداخل اللهجات وتتقاطع فيما بينها.
.4.3 اللهجات الأمازيغية في ليبيا
تُستخدم اللهجات الأمازيغية الليبية في زوارة في الشمال الغربي، وفي يفرن، وغدامس، ونالوت في الغرب، وسوكنة في جبل نفوسة، وأوجلة في وسط ليبيا، وكذلك في الجنوب ضمن مجال الطوارق. وتتمثل الاختلافات بين بنى هذه اللهجات أساسًا في المستوى الصوتي (بين اللهجات الانفجارية/الشديدة واللهجات الاحتكاكية/الرخوة)، وفي المعجم. وتجدر الإشارة إلى أن التماشقية (Tamasheq) التي يتحدث بها الطوارق تختلف عن باقي اللهجات الأمازيغية في جوانب عديدة.
تُكرَّس لها العديد من الأعمال، منها:
• لهجات نفوسة: المفردات الأمازيغية القديمة (Vocabulaire berbère ancien) لـ بوسوترو (Bossoutrot, 1900)؛ وجبل نفوسة (Le Djebel Nefousa) لـغوستاف أدولف دو كلاسّانتي-موتيلينسكي (G. A. de Calassanti-Motylinski, 1899)؛ وحكايتان (Due racconti) لـ أنطونيو تشيزارو (A. Cesàro)؛ ولقمان الأمازيغي (Loqman berbère) لـ رينيه باسي (R. Basset, 1890)؛ والأمازيغية النفوسية في فساطو (Il berbero de Nefusi di Fassato) لـ فرانشيسكو بيغينوت (F. Beguinot, 1931)؛ ونصوص أمازيغية من جبل نفوسة (Berber Texts from Jebel Nefusi) لـ جيوفاني بوسيلي (G. Buselli)؛
• لهجات غدامس: اللغة الأمازيغية المتداولة في غدامس (Le parler berbère de R’dames) لـغوستاف أدولف دو كلاسّانتي-موتيلينسكي (G. A. de Calassanti-Motylinski, 1904)؛ وحول اللغة الأمازيغية في غدامس (À propos du parler berbère de Ghadames)) لـأندري باسي (A. Basset, 1945)؛
• لهجات سوكنة: اللهجة الأمازيغية في سوكنة (Il dialetto berbero de Sokna) لـ توماسو سارنيلي (T. Sarnelli)؛
• لهجات أوجلة: معجم لغة سكان أوجلة (Vocabulaire du langage des habitants d’Awdjelah) لـ فريدريش مولر (Fr. Müller, 1827)؛ وإسهام في المعرفة اللغوية-الإثنوغرافية لواحة أوجيلة (Contributo alla conoscenza linguistica-etnographica dell’Oasi di Augila)لـفيرناندو زانون (F. Zanon)؛ إضافة إلى بعض الملاحظات الواردة في حول المعالجة (Sul trattamento) لـفرانشيسكو بيغينوت (F. Beguinot, 1924).
وبالإضافة إلى ذلك، جُمعت بعض المخطوطات الأمازيغية والعربية، من بينها المخطوط الأمازيغي لزواغة (Le manuscrit berbère de Zouagha) لـغوستاف أدولف دو كلاسّانتي-موتيلينسكي (G. A. de Calassanti-Motylinski, 1905).
.5.3 اللهجات الأمازيغية في مصر
في أقصى الطرف الشرقي للمجال الأمازيغي، كانت جيلان ن إيسيفان (Jilan n issiwan)، أي لهجة واحة سيوة الواقعة داخل الأراضي المصرية على الحدود مع ليبيا، موضوعًا لعدد من الدراسات، من بينها: لهجة سيوة (Le dialecte de Siouah) لـرينيه باسي (R. Basset, 1890)؛ معجم لهجة سيوة (The Siwan Dialect Vocabulary) لـتشارلز فيفيان بليث ستانلي (C. V. B. Stanley, 1912)؛ مجموعة حول اللهجة الأمازيغية لواحة سيوة (Eine Sammlung der über den berberischen Dialekt Oase Siwe) لـهانس شتومه (H. Stumme, 1914)؛ اللغة السيوية (The Siwi Language) لـويليام سيمور ووكر (W. S. Walker, 1921)؛ مساهمات في دراسة اللغات الحية في مصر والسودان المصري (Contributi agli studi sui Linguaggi viventi dell’Egitto e del Sudan egiziano) لـ فرانشيسكو بيغينوت (F. Beguinot)؛ المسألة الفعلية في الأمازيغية السيوية (Problème verbal dans le berbère de Siwa) لـأندري باسي (A. Basset, 1935)؛ إضافة إلى الدراسة المعروفة سيوة 1: لهجتها (Siwa I, son parler) لـإيميل لاوست (É. Laoust, 1932).
تمثل الدراسة الأخيرة العمل الأكثر اتساقًا وشمولًا حول لهجة سيوة. وتتكون من سبعة فصول:
• يتناول الفصل الأول علم الأصوات؛ حيث يصف الخصائص الأساسية لنُطق الحركات والصوامت.
• ويُخصَّص الفصل الثاني للصرف التركيبي للفعل، ولا سيما الصيغ البسيطة، والصيغ المشتقة، وصيغ التصريف، وهي: صيغة الأمر، والماضي، والمضارع.
• أما الفصل الثالث فيدرس الاسم، من حيث الجنس والعدد، والصفة، والعددية، والضمائر.
• ويصف الفصل الرابع سلوك الأدوات، بما في ذلك حروف الجر، والظروف، وحروف العطف.
• ويضم الفصل الخامس نصوصًا إثنوغرافية وحكايات شعبية.
• يحتوي الفصل السادس على معجم أمازيغي-فرنسي؛
• أما الفصل السابع والأخير فيقدّم معجمًا فرنسيًا-أمازيغيًا.
تكشف دراسة اللهجة السيوية عن ثلاثة أمور أساسية على الأقل، وهي كما يلي: (1) بالنظر إلى بنيتها اللغوية، تنتمي هذه اللهجة دون شك إلى العائلة اللغوية الأمازيغية؛ (2) وبشكل أكثر تحديدًا، فهي تنتمي إلى المجموعة الزناتية، وتُعدّ قريبة من اللهجات الأمازيغية الليبية، مثل لهجات سوكنة ونفوسة وغدامس؛ (3) وأخيرًا، فإن بنيتها اللغوية تأثرت بشكل ملحوظ بالاحتكاك باللهجات العربية الهلالية، ولا سيما على مستوى الاقتراض المعجمي.
.6.3 اللهجات الأمازيغية في منطقة الساحل
تُعدّ اللهجات الطوارقية اللغات الأصلية للمجتمعات المنتشرة في الصحراء الوسطى ضمن الأراضي التابعة للجزائر وليبيا ومالي والنيجر وتشاد. وإلى جانب الدراسَتين العامتين لـأندري باسي (A. Basset)، وهما: ملاحظات حول لهجات الطوارق في السودان (Notes sur les parlers touaregs du Soudan, 1934)، ولهجات الطوارق في النيجر والسودان (Parlers touaregs du Niger et du Soudan, 1935)، فقد خُصّصت عدة دراسات لمختلف مناطق الطوارق، وهي:
• لهجات الهقار التي حظيت بأهم الدراسات وأكثرها غزارة، ومن أبرزها المعجم المختصر (Le dictionnaire abrégé) للأب شارل دو فوكو (Ch. de Foucauld, 1918-1920)، وكتابه ملاحظات من أجل إعداد محاولة في قواعد اللغة الطوارقية (Notes pour servir à un essai de grammaire touareg, 1920)؛ وقواعد اللغة الطوارقية والحوار والمعجم (Grammaire, dialogue et dictionnaire touaregs) لـغوستاف أدولف دو كلاسّانتي-موتيلينسكي (G. A. de Calassanti-Motylinski, 1908)؛ ومعاجم سيد كاوي (S. Cid Kaoui, 1894-1900) ودراسة في قواعد اللغة التماشقية (Essai de grammaire tamashek) لـأدولف هانوطو (A. Hanoteau, 1860)؛ وملاحظات نحوية (Observations grammaticales) لـإيميل ماسكوري (É. Masqueray, 1897-1896)؛
• لهجات وثقافة إيولميدن (Iwllemmeden) التي حظيت ببعض الاهتمام من طرف نيكولا (Nicolas)، ولا سيما من خلال أعماله: صناعات الحماية (Les industries de protection, 1938) وتامسنا: أشعار وأغانٍ (Tamesna, poésies et chansons, 1944)؛
• لهجات آجر (Ajjer) في غات، وكِل تادلي (Kelle Tadili)، والنيجر لم تحظَ إلا بدراسات محدودة جدًا؛
• أما لهجات الزناغة في السنغال فقد استفادت، على العكس، من بعض الأوصاف الموجزة، من بينها: قبائل الزناغة السنغالية (Les Zenaga tribus sénégalaises) لـفيدرب (Faidherbe, 1877)؛ ودراسة حول اللهجة الزناغية (Étude sur le dialecte zenaga) لـرنيه باسي (R. Basset, 1933)، وملاحظات حول لهجات الزناغة (Note sur les parlers zenaga) لـأندري باسي (A. Basset, 1933).
خلاصة القول، تبرز من هذا العرض العام للدراسات التي أُنجزت خلال الفترة الاستعمارية حول اللهجات الأمازيغية أربع نقاط أساسية:
(1) إن اللهجات الغربية (أي لهجات الجزائر والمغرب) قد حظيت بدراسات أكثر عمقًا وشمولًا مقارنةً بـاللهجات الشرقية (تونس وليبيا ومصر) واللهجات الساحلية الصحراوية (الطوارق والزناغة). ولا شك أن هذه الدراسات تمثل الأساس الذي قامت عليه جهود إحياء اللغة الأمازيغية خلال الفترة ما بعد الاستعمارية. (2) تُظهر هذه الدراسات أنه، رغم عزلة المجتمعات الأمازيغية وتشتتها، توجد وحدة عميقة في البنى اللغوية لمختلف اللهجات، كما تكشف أن الاختلافات بين هذه اللهجات تبدو أكثر وضوحًا على مستوى علم الأصوات والمعجم مقارنةً بمستوى الصرف والتركيب. (3) تشير المقارنة بين اللهجات الشرقية والغربية إلى أن درجة تدهور البنى اللغوية للهجات تتناقص كلما اتجهنا من الشرق نحو الغرب. (4) وأخيرًا، فإن الاحتكاك بين العربية واللهجات الأمازيغية في مختلف المناطق أدى إلى اقتراض معجمي واسع من العربية. ويُعدّ هذا الاقتراض بالفعل أحد العوامل الرئيسية في تعريب السكان الأمازيغ، كما مثّل مقدمةً لتراجع الناطقين بالأمازيغية نتيجة التعريب التدريجي للمجتمعات الأمازيغية.
.4 الدراسات اللهجية الإستعمارية باعتبارها "غنيمة حرب"
تتضمن مختلف الدراسات المكرّسة للهجات الأمازيغية ملاحظات عامة حول علم الأصوات، وأحيانًا أوصافًا نُطقية للأصوات، غير أنها لا تقدم تحليلات دقيقة ومنهجية للنظام الفونولوجي، كما أنها تفتقر إلى الدراسات الصوتية التجريبية المعتمدة على الوسائل الآلية. وقد خُصّصت بعض الدراسات المحددة لقضايا فونولوجية معينة (انظر H. Schuchardt, 1916 A. Basset, 1946 J. R. Applegate, 1959)، غير أن جوانب أساسية من علم الأصوات الأمازيغي ما تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، ولا سيما وضعية الوحدات الفونولوجية في مقابل الوحدات الصوتية، وطرق تأليف الأصوات، والمقطع الصوتي، والنبر، والتنغيم، والإيقاع.
كان المعجم موضع اهتمام الباحثين في الدراسات الأمازيغية فقط بالقدر الذي كان ضروريًا لإعداد معاجم تساعد على تعلّم اللهجات. وقد وُجدت بعض المعاجم الثنائية اللغة، منها: الفرنسية-تشلحيت (E. Destaing, 1920)، وتشلحيت-فرنسية (A. Jordan, 1934)، والإسبانية-الريفية (E. Ibañez, 1944)، والريفية-الإسبانية (E. Ibañez, 1949). غير أن علم صناعة المعاجم (lexicography)، بوصفها تقنية تهتم بتجميع المفردات وإعداد المعاجم، وعلم المعجم، بوصفه دراسة للعلاقات المحورية والتركيبية بين الكلمات، لم يكونا ضمن اهتمامات الباحثين في الدراسات الأمازيغية. وقد ظلّ المعجم يعاني من فراغ كبير؛ إذ لم يكن هناك معجم شامل للغة الأمازيغية ضمن مجال الدراسات الأمازيغية.
كان دراسة بنية الكلمات هي الاهتمام الرئيسي لدى الباحثين في الدراسات الأمازيغية. ولذلك، نجد عددًا كبيرًا من الأوصاف المتعلقة بالصيغ الفعلية والاسمية في مختلف اللهجات. وإلى جانب بعض الدراسات التركيبية العامة (مثل أعمال A. Basset 1934, 1952 ,(G. Mary, 1931 توجد أوصاف دقيقة للفعل، ويُعدّ أبرزها دراسة أندري باسي (A. Basset, 1929) حول أبنية الفعل وصيغه. كما خُصّصت دراسات أخرى للاسم (A. Basset, 1932 G. Marcy, 1934)، والضمائر (A. Basset, 1933 G. Marcy, 1933)، والأدوات العاملة (E. Destaing, 1934)، وغيرها. ومع ذلك، ينبغي الإقرار بملاحظتين أساسيتين:
(1) حظيت الصيغ الفعلية، بما في ذلك دراسة الأوزان والأبنية الفعلية، باهتمام علماء اللهجات أكثر مما حظيت به الصيغ الاسمية؛
(2) أما الوظائف التركيبية للكلمة، وبالأخص وظائف الجملة، فقد احتلت مكانة هامشية في الأعمال المنجزة.
وأخيرًا، لِنَطرح مسألة منهجية تُعدّ في نهاية المطاف إشكالًا نظريًا. فالأوصاف الصرفية التي قدّمها الباحثون في الدراسات الأمازيغية تقع عمومًا بين اتجاهين متعارضين: فإما أن يكون الوصف مرسومًا بخطوط عريضة، ومن ثم يكون سطحيًا بالضرورة؛ أو، على العكس من ذلك، تكون الدراسات مثقلة بالملاحظات والقواعد والاستثناءات والتنبيهات والحواشي، مما يعطي انطباعًا بوجود تراكمات متفرقة تفتقر إلى أي انتظام منهجي واضح. في نهاية المطاف، يبدو أن معظم الأعمال التي أُنجزت خلال الفترة الاستعمارية كانت تتسم بغياب أدوات بحثية قادرة على تنظيم المعطيات ضمن تصنيفات دقيقة ومنهجية، واستخلاص تعميمات دالّة حول كيفية اشتغال هذه الظواهر.
لقد أنتج البحث الاستعماري في مجال علم اللهجات الأمازيغية أعمالًا متنوعة نسبيًا من حيث طبيعتها، وأهدافها، ومناهجها، والمجالات التي تناولتها. وتتميز الأعمال المنجزة، من الناحية الكمية، بأهمية كبيرة، كما تتفاوت قيمتها العلمية من حيث الجودة، مع وجود دراسات ذات قيمة استثنائية. فقد أُنجزت كمية هائلة من الأبحاث حول اللهجات الأمازيغية؛ غير أن الباحث، عندما يتعمق في دراسة هذه الأعمال ويخضعها لتقييم نقدي، يلاحظ أنه، إلى جانب الدراسات المنهجية والمتعمقة، توجد أوصاف لا ترقى إلى المستوى المطلوب، وتظل، في جميع الأحوال، صعبة الاستفادة والاستثمار العلمي. وعند إجراء جرد لهذه الأعمال، يتضح أن مختلف مستويات قواعد اللغة الأمازيغية لم تحظَ بالدراسة بدرجة متوازنة؛ إذ لم يتلقَّ علم الأصوات (الفونولوجيا) سوى اهتمام سطحي، كما أن علم المعجم لم يكن أفضل حالًا. في المقابل، حظي علم الصرف بوصف أكثر تفصيلًا نسبيًا، بينما ظل تركيب الجملة شبه غائب عن الدراسات المنجزة.
لا يسع الباحثين المنخرطين في التحليلات ذات الطابع الأساسي أو في الدراسات التطبيقية إلا أن يستفيدوا من الأعمال التي أنجزها أسلافهم. ويقع على عاتقهم فصل الغث من السمين، وسدّ الثغرات بالاعتماد على التقنيات الجديدة في الوصف اللغوي، ووضع الظواهر الأمازيغية ضمن إطار النظريات اللسانية الحديثة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على اهتمام عملي يتمثل في الاستجابة للانتظارات الاجتماعية، ولا سيما في مجال تعليم الأمازيغية. وإذا كانت اللغة الفرنسية، حسب تعبير كاتب ياسين، تمثل بالنسبة إلينا "غنيمة حرب" ينبغي استخدامها دون عقدة أو مركب نقص في الإبداع الأدبي، فإنه يمكننا القول أيضًا إن العلم الذي أُنتج خلال الحقبة الاستعمارية حول اللغات والثقافات الهامشية هو بدوره غنيمة ينبغي امتلاكها واستثمارها بحكمة، بعيدًا عن أي تردد أو تحفظ أيديولوجي.
تلقت اللسانيات الأمازيغية في مرحلة ما بعد الاستعمار إسهامين مهمين. يتمثل الإسهام الأول في أعمال ليونيل غالان (L. Galand, 2002) ، الذي راكم وطوّر الدراسات اللهجية الأمازيغية التي أُنجزت خلال الفترة السابقة، وكان له تأثير مستدام في تكوين الجيل اللاحق وفي توجيه أبحاثه. أما الإسهام الثاني فيتمثل في ظهور المجتمع العلمي الجديد الذي تعزز، منذ سبعينيات القرن العشرين، بباحثين لسانيين غربيين ولسانيين أمازيغ ناطقين أصليين بالأمازيغية. وقد مكّن هذا التلاقي بين تجديد الدراسات اللهجية واللسانيات الحديثة من جعل الأمازيغية مجالًا فرعيًا علميًا أصيلًا وناجحًا داخل الحقل العالمي للبحث اللساني. ويتجلى ذلك في الأعمال المنجزة في مجالات علم الأصوات (الفونولوجيا)، والصرف (المورفولوجيا)، والتركيب (السينتاكس)، وعلم المعجم (lexicology). كما أن هذا الجيل نفسه أسهم في تكوين باحثين آخرين أصبحوا اليوم يشكلون فرقًا علمية تشرف على تكوين طلبة اللسانيات الأمازيغية في الجامعات. ويُؤمل أن يضطلع هؤلاء الخريجون المتخصصون في اللسانيات مستقبلًا بدور أساسي في مجالي التكوين والبحث العلمي، سواء تعلق الأمر بالبحث الأساسي أو بالبحث التطبيقي.
تُعدّ مأسسة البحث العلمي ظاهرة جديدة أخرى أسهمت في تعزيز مكانة الأمازيغية، وذلك من خلال توفير هياكل دائمة تتيح الموارد البشرية والمادية واللوجستية الضرورية لتطويرها وإدماجها في مجالات التعليم والإعلام والإنتاج الثقافي والحياة العامة بشكل عام. وهو الدور الذي أُسند جزئيًا إلى المحافظة السامية للأمازيغية (Haut Commissariat à l’Amazighité - HCA) في الجزائر، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية (Institut Royal de la Culture Amazighe - IRCAM) في المغرب، وجزئيًا أيضًا إلى المؤسسات الأكاديمية، بما في ذلك الأقسام والمسالك الجامعية المتخصصة في الدراسات الأمازيغية.
.5 خاتمة
إضافة إلى المكاسب الرمزية التي تمثلها علم اللهجات الاستعماري، فإن إنجازات البحث اللساني الحديث تشكل دون شك رأسمالًا معرفيًا يعزز مكانة الأمازيغية في منافستها مع اللغات الأخرى المتعايشة معها داخل السوق اللغوية المغربية. وهكذا، وبفضل الاستفادة من إسهامات نظريات ومناهج اللسانيات الحديثة، تنتقل الأمازيغية من كونها موضوعًا غير علمي للدراسة إلى كونها موضوعًا لغويًا مستقلًا قابلًا لإخضاع بنياته للتخطيط المناسب، ولا سيما على المستوى المعجمي، ووضع تدابير ملائمة لتفعيل حضورها داخل مختلف المؤسسات. وبذلك، تتحرر الأمازيغية من مجال التصورات العامة الشائعة الذي تهيمن عليه محاولات تقريبية وسطحية ومنحازة أيديولوجيًا، لتستفيد من مقاربات معرفية فعّالة وتندمج في مجال إنتاج المعرفة العلمية. إن هذا الانتقال من تنوع لغوي يُنظر إليه باعتباره موضوعًا من موضوعات الحس المشترك إلى لغة تمتلك رأسمالًا معرفيًا يعزز مسار إحياء الأمازيغية منذ بداية القرن الحادي والعشرين. ويشكل هذا المسار جزءًا من استراتيجية تصبح فيها الأمازيغية نواةً لتبلور الهوية من خلال تعبئة شرعيتين متكاملتين: شرعية تاريخية تقوم على أصالة السكان الأمازيغ وامتداد وجودهم في المنطقة؛ وشرعية قائمة على حقوق الإنسان، ولا سيما الحقوق اللغوية والثقافية.
المراجع
Applegate, Joseph, R., 1970, « The Berber Languages », in Thomas A. Sebeok (ed.), Current trends in Linguistics, vol. 6, Linguistics in South West Asia and North Africa, Mouton, The Hague, 586-661.
Aspinion, Robert, 1953, Apprenons le berbère: initation aux dialectes chleuhs, Éditions Félix Moncho, Rabat.
Basset, André, 1945, À propos du parler berbère de Ghadames, Imprimerie Imbert, Alger.
_____, 1952, La langue berbère, Handbook of African Languages, Part I, Oxford University Press, Oxford.
_____, 1890, Loqman berbère Leroux, Paris.
Beguinot, Francesco, 1924, « Sul trattamento delle consonanti b, v, f, in berbero », in Estratto dei Rendiconti della Reale Accademia Nazionale dei Lincei, vol. XXXIII, fasc. 7-12, 1-14.
_____, 1926, « Contributo agli studi sui linguaggi viventi dell’Egitto e del Sudan anglo-egiziano », in L’opera degli italiani per la conoscenza dell’Egitto e per il suo risorgimento civile ed
economico, Roma.
_____, 1931 [1942], Il berbero Nefûsi di Fassâto: grammatica, testi raccolti dalla viva voce, vocabolarietti, Istituto per L’Oriente, Roma.
Biarnay, Samuel, 1908, Étude sur le dialecte berbère de Ouargla, E. Leroux, Paris.
Bougchiche, Lamara, 1997, Langues et littératures berbères des origines à nos jours. Bibliographie internationale et systématique, Ibis Press, Paris.
Boukous, Ahmed, 1989, « Les études de dialectologie berbère », in Langue et société au Maghreb. Bilan et perspectives. Série Colloques et Séminaires n° 13. Faculté de Rabat, 119-134.
_____, 2011, Revitalizing the Amazigh Language. Stakes, challenges, and Strategies, IRCAM Publications, Rabat.
Bossoutrot, Auguste, 1900, « Vocabulaire berbère ancien (dialecte du Djebel Nefousa) », in Revue Tunisienne, 489-507.
Buselli, Gennaro, 1921, «Testi berberi del Gebel Nefûsa», in L’Africa Italiana, 26-34.
_____, 1924, «Berber Texts from Jebel Nefûsi», in Journal of the African Society, 285-293.
Calassanti-Motylinski (de), Gustave Adolphe, 1898, Le Djebel Nefousa: tran-script-ion, traduction française et notes avec une étude grammaticale, Ernest Leroux, Paris.
_____, 1904, Le parler berbère de R’dames, E. Leroux, Paris.
Calvet, Louis-Jean, 1974, Linguistique et colonialisme, Payot, Paris.
Cesàro, Antonio, 1949, « Due racconti in linguaggio nefusi », in Annali Istituto Universitario Orientale, Sezione Linguistica, 3, 395-404.
Cid Kaoui, Saïd 1907, Dictionnaire français-tachelh’it et français-tamazir’t, Leroux, Paris, 248 p.
Dallet, Jean Marie, 1982, Dictionnaire kabyle-français (parler des At-Mangellat), SELAF,
Paris.
Delheure, Jean, 1987, Agerraw n iwalen teggargarent-tarumit / Dictionnaire ouargli-français, SELAF, Paris.
Faidherbe, Louis L., 1877, Le Zenaga des tribus sénégalaises, Paris.
Foucauld, Charles (de), 1951-52, Dictionnaire touareg-français, 4 vols., Imprimerie Nationale de France, Paris.
Galand, Lionel 1960, « Géographie linguistique dans la région d’Imintanout (Grand Atlas Marocain) », in Actes du 1er Congrès International de Dialectologie Générale, Bruxelles, Louvain.
_____, 1985, « La langue berbère existe-t-elle ? », in Mélanges linguistiques offerts à Maxime Rodinson. Supplément 12 aux Comptes rendus du GLECS, Geuthner, Paris, 175-184.
_____, 2002, Études de Linguistique Berbère, Peeters, Paris & Louvain.
Hanoteau, Adolphe, 1858, Essai de grammaire kabyle, renfermant les principes de ce langage berbère parlé par les populations du versant nord du Jurjura et spécialement par les Igaouaouen ou Zouaoua, avec des textes et traductions, suivi de notes et d’une notice sur quelques in-script-ions en caractères dits tifinar’ et en langue tamacher’t, Bastide, Alger.
_____, 1860, Essai de grammaire de la langue tamachek’, renfermant les principes du langage parlé par les Imouchar’ ou Touareg, avec des textes, poésies, conversations et traductions, suivi d’une notice sur la carte annexe et des fac-similés d’écritures tifinar’,Imprimerie impériale, Paris.
Huyghe, G., (Père), 1906, Dictionnaire français-chaouïa (Qamūs rūmi-caui), Jourdan, Alger.
_____, 1907, Dictionnaire chaouïa-arabe-kabyle- français, Jourdan, Alger.
Ibañez, Esteban, 1944, Diccionario Español-Rifeño, Instituto de Estudios Africanos, Madrid.
_____, 1949, Diccionario Rifeño-Español (Etimologico), Instituto de Estudios Africanos, Madrid.
Jordan, Antoine, 1934, Dictionnaire berbère-français, Rabat, Omnia, 159 p.
Lanfry, Jacques, 1973, Ghadamès. II. Glossaire (parler des Ayt Waziten), Le Fichier périodique, Fort-National.
Laoust, Émile, 1920 Mots et choses berbères, notes de linguistique et d’ethnographie, dialectes du Maroc, A. Challamel, Paris, XX-531 p.
Loubignac, Victorien, 1924, Textes dans les parlers Zaïan et Ait Sgougou, Leroux, Paris.
Masqueray, Émile, 1896-1897, Observations grammaticales sur la grammaire touareg et textes de la tamahaq des Taïtoq, Éd. René Basset, Maurice Gaudefroy-Demombynes, E. Leroux, Paris.
Müller, Fr., 1827-29, Vocabulaire de la langue des habitants d’Audjela. In Relation d’un voyage dans al Marmarique, la Cyrenaique et les oasis d’Audjelah et de Maradeh, Pacho Raymond, Paris.
Nicolas, Francis, 1938, « Les industries de protection chez les Twaregs de l’Azawagh », in Hespéris, 43-84.
_____, Tamesna, 1950, Les loullemmeden de l’Est ou Touareg Kel-Dinnik, Imprimerie nationale, Paris.
Penchoen, Thomas G., « La langue berbère en Tunisie et la scolarisation des enfants berbérophones », in Revue Tunisienne des Sciences Sociales 1968, 173-186.
Provotelle, Paul, 1911, Étude sur la Zenatia de Qalaat Es-Sened, Leroux, Paris.
Renisio, Amédée, 1932, Étude sur les dialectes berbères des Beni Iznassen, du Rif
Sarnelli, Tommaso, 1924, «Il dialetto berbero de Sokna: materiali lessicali, testi manoscritti in caratteri arabi, con trascrizione e traduzione», in Società Africana d’Italia, 1924, 1-45.
Sarriondandia, Padro, 1905, Gramática de la lengua rifeña, Imprenta Hispano-Arábiga, Tangier.
Stanley, C. V. B., 1912 «The Siwan Language and Vocabulary, Proper Names, Siwan Money, Weights and Measures (continued from the Journal of April, 1912.), The Siwan Language», in Journal of the Royal African Society, 11 (44), 438-457.
Stumme, Hans, 1899, Handbuch des Schilḥischen von Tazerwalt, J. C. Hinrichs. Leipzig.
Zanon, Fernando, 1933, « Contributo alla conoscenza linguistico-etnografica dell’oasi di Augila », in L’Africa Italiana, vol. 5, 259-270.
#يونس_بوسعيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟