ياسر عامر حميد
الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 09:32
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
أزمة الإنسان بين النص وتجار الدين والهكيل
شهد التاريخ الإنساني، وما زال يشهد، مفارقات عجيبة تقف شاهدة على حجم التناقض بين المبادئ السامية وممارسات البشر الذين يدعون تمثيلها. فعندما يُطرح مفهوم "الوطن" أو تُرفع شعارات "الوطنية"، يتبادر إلى الأذهان الانتماء والعدالة وصيانة الكرامة. غير أن الواقع المعاصر يعج بالمزايدين الذين يتشدقون بحب الوطن نهاراً، ويسيئون إليه سياسياً واقتصادياً واجتماعياً ليل نهار.
والأدهى من ذلك هو استحضارهم للنصوص الدينية والمقولات المأثورة -مثل الحديث الشهير "حب الأوطان من الإيمان"- لتخدير الشعوب وتغطية عورات استبدادهم وفسادهم، وتبرير أفكار الحروب والتوسع، وعلى سبيل ذلك الحرب العراقية الإيرانية.
في المقابل، يبرز تيار آخر يقابل هذا الزيف بإنكار فكرة الوطن كلياً، داعياً إلى أممية مطلقة تتخذ من فكرة "الوطنية العابرة للحدود" ذريعة للانسلاخ عن هموم الشعوب ومواجهة الاستبداد المحلي، ناشرين فهوماً وأفكاراً متطرفة تحت غطاء الدين والأخلاق (ومثال على ذلك تنظيمات مثل القاعدة وداعش).
ولكن، هل تكمن المشكلة حقاً في مفهوم "الوطن" أو في "النص المقدس" ذاته؟ أم أن الأزمة الحقيقية هي وليدة أهواء البشر؟ فالإنسان ابن أفكاره، والنفس البشرية هي الجانب الأكثر خطورة إذا تركت بلا سيطرة؛ إذ تميل بطبعها إلى الهيمنة، وعدم التفكير بالنتائج، والرغبة الجامحة في قمع المخالفين عقائدياً ودينياً ظناً منهم أنهم على حق مطلق. وهنا يتلاعب الكهنة ورجال الدين على الأوتار الحساسة لأصحاب النفوس الضعيفة؛ فيحللون لمن يؤمنون بأممية عابرة للحدود استباحة أموال الآخرين وأعراضهم وممتلكاتهم، تماماً كما كان لوكلاء السلطة عبر التاريخ باع طويل في إقناع هذه الفئات بسرقة الممتلكات وفرض الإتاوات.
استغلال المقدس في الحضارات القديمة (بلاد الرافدين وإيران)
لننفهم كيف يُستغل النص المقدس حين يطوعه وكلاء الدين والملوك لتمرير مصالحهم، نجد أمثلة صارخة في التاريخ القديم:
حمورابي ملك بابل: تصدّر مسلّة قوانينه الشهيرة نقشٌ يمثله وهو يتلقى التشريعات مباشرة من إله الشمس "شماش" (إله العدالة). المصلحة السياسية: إضفاء طابع مقدس وغير قابل للمناقشة أو التعديل على قوانينه، بحيث يبدو أي تمرد على القانون كأنه تمرّد على مشيئة الإله نفسه، مما ضمن توحيد القوانين في إمبراطوريته الواسعة.
سرجون الأكدي: استخدم النصوص الدينية والألقاب المرتبطة بالمعابد (مثل تعيين ابنته كاهنة كبرى للإله نانا في مدينة أور) لتقوية شرعيته كحاكم غريب عن مدن سومر، بهدف دمج الهويات الدينية والسياسية لمدن سومر وأكد تحت حكمه المركزي.
آشور بانيبال: اعتمد على نبوءات كهنة الإلهة "عشتار" التي كانت تمنحه الشرعية الإلهية لسحق أعدائه، لتبرير حملاته العسكرية المدمرة ضد الدول المجاورة (مثل عيلام ومصر وبابل) باعتبارها تنفيذاً لأوامر إلهية.
الفرس والديانة الزرادشتية: استغل ملوك الفرس مفاهيم النور والظلام لخدمة طموحاتهم الإمبراطورية؛ فـ داريوس الكبير روج في نقوش بيستون لنص ديني يؤكد أن الإله "أهورا مزدا" قد اختاره حصرياً ليكون ملكاً، ليبرر صعوده الدموي للعرش ويصم أعداءه بأنهم أتباع لروح الشر (أهريمان). وتبعه سابور الأول وكسرى الأول في التحالف الوثيق مع كهنة الزرادشتية لإحكام السيطرة الفكرية واستخدام الدين كأداة صراع كبرى ضد الإمبراطورية الرومانية.
توظيف الدين في الإمبراطورية الرومانية
استغل الروم الدين في مرحلتين أساسيتين: الأولى وثنية، والثانية مسيحية:
الأباطرة الأوائل يوليوس قيصر وأغسطس: روجوا لأنساب إلهية واستغلوا منصب "الحبر الأعظم" لتحويل الإمبراطور إلى رمز ديني مقدس يستحق الطاعة المطلقة، ومنع الحروب الأهلية.
قسطنطين الكبير: استغل العقيدة المسيحية ونصوصها (بعد رؤياه الشهيرة للصليب) وربط انتصاره العسكري في معركة جسر ميلفيو بالإله المسيحي، لإصدار مرسوم ميلان وتوحيد الإمبراطورية الممزقة عبر استثمار قوة الكنيسة.
ثيودوسيوس الأول: أصدر مرسوم تسالونيكي لجعل المسيحية الدين الرسمي الوحيد، وحظر الديانات الوثنية وباقي المذاهب المخالفة، لفرض مركزية صارمة والقضاء على المعارضة الفكرية والدينية.
الدين والسلطة في المحطات التاريخية اللاحقة
إذا رجعنا إلى حقبة ظهور النبي محمد، نرى أن النصوص المقدسة الصادرة منه دعت إلى حب الأوطان والعدل والمحبة والسلام (مثل تعبيره عن مكة: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إلي..."). لكن بعد قتله، اختلف المتصارعون على السلطة، وقامت حروب وحملات سياسية غلفت بغطاء الدين المقدس بينما كان الباطن متحيزاً للأهواء والمصالح السياسية وسفك الدماء.
وتكرر المشهد مع الدولة الأموية التي توسعت عبر الحروب واستخدمت الشعارات الدينية، ووصل الأمر إلى بناء صروح سياسية-دينية على سبيل ذالك قبة الصخرة وعاثت في الأرض فساداً. وسارت الدولة العباسية على النهج ذاته (ظاهرها دين وباطنها صراع على النفوذ والسلطة)، تلتها الدولة العثمانية التي استخدمت الخلافة غطاءً للتوسع والهيمنة.
ومع حلول القرن التاسع عشر، ظهرت النزعات القومية تحت يافطة "الوطنية"، فتحولت الشعارات الرنانة إلى ويلات وحروب دموية مدمرة.
رابعاً: شواهد عالمية وتاريخية على استغلال المقدس
الدين والعقيدة والنصوص المقدسة غالباً ما تحولت إلى أدوات بيد الكهنة ورجال الدين لتفريق الشعوب وخدمة الصراعات السياسية، ومن أبرز الشواهد:
الحرب الأهلية الأمريكية: انقسمت الكنائس حيال قضية العبودية؛ كنائس الشمال استندت إلى نصوص تدعو للتحرر وضحى أتباعها بدمائهم في سبيل ذلك، بينما استندت كنائس الجنوب إلى نصوص أخرى (حسب زعمهم) تشرع العبودية ودافعوا عنها بإراقة الدماء.
و لم تكن بغداد بمعزل عن هذا التواطؤ؛ إذ سهل بعض رجال الدين لهولاكو دخول المدينة عبر نشر أفكار غيبية واستسلامية توهم الناس بأنهم في آخر الزمان، فكانت النتيجة كارثة حرق المكتبات وإبادة المدنيين.
نستنتج مما سبق أن النص المقدس، في كثير من محطات التاريخ، قد تم تحويره وتحويله إلى فكرة وهمية في أذهان العوام من قبل كهنة السلطة والمستبدين. وإن النجاة الحقيقية تكمن في وعي الشعوب، ومراجعة النصوص بميزان العقل، والاتعاض من دروس التاريخ التي تثبت مراراً وتكراراً أن الأوطان تُبنى بالعدل والإنسان، لا باستثمار المقدس لتبرير الخراب والدمار. ويأتي بذهني أحد النصوص المقدسة التي تدعو إلى العدل وتشير أن العدل هو أساس بناء الأوطان
الحديث فما عمرت البلدان بمثل العدل وحب الأوطان "
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟