زيد نصير كعيد العتابي
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 08:33
المحور:
قضايا ثقافية
ليس من العدل أن يُقال إن جميع الشباب العراقيين يعانون ضعفًا في الثقافة أو نقصًا في الوعي، فالعراق ما زال يزخر بآلاف الشباب الذين يحملون الأقلام، ويؤلفون الكتب، ويحققون الإنجازات العلمية، ويثبتون في الداخل والخارج أن العقل العراقي ما زال قادرًا على الإبداع متى ما توفرت له البيئة المناسبة. كما أن الشاب العراقي ليس أقل ذكاءً من أقرانه في الدول المتقدمة، بل أثبت في مختلف المحافل العلمية والعملية أنه يمتلك من الفطرة والقدرة ما يؤهله للتميّز. لكن الإنصاف نفسه يفرض علينا الاعتراف بوجود أزمة حقيقية تتمثل في تراجع الوعي الثقافي لدى شريحة واسعة من الشباب، وهي أزمة لا تقل خطورة عن الأزمات الاقتصادية أو السياسية، لأنها تمس أساس بناء الدولة، وهو الإنسان، وانعكست بصورة مباشرة على ضعف مواكبة التطور التكنولوجي الذي أصبح اليوم معيارًا لتقدم الأمم.
إن الحضارات لا تنهض بالمباني الشاهقة، ولا بكثرة الثروات الطبيعية، ولا بارتفاع أسعار النفط، وإنما تنهض عندما يمتلك أفرادها الوعي الذي يمكنهم من اتخاذ القرار الصحيح، والتمييز بين الحقيقة والدعاية، وبين المصلحة العامة والمصلحة الشخصية. فالإنسان الواعي هو أساس كل نهضة، وهو صانع الاقتصاد والسياسة والقانون والتعليم، وهو أيضًا صانع التكنولوجيا لا مجرد مستخدم لها.
ولو تأملنا واقع الشباب العراقي اليوم، لوجدنا أن المشكلة لا تكمن في ضعف الذكاء أو قلة المواهب، بل في طريقة استثمار الوقت والاهتمام. فوسائل التواصل الاجتماعي، على الرغم من فوائدها الكبيرة، تحولت عند كثيرين إلى المصدر الوحيد للمعرفة، حتى أصبحت المقاطع القصيرة تغني عن قراءة كتاب، والمنشورات السريعة تحل محل الدراسات والبحوث، وأصبح الرأي الشخصي يسبق الحقيقة العلمية.
ومع مرور السنوات، بدأ هذا النمط يصنع جيلًا يمتلك معلومات متفرقة، لكنه يفتقر إلى العمق والتحليل. يعرف الكثير عن الترندات، لكنه قد يجهل أبسط المبادئ الدستورية أو الاقتصادية أو التاريخية التي تؤثر في مستقبله ومستقبل بلده، كما أصبح في كثير من الأحيان مستهلكًا للتكنولوجيا لا منتجًا لها، ومستخدمًا للتطبيقات التي يصنعها الآخرون بدل أن يكون شريكًا في تطويرها.
إن أخطر ما يترتب على ضعف الثقافة ليس الجهل بالمعلومات، وإنما غياب التفكير النقدي. فالشخص الذي لا يمتلك أدوات التحليل يصبح أكثر قابلية لتصديق الشائعات، وأكثر استعدادًا للانقياد خلف الخطابات العاطفية والشعارات الرنانة، وأقل قدرة على محاسبة المسؤول أو تقييم البرامج السياسية والاقتصادية.
ولهذا، فإن ضعف الوعي يتحول تدريجيًا إلى مشكلة وطنية. فالمواطن غير الواعي قد يمنح صوته الانتخابي لمن يخاطب عاطفته أو يقدم له منفعة مؤقتة، بدلًا من اختيار من يمتلك مشروعًا حقيقيًا لبناء الدولة. وهنا تبدأ سلسلة من النتائج السلبية؛ إذ يصل غير الأكفاء إلى مواقع القرار، فتضعف المؤسسات، وتزداد البطالة، وتتراجع الخدمات، ويستمر الفساد، ثم يعود المواطن نفسه ليعاني من آثار القرار الذي شارك في صنعه.
ولا يمكن إنكار أن الحاجة الاقتصادية تلعب دورًا في بعض السلوكيات الانتخابية، لكن الحاجة وحدها لا تفسر كل شيء. فكلما ارتفع مستوى الوعي، أصبح الإنسان أكثر قدرة على الموازنة بين حاجته الآنية ومستقبل وطنه، وأكثر إدراكًا بأن بيع الصوت الانتخابي لا ينهي الفقر، بل قد يكرسه لسنوات أخرى.
ومن المؤسف أن النظام التعليمي لم ينجح حتى الآن في معالجة هذه المشكلة بالصورة المطلوبة. فما زالت مناهج كثيرة تعتمد على الحفظ والتلقين، بينما تتراجع مساحة التفكير الحر، والبحث العلمي، والحوار، والمناقشة، وتنمية الشخصية. فالطالب يقضي سنوات طويلة في الدراسة، لكنه قد يتخرج دون أن يتعلم كيف يناقش فكرة، أو يحلل خبرًا، أو يميز بين الحقيقة والإشاعة، أو يوظف التكنولوجيا في إنتاج المعرفة.
كما أن الإعلام، الذي يفترض أن يكون شريكًا في صناعة الوعي، انشغل في كثير من الأحيان بالمحتوى الاستهلاكي والبرامج السريعة، بينما تراجع حضور البرامج الثقافية والفكرية التي تخاطب الشباب بلغة عصرية. وأصبحت الشهرة في بعض المنصات تُقاس بعدد المشاهدات لا بحجم المعرفة أو القيمة التي يقدمها المحتوى.
والأخطر من ذلك، أن بعض الشباب بات ينظر إلى القراءة وكأنها هواية قديمة لا تناسب العصر، ويعد حضور الندوات أو متابعة النقاشات الفكرية أمرًا مملًا أو بلا فائدة، بل إن هناك من يفتخر بأنه لم يقرأ كتابًا في حياته. لقد أصبح هذا الجيل، في جانب كبير منه، جيلًا سمعيًا وبصريًا أكثر منه جيلًا قارئًا؛ يتلقى معارفه من مقاطع الفيديو، والبودكاست، والملخصات السريعة، بينما تتراجع علاقته بالكتاب والقراءة المتعمقة. ورغم أن الوسائل الرقمية تمثل تطورًا طبيعيًا، فإنها لا يمكن أن تكون بديلًا عن القراءة التي تبني التفكير النقدي، وتغرس القدرة على التحليل والاستنتاج. فالاستماع قد ينقل المعلومة، أما القراءة فتبني العقل.
إن الثقافة ليست مجرد قراءة رواية أو حفظ قصيدة، بل هي وعي شامل يشمل فهم التاريخ، والقانون، والاقتصاد، والسياسة، والإعلام، والعلوم، والقدرة على التفكير المنطقي واحترام الرأي الآخر. وهي التي تجعل الإنسان قادرًا على حماية نفسه من التضليل، وعلى المساهمة في بناء مجتمعه بدلًا من أن يكون مجرد متلقٍ للأفكار.
وعندما ننظر إلى تجارب الدول الناجحة، نجد أن القاسم المشترك بينها لم يكن النفط ولا الثروات الطبيعية. فسنغافورة استثمرت في التعليم والانضباط وبناء الإنسان، فتحولت خلال عقود قليلة إلى مركز اقتصادي عالمي. وكوريا الجنوبية جعلت البحث العلمي والتكنولوجيا أولوية وطنية، فغدت من أكبر الدول الصناعية. أما اليابان، فقد أعادت بناء نفسها بعد الحرب لأنها آمنت بأن الإنسان المتعلم هو أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة.
أما العراق، فإنه يمتلك ما هو أكثر من الموارد الطبيعية؛ يملك النفط والغاز والأراضي الزراعية والثروة البشرية، لكنه لن يستطيع تحويل هذه الإمكانات إلى نهضة حقيقية ما لم يجعل بناء الإنسان أولوية تسبق كل شيء.
الحلول... كيف نبني جيلًا واعيًا قادرًا على صناعة المستقبل؟
إن معالجة أزمة الوعي الثقافي لا تتحقق بخطابات موسمية أو حملات إعلامية مؤقتة، بل تتطلب مشروعًا وطنيًا طويل الأمد تشترك فيه الدولة والمؤسسات التعليمية والإعلام والأسرة والشباب أنفسهم.
ويبدأ ذلك بإصلاح المنظومة التعليمية إصلاحًا جذريًا، بحيث تنتقل من الحفظ إلى التفكير، ومن التلقين إلى الإبداع، مع إدخال البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والبحث العلمي، وريادة الأعمال، والتفكير النقدي في مختلف المراحل الدراسية.
ولابد أن ندرك أن أطفال اليوم ليسوا كأطفال الأمس؛ فهم يولدون في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، ويتعاملون مع الأجهزة الذكية منذ سنواتهم الأولى. ولذلك فإن المدرسة التقليدية لم تعد قادرة وحدها على إعدادهم لعالم المستقبل. فالجيل الجديد يمتلك قدرة هائلة على الوصول إلى المعلومات، لكنه معرض في الوقت نفسه للعزلة الاجتماعية، وضعف مهارات الحوار، والتعلق المفرط بالشاشات إذا غابت التربية الواعية.
كما أن هذا الجيل أصبح في معظمه جيلًا سمعيًا وبصريًا أكثر منه جيلًا قارئًا، وهو ما يفرض علينا تطوير أساليب التعليم والثقافة دون التخلي عن الكتاب، بل جعله جزءًا من البيئة الرقمية الحديثة. فالمطلوب ليس محاربة التكنولوجيا، وإنما توظيفها لتقود الشباب إلى المعرفة العميقة، لا إلى الاستهلاك السريع للمعلومات.
كما ينبغي إطلاق مشروع وطني لإحياء ثقافة القراءة، ودعم المكتبات العامة، وتنظيم معارض الكتب، وتشجيع البحث العلمي، وإعادة توجيه الإعلام ليكون شريكًا في صناعة الوعي، مع دعم صناع المحتوى الهادف، وتقديم برامج علمية وثقافية تناسب لغة العصر.
ولا بد كذلك من الاستثمار الحقيقي في التكنولوجيا عبر إنشاء مراكز تدريب متخصصة في البرمجة، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وتحليل البيانات، وربط الجامعات بسوق العمل، وتشجيع الشركات الناشئة، حتى يتحول الشباب من مستهلكين للتكنولوجيا إلى منتجين ومطورين لها.
كما يتطلب الأمر تنويع الاقتصاد، ودعم الصناعة والزراعة، واستثمار الغاز المصاحب بدل حرقه، وتوسيع دور القطاع الخاص، لأن الاقتصاد القائم على المعرفة هو القادر على استيعاب طاقات الشباب وصناعة فرص العمل.
ولا يقل دور الأسرة أهمية عن دور المدرسة، فهي الحاضنة الأولى للطفل، والمسؤولة عن غرس حب القراءة، وتنظيم استخدام التكنولوجيا، وتعليم الأبناء أن الأجهزة الذكية وسيلة للتعلم والإبداع، لا بديلًا عن الحوار، والعلاقات الإنسانية، والقيم الاجتماعية.
وفي المقابل، يتحمل الشباب أنفسهم مسؤولية كبيرة؛ فالعالم اليوم لا ينتظر أحدًا، والمعرفة أصبحت متاحة للجميع. وكل شاب يستطيع أن يبدأ بنفسه، فيقرأ، ويتعلم لغة جديدة، ويكتسب مهارة تقنية، ويتقن أدوات الذكاء الاصطناعي، ويستثمر وقته فيما يبني مستقبله، لأن بناء الإنسان يبدأ بقرار شخصي قبل أن يكون قرارًا حكوميًا.
إن العراق لا يحتاج إلى معجزة حتى ينهض، بل يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وتعليم عصري، وإعلام مسؤول، وأسرة واعية، وشباب يؤمنون بأن مستقبلهم لا يُمنح لهم، بل يُصنع بالعلم والعمل.
وفي الختام، فإن نهضة العراق لن تبدأ من حقل نفطي جديد، ولا من مشروع عمراني ضخم، بل ستبدأ يوم يصبح العلم قيمة، والقراءة عادة، والوعي أسلوب حياة، والتكنولوجيا أداة للإنتاج لا للاستهلاك. فعندما يرتقي وعي الشباب، يرتقي المجتمع، وعندما يرتقي المجتمع، تزدهر الدولة. إن مستقبل العراق لن تصنعه ثرواته الطبيعية وحدها، بل ستصنعه عقول أبنائه، لأن الأمم التي تستثمر في الإنسان هي وحدها القادرة على قيادة المستقبل.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟