إبراهيم السعدي
الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 11:12
المحور:
الادب والفن
لا يمكن لاي شخص او مؤسسة اختزال تجربة كاظم الساهر في كونه مغنيًا عربيًا حقق نجاحًا جماهيريًا واسعًا، إذ إن مسيرته الفنية تمثل ظاهرة ثقافية واجتماعية تستحق الدراسة من منظور علم اجتماع الفن وأنثروبولوجيا الفن. فخصوصية تجربته لا ترتبط بالصوت والألحان والأداء فقط، وإنما بالطريقة التي استطاع من خلالها أن يجمع بين الشعر العربي الفصيح، او النثر في بعض الحالات، والموسيقى العربية، والتوزيع الأوركسترالي، والأداء الجماهيري الحديث، وأن يحول هذه العناصر إلى مشروع فني قادر على الاستمرار والتأثير عبر أجيال وحدود جغرافية مختلفة. ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأساسي ليس لماذا نجح كاظم الساهر؟ وإنما: كيف تحولت تجربته الفنية من مشروع فردي إلى ظاهرة ثقافية واجتماعية ذات حضور واسع في الذاكرة العربية؟
في الحقيقة، من أبرز الخصائص التي تميز تجربة كاظم الساهر علاقته باللغة العربية الفصحى. فالفصحى ارتبطت تاريخيًا في الوعي الاجتماعي العربي بالشعر والأدب والتعليم والخطاب الرسمي، بينما ارتبطت الأغنية الجماهيرية الحديثة بدرجة أكبر باللهجات المحلية، باعتبارها أكثر قربًا من الحياة اليومية. إلا أن تجربة كاظم الساهر ساهمت في إعادة وضع الفصحى داخل المجال الغنائي الجماهيري. وهنا تظهر أهمية التجربة من منظور سوسيولوجيا الفن؛ لأن الفنان لا يقوم فقط بأداء نص أدبي، وإنما يساهم في إعادة توزيع القيمة الثقافية للغة. فالنص الشعري الذي قد يكون موجهًا في الأصل إلى قارئ الأدب، يصبح، من خلال الموسيقى والأداء، متاحًا لجمهور أوسع. وبذلك يمكن النظر إلى كاظم باعتباره وسيطًا بين مجالين: المجال الأول هو الشعر والأدب من جهة، والثقافة الجماهيرية من جهة أخرى. وهذه العملية تجعل من الأغنية فضاءً يلتقي فيه الأدب والموسيقى والجمهور.
انا الجانب الثاني، فهو ان الساهر يمثل الفنان أكثر من مجرد مؤدي. فتجربته تسمح أيضًا بإعادة التفكير في صورة الفنان داخل الثقافة العربية. فالمغني التقليدي يمكن أن يُنظر إليه باعتباره مؤديًا لأعمال يكتبها ويلحنها آخرون. أما الفنان / المطرب الذي يشارك في الكتابة أو التلحين أو اختيار النصوص أو بناء الرؤية الموسيقية، فيمتلك قدرة أكبر على تشكيل هويته الفنية. لذلك يمكن دراسة كاظم باعتباره فاعلًا ثقافيًا وليس مجرد مؤدٍ موسيقي. فالفنان هنا لا يقدم أغنية منفردة فحسب، وإنما يساهم في بناء عالم جمالي متكامل يتكون من: النص الشعري، اللحن، التوزيع الموسيقي، الأداء الصوتي، الصورة المسرحية، اختيار الأعمال، العلاقة مع الجمهور. وهذه العناصر مجتمعة تساهم في إنتاج ما يمكن تسميته الهوية الفنية.
اما الجانب الثالث فيتعلق ببناء هوية فنية مستقلة عن الموضة. في الواقع تتميز بعض الظواهر الموسيقية بارتباطها بمرحلة زمنية محددة. تظهر أغنية أو أسلوب موسيقي، يحقق انتشارًا واسعًا، ثم يتراجع مع تغير الذوق والموضة. أما تجربة كاظم الساهر فتسمح بدراسة ظاهرة مختلفة نسبيًا: وهي استمرار الهوية الفنية عبر الزمن، وهو امر يعود الى الاهتمام بالعمق الموسيقي والتحولات والانتقالات بين المقامات في الاغنية الواحدة والتي سوف تسمح للاغنية بالبقاء لعقود طويلة.
ثم ان الجمهور لا يتعرف إلى كاظم من خلال أغنية واحدة فقط، وإنما من خلال مجموعة من الرموز الفنية المتكررة: الشعر، الفصحى، الرومانسية، الموسيقى الأوركسترالية، الأداء المسرحي، والصورة الفنية المرتبطة بالفنان. وبالتالي يمكن النظر إلى اسم «كاظم الساهر» باعتباره علامة ثقافية تتجاوز الشخص نفسه. فحين يقول المستمع «كاظم الساهر»، فإنه لا يشير فقط إلى فرد يغني، بل إلى عالم جمالي كامل.
اما الجانب الرابع، فيمكن ان نقول ان كاظم الساهر يعد وسيط بين التراث والحداثة. فمن أهم الأبعاد التي يمكن دراستها في تجربته العلاقة بين التراث والحداثة. فهو لا يقدم التراث العربي باعتباره مادة متحفية جامدة، وفي الوقت نفسه لا يتخلى عنه لصالح نموذج موسيقي غربي بالكامل. إنما يمكن النظر إلى تجربته بوصفها محاولة لإعادة إنتاج عناصر من الثقافة العربية داخل أشكال فنية حديثة. وهنا يمكن تصور العملية على النحو الآتي: الشعر العربي → التلحين → التوزيع الموسيقي → الأوركسترا → المسرح الحديث → الجمهور المعاصر.
وبذلك يصبح الفنان وسيطًا بين زمنين: الموروث الثقافي من جهة، والحداثة الفنية من جهة أخرى. وهذه العملية مهمة جدًا في أنثروبولوجيا الفن، لأنها تطرح سؤالًا أساسيًا حول الطريقة التي تتغير بها الثقافة عندما تنتقل من سياق إلى سياق آخر. فالتراث لا يختفي بالضرورة عندما يدخل الحداثة؛ بل يمكن أن يعاد تفسيره وإنتاجه بطريقة جديدة.
اما الجانب الاخر، فيمكن التأكيد من خلاله على ان كاظم الساهر يعتبر وسيطًا ثقافيًا. اذ اننا ندعّي انه يمكن أيضًا فهم تجربة كاظم من خلال مفهوم الوساطة الثقافية. فهو يقف عند تقاطع عدد من المجالات: الشعر والأغنية، الفصحى واللهجات، التراث والحداثة، الثقافة النخبوية والثقافة الجماهيرية، العراقي والعربي، الموسيقى العربية والتقنيات الموسيقية الحديثة. ومن هنا يصبح الفنان وسيطًا يسمح بانتقال عناصر ثقافية من مجال إلى آخر. وهذه الوساطة قد تكون أحد أهم مفاتيح فهم استمرار تأثيره.
اما القضية الأخرى التي من المهم ان نناقشها وهي ان الجمهور ليس مجرد مستهلك في علم اجتماع الفن، لا يكفي أن ندرس الفنان والعمل الفني؛ بل يجب أيضًا دراسة الجمهور. فالجمهور ليس كتلة صامتة تستهلك المنتج الفني، وإنما يشارك في إعطائه معنى وقيمة. فأغنية معينة قد تكون بالنسبة إلى الفنان عملًا موسيقيًا، لكنها بالنسبة إلى المستمع قد تصبح مرتبطة بذكرى حب، أو فراق، أو سفر، أو مرحلة من مراحل حياته. وبذلك تنتقل الأغنية من كونها منتجًا فنيًا إلى كونها تجربة اجتماعية وشخصية. وفي حفلات كاظم الساهر، يمكن ملاحظة جانب آخر من هذه الظاهرة؛ إذ يتحول الجمهور إلى جماعة مؤقتة تشترك في الأغاني والكلمات والانفعالات. فالجمهور يغني، يردد، يتذكر، يصور، ويتفاعل. وهكذا يصبح الحفل مساحة لإنتاج تجربة جماعية مشتركة.
• الأغنية بوصفها ذاكرة جماعية
من منظور أنثروبولوجيا الفن، يمكن دراسة أغاني كاظم الساهر باعتبارها جزءًا من الذاكرة العاطفية والاجتماعية لدى عدد كبير من المستمعين. فالإنسان لا يتذكر الأغنية فقط، وإنما يتذكر من خلالها مرحلة كاملة من حياته. قد يسمع شخص أغنية قديمة بعد سنوات، فتعود إليه ذكريات مرتبطة بشخص أو مكان أو علاقة أو مرحلة عمرية. وبذلك تصبح الموسيقى وسيلة لحفظ الذاكرة. ومن هنا يمكن طرح سؤال أنثروبولوجي مهم: كيف تتحول الأغنية من عمل فني إلى جزء من الذاكرة الشخصية والجماعية؟ وهذا السؤال يمكن تطبيقه بصورة خاصة على تجربة كاظم الساهر، بسبب امتداد تجربته عبر أجيال مختلفة.
• كاظم الساهر : من الفنان الفرد إلى الظاهرة الاجتماعية
من الخطأ، من منظور علم اجتماع الفن، تفسير نجاح أي فنان بموهبته الفردية فقط. الموهبة مهمة، لكنها لا تعمل في فراغ. فوراء انتشار الفنان توجد شبكة كاملة من المؤسسات والأفراد والوسائط، مثل الشعراء و الملحنون والموزعون والموسيقيون ، فضلا عن شركات الإنتاج والتسويق و وسائل الاعلام والمسارح والتلفزيون والجمهور. لذلك يمكن أن يتحول الفنان من فرد يمتلك موهبة إلى ظاهرة اجتماعية عندما تتفاعل موهبته مع هذه الشبكة الثقافية والاجتماعية.
وهنا يتحول السؤال من: لماذا كاظم موهوب؟ إلى: كيف ساهمت البنية الثقافية والاجتماعية في تحويل موهبته إلى ظاهرة جماهيرية مستمرة؟ وهذا هو السؤال الذي يميز التحليل السوسيولوجي عن مجرد النقد الفني.
• كاظم الساهر والهوية الثقافية العربية
يمكن كذلك دراسة تجربة كاظم في علاقتها بالهوية. فالفنان العراقي الذي يخاطب جمهورًا واسعًا في العالم العربي، ويستخدم الشعر العربي الفصيح، يقدم نموذجًا يمكن من خلاله دراسة كيفية تشكل الهوية الثقافية خارج الحدود الوطنية. وهنا لا تصبح الأغنية مجرد وسيلة للترفيه، بل يمكن أن تصبح وسيلة يشعر من خلالها المستمع بانتمائه إلى فضاء ثقافي أوسع. ولهذا يمكن دراسة انتشار كاظم في البلدان العربية وبين الجاليات العربية في أوروبا وأمريكا وغيرها بوصفه ظاهرة مرتبطة بـ انتقال الثقافة عبر الحدود. فالإنسان الذي يعيش بعيدًا عن بلده قد يجد في الموسيقى لغة تربطه بذاكرته وثقافته.
• كاظم الساهر كموضوع أنثروبولوجي
من منظور أنثروبولوجيا الفن، لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ما الذي يغنيه كاظم؟ بل أيضًا: ماذا يفعل الناس بهذه الأغاني؟
هل يستخدمونها للتعبير عن الحب؟ هل يستخدمونها في المناسبات؟ هل ترتبط بالحنين إلى الوطن؟ هل تختلف طريقة استقبالها بين الأجيال؟ هل يستمع إليها العراقي بالطريقة نفسها التي يستمع إليها المغربي أو المصري أو اللبناني؟ كيف يستقبلها الجمهور العربي في أوروبا؟ وكيف تغيرت طريقة استقبال أعماله مع ظهور YouTube وSpotify ووسائل التواصل الاجتماعي؟ هذه الأسئلة تنقل البحث من دراسة الفنان وحده إلى دراسة العلاقة بين الفنان والعمل والجمهور والمجتمع.
*خاتمة
إن خصوصية كاظم الساهر، من منظور علم اجتماع الفن وأنثروبولوجيا الفن، لا تكمن في صوته أو نجاحه الجماهيري فقط، وإنما في كونه يمثل حالة فنية يمكن من خلالها دراسة مجموعة واسعة من التحولات التي شهدتها الثقافة العربية المعاصرة.
فهو يمثل، في الوقت نفسه، علاقة بين: الشعر والموسيقى، الفصحى والثقافة الجماهيرية، التراث والحداثة، الفنان والجمهور، الهوية الفردية والذاكرة الجماعية، الثقافة المحلية والانتشار العابر للحدود.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى كاظم الساهر ليس فقط باعتباره «مطربًا ناجحًا»، وإنما باعتباره فاعلًا ثقافيًا ساهم في إعادة تقديم الشعر العربي والموسيقى العربية داخل فضاء جماهيري حديث. ولهذا فإن دراسة تجربته يمكن أن تتجاوز السيرة الفنية التقليدية لتصبح دراسة في سوسيولوجيا الفن العربي المعاصر، وأنثروبولوجيا الموسيقى، والذاكرة الجماعية، والهوية الثقافية، والعلاقة بين الفن والجمهور. والسؤال الأكثر عمقًا الذي يمكن أن ينطلق منه مشروع بحث أكاديمي حول تجربته هو:
كيف استطاع كاظم الساهر أن يحول الشعر العربي الفصيح والموسيقى العربية إلى ممارسة ثقافية جماهيرية معاصرة، وأن يبني من خلال ذلك هوية فنية تجاوزت الحدود الجغرافية والأجيال وأصبحت جزءًا من الذاكرة العاطفية والثقافية لجمهور عربي واسع؟ هذا السؤال يجعل كاظم الساهر موضوعًا لدراسة اجتماعية وأنثروبولوجية للفن، وليس مجرد موضوع لدراسة موسيقية أو سيرة فنية.
إبراهيم السعدي / باريس
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟