أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زيد نصير كعيد - العراق بين ثروة النفط... وغياب الرؤية الاقتصادية














المزيد.....

العراق بين ثروة النفط... وغياب الرؤية الاقتصادية


زيد نصير كعيد

الحوار المتمدن-العدد: 8787 - 2026 / 8 / 4 - 18:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يمتلك العراق واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، ومع ذلك ما يزال اقتصاده يعاني من التذبذب والتراجع كلما انخفضت أسعار النفط أو تقلصت كميات التصدير. وهذه المفارقة تكشف أن المشكلة ليست في حجم الثروة، بل في طريقة إدارتها. فالدولة ما تزال تعتمد على النفط بوصفه المصدر الرئيس للإيرادات، إذ يشكل ما يقارب 90% من عائدات الخزينة، بينما تبقى القطاعات الإنتاجية الأخرى شبه معطلة.

في عام 2022، ومع الارتفاع الكبير في أسعار النفط، حقق العراق إيرادات تجاوزت 115 مليار دولار، وهي من أعلى الإيرادات في تاريخه الحديث. وكان من الممكن أن تكون تلك المرحلة نقطة انطلاق نحو بناء اقتصاد متنوع، إلا أن أغلب تلك الأموال ذهبت إلى النفقات التشغيلية والرواتب، فيما بقي الاستثمار الحقيقي محدودًا. وبعد انخفاض أسعار النفط وتراجع كميات التصدير، انخفضت الإيرادات مجددًا، فعاد الاقتصاد إلى الدائرة نفسها، لأن الدولة لم تبنِ مصادر دخل بديلة تستطيع حمايتها من تقلبات السوق العالمية.

إن العراق اليوم يصدر النفط الخام بصورة شبه كاملة، لكنه في المقابل يستورد آلاف السلع التي يمكن إنتاجها محليًا، من المواد الغذائية إلى الأجهزة الكهربائية، ومن الأدوية إلى قطع الغيار، ومن مواد البناء إلى المنتجات الصناعية المختلفة. وهذا يعني أن مليارات الدولارات تغادر البلاد سنويًا بدل أن تتحول إلى مصانع، وفرص عمل، واستثمارات داخلية.

وليس هذا هو العراق الذي عرفناه في الماضي، فقد كان يمتلك قاعدة صناعية وزراعية قادرة على إنتاج وتصدير العديد من المنتجات، لكنه فقد جزءًا كبيرًا من هذه القدرة خلال العقود الماضية، حتى أصبح الاستيراد هو الخيار الأسهل، والإنتاج هو الخيار الأصعب.

ومن أكبر الأمثلة على سوء استثمار الثروات، ملف الغاز المصاحب. ففي الوقت الذي يحرق فيه العراق كميات كبيرة من الغاز المصاحب لاستخراج النفط، يستمر في استيراد الغاز لتشغيل محطات الكهرباء. ولو جرى استثمار هذا الغاز محليًا، لأمكن تشغيل محطات التوليد، وتقليل فاتورة الاستيراد، وإنشاء صناعات بتروكيمياوية وأسمدة ومشاريع تعتمد على الغاز، وهو ما يحقق إيرادات إضافية ويوفر آلاف فرص العمل للمهندسين والفنيين والعمال.

كما أن إعادة تشغيل المعامل الحكومية المتوقفة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص لإنشاء مصانع حديثة، سيمنح الاقتصاد العراقي فرصة حقيقية للنهوض. فبدل استيراد قطع الغيار للسيارات والآلات، يمكن تصنيع جزء كبير منها داخل العراق. وبدل استيراد كثير من الأدوية والمستلزمات الطبية، يمكن دعم شركات الأدوية الوطنية لإنتاجها محليًا وفق المواصفات العالمية. وكل منتج يُصنع داخل العراق يعني عملة صعبة تبقى داخل البلاد، وشركة جديدة، ووظائف جديدة، وخبرة صناعية تتراكم عامًا بعد عام.

ولا يمكن الحديث عن أي نهضة اقتصادية من دون معالجة أزمة الكهرباء، فهي العمود الفقري لأي صناعة أو زراعة أو استثمار. فلا مصنع يعمل بلا كهرباء مستقرة، ولا مستثمر يغامر بأمواله في بيئة تفتقر إلى الطاقة.

ولهذا يحتاج العراق إلى رؤية وطنية متكاملة في قطاع الطاقة، تبدأ باستثمار الغاز المحلي لتشغيل محطات الكهرباء الحالية، ثم التوسع في مشاريع الطاقة الشمسية، مع عدم الاكتفاء باستيراد الألواح الشمسية، بل إنشاء مصانع عراقية لإنتاجها وتجميعها محليًا، مما يخلق قطاعًا صناعيًا جديدًا ويوفر آلاف فرص العمل ويخفض كلفة المشاريع مستقبلًا.

أما على المدى البعيد، فيمكن للعراق أن يدرس إنشاء برنامج للطاقة النووية السلمية لإنتاج الكهرباء، وفق المعايير الدولية وتحت رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية. فالمفاعلات النووية السلمية أصبحت مصدرًا مهمًا للطاقة في العديد من الدول، ويمكن أن تشكل مستقبلًا مزيجاً لإنتاج الكهرباء لعقود طويلة.

إن بناء اقتصاد قوي لا يتحقق بزيادة الضرائب أو الاقتراض المستمر، وإنما ببناء صناعة وطنية، وزراعة حديثة، وطاقة مستقرة، واستثمار حقيقي للثروات الطبيعية، وتشجيع القطاع الخاص، ومحاربة الفساد الإداري والمالي الذي استنزف مليارات الدولارات وأعاق تنفيذ المشاريع.

إن العراق لا يحتاج إلى اكتشاف ثروة جديدة، فالثروة موجودة بالفعل تحت أرضه وفوقها. لكنه يحتاج إلى قرار سياسي واقتصادي شجاع ينقل الدولة من اقتصاد يعتمد على بيع النفط الخام إلى اقتصاد ينتج ويصنع ويصدر. وعندما يتحول الغاز المحروق إلى طاقة، والمصانع المغلقة إلى خطوط إنتاج، والاستيراد إلى صناعة وطنية، والكهرباء إلى عنصر استقرار لا أزمة دائمة، عندها فقط يمكن للعراق أن يخطو نحو اقتصاد قوي يضمن كرامة المواطن واستقلال القرار الوطني، ويجعل ثرواته مصدرًا للتنمية لا سببًا لاستمرار الأزمات.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- قطر: المنطقة كلها تتحرك لوقف تصعيد الحرب لكن لا محادثات مباش ...
- مسيرة روسية تطارد مدنيا وتهاجمه في خيرسون
- بالأرقام.. تقرير يكشف تصاعد الهجرة من إسرائيل ويحذر من -تداع ...
- قطر تكشف آخر تطورات مفاوضات إيران وتحمل إسرائيل مسؤولية تعثر ...
- ما قصة -القاضي المزيف- الذي أثار جدلاً في مصر؟
- 6 سنوات على انفجار مرفأ بيروت .. على خطى التحقيق باغتيال الح ...
- أوميغا-3 في دائرة الجدل: متى تنفع ومتى قد تضر؟
- تصل إلى 40 %..لجنة الملابس الجاهزة بغرفة القاهرة تعلن تخفيضا ...
- النائب حسين هريدي يتقدم بسؤال برلماني بشأن بيع حصة مصر في «ف ...
- وزيرة الإسكان تشدد على ضرورة توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي ض ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زيد نصير كعيد - العراق بين ثروة النفط... وغياب الرؤية الاقتصادية