أنس أفرتوت
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 21:18
المحور:
الارشيف الماركسي
لم يكن إنجلز تلميذاً لماركس كما يحلو للبعض وصفه، ولم يكن أيضاً في موقع ذيلي لماركس وتابعاً له، ولا أيضاً كما وصف نفسه متواضعاً: "الكمان الثاني لماركس".
إن انجلز مؤسس علم التاريخ و واضع حجر أساسه إلى جانب ماركس إنه واحد من "أعظم العقول" على حد شهادة رفيقه ماركس. بدأ نضاله قبل أن يتعرف على ماركس، وأخذ على عاتقه مهمة فهم الرأسمالية وقوانينها الخاصة، ما دفع بحثه لاكتشاف ماركس والعكس صحيح، فقد كان ماركس معجب باستنتجات إنجلز حول طبيعة الرأسمالية، وقد كان إنجلز ينفي دائما تأثيره في ماركس، والحقيقة أنه كان المفكر الأول والأوحد الذي يمكن الحديث عن تأثيره الكبير في ماركس، واتساع معرفته وتطوير نظرته حول الرأسمالية وطبيعتها، على عكس هيغل، و فيورباخ الذي اتخذ ماركس وإنجلز موقفاً نقدياً لأطروحاته، فقد قدم إنجلز معرفة واسعة بالوقائع الاقتصادية للرأسمالية، وفي أكثر الأقطار تطوراً "إنجلترا". ما دفع ماركس وهداه إلى تقدير هذه الأحداث، وتبنيه لتحليلات إنجلز المعمقة التي أبداها في كتابه: "وضع الطبقة العاملة في إنجلترا 1844"، ما ترتب عليها لقائهم الثاني، ولكنه الأول لاتبدأ أعظم علاقة فكرية ومشاعية، ولتصبح العلاقة بينهما في منتهى الكمال، والوثاقة، والتضحية، أعمق من أي وقت مضى.
على حد تعبير لينين:
"تحتوي الأساطير القديمة على العديد من الأمثلة المؤثرة للصداقة. يمكن للبروليتاريا الأوروبية أن تقول أن علمها قد تم إنشاؤه من قبل اثنين من العلماء والمقاتلين، وتتفوق علاقتهما ببعضهما البعض على القصص الأكثر إثارة للقدماء حول الصداقة الإنسانية".
لقد عبر إنجلز على حماس ونشاط ثوري كبير، وعبقرية، وفكراً حاداً مرهفاً، قد انطلق به في رحلة نضال وكفاح عظيم، كاشفاً عن قدرة كبيرة في الانطلاقة مباشرة نحو الواقع المادي الملموس، واستنتج من مجرى حركة التطور الطبيعية للمجتمع أكثر وأهم قوانين الإنتاج الرأسمالي، وصاغ بالفعل المبادئ العامة للإشتراكية العلمية على الرغم من عدم اكتمالها بالكامل. ليعمقها ماركس ويعممها في تتبعه لتجريدات المعرفة العلمية في جميع منحنياتها. وأخذ على عاتقه بناء جوانب متعددة من الماركسية في مرحلة انشغال ماركس و انكبابه في صياغة العمل الأعظم في التاريخ "الرأسمال". بل واستكماله أيضاً لهذا العمل، حين توفي ماركس وتقديمه شروح وتفاصيل لهذ المنجز، مستمراً في نضاله بأمانة وصدق منقطع النظير.
شن إنجلز نضالا نظريا صارما وضاريا ،ضد مختلف الخصوم السياسيين . من الهيغليين الشباب و دوهرينج وبرودون و لاسال واللاساليين ،ومختلف الاطروحات والاتجهات السياسية والنظرية ،التي افرزتها الحركة الاشتراكية العالمية .عرض انجلز المنهج الديالكتكي، والنظرة الشيوعية للعالم .مأكدا على انه لم تكون النظرية الماركسية عقيدة جامدة ،بل طريقة واسلوب في البحث. ولا تقدم الماركسية إجابات جاهزة، بل قوانين ومبادئ للانطلاق ومواصلة البحث التاريخي والعلمي .إنها علم تحرير البرولتاريا.
خلف إنجلز مساهمات شتى في مختلف المسائل النظرية .وعرض شروحات كبيرة حول الشيوعية ،من بينها كراس يحمل عنوان "ما الشيوعية "تحولت في ما بعد هذه الشروحات والتعاليم، الا ما كان يساوره منه الخوف جمل ثورية وعقيدة جامدة . تستخدم دون الإستمرار في البحث عن مضامينها وتطوير جوانبها ،بتطور وتقدم الصراع الطبقي. وبنفس القدر ايضا من البحث ،والجهد،والعبقرية .قدم إنجلز شروحات حول المنهج الديالكتكي والمادية التاريخية في كتباته ورسائله "ضد دوهرينج "،"الاشتراكية العلمية و الاشتراكية الطوباوية "،"ديالكتيك الطبيعة" وايضا في أعماله المشتركة مع ماركس.
لقد اعنى للمنهج الديالكتكي اهتماما واسعا. وعميقا ،محددا المفاهيم الأساسية لديالكتيك الماركسي. وفي كل مستويات عرضه يحيط انجلز بالديالكتيك المادي التاريخي ،من اصغر العمليات في الطبيعة الى اكثرها تعقيدا في المجتمع والفكر . مستنتجا ومنطلقا من تعميم وتجريد ماركس لأوسع خبرته الثورية في كل ميادين الصراع الطبقي .
" فبالنسبة لديالكتيك المادي، لا شيء نهائي، مطلق، مقدس. تكشف الفلسفة الديالكتيكية الطابع العابر لكل شيء وفي كل شيء؛ لا شيء يمكن أن يدوم قبلها باستثناء عملية الصيرورة المستمرة والموت، والصعود اللانهائي من الأسفل إلى الأعلى. والفلسفة الديالكتيكية بحد ذاتها ليست أكثر من مجرد انعكاس لهذه العملية في دماغ المفكر". بهذه العبقرية الفذة". يحيط انجلز بالديالكتيك المادي و أعم المسائل النظرية و اعقدها ويعمقها في مختلف مرافعاته ونضاله ضد مختلف خصوم الاشتراكية العلمية.
مثل إنجلز أصدق معاني الوفاء، وعلاقات التضامن الشيوعية مع رفيقه ماركس، ثابتاً وناكراً لذاته، ومتشبثاً بعزم وإرادة بمشروعهما، مضحياً بنفسه، ولم يمانع في تسمية عملهم بالماركسية، بل دافع بشدة عن هذا المنحى، معتبراً أن ماركس له الفضل الكبير والجوهري في عملهم، وبين في أكثر من مناسبة عن احترامه وتقديره العظيم لماركس في حياة هذا الأخير وفي وفاته أيضاً اذ وصف نفسه أنه: "الآن بعد أن دعيت بشكل غير متوقع إلى استبدال ماركس في الأمور النظرية وألعب دور لاعب الكمان الأول، لا يمكنني القيام بذلك دون أن أخطئ في زلات لا أحد يدركها أكثر مني."
مضيفاً أيضاً بتواضع شديد وصدق شديد:
"لم يكن بوسعي أن أنجز ما أنجزه ماركس، فماركس يقف في مكان أعلى وينظر إلى أفاق أبعد ويتخذ نظرة أوسع وأسرع منا جميعاً، كان ماركس عبقرياً ".
إن هذا التقدير كان متبادلاً بين الرجلين فماركس أيضاً أكد باستمرار على الدور الحاسم الذي قام به إنجلز في استكمال عملهم واصفاً إياه في أكثر من مناسبة بأنه ذو الفضل الأكبر في تعميق أطروحته.
"هذا المجلد انتهى. أنا مدين لك وحدك بأن ذلك أصبح ممكن! لولا تضحيتك بالنفس من أجلي لم أكن لأتمكن من إدارة العمل الهائل المطلوب ماركس".
في تراث الحركة الشيوعية هناك شهادات كبيرة وكثيرة على نضالية إنجلز وقتاليته في تطوير النظرية من كل جوانبها، وأجد في ما كتبه "ولهلم ليبكنخت" على إنجلز أصدق تعبيراً على هذا الموقع العظيم.
"إن هذا النظر النيّر الصافي وهذه البصيرة بالمعنى الحقيقي والسليم للكلمة، وهذه الفطنة التي لا تمنحها أمنا الطبيعة إلا للقلائل، كانت صفات ملازمة جدًا لطبيعة انجلز". وعلى هذا المنحى مضى عدد كبير من الثورين في استطراد دور إنجلز والكشف عن تراثه من ليبكيخت إلى لينين مروراً بكل الثوريين الصادقين، صدق انجلز والذي تعلم من مبادئ الشيوعية وصدق استنتجاتها.
وفي سنة 1895 توقف عن الخفقان قلب أصدق شيوعي وانطفأ عقلاً عظيماً، مات الجنرال كما كان يصفه مقربيه، تاركاً خلفه سيرة، ومساراً ثورياً، ومعركة خاضها في مختلف المجلات ومستويات المعركة الطبقية، يهتدي به كل الثوريين الحاملين للفكر المادي الجدلي، فكر إنجلز و ماركس وكل نشيط في معارك النضال الطبقي بنفس نشاط وحماس وحفاوة إنجلز وماركس، وفي ذكرى هذ الثوري العظيم مؤسس الاشتراكية العلمية يجب التأكيد على مساهمته والوقوف عليه وقفة صادقة وفي مختلف جوانبها، لم خلفه لنا من تراث غني وعظيم وعميق، واستخلص منها أكثر الخبرات والاستنتجات العظيمة
لذكراك العظيمه معلمنا العظيم فريدريك إنجلز.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟