أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سلطان الحربي - جيل وراء الجدران: قراءة في كلفة غياب الشباب العربي خلف القضبان














المزيد.....

جيل وراء الجدران: قراءة في كلفة غياب الشباب العربي خلف القضبان


سلطان الحربي

الحوار المتمدن-العدد: 8795 - 2026 / 8 / 12 - 00:27
المحور: قضايا ثقافية
    


يتأهب العالم لإحياء "اليوم الدولي للشباب"، وتتزين المنصات الدولية بالشعارات البراقة التي تمجد الابتكار الرقمي، وريادة الأعمال، والحلول المستدامة التي يقودها جيل الألفية والجيل "زد". لكن هذا المشهد الاحتفالي يظل منقوصاً، بل ومجتزأً من واقعه، ما لم يُسلط الضوء على الزاوية الأكثر عتمة وألماً في الجغرافيا العربية؛ زاوية السجون والمعتقلات التي تضم بين جدرانها الآلاف من خيرة الشباب والشابات في بيئات النزاع والتحولات السياسية المضطربة.
إن الحديث عن مستقبل الشباب العربي لا يمكن أن يستقيم دون الالتفات إلى هذه الطاقات المعطلة قسراً، والبحث في الكلفة الإنسانية والتنموية الباهظة التي تدفعها الأوطان نتيجة تغييب عقولها الحية خلف قضبان الصمت.
1. الاستنزاف الديموغرافي: تغييب عقول الغد
في الوقت الذي تتحدث فيه الأدبيات الاقتصادية الحديثة عن "الهبة الديموغرافية" في العالم العربي، حيث يمثل الشباب الكتلة الحيوية الأكبر، نجد أن جزءاً هائلاً من هذه الهبة يتم استنزافه داخل الزنازين. هؤلاء المغيبون ليسوا مجرد أسماء في كشوفات أو أرقام في تقارير المنظمات الحقوقية، بل هم المهندسون، والأطباء، والمعلمون، والمبرمجون، والفنانون الذين كان من المفترض أن يقودوا قاطرة التنمية في مجتمعاتهم.
إن تحويل طاقات في سن العطاء والإنتاج من قاعات الجامعات، ومختبرات البحث، وحواضن ريادة الأعمال إلى مساحات ضيقة معزولة عن العالم، يمثل عملية تعطيل ممنهجة لعجلة التطور. هذا السلب للحرية يحرم الاقتصاد المحلي من عقول مبتكرة، ويحرم الحراك الاجتماعي من نخب شابة قادرة على صياغة حلول للمشكلات المزمنة كالفقر والأمية والبطالة.
2. الأبعاد الإنسانية والمعاناة المتعددة المستويات
لا تتوقف مأساة الاعتقال عند حدود الجدران الأربعة، بل تمتد لتخلق سلسلة من الأزمات المركبة التي تلاحق الشاب ومحيطه:
الانقطاع المعرفي والأكاديمي: يمثل الاعتقال صدمة عنيفة للمسار التعليمي. آلاف الطلاب يجدون أنفسهم مطرودين من مقاعدهم الدراسية، مما يتسبب في ضياع سنوات طويلة من عمرهم الأكاديمي. هذا الانقطاع لا يفرغ المجتمع من الكفاءات فحسب، بل يضع عقبات هائلة أمام الشاب عند محاولة استئناف حياته بعد الخروج.
الندوب الجسدية والنفسية: إن ظروف الاحتجاز القاسية، وغياب الرعاية الصحية الملائمة، والضغط النفسي المستمر، يترك آثاراً غائرة في بنية الشباب الجسدية والنفسية. بعض هذه الآثار يتحول إلى عاهات مستديمة أو اضطرابات نفسية معقدة (مثل اضطراب ما بعد الصدمة)، مما يجعل رحلة إعادة الدمج المجتمعي لاحقاً مساراً شاقاً ومليئاً بالعقبات.
العقاب الجماعي العابر للفرد: المعتقل ليس وحده من يدفع الثمن؛ فخلفه عائلات بأكملها تستنزف طاقاتها المادية والنفسية في طوابير الزيارات والمحاكمات. تنهار شبكات الأمان الاقتصادي للعديد من الأسر التي فقدت معيلها الشاب، وتتحول حياة الأمهات والآباء والزوجات والأطفال إلى ترقب دائم ومرير، مما يسهم في تفكيك النسيج الاجتماعي الصغير للأسرة.
3. الصمود المعرفي: إرادة تفك القيد
رغم قتامة المشهد، أثبت الشباب العربي في محطات كثيرة امتلاكه لمرونة نفسية وعقلية استثنائية وعصية على الكسر. ففي الكثير من تجارب الاحتجاز، تحولت الزنازين بفعل إرادة هؤلاء الشباب إلى "جامعات بديلة" وساحات للصمود الفكري.
نشهد قصصاً ملهمة لشباب ينظمون حلقات لتدارس الفلسفة، والتاريخ، واللغات، والعلوم السياسية بجهود ذاتية وأدوات شبه معدومة. نرى أدباء يكتبون رواياتهم ودواوينهم الشعرية على قصاصات الورق ويهربونها للعالم الخارجي، ومفكرين يطورون أطروحاتهم خلف الجدران. هذا النمط من المقاومة المعرفية يثبت أن الطموح نحو الحرية والكرامة والتعلم ليس مجرد شعار يومي، بل هو عقيدة فكرية متجذرة في هذا الجيل لا يمكن للقيود الحديدية أن تحبسها.
4. كلفة ترحيل الأزمات وإقصاء الأمل
إن الإمعان في لغة الإقصاء الأمني وتغييب الطاقات الحية يبعث برسالة شديدة السلبية للأجيال الصاعدة؛ رسالة مفادها أن التفكير، والتعبير، والمطالبة بالإصلاح هي طرق تقود إلى سلب الحرية. هذا التوجه يسهم في تعميق مشاعر الاغتراب واليأس لدى بقية الشباب في المجتمع، ويدفع بالكثير من الكفاءات المتبقية إلى التفكير في الهجرة الجماعية بحثاً عن بيئات آمنة تحترم إنسانيتهم.
إن الأوطان التي تودع شبابها في السجون بدلاً من استثمار طاقاتهم، تقوم عملياً بترحيل أزماتها وتفخيخ مستقبلها؛ إذ لا يمكن بناء مجتمعات مستقرة أو اقتصادات قائمة على المعرفة في بيئة تسودها الهواجس ويغيب فيها الأمان الشخصي والفكري.
ختاماً: التمكين يبدأ بالحرية
إن الاحتفال الحقيقي باليوم الدولي للشباب في عالمنا العربي لا يمكن أن يكتمل بإطلاق الوعود والمشاريع التنموية المعزولة عن واقع الحريات. التمكين ليس مجرد قروض مادية للمشاريع الناشئة أو منصات لتعلم البرمجة؛ التمكين الحقيقي هو منظومة متكاملة تبدأ أولاً بحفظ كرامة الإنسان وحماية حقه في التعبير والتفكير والمشاركة.
إن الخطوة الأولى والأساسية لبناء غدٍ عربي مشرق تتمثل في تبييض السجون من طاقاتها الشابة، وإعادة هؤلاء المبدعين إلى مكانهم الطبيعي في مجتمعاتهم؛ في ورش البناء، وقاعات المختبرات، ومنابر الحوار. لن تصنع القيود يوماً نهضة، ولن تبني الأسوار مستقبلاً؛ فالأوطان تُبنى بالسواعد الحرة والعقول الطليقة، والحرية هي الشرط الأول والأساسي لكل إبداع وتننمية مستدامة.



#سلطان_الحربي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مظلة الصفا: كيف يُعيد «حلف مكة الثلاثي» صياغة معادلة الردع ف ...
- تفكيك التشابك الهيكلي: متى تستعيد واشنطن استقلاليتها السياسي ...


المزيد.....




- ترامب وإيران.. صفقة هرمز تنهي الحرب
- -سنتكوم- تعلن اعتراض سفينة شحن في مضيق هرمز وموقع تتبع سفن ي ...
- بندقية -كلاشنيكوف- الروسية.. ما سر شهرتها الواسعة وكيف تحولت ...
- يونهاب: كوريا الشمالية أطلقت قذيفة نحو البحر
- مصادر عسكرية ليبية لـ RT: ضبط خلية يشتبه بارتباطها بأنشطة إر ...
- هيئة البث الإسرائيلية: -اتفاق غزة- يتضمن سداد 400 مليون دولا ...
- وزير العدل المغربي: متمسكون بأراضينا وسنستعيد سبتة ومليلية ب ...
- تشكيل لجنة أمنية للتحقيق في اغتيال المنصوري.. والقيادة العام ...
- أول 3 صحفيين دخلوا هيروشيما وناغازاكي بعد ضربهما بالقنبلة ال ...
- -ربيع- إسرائيل في أمريكا اللاتينية.. تحوّل القارة أم حكوماته ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - سلطان الحربي - جيل وراء الجدران: قراءة في كلفة غياب الشباب العربي خلف القضبان