أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الوراق الجزائري - الجريمة التي يرتكبها اليأس باسم الحب - قراءة نقدية في قصيدة «الحقل والأرانب» لعلي طه النوباني















المزيد.....



الجريمة التي يرتكبها اليأس باسم الحب - قراءة نقدية في قصيدة «الحقل والأرانب» لعلي طه النوباني


الوراق الجزائري

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 19:03
المحور: الادب والفن
    


مدخل: قصيدة تبدأ بالجريمة ولا تمنحنا براءة الحكم
تضعنا قصيدة "الحقل والأرانب" لعلي طه النوباني منذ سطرها الأول أمام فعلين صادمين لا تمهيد لهما ولا محاولة لإخفائهما: إحراق الحقل وقتل الأرانب. لا يبدأ المتكلم بوصف المكان، ولا باستعادة ماضٍ سعيد، ولا بشرح الأزمة التي دفعته إلى فعله؛ بل يدخل مباشرة في الاعتراف:
أشعلتُ الحقلَ لأنَّ القمحَ يُطيلُ العمر
وقتلتُ الأرانبَ لأنَّها متحمسةٌ جدًّا
إنها بداية حادة تحرم القارئ من مسافة الأمان. فنحن لا نقف أمام راوٍ يراقب كارثة وقعت للآخرين، بل أمام الفاعل نفسه، يعترف بما ارتكب ويقدم أسبابه. غير أن هذه الأسباب لا تفسر الفعل بقدر ما تزيده غموضًا: لماذا يصبح إطالة العمر سببًا لإحراق القمح؟ وكيف تتحول الحماسة إلى تهمة تستحق الأرانب بسببها القتل؟
من هذه المفارقة الأولى تنبثق البنية العميقة للقصيدة كلها. إننا أمام ذات انقلبت لديها العلاقات بين الأسباب والنتائج، والحب والعنف، والخلاص والفناء، والبراءة والجريمة. وهي ذات لا تقتل لأنها تكره الحياة بالضرورة، بل ربما لأنها أرادت حياة مطلقة النقاء، وحين لم تجدها أصدرت حكمها على الحياة الناقصة بالإعدام. لذلك، فإنَّ هذه القصيدة ليست رثاءً بسيطًا لحقل احترق وأرانب قُتلت. إنها تحقيق شعري في اللحظة التي يتحول فيها الجريح إلى جارح، والعاشق إلى قاتل، والحالم إلى مخرّب، والباحث عن الحقيقة إلى إنسان يعبر نفقها وحيدًا بعد أن دمّر كل ما كان يمكن أن يرافقه.
وتنبع أهمية النص من أنه لا يمنح قارئه جوابًا أخلاقيًا جاهزًا. نستطيع أن نتعاطف مع المتكلم، لأن صوته مثقل بالحزن والاختناق والخوف، لكننا لا نستطيع تبرئته. ونستطيع أن نفهم دوافعه النفسية، لكن الفهم لا يلغي فداحة الفعل. وبهذا تحتفظ القصيدة بتوترها حتى النهاية: هل المتكلم ضحية قادها اليأس إلى الجنون، أم جلاد تعلم أن يسمي تدميره حبًا وحمايةً وحقيقة؟
العنوان: براءة رعوية تنقلب إلى مشهد احتراق
يحمل عنوان «الحقل والأرانب» إيحاءً رعويًا هادئًا. فالحقل يوقظ في الذاكرة صور القمح والخصوبة والعمل والحصاد ودورة الفصول، بينما تستدعي الأرانب الرقة والخفة والبراءة والحيوية. يوحي العنوان، قبل قراءة النص، بعلاقة طبيعية بين مكان يمنح الغذاء وكائنات صغيرة تعيش في كنفه. لكن القصيدة لا تلبث أن تنقلب على أفق الانتظار هذا. الحقل لا يُزرع بل يُحرق، والأرانب لا تَقفز في العشب بل تُقتل، والعصافير لا تُزقزق، والغيمة لا تمطر، والحصاد لا يَتم، والطريق يَمشي فوق الجثث. فالعالم الرَعوي لم يختفِ كليًا، لكنه تَحوَّلَ إلى أنقاض مَشهد كان يمكن أن يكون جَميلًا. وتتضاعف دلالة العنوان حين ندرك أنه يجمع بين رمز المكان ورمز الكائن الحي. الحقل هو الحاضنة، والأرانب هي الحياة التي تنمو داخلها. إحراق الأول وقتل الثانية يعنيان القضاء على الشرط والثمرة معًا؛ على المكان وإمكاناته، وعلى البراءة التي تسكنه.
لهذا لا يكون العنوان مجرد تحديد لموضوع القصيدة، بل يُصبح اسمًا لعالم مفقود. (الحقل والأرانب) هما ما كان يمكن أن يستمر، لولا أن المتكلم قرر إنهاءه. وعندما نعود إلى العنوان بعد القراءة، لا نراه صورة ريفية بريئة، بل شاهد قبر مختَصرًا للحقل وسكانه.
عتبة النص: اعتراف أم بيان أم تبرير؟
يعتمد المطلع على ثلاثة أفعال في صيغة المتكلم: «أشعلتُ»، و«قتلتُ»، و«سأجمع». الأولان يحيلان إلى فعل منجز، والثالث يتجه نحو المستقبل:
"وقريبًا سأجمع شغفي وأُلقيه في الظلام"
إحراق الحقل وقتل الأرانب ليسا، إذن، نهاية مشروع الهدم، بل بدايته. بعد القضاء على العالم الخارجي سيأتي الدور على الشغف الداخلي. كأن المتكلم يتحرك في دوائر متتابعة من الإلغاء: يحرق مصدر الحياة، ثم يقتل الكائنات المتحمسة، ثم يجمع ما بقي فيه من رغبة ويلقيه في الظلام. واللافت أنه لا يقول إنه سيفقد شغفه، بل سيجمعه ويلقيه. الفعل إرادي، وفيه ترتيب واستعداد. إنه لا ينتظر أن ينطفئ، بل يتولى بنفسه إطفاء ما بقي فيه من نور. وهذه النزعة الإرادية تجعل المأساة أكثر تعقيدًا؛ فنحن لا نواجه إنسانًا سقط في اليأس فقط، بل إنسانًا صار اليأس عنده برنامج عمل. وهو يستعمل أداة التعليل «لأنّ» عقب كل جريمة، وكأنه يقدم بيانًا دفاعيًا أو شهادة أمام محكمة. غير أن أسبابه لا تبرئه، بل تكشف اضطراب منطقه. إنه يبدو حريصًا على أن يفسِّر، لكن التفسير يتحول إلى علامة إدانة؛ لأنه يبين أن الجريمة لم تكن لحظة غضب عابرة، بل فعلًا وجد له صاحبه فلسفة خاصة.
بنية القصيدة: دوائر من الاحتراق
تتكون القصيدة من سبعة مقاطع، تنتظم حول لازمتين أساسيتين:
"أشعلتُ الحقل"
و:
"قتلتُ الأرانب لأنها متحمسة جدًا"
وتعود إليهما لازمة ثالثة ذات طابع وجودي:
"لست/لسنا بحاجة إلى نوم قصير
أو رحلة معدة مسبقًا
نتلو فيها دعاء السفر"
هذه اللوازم تمنح النص وحدته الإيقاعية والدلالية. غير أنَّ التكرار لا يعيد الجملة بالمعنى نفسه تمامًا؛ فكل عودة تقع بعد إضافة جديدة إلى الحكاية، ولذلك تحمل العبارة عبئًا مُختلفًا. في البداية يبدو قتل الأرانب فعلًا عبثيًا عامًا. ثم تظهر "الأرنبة الحبيبة"، فيصبح القتل شخصيًا وحَميميًا. وبعد ذلك نراها تصطف في طابور طويل، فتكتسب صورة اجتماعية وجَمعيّة. وفي الختام يعود المتكلم إلى تأكيد القتل، لكن الجملة تكون قد امتلأت بذاكرة الحب والاعتذار والموت والتكفين.
يمكن النظر إلى المقاطع بوصفها حلقات في رحلة تدهور داخلي:
1. إعلان الحرق والقتل ورفض الرحلة المرسومة.
2. فشل الشعر في استدعاء زقزقة العصافير، ثم الاتجاه إلى الجنون.
3. الاعتذار إلى الأرنبة الحبيبة وقتلها باسم الخوف عليها.
4. موت الأرنبة وتكفين القاتل والقتيلة معًا.
5. اتساع الاحتجاج وظهور البرغوث الطائر ومزج الأغاني بالحجارة.
6. ظهور الطابور والذباب وإعلان نهاية القمح والرقص والغناء.
7. محاولة العودة إلى «الحالة الزجاجية» والدخول وحيدًا في نفق الحقيقة.
لا تسير القصيدة وفق حبكة واقعية صارمة، بل وفق منطق التداعي النفسي. الصور لا تتتابع لأنها وقعت زمنيًا بهذا الترتيب بالضرورة، وإنما لأنها تنبثق من بؤرة شعورية واحدة هي العجز عن التوفيق بين التوق إلى الكمال وفساد العالم. ومن هنا تأتي بنيتها الدائرية: تبدأ بالحقل المحترق وتنتهي بتأكيد إحراقه، وتبدأ بقتل الأرانب وتنتهي بالإقرار نفسه. الحركة الظاهرة كبيرة، لكن المتكلم لم يغادر جريمته الأولى. لقد دار حولها واخترع لها صورًا وأسبابًا وذكريات، ثم عاد إليها.
انهيار السببية: «لأنّ» بوصفها مركزًا شعريًا
لعل أهم كلمة بنائية في النص هي أداة التعليل «لأنّ». تظهر بعد فعل الحرق أو القتل، فتعد القارئ بسبب عقلاني، لكن ما يأتي بعدها يخرق التوقع:
"أشعلتُ الحقل لأن القمح يطيل العمر"
"أشعلتُ الحقل لأن العصافير رفضت أن تزقزق"
"أشعلتُ الحقل لأن برغوثًا دميمًا حلّق في السماء"
"أحرقتُ الحقل لأن العجوز الممل حدثني طويلًا عن محاسن الفشل"
تتغير الأسباب بينما يبقى الفعل واحدًا. وهذا الثبات في النتيجة مقابل تعدد المقدمات يكشف أن السبب الحقيقي غير معلن، وربما غير معروف للمتكلم نفسه. لقد اتخذ قرار الحرق أولًا، ثم أخذ يبحث في العالم عما يبرره. وهنا تتحول السببية المنطقية إلى سببية نفسية. لا يهم أن يكون السبب صالحًا موضوعيًا؛ يكفي أن يكون الحدث قد أثار ألم المتكلم أو خيبته أو غضبه. إطالة العمر تذكره بعبء الحياة، وصمت العصافير يذكره بفشل الفن، وطيران البرغوث يذكره بانقلاب القيم، وكلام العجوز يذكره بثقافة الاستسلام. وكل شيء يَصُبُّ في النتيجة نفسها: ينبغي أن يحترق الحقل. وهذا المنطق يقترب من آلية التفكير العدمي، لكنّه يشبه كذلك خطاب السلطة. فالسلطة القمعية قد تقرر العقوبة ثم تختلق التهمة، وتعلن النتيجة ثم تبحث عن مقدمات مناسبة. والمتكلم الذي يبدو ثائرًا على عالم فاسد يستخدم، من حيث لا يشعر، منطق الجلاد: ما دام العالم لم يطابق رغبتي، فسأعاقبه.
لهذا لا يمكن فهم «لأنّ» في النص كأداة نحوية محايدة. إنها قناع العقل الذي ترتديه الرغبة في الهدم. وكلما تكررت، ازداد وضوح المسافة بين التفسير والحقيقة.
الحقل: الحياة والوطن والذاكرة والإمكان
الحقل هو الرمز المكاني المركزي في القصيدة، وتتشعب دلالاته في اتجاهات متعددة. فهو أولًا مصدر القمح، أي مصدر الغذاء واستمرار الحياة. وإحراقه فعل انتحاري غير مباشر؛ لأن المتكلم لا يقتل نفسه فورًا، وإنما يدمر ما يضمن بقاءه. إنه يقطع الطريق على المستقبل ويمنع الحصاد قبل أوانه. وهو ثانيًا رمز للخصوبة والدورة الطبيعية. فالحقل يتجدد مع الفصول، وتتكرر فيه عمليات البذر والنمو والحصاد. لكن النار تقطع هذه الدورة وتحول الزمن الزراعي المتجدد إلى زمن مُنتَهٍ. لا يعود السؤال: ماذا سينبت في الموسم القادم؟ بل: هل سيبقى حقلٌ أصلًا؟ وهو ثالثًا فضاء للعمل الجماعي وأغاني الحصاد. وعندما يصف المتكلم نفسه بأنه يريد أن يصير: "دائريًا مثل أغاني الحصاد"؛ فهو يستدعي ذاكرة جماعية كانت فيها الأغنية مرتبطة بالعمل والأرض والناس. لكن هذه الدائرية المرغوبة تصطدم بما فعله: من أين ستأتي أغنية الحصاد بعد إحراق القمح؟
ويحتمل الحقل دلالة رابعة من حيث إنه يمكن أن يكون رمزًا للوطن أو المجال العام. إنه المساحة المشتركة التي توفر للناس أسباب العيش، لكن اليأس من فسادها قد يدفع بعض أبنائها إلى إحراقها. ومن هذه الزاوية، تثير القصيدة سؤالًا سياسيًا بالغ الحساسية: متى تتحول الثورة على فساد العالم إلى رغبة في تدمير العالم نفسه؟ ومتى يصبح الغضب من الوطن أو المجتمع عدوانًا على إمكان إصلاحه؟
أما الدلالة الخامسة فهي أن الحقل قد يمثل نفس المتكلم. القمح هو عمره، والأرانب عواطفه، والعصافير صوته الشعري، والغيمة خياله، والنار نوبة التدمير الداخلي. وعندما يحرق الحقل لا يعود الفعل موجهًا إلى مكان خارجي فقط؛ إنه يحرق مساحة الحياة في ذاته. ومن كثرة هذه الاحتمالات تنبع قوة الرمز الذي يحتمل هذه المعاني مجتمعة. فالحقل يمكن أن يكون الأرض والنفس والوطن والحب والمستقبل، من غير أن تضطر القصيدة إلى تثبيته في مدلول واحد.
القمح: إدانة الاستمرار
يبرر المتكلم إحراق الحقل بأن "القمح يطيل العمر". والمفارقة أن ما يُعَدُّ نِعمةً في الوعي الطبيعي يتحول عنده إلى خَطر. إنه لا يريد عمرًا يمتد بالشكل الذي يعرفه؛ لذلك يعاقب القمح على قدرته على التغذية.
يحمل القمح في الثقافة الإنسانية دلالات شديدة القدم: الخبز والحياة والاستقرار والحضارة والخصوبة. وحين يُحرق، لا يحترق نبات فحسب، بل تحترق إمكانية المشاركة في الحياة اليومية. فالخبز أكثر الأشياء بساطة وضرورة، ورفضه يعني رفض الحد الأدنى من الاستمرار. لكن المتكلم لا يبحث عن حياة عادية قابلة للاستمرار؛ إنه يريد حياة مشتعلة بالعشق، كاملة النقاء، خالية من الفتور والكذب. ولأن القمح لا يقدم إلا عمرًا أطول، لا عمرًا أكثر معنى، يصبح في نظره شريكًا في إدامة الفراغ. وتكشف العبارة بذلك موقفًا وجوديًا: ليست المشكلة في الموت، بل في امتداد حياة لا تلبي شرطها الأخلاقي والعاطفي. غير أن المتكلم لا يحاول تغيير نوع الحياة، وإنما يدمر مادتها. وهنا يتحول احتجاجه المشروع على الفراغ إلى حكم عدمي على البقاء نفسه.
الأرانب: البراءة والحماسة والذات المقتولة
إذا كان الحقل هو المكان المركزي، فالأرانب هي الكائن المركزي في القصيدة. يصفها المتكلم بصفة واحدة تتكرر حتى تغدو أشبه بتهمة: "متحمسة جدًا". والحماسة صفة إنسانية إيجابية عادة، تدل على الرغبة والطاقة والإقبال على الحياة. لكن التكرار يحولها إلى علامة خطر. فالمتكلم الذي يقول عن نفسه: "فأنا فاتر جدًا عندما أفهم". هكذا، يقف في الطرف المقابل من الأرانب. هي متحمسة، وهو فاتر؛ هي مقبلة على الحياة، وهو مثقلٌ بمعرفةٍ جَعَلتهُ عاجزًا عن الإقبال. ويمكن لذلك أن يكون قتلها محاولة للقضاء على ما يذكّره بعجزه.
تمثل الأرانب أيضًا البراءة الهشة. فهي ليست حيوانات مفترسة، ولا تهدد الحقل أو المتكلم تهديدًا حقيقيًا. وقتلها يكشف اختلال توزيع العنف؛ فالغاضب من العالم يوجه قوته نحو الأضعف. لكن الأرانب قد ترمز كذلك إلى الأحلام والمشروعات والمحبين والثوار والشباب؛ أي إلى كل طاقة متحمسة تدخل عالمًا يعرف المتكلم أنه سيخيبها. وبذلك يمكن أن يتوهم أنه يقتلها رحمة بها، قبل أن تواجه المصير الذي عرفه.
وتكتسب الأرانب بعدًا جمعيًا عندما تظهر الأرنبة الجميلة في "طابور طويل". لم تعد كائنًا فرديًا يقفز بحرية، بل صارت جزءًا من صف ينتظر. والطابور يحيل إلى الجوع والبيروقراطية والتجنيد والتفتيش وتوزيع الحاجات وتحويل الأفراد إلى أرقام. وفي هذه اللحظة تتقاطع البراءة مع النظام الاجتماعي. الأرنبة المتحمسة أُدخلت في الطابور، والذباب يرقص فرحًا، والمتكلم يعلن:
"لا قمح بعد اليوم
لا رقص
لا غناء"
إنه يحتج على الطابور، لكنه يصدر أوامر تشبه أوامر السلطة. يريد تحرير الأرنبة من منظومة القمع، فيمنع عنها القمح والرقص والغناء. وهكذا يكشف النص مأساة الثائر الذي يستبطن لغة ما ثار عليه.
الأرنبة الحبيبة: الحب الذي يتحول إلى وصاية
يبلغ الصراع الأخلاقي ذروته عندما ينتقل المتكلم من الحديث عن الأرانب بصيغة الجمع إلى "أرنبتي الحبيبة":
"عندما قتلتُ أرنبتي الحبيبة
قلتُ لها:
سامحيني"
الإضافة في «أرنبتي» ووصفها بـ«الحبيبة» ينقلان القتل من مستوى رمزي عام إلى مستوى حميمي. لم يقتل كائنًا مجهولًا، بل قتل من يحب. وهذه المفارقة هي قلب القصيدة: كيف يمكن أن يجاور الحب القتل في جملة واحدة؟
يقدم المتكلم منطقه:
"وأخشى أن تفنى الحقول
وتبقين وحيدةً مع الأدخنة السوداء
يقتلك الضجر"
إنه يقتلها الآن خوفًا من أن تموت لاحقًا بالوحدة والضجر. يريد إنقاذها من ألم محتمل، فيوقع بها الموت المؤكد. هذه هي الوصاية في صورتها القصوى: أن يقرر الإنسان نيابة عن الآخر أن موته أفضل من المستقبل الذي ينتظره. ويمكن قراءة المشهد نفسيًا بوصفه خوفًا مرضيًا من الفقد. فبعض الذوات لا تحتمل انتظار خسارة المحبوب، فتحاول امتلاكه أو قطع العلاقة أو تحطيمها قبل أن تتعرض للهجر. إنها تستبدل ألمًا لا تملك السيطرة عليه بألم تصنعه بيدها. كما يمكن قراءته سياسيًا بوصفه منطق السلطة الأبوية: "نعرف مصلحتك أكثر منك، ونقيدك لحمايتك، ونحرمك من الاختيار كي لا تخطئ، وقد نقتلك كي لا تقع في يد الخطر". هنا تتحول الحماية إلى محو للآخر.
أما أخلاقيًا، فالمشهد يضع حدًا واضحًا بين الحب وادعائه. الحب لا يمنح صاحبه الحق في مصادرة حياة المحبوب، ولا يكفي الاعتذار بعد الفعل لمحو الجريمة. ولذلك لا تستجدي القصيدة من القارئ غفرانًا كاملًا للمتكلم، وإن سمحت له بفهم خوفه.
"ماتت وهي تضحك": الضحية تحتفظ بسرها الأخير
بعد الاعتذار والقتل، تقول القصيدة: "ماتت وهي تضحك"، وهذه من أقوى جمل النص بسبب اقتصادها وغموضها. فالقصيدة لا تفسر الضحكة، ولا تمنح المتكلم القدرة على تأويلها نيابة عن الأرنبة. وقد تكون ضحكة غفران، وكأنها أدركت عجزه ورثت لحاله. وقد تكون ضحكة سخرية من منطقه المتناقض: قتلها خوفًا من موتها. وقد تكون ضحكة تحدٍّ، تحتفظ بها الضحية في وجه القاتل. وربما تكون ضحكة جنون أو معرفة أخيرة لا يستطيع النص نقلها.
المهم أن الأرنبة، في لحظة موتها، تستعيد شيئًا من استقلالها. لقد سيطر المتكلم على جسدها، لكنه لا يسيطر على معنى ضحكتها. تبقى الإشارة خارج سلطته، وتظل الضحية حاملة لسر لا يستطيع القاتل امتلاكه.
بعد ذلك تقول القصيدة:
"لكنَّ الطيور كفنتنا معًا"
والضمير هنا بالغ الدلالة. الأرنبة ماتت فعليًا، لكن الطيور تكفن الاثنين. لقد مات المتكلم رمزيًا لحظة قتلها. فالقتل لا يقضي على الضحية وحدها، بل يهدم جزءًا من القاتل، ولا سيما حين تكون الضحية هي المحبوبة. ويمكن أن يكون التكفين المشترك إعلانًا عن وحدة المصير: لم يكن الحقل والأرانب والعصافير والمتكلم عناصر منفصلة، بل أجزاء من كيان واحد. وكلما دمر جزءًا من عالمه، اقترب من موته الخاص.
العصافير الصامتة: أزمة الفن أمام العالم
يخصص المقطع الثاني سلسلة من المحاولات لإقناع العصافير بالزقزقة:
"أنشدتُها شعرًا، ولم تزقزق
قطعتُ لها غيمةً بيضاء كالثلج
ولم تزقزق
حكيتُ لها قصة ليلى والبحار المشعوذ
ولم تزقزق"
يحاول المتكلم استخدام أدوات الفن والجمال: الشعر، والغيمة، والحكاية. لكنه لا يحصل على الاستجابة المطلوبة. فالعصافير، وهي الرمز الطبيعي للغناء، ترفض أن تغني. ويمكن فهم هذا الصمت بوصفه أزمة المبدع حين يشعر أن العالم لا يستجيب لفنه. لقد أنشد، وصنع صورة، وحكى قصة، ومع ذلك لم تتحرك الحياة. يصبح الفن عاجزًا عن استدعاء الزقزقة، أي عاجزًا عن إعادة الانسجام إلى العالم. لكن المقطع يكشف كذلك نزعة خفية إلى السيطرة. المتكلم يظن أن تقديم الشعر والجمال للعصافير يمنحه حقًا في الحصول على أغنيتها. وحين ترفض، يحرق الحقل. أي إنه لا يعترف للعصافير بحق الصمت؛ يريدها أن تؤدي الدور الذي رسمه لها.
يتحول الفنان هنا إلى مخرج مستبد للطبيعة. صنع للعصافير مشهدًا شعريًا، وينتظر منها أن تستجيب وفق النص. وعندما لا تفعل، يعاقب المكان كله. وهذه مفارقة مهمة: الفنان الذي يطالب بحرية صوته قد يرفض حرية صمت الآخرين. ومع ذلك، تعود الطيور بعد موت الأرنبة لتكفنها مع المتكلم. لقد رفضت الغناء بأمره، لكنها حضرت لتشهد المأساة. وبذلك تستعيد استقلالها: لا تستجيب لإرادته، وإنما تفعل ما تقتضيه لحظتها الخاصة.
الغيمة البيضاء والغيمة السوداء
تظهر الغيمة أولًا بيضاء كالثلج، يقطعها المتكلم للعصافير؛ وكأنه يقدم لها هدية من السماء. ثم تظهر لاحقًا غيمة سوداء غاضبة "تمطر جوعًا". وينشأ بين الغيمتين تقابل دلالي واضح. الأولى تنتمي إلى الخيال والجمال والبياض، لكنها تفشل في استدعاء الغناء. والثانية تنتمي إلى التهديد والحرمان، ولا تمطر ماءً بل جوعًا. وقول الشاعر إن الغيمة «تمطر جوعًا» انزياح شديد الدلالة. فالمطر في الحقل سبب للخصوبة والشبع، لكنه ينقلب إلى مصدر للمجاعة. كما انقلب القمح من سبب للحياة إلى سبب للحرق، تنقلب الغيمة من وعد بالماء إلى وعيد بالجوع. وربما تمثل الغيمة السوداء سلطة أو حربًا أو كارثة اقتصادية أو مناخًا نفسيًا خانقًا. لكنها، في جميع الأحوال، تعمق الإحساس بأن النظام الطبيعي أصابه الخلل: ما يجب أن يغذي صار يجوع، وما يجب أن يغني صمت، وما يجب أن يحيا قُتل.
البرغوث الطائر: انقلاب هرم القيم
من أكثر الصور غرابة:
"أشعلتُ الحقلَ لأنَّ برغوثًا دميمًا حلّق في السماء". والبرغوث كائن صغير طفيلي لا يطير، بينما السماء فضاء العصافير والحرية والعلو. وعندما يحتل البرغوث السماء، يصبح المشهد إعلانًا عن انقلاب القيم: الطفيلي ارتفع، والجميل صمت، والصغير الدميم أخذ مكان الطائر. ويمكن أن يرمز البرغوث إلى شخص تافه صعد إلى موقع لا يستحقه، أو إلى سلطة طفيلية، أو إلى فكرة قبيحة هيمنت على المجال العام. وفي القراءة السياسية يصبح مشهدًا ساخرًا لمجتمع يعتلي فيه الأدنى مواقع السيادة، بينما تُحاصَرُ الأصوات الجديرة بالتحليق. لكنَّ رد المتكلم يحمل إدانته مجددًا. فهوَ لا يُسْقِطُ البرغوث، بل يحرق الحقل. يغضب من القبيح المرتفع، فيعاقب الجميل المنخفض. وهذه آلية نفسية واجتماعية مألوفة: حين يعجز الإنسان عن مواجهة مصدر القهر، يفرغ غضبه في المساحة الأضعف والأقرب إليه.
إن البرغوث يطير، والأرانب تُقتل، والقمح يُحرق. انتصار القبح لا يؤدي إلى مقاومته بل إلى انسحاب الجمال من العالم. وهذا هو النجاح الحقيقي للبرغوث: ليس أنه حلّق فقط، بل أنه أقنع المتكلم بأن يُحرق ما لا يزال صالحًا للحياة.
الذباب الراقص والحشرات التي تملأ الأفق
في المقطع السادس تزدحم السماء بالحشرات:
"لأنَّ الحشرات تملأ الأفق بالخيوط والأحجيات
تقطع المدى دون طائرات أو مركبات"
تبدو الحشرات هنا كقوة صغيرة الحجم؛ لكنها واسعة الانتشار، تنسج الخيوط والألغاز وتحتل الأفق. وقد ترمز إلى الشائعات، أو الأجهزة الخفية، أو الأفكار الطفيلية، أو شبكة القيود التي يصعب تحديد مركزها. واختيار الحشرات مهم لأنها تعمل غالبًا في الهوامش والشقوق، لكنّ كثرتها تجعلها قادرة على احتلال المشهد. وهي لا تحتاج إلى طائرات أو مركبات كي تعبر المدى، وكأن تأثيرها يتسلل بلا أدوات ظاهرة. ثم يظهر الذباب يرقص فرحًا حين تصطف الأرنبة في الطابور. والذباب يرتبط عادة بالعفن والجثث والقمامة، ولذلك يبدو فَرَحُهُ نذيرًا بالموت. إنه الكائن الذي يزدهر حيث تتحلل الحياة. وهكذا، في مقابل أغاني الحصاد التي تغيب، يحضر رقص الذباب. وفي مقابل العصافير التي ترفض الزقزقة، تملأ الحشرات الأفق. مرة أخرى، يحتل الأدنى مكان الأجمل: صَمتُ الطيور يُقابله نشاط الطفيليات.
العجوز ومحاسن الفشل
يقول المتكلم: "أحرقتُ الحقلَ لأنَّ العجوزَ المملَّ حدثني طويلًا عن محاسن الفشل"، ويمثل العجوز خطاب الحكمة التقليدية، أو الخبرة التي فقدت قدرتها على الإلهام. إنه لا يتحدث عن مقاومة الفشل أو فهمه، بل عن "محاسنه". وربما يكون بذلك صوتًا يُجَمّلُ الهزيمة ويدعو إلى التكيف معها. ووَصْفُهُ بالمُمِلّ يدل على ضيق المتكلم بالمواعظ الجاهزة. فثمةَ حِكمَةٌ اجتماعية تُحوِّلُ العَجزَ إلى قَناعة، والخوف إلى تعقل، والاستسلام إلى نضج، والفشل إلى فضيلة. والمتكلم يتمرد على هذا الخطاب لأنه يراه تخديرًا للإرادة. لكنَّ المفارقة أنه يرد على تمجيد الفشل بصناعة فشل نهائي؛ فإحراق الحقل يمنع المحاولة القادمة، ويجعل الهزيمة غير قابلة للإصلاح. إنه يرفض فلسفة الاستسلام، ثم يرتكب أكثر أفعالها اكتمالًا.
قد يكون العجوز صورة للماضي حين يثقل الحاضر بنصائحه، أو صورة لمؤسسة ثقافية تطلب من الشباب قُبول العَجز، أو جزءًا من الذات يحاول إقناعها بأن تتصالح مع الخيبة. وفي جميع الحالات يظل الحرق ردًا غير متناسب، يكشف أن المتكلم لم يعد قادرًا على التمييز بين رفض الفشل وتدمير شروط النجاح.
الحماسة والفتور: الصراع النفسي المركزي
تقابل القصيدة بين الأرانب "المتحمسة جدًا" والمتكلم "الفاتر جدًا عندما يفهم". وهذا التقابل يضيء معظم أفعالها. فالحماسة مرتبطة بالحياة قبل المعرفة، بينما الفتور نتيجة الفهم وكشف الأسرار. كأن القصيدة تقيم علاقة عكسية بين الوعي والقدرة على الفرح: كلما عرف المتكلم أكثر، فقد حرارة وجوده.
يقول:
"فأنا فاترٌ جدًا عندما أفهم
وحزينٌ جدًا عندما أكشف الأسرار"
وهكذا فإن المعرفة لا تحرره، بل تثقله. و«الأسرار» لا تمنحه تفوقًا، وإنما تتركه حزينًا. إنه نموذج للوعي الذي لم يستطع تحويل انكشاف العالم إلى فعل، فتحول إلى فتور. أما الأرانب فما تزال تمتلك ما فقده. ولهذا يصبح قتلها فعل حسد وجودي أو شفقة مدمرة أو محاولة لمحو الماضي. فهي صور لحماسته السابقة، وربما يخشى أن تصل يومًا إلى ما وصل إليه من معرفة وخيبة. لكن الحماسة نفسها ليست مُقدَّمة بصورة بريئة تمامًا. تكرار «متحمسة جدًا» قد يمنحها طابعًا زائدًا أو ساذجًا؛ فالحماسة التي لا تعرف العالم قد تكون معرضة للخداع. إلا أن النص لا يبرر قتلها لهذا السبب، بل يعمق المأساة: وبَدَلًا من أَنْ يَحمي المتكلم الحماسةَ أو يُنضِجها، يُطفِئُها.
الجنون بوصفه وجهة سفر
بعد فشل العصافير في الزقزقة يقول المتكلم: "فحزمتُ أمتعتي نحو الجنون"، وهذه من ألمع صور النص. فالجنون حالة ذهنية، لكنه يتحول إلى بلد أو جهة يمكن السفر إليها. وَحَزم الأمتعة يوحي بأن الرحلة مقصودة ومُعدَّة، وليست سقوطًا مفاجئًا. لكن المفارقة أن المتكلم يرفض مرارًا «رحلة معدة مسبقًا»، في حين يحزم أمتعته نحو الجنون. ويبدو أنه يَرفُض الرِّحلة التي يرسمها الآخرون، لا مبدأ الرِّحلة نفسه. ويريد طريقًا لا يخضع لبرنامج المجتمع ولا لطقوسه. وقد يكون الجنون هنا هروبًا من عقلانية العالم الزائفة. فإذا كان النظام السائد يَعتبر صعود البرغوث طبيعيًا، وصمت العصافير عاديًا، والطابور قدرًا، فقد يبدو الجنون شكلًا من أشكال الاعتراض. وفي تاريخ الأدب كثيرًا ما كان المجنون هو الذي يرى ما يتغافل عنه العقلاء.
لكنَّ القصيدة لا تمجّد الجنون كليًا. فالرحلة إليه تترافق مع الحرق والقتل. وربما لم يكن الجنون مصدر الحقيقة، بل اللغة التي يستخدمها المتكلم لإعفاء نفسه من المسؤولية. ولهذا تظل الصورة معلقة بين التحرر والانهيار.
الرحلة المعدّة مسبقًا ودعاء السفر
تتكرر صورة الرحلة المعدة مسبقًا في عدد من المقاطع:
"ولستُ بحاجة إلى رحلةٍ معدة مسبقًا
أتلو فيها دعاء السفر"
يحمل هذا التكرار رفضًا للمسار المرسوم. قد تكون الرحلة هي الحياة الاجتماعية التقليدية بخطواتها المقررة، أو مشروعًا سياسيًا تحدده الجماعة، أو مصيرًا يعرف الإنسان مَحطّاته قبل أن يبدأه. ويرفض المتكلم أن يكون مجرد مسافر في برنامج وضعه الآخرون. أما «دعاء السفر» فيحمل دلالة دينية وطقسية. ولا يلزم أن يكون النص رافضًا للدعاء في ذاته؛ الأرجح أنه يحتج على تحول الدعاء إلى جزء آلي من رحلة لم يخترها المسافر. فالمشكلة في اقتران المقدس بمسار "مُعد مسبقًا"، كأن الطقس يُستخدم لتغطية غياب الحرية. وقد تكون الرحلة استعارة للموت. فالحياة سفر ذو نهاية معروفة، والنوم القصير يجاور الرحلة في اللازمة كأنهما صورتان للانتقال والانطفاء. لكن المتكلم لا يريد موتًا هادئًا أو طريقًا مألوفًا؛ بل يريد نارًا عظيمة وتحولًا مطلقًا.
وتكمن المفارقة في أن القصيدة نفسها مبنية على تكرار يكاد يكون معدًا مسبقًا. فالمتكلم يرفض الرحلة المرسومة، لكنه يعود دائمًا إلى الحرق والقتل والعبارات نفسها. إنه يهرب من المسار الاجتماعي ليقع في مسار نفسي أكثر انغلاقًا.
النوم القصير: رفض الحلول المؤقتة
يرفض المتكلم "النوم القصير" منذ المقطع الأول، ثم تتكرر العبارة حتى تصبح رمزًا لكل راحة مؤقتة. فهو لا يريد استراحة تعيده إلى الألم نفسه، ولا تخديرًا قصير الأمد، ولا حلًا جزئيًا. وقد يرمز النوم إلى الغفلة أو الصمت أو التكيف، وقد يرمز إلى موت صغير لا يحقق الفناء الكامل. وفي كل الحالات يرفض المتكلم المؤقت والناقص. إنه يريد تغييرًا نهائيًا، ولذلك يختار النار بدل النوم. لكن رفض الحلول المؤقتة يقوده إلى موقف متطرف: إذا لم يكن الضوء أبديًا فلا حاجة إليه، وإذا لم يكن الحب كاملًا فلا قيمة للنبض، وإذا لم تكن الحياة خالية من الظلام؛ فالأفضل هو إحراق الحقل.
هذه المثالية المطلقة هي محرك العدمية في النص. فالإنسان الذي لا يقبل إلا الكامل قد ينتهي إلى رفض كل موجود، لأن الوجود بطبيعته مختلط ومؤقت وناقص.
مزج الأغاني بالحجارة: تَحوُّل الفنّ إِلى فِعل
يقول المتكلم: "وقريبًا سأمزج الأغاني بالحجارة"، وتجمع هذه الصورة بين عنصرين ينتميان إلى مجالين مختلفين: الأغنية صوت وجمال وإيقاع، والحجر مادة وثقل وصلابة وقدرة على الاصطدام. والمزج بينهما يعلن أزمة ثقة في الكلمة المجردة. فبعد أن أنشد المتكلم للعصافير شعرًا ولم تزقزق، لم يعد مقتنعًا بأن الأغنية وحدها تكفي. يريد أن يمنحها وزن الحجر، وأن يحولها من صوت إلى فعل. وفي القراءة السياسية قد تعني الصورة انتقال الاحتجاج من القصيدة إلى المقاومة، أو الجمع بين التعبير الجمالي والمواجهة المادية. لكنها تحتمل معنى أكثر قلقًا: أن العنف تسلل إلى الفن، وأن الأغنية ستفقد طبيعتها حين تختلط بالحجارة. فهل تصبح الحجارة أكثر إنسانية لأنها غنت، أم تصبح الأغنية أكثر عنفًا لأنها تحجرت؟
قوة هذه الصورة نابعة من إبقائها على التوتر بلا حسم. إنها لا تقدم شعارًا مباشرًا، بل تضع الجمال والعنف في تركيب واحد وتترك القارئ أمام مسؤوليتهما المتبادلة.
"لسنا بحاجة": من الاعتراف الفردي إلى البيان الجماعي
تبدأ القصيدة بضمير "أنا": "أشعلتُ"، و"قتلتُ"، "سأجمع"،"لست بحاجة"، ثم تنتقل إلى ضمير الجمع: "لسنا بحاجة إلى نبض كاذب"، "لسنا بحاجة إلى دم أحمر"، "لسنا بحاجة إلى طريق تمشي فوق جثتنا". هذا الانتقال بالغ الأهمية. فمن هم الذين يشملهم "نحن"؟ قد يكونون المتكلم والأرنبة بعد أن كفنتهما الطيور معًا. وقد تكون الجماعة جيلًا من المخذولين، أو العشاق، أو الحالمين، أو المقموعين. وربما يحاول الصوت الفردي أن يتحول إلى بيان يمثل الجميع. لكن التحول يثير سؤالًا أخلاقيًا: هل يحق للمتكلم أن يتحدث باسم الأرنبة التي قتلها؟ لقد قرر أولًا أن موتها أفضل لها، ثم أخذ يقرر ما تحتاج إليه وما لا تحتاج. هنا يصبح "نحن" استمرارًا للوصاية التي أدت إلى الجريمة. ويمكن أن يكون الجمع تعبيرًا عن الاتحاد بالمحبوبة، لكنه قد يكون كذلك استيلاءً على صوتها. وقد يكون إعلانًا جمعيًا للتحرر، لكنه قد يخفي تضخم الذات. وهذا الالتباس يثري النص ويمنع شعاراته من الاستقرار في دلالة واحدة.
النبض الكاذب والدم الذي لا يشتعل عشقًا
يقول النص:
"لسنا بحاجة إلى نبض كاذب لا يُنبِت المحبَّة
لسنا بحاجة إلى دم أحمر لا يشتعل عشقًا"
ترفض القصيدة الحياة البيولوجية الخالية من المعنى. فالنبض ليس كافيًا لمجرد أنه يحفظ الجسد، والدم لا يكتسب قيمته من حمرته فقط. معيار الحياة الحقيقية هو قدرتها على إنبات المحبة والاشتعال بالعشق. وتستخدم الصورة انزياحين: النبض يكذب، والمحبة تنبت. كما أن الدم يشتعل. وبهذا تنتقل الحياة من مستوى الوظيفة الجسدية إلى مستوى القيمة الأخلاقية والعاطفية. لكن العبارة تكشف مجددًا تطرف المعيار. فالحياة التي لا تكون حبًا مشتعلًا تُرفض جملةً واحدة. ولا مكان هنا للمودة الهادئة أو الحب الناقص أو التعب أو البرودة المؤقتة. المتكلم لا يقبل إلا أقصى درجات الاشتعال. ومن منظور نقدي، تقترب عبارتا "الدم الذي يشتعل عشقًا" و"النبض الكاذب" من المعجم الرومانسي المألوف، ولذلك هما أقل إدهاشًا من صور مثل: "حزمت أمتعتي نحو الجنون" و"مزج الأغاني بالحجارة". إلا أنهما تؤديان دورًا مهمًا في إعلان فلسفة المتكلم: الحياة التي لا تنتج الحب شكل من أشكال الموت.
الطريق الذي يمشي فوق الجثة
يقول النص: "لسنا بحاجة إلى طريق تمشي فوق جثتنا". والمألوف أن يمشي الإنسان فوق الطريق، لكن القصيدة تقلب العلاقة، فيصبح الطريق هو الذي يمشي فوق الجثة. هذا الانزياح يحول الطريق من وسيلة للعبور إلى قوة ساحقة. قد يرمز الطريق إلى التاريخ أو التقدم أو المشروع السياسي أو المستقبل الذي يُبنى على تضحيات الأفراد. وكثيرًا ما يُطلب من البشر أن يموتوا كي يستمر "الطريق"، أو أن يُضحى بهم باسم هدف أكبر. يرفض المتكلم هذا المنطق: لا قيمة لطريق يعبر فوق جثث من صُنع من أجلهم. كما يمكن أن يكون الطريق هو الزَّمن؛ فالحياة العامة تستمر فوق موت الأفراد بلا اكتراث. المتكلم والأرنبة يموتان، لكن المسار يَمضي. وإنما رَفض الطريق هنا هو رفضٌ لعالم يعامل الجثة كعائق صغير في سبيل غاية مزعومة. وهذه الصورة قوية لأنها تقلب الفاعل والمفعول به؛ فالإنسان الذي يُفترض أنه يختار الطريق يصبح أرضًا يعبر فوقها الطريق نفسه، وكأن الوسيلة استولت على صاحبها.
القمر المؤقت والنار الأبدية
يرفض المتكلم: "قمرًا يضيء أيامًا، ثم ينطفئ، مثل نوم قصير"، والقمر لا ينطفئ حرفيًا، بل يغيب ويعود، لكن المتكلم يراه من زاوية عدم دوامه. لا تكفيه أيام من الضوء، لأنه يريد الأبدي. وفي المقطع الأخير يصف حالته المنشودة: "أبديًا مثل نار عظيمة"، وتظهر هنا مفارقة دلالية لافتة. فالقمر الذي يعود على شكل دورات، يُتَّهمُ بالمُؤقَّت، بينما النار التي تستهلك وقودها توصف بالأبدية. والسبب أن المتكلم لا يرى النار من حيث مادتها، بل من حيث شدتها. إنه يفضل لحظة احتراق كامل على ضوء هادئ متكرر. وهذا الاختيار يلخص مزاج القصيدة: تفضيل المطلق المدمر على الناقص القابل للحياة. فالقمر يمنح الضوء دون أن يحرق الحقل، لكن ضوءه لا يرضي شهوة الأبدية. أما النار فتمنح شعورًا بالاكتمال، ولو كان اكتمال الفناء.
الحالة الزجاجية: نقاء أم هشاشة أم عزلة؟
في المقطع الأخير يقول:
"أشعلتُ الحقلَ لكي أعودَ إلى حالتي الزجاجية
بريئًا من دنس الجدران المخيفة"
و"الحالة الزجاجية" من أغنى صور القصيدة. فالزجاج شفاف ونقي، لكنه كذلك بارد وصلب وهش وعازل. يسمح بالرؤية ويمنع اللمس، وقد يكون نافذة على العالم أو حاجزًا بين الإنسان والعالم. يريد المتكلم العودة إلى براءة سابقة، إلى حالة شفافة لم تلوثها الجدران. لكن وسيلته إلى البراءة هي الحرق والقتل. وهنا تبلغ المفارقة الأخلاقية ذروتها: هل يمكن للجريمة أن تعيد البراءة؟ ربما تكون الحالة الزجاجية صورة للطفولة، حيث يرى الإنسان العالم بوضوح قبل أن تفسده الخبرة. وربما تكون عزلة نفسية يحمي نفسه داخلها من الألم. وقد تكون رغبة في التحول إلى شيء لا يشعر ولا يختلط، أي إلى موت عاطفي شفاف.
أما «الجدران المخيفة» فترمز إلى السجن والحدود والذاكرة الاجتماعية والقمع. يريد المتكلم التطهر من دنسها، لكنه لا يهدم الجدران وحدها؛ يحرق الحقل أيضًا. أي إنه لم يعد قادرًا على التمييز بين السجن والعالم، وبين ما ينبغي كسره وما ينبغي حمايته. وقوة الصورة أنها تجمع خصائص متناقضة: البراءة والخطر، والشفافية والعزل، والجمال وقابلية التحطم. إنها الحالة المثالية لمتكلم يريد أن يرى كل شيء دون أن يلمسه شيء.
الدائرية وأغاني الحصاد
يريد المتكلم أن يعود: "دائريًا مثل أغاني الحصاد". والدائرة هي رمز الاكتمال والعودة والاستمرار، وأغاني الحصاد تتكرر مع دورة المواسم. وفي الصورة توق إلى الانضمام مجددًا إلى إيقاع طبيعي وجماعي. لكن الحقل أُُحرق، فلا حصاد بعد اليوم، وقد أعلن المتكلم نفسه: «لا قمح، لا رقص، لا غناء». كيف يمكنه إذن أن يصير دائريًا مثل أغاني الحصاد بعد أن ألغى شروطها؟ هذا التناقض يكشف انقسام الذات. جزء منها يريد النار والأبدية والوحدة، وجزء آخر يحن إلى الأغنية والعمل الجماعي والدورة الطبيعية. إنه يُحرق الحقل بيد، ويحاول باليد الأخرى استعادة أغنية حصاده. وقد تكون الدائرية وصفًا لبنية القصيدة نفسها. فالعبارات تتكرر وتعود، والنهاية ترجع إلى البداية. لكنها دائرية مأساوية لا زراعية؛ فبدل دورة البذر والحصاد، نرى دورة الحرق والتبرير والحرق من جديد.
نفق الحقيقة ووحدة النهاية
يختم المتكلم: "وسرتُ في نفق الحقيقة وحدي"، والحقيقة لا تظهر فضاءً مفتوحًا أو شمسًا، بل نفقًا. والنفق ضيق مظلم، قد يقود إلى مخرج وقد ينتهي إلى انسداد. كما أنه يعزل سالكه عن الآخرين ويجبره على اتجاه محدود. وهكذا فإنَّ المُتكلم يعتقد أنه وصل إلى الحقيقة بعد أن رفض الضوء المختلط بالظلام والحماس المنطفئ. لكنه وصل وحيدًا، وهذه الوحدة قابلة لقراءتين متناقضتين. فقد تكون ثمنًا للشجاعة؛ لأنَّ الحقيقة صعبة، ولا يسير في نفقها إلا من تخلص من الأوهام. ومن هذا المنظور يكون المتكلم فردًا متمردًا رفض الرحلات المعدة سلفًا واختار طريقه الخاص. لكن الوحدة قد تكون نتيجة مباشرة لجرائمه. لقد أحرق الحقل، وقتل الأرانب، وفشل في استدعاء العصافير، وألقى شغفه في الظلام. لم يعد معه أحد لأنه ألغى كل رفيق محتمل. وعندئذ يصبح «نفق الحقيقة» اسمًا نبيلًا يطلقه على عزلته.
تترك القصيدة السؤال مفتوحًا: هل دخل الحقيقة فعلًا، أم دخل نفق ذاته؟ وهل النقاء الذي بلغه كشفٌ أم انغلاق؟ إن الحقيقة التي لا تترك في العالم حقلًا أو أرنبة أو عصفورًا أو أغنية قد تكون حقيقة ناقصة، أو وهمًا بلغ درجة اليقين.
البنية النفسية: الميلانخوليا وعدوان الذات على موضوع حبها
يمكن قراءة القصيدة بوصفها خريطة لانهيار نفسي. فالمتكلم يعاني فتورًا ناتجًا عن الفهم، وحزنًا ناتجًا عن كشف الأسرار، واختناقًا تحت ظله، ونفورًا من الرحلات الجاهزة، ورغبة في الجنون والنار والأبدية. إنه لا يصرح برغبته في الموت مباشرة، لكنه يدمر كل ما يربطه بالحياة: القمح، والأرانب، والأرنبة الحبيبة، والشغف، والغناء، والقمر، والطريق. ولهذا يمكن وصف أفعاله بأنها انتحار موزع على عناصر العالم. وبدلًا من أن يوجه العنف إلى جسده، يوجهه إلى موضوعات حبه. لكنه حين يقتل الأرنبة تكفنه الطيور معها، بما يعني أن العدوان على المحبوب ارتد إلى الذات. وهذا قريب من منطق الحزن المرضي الذي تتحول فيه خسارة موضوع الحب إلى كراهية للذات أو للعالم. كما يظهر في المتكلم خوف شديد من الانتظار. لا يريد أن يرى الحقول تفنى والأرنبة تبقى وحيدة، فيستبق الفناء. إنه يفضل كارثة يسيطر عليها على احتمال ألم لا يملكه. وهذه رغبة في السيطرة تتخفى في صورة رحمة.
لذلك لا يكفي وصفه بالمجنون. الجنون في النص نتيجة وبنية دفاعية ووجهة يختارها. أما جوهر أزمته فهو عجزه عن قبول الهشاشة: هشاشة الحب، ومحدودية الضوء، ومؤقتية القمر، واحتمال الفقد، واختلاط الحقيقة بالوهم.
البعد الوجودي: رفض الحياة الناقصة
تقوم فلسفة المتكلم على شرط صارم: لا قيمة للحياة ما لم تكن ممتلئة بالحب والحقيقة والاشتعال. ولهذا يرفض النبض الكاذب والدم البارد والقمر المؤقت والحماس المنطفئ والضوء المختلط بالظلام. إنه لا يخشى الموت بقدر ما يخشى حياة بلا معنى. وهذه نقطة تمنح احتجاجه جاذبيته؛ فالقارئ قد يوافقه على أن البقاء البيولوجي وحده لا يكفي، وأن الطريق الذي يدهس الإنسان لا يستحق التقديس. لكن القصيدة تعرض أيضًا خطر هذا الموقف. فالحياة الإنسانية لا تتحقق في صورة مطلقة؛ إنها مزيج من الحب والفتور، والوضوح والالتباس، والنور والظلمة، والانتصار والفشل. ومن يرفض كل ما ليس كاملًا قد ينتهي إلى رفض الوجود.
يتحول توق المتكلم إلى الحقيقة الخالصة إلى عنف ضد الواقع المركب. فهو لا يريد "ضوءًا مختلطًا بالظلام"، مع أن كل تجربة بشرية تحمل هذا الاختلاط. يريد النقاء الزجاجي والأبدية النارية، ولذلك يصبح كل ما هو حي ومتغير ومؤقت موضع اتهام. وهكذا تصبح القصيدة نقدًا للمثالية بقدر ما هي تعبير عنها. فالمثال الجميل حين ينفصل عن الرحمة بالواقع قد يتحول إلى مبرر لإحراقه.
البعد السياسي: الثورة حين تستبطن منطق السلطة
لا تقدم القصيدة خطابًا سياسيًا مباشرًا، لكن صورها تسمح بقراءة اجتماعية وسياسية واضحة: الحقل قد يكون الوطن، والطابور قد يكون طابور الجوع أو المؤسسة، والحشرات شبكة الهيمنة، والبرغوث الطائر شخصًا تافهًا اعتلى السلطة، والعجوز خطابًا يجمّل الهزيمة، والطريق مشروعًا عامًا يسير فوق جثث البشر.
ويبدو المتكلم في هذه القراءة متمردًا على عالم مختل؛ لكنه لا ينجو من اختلاله. فهو يقتل الضعفاء، ويقرر باسم المحبوبة، ويصدر أوامر المنع، ويعاقب الحقل على صمت العصافير، ثم يتحدث بضمير "نحن". إنه يستبطن منطق السلطة التي يعترض عليها. فالسلطة تقول إنها تقمع الناس لحمايتهم، وهو يقتل الأرنبة خوفًا عليها. والسلطة تبرر العقوبة بأسباب مختلقة، وهو يستخدم «لأنّ» لتبرير الحرق. والسلطة تتحدث باسم الجماعة، وهو ينتقل من «أنا» إلى «نحن» دون أن يمنح الآخرين صوتهم.
هذه القراءة تجعل القصيدة تحذيرًا من ثورة لا تراجع وسائلها. فالغضب من الظلم لا يضمن العدالة، والمقهور قد يعيد إنتاج القهر إذا لم ينتبه إلى الجلاد الذي استقر في لغته. لكن النص لا يدين التمرد نفسه؛ فهو يمنح احتجاج المتكلم على الزيف والطريق الساحق والقمر المؤقت والنبض الخالي من المحبة قوة حقيقية. إنه يضعنا أمام السؤال الأصعب: كيف نحمي الحماسة من الخيبة دون أن نقتلها؟ وكيف نواجه البرغوث الطائر دون أن نحرق الحقل؟
البعد الأخلاقي: هل النية الطيبة تبرر العنف؟
القصيدة امتحان أخلاقي لفكرة شائعة: ارتكاب الأذى باسم المصلحة. المتكلم لا يقول إنه قتل الأرنبة لأنه يكرهها، بل لأنه يخشى عليها الوحدة والدخان والضجر. نيته المعلنة حمايتها، لكن نتيجتها إلغاؤها. هنا تفصل القصيدة بين الحب وامتلاك المحبوب. فالحب الذي لا يعترف بحرية الآخر قد يتحول إلى عنف، والشفقة التي تصادر حقه في تقرير مصيره قد تصبح نوعًا من الاستبداد. والاعتذار «سامحيني» لا يمحو الجريمة، لكنه يكشف أن المتكلم يدرك شيئًا من فداحتها. ومع ذلك يسبق الاعتذار الفعل أو يجاوره بدل أن يمنعه. كأن الضمير عنده قادر على إنتاج الكلمات، لكنه عاجز عن تعطيل اليد. وقد تكون هذه إحدى أكثر أفكار النص إيلامًا: ليس كل جلاد خاليًا من المشاعر؛ بعض العنف يصدر عن أشخاص يحبون ويخافون ويعتذرون، لكنهم لا يعترفون للآخر بحقه في الاختيار. ولذلك فإن العاطفة وحدها لا تضمن الأخلاق.
الشعرية والانزياح
تقوم شعرية النص على الانزياح أكثر من قيامها على الوزن التقليدي. لغته في ظاهرها مباشرة، لكنها تعيد ترتيب العلاقات بين الأفعال والأشياء والصفات.
من أبرز الانزياحات:
o إحراق القمح لأنه يطيل العمر: انقلاب العلاقة السببية.
o قتل الأرانب لأنها متحمسة: تحويل الفضيلة إلى تهمة.
o حزم الأمتعة نحو الجنون: تحويل الحالة النفسية إلى مكان.
o قطع غيمة للعصافير: تحويل الغيمة إلى مادة قابلة للاقتطاع والإهداء.
o تكفين القاتل والقتيلة معًا: تحويل الموت الجسدي إلى موت رمزي مشترك.
o إنبات المحبة من النبض: مزج الجسد بالطبيعة والأخلاق.
o اشتعال الدم عشقًا: منح العاطفة خصائص النار.
o الطريق الذي يمشي فوق الجثة: قلب علاقة الإنسان بالمسار.
o مطر الجوع: قلب وظيفة الغيمة.
o مزج الأغاني بالحجارة: الجمع بين الصوت والمادة والجمال والعنف.
o الحالة الزجاجية: تجسيد البراءة والهشاشة والعزلة في مادة.
o نفق الحقيقة: تحويل المفهوم المجرد إلى فضاء مظلم.
ولا تعمل هذه الصور بوصفها زينة منفصلة، بل تنتمي إلى عالم واحد أصابه الانقلاب. فحين يطير البرغوث وتصمت العصافير، وحين تمطر الغيمة جوعًا ويُحرق القمح، تصبح اللغة نفسها مرآة لعالم فقد علاقاته الطبيعية. وأقوى الصور هي الأكثر إيجازًا وانفتاحًا: "حزمت أمتعتي نحو الجنون"، و"مزج الأغاني بالحجارة"، و"الحالة الزجاجية"، و"نفق الحقيقة"، و"ماتت وهي تضحك". فهي لا تشرح نفسها، وتحتفظ بطاقة تأويلية بعد انتهاء القراءة. أما بعض التراكيب مثل «الدم الذي يشتعل عشقًا» و«الحزن الملفوف كالجدائل السوداء» و«الضوء المختلط بالظلام»، فهي أقل جدة لاقترابها من المعجم الشعري الرومانسي المألوف، وإن ظلت منسجمة مع الجو العام.
الإيقاع: موسيقى التكرار بدل الوزن الصارم
لا تعتمد القصيدة على نظام وزني خليلي ظاهر، وإنما تبني إيقاعها من التوازي والتكرار وتوزيع الجمل. تتكرر البدايات الفعلية:"أشعلت"، و"قتلت"، و"قلت"، و"رأيت"، و"حكيت"، و"حزمت". وتتكرر الصيغ النافية:"لست بحاجة"، و"لسنا بحاجة"، و"لم تزقزق"، و"لا قمح"، و"لا رقص"، و"لا غناء". ويخلق ذلك إيقاعًا قائمًا على الفعل والمنع. فالمتكلم يفعل حين يدمِّر، وينفي حين يتحدث عن المستقبل. أفعاله الإيجابية في الصياغة سلبية في النتيجة، بينما تمتلئ رؤيته للمستقبل بـ"لا"، و"لست"، و"لسنا". وتؤدي لازمة "الأرانب متحمسة جدًا" دورًا قريبًا من اللازمة الغنائية، لكنها لازمة سوداء. في كل مرة تعود، تزداد مأساوية؛ لأنها تذكرنا بأن الحماسة نفسها أصبحت حكمًا بالموت. كما أن تكرار «ولم تزقزق» بعد محاولات المتكلم يصنع إيقاع الخيبة. يقدم هدية أو شعرًا أو قصة، ثم يسقط الجواب نفسه: لم تزقزق. وبذلك تتحول العبارة إلى جدار صوتي يصطدم به.
أما تقطيع الأسطر القصيرة، مثل:
"لا قمح بعد اليوم
لا رقص
لا غناء"
فيمنح الكلام نبرة مرسوم أو حكم نهائي. كل "لا" تهبط منفردة كضربة، وتكشف انتقال المتكلم من الشاعر الجريح إلى صاحب السلطة المانعة.
اللغة والأسلوب
لغة القصيدة فصيحة حديثة، لكنها لا تتقيد بجزالة تقليدية. تعتمد مفردات يومية مألوفة: الحقل، القمح، الأرانب، العصافير، الأمتعة، الطريق، الطائرات، المركبات، الجدران. ثم تضع هذه المفردات في علاقات غير مألوفة. ويميل الأسلوب إلى الجمل الخبرية والاعترافات المباشرة. لا يكثر النص من الاستفهام أو النداء، لأن المتكلم يبدو مقتنعًا بأفعاله أو منشغلًا بتبريرها. وحتى حين يخاطب الأرنبة يقول «سامحيني» ولا ينتظر جوابًا.
وتتراوح اللغة بين ثلاثة مستويات: الأول: لغة الاعتراف: "أشعلت"، و"قتلت"، و"أخشى". والثاني: لغة البيان الجمعي: "لسنا بحاجة". والثالث: لغة الصورة الحلمية: "مزج الأغاني بالحجارة"، و"نفق الحقيقة". وهذا التنقل يمنع القصيدة من الاستقرار في شكل واحد. فهي اعتراف شخصي وبيان احتجاجي وحلم سريالي في آن.
المفارقة بوصفها روح النص
تكاد كل وحدة في القصيدة تقوم على مفارقة:
o مصدر الحياة يُحرق لأنه يطيلها.
o الحماسة تُعاقب بالموت.
o الحبيب يقتل حبيبته لحمايتها.
o الأرنبة تموت ضاحكة.
o القاتل يُكفن مع القتيلة.
o العصافير ترفض الغناء لكنها تتولى التكفين.
o الغيمة تمطر جوعًا.
o البرغوث يحتل السماء.
o الأغاني تختلط بالحجارة.
o من يرفض الفشل يرتكب فشلًا نهائيًا.
o الباحث عن البراءة يصل إليها بالجريمة.
o طالب الحقيقة ينتهي وحيدًا.
o رافض الرحلة المعدة مسبقًا يكرر المسار نفسه.
هذه المفارقات ليست ألعابًا ذهنية. إنها تصور عالمًا اختلطت فيه القيم إلى درجة أن الحب ينتج القتل، والمعرفة تنتج الفتور، والاحتجاج ينتج الحريق. ولهذا تبدو القصيدة قريبة من السريالية، لكن سرياليتها ليست انفصالًا مجانيًا عن الواقع. إنها طريقة لتصوير واقع نفسي وأخلاقي أصبح اللامنطق فيه أكثر صدقًا من اللغة المنطقية.
حضور الموت دون تسميته دائمًا
الموت منتشر في القصيدة حتى حين لا يُذكر صراحة. إحراق الحقل قتل للمستقبل، وإلقاء الشغف في الظلام قتل للرغبة، والنوم القصير صورة محتملة للموت، والطريق يمشي فوق الجثة، والقمر ينطفئ، والحالة الزجاجية توحي بالجمود، والنفق ينطوي على خطر الاختفاء.
لكن النص لا يكتفي بالموت بوصفه نهاية؛ إنه يختبر أشكالًا متعددة منه:
• الموت الجسدي: قتل الأرانب.
• الموت العاطفي: إلقاء الشغف في الظلام.
• الموت الاجتماعي: الاصطفاف في الطابور.
• الموت الفني: صمت العصافير وانقطاع الغناء.
• الموت الزراعي: إحراق الحقل.
• الموت الرمزي: تكفين المتكلم مع الأرنبة.
• الموت الوجودي: الدخول منفردًا في نفق الحقيقة.
وبهذا لا يعود السؤال: من مات؟ بل: ما الذي بقي حيًا بعد نهاية القصيدة؟
مواطن القوة الفنية
تتميز القصيدة بعدد من عناصر القوة:
أولًا، تمتلك مدخلًا صادمًا يحدد مزاج النص فورًا ويزرع سؤالًا لا ينتهي حتى الخاتمة.
ثانيًا، تنجح في بناء رموز مركزية قابلة لتعدد التأويل، ولا سيما الحقل والأرانب والنار.
ثالثًا، توظف التكرار في صناعة بنية دائرية، فلا تبدو المقاطع مجموعة صور منفصلة تمامًا.
رابعًا، تحافظ على توتر أخلاقي معقد؛ فلا تبرئ المتكلم ولا تحوله إلى شرير أحادي البعد.
خامسًا، تحتوي على صور ذات قدرة عالية على البقاء في الذاكرة، مثل حزم الأمتعة نحو الجنون ومزج الأغاني بالحجارة والحالة الزجاجية.
سادسًا، تنجح في وصل الخاص بالعام: الأرنبة حبيبة فردية ورمز للبراءة في الوقت نفسه، والحقل مكان شخصي ووطن محتمل، والطابور تجربة اجتماعية وحالة نفسية.
سابعًا، تترك الخاتمة مفتوحة ولا تفرض تفسيرًا واحدًا لـ"الحقيقة".
ملاحظات نقدية ومواطن تفاوت
لا يعني اتساع الدلالة أن القصيدة متساوية القوة في جميع مواضعها. فثمة عدد من الملاحظات التي يمكن إثارتها.
أولًا، تتزاحم الرموز في بعض المقاطع: العصافير، والغيمة، وليلى، والبحار المشعوذ، والبرغوث، والعجوز، والحشرات، والخيوط، والأحجيات، والطائرات، والمركبات، والجدائل، والطابور، والذباب. هذا الثراء يمنح النص طاقة حلمية، لكنه قد يشتت مركزه أحيانًا.
ثانيًا، لا تتطور بعض الصور الثانوية بما يكفي. «ليلى والبحار المشعوذ»، مثلًا، صورة مثيرة للفضول، لكنها تمر سريعًا ولا يمنحنا النص ما يساعد على وصلها عضويًا بالبنية إلا باعتبارها حكاية قدمت للعصافير.
ثالثًا، بعض التراكيب العاطفية مألوف نسبيًا، مثل اشتعال الدم عشقًا وثقل الحزن والجدائل السوداء. وهي لا تضر النص، لكنها لا تبلغ جدة الصور المركزية.
رابعًا، يتكرر مقطع الرحلة المعدة مسبقًا ودعاء السفر مرات عدة. يخدم التكرار الوحدة، لكن بعض مرات العودة لا تضيف تحولًا دلاليًا كبيرًا، وكان يمكن للتكثيف أن يزيد وقعه.
خامسًا، العبارة «دائريًا مثل أغاني الحصاد» جميلة، لكنها تأتي في سياق ألغى فيه المتكلم الحصاد والغناء. وهذا التناقض يمكن اعتباره مقصودًا ودالًا على انقسام الذات، لكنه يحتاج إلى قارئ يمنحه هذا التأويل كي لا يبدو قفزة تصويرية.
سادسًا، تجمع القصيدة بين الخاص والسياسي والوجودي والسريالي بكثافة. وهذه ميزة، لكنها تجعلها مقاومة للقراءة الأحادية، وقد يشعر بعض القراء أن انتقالاتها لا تخضع دائمًا لضرورة واضحة. غير أن منطقها الأساسي نفسي وحلمي، لا سردي واقعي، وهو ما ينبغي مراعاته في الحكم عليها.
هل القصيدة عدمية؟
تحمل القصيدة نزعة عدمية واضحة: حرق مصدر الحياة، وقتل الكائنات المتحمسة، ورفض الضوء المؤقت، وإلقاء الشغف في الظلام، والرغبة في الجنون. لكنها لا تستقر في العدمية الخالصة. فالاحتجاج على "النبض الكاذب" يدل على أن المتكلم ما يزال يؤمن بحياة حقيقية ممكنة، ورفض الدم الذي لا يشتعل عشقًا يكشف توقًا إلى الحب، والرغبة في البراءة والدائرية والأبدية تدل على بحث عن معنى لا إنكار للمعنى كله. ولكنَّ مشكلته أنه لا يقبل المعنى في صورته البشرية المحدودة. يريد حبًا مطلقًا وحقيقة خالصة وضوءًا بلا ظلام واستمرارًا بلا فتور. وحين لا يجد ذلك، يدمر الموجود.
إذًا، عدمية النص ليست ناتجة من غياب القيم، بل من تضخمها. إنها عدمية المثالي الذي جعل معيار الحياة مستحيلًا، فحكم على الواقع بالعجز عن استحقاق البقاء.
السؤال الذي تتركه القصيدة
يمكن اختزال الصراع كله في سؤال: كيف نعيش مع نقص العالم دون أن نصبح جزءًا من قبحه، ودون أن نحرق ما بقي فيه من جمال؟ المتكلم فشل في هذا الامتحان. رأى البرغوث في السماء، والعصافير صامتة، والحشرات تملأ الأفق، والعجوز يمجد الفشل، والأرنبة في الطابور. كان غضبه مفهومًا، لكن فعله أصاب الحقل والأرانب لا مصادر القبح. إنه نموذج للإنسان الذي يخسر معركته مرتين: مرة حين يهزمه العالم، ومرة حين يجعله شبيهًا بما يكره. فقد بدأ شاعرًا ينشد للعصافير، وانتهى صوتًا يقول: "لا قمح، لا رقص، لا غناء".
وهنا تكمن القيمة الأخلاقية العميقة للقصيدة. فهي لا تطالبنا فقط بالتعاطف مع اليائس، بل تدعونا إلى مراقبة ما يفعله اليأس بلغتنا وأفعالنا. فليس كل من تألم صار بريئًا، وليس كل من طلب الحقيقة اهتدى إليها، وليس كل من أحب عرف كيف يحمي محبوبه.
خاتمة: من أحرق الحقل—العالم أم صاحبه؟
تقدم «الحقل والأرانب» تجربة شعرية غنية بالتوتر والانزياح والمفارقة. تبدأ باعتراف بجريمتين، ثم تفتح وراءهما عالمًا كاملًا من الخيبة والحب والخوف والجنون والاحتجاج. ولا تتعامل مع الحرق والقتل بوصفهما حدثين خارجيين، بل بوصفهما صورتين لانهيار العلاقة بين الإنسان والعالم. فالحقل هو الحياة والوطن والذاكرة وإمكان المستقبل. والأرانب هي البراءة والحماسة والحب والذات التي كانت قادرة على الفرح. والعصافير هي الفن الذي رفض أداء الأغنية المطلوبة. والبرغوث هو القبح حين يعتلي السماء. والحشرات هي القوى الصغيرة التي تحتل الأفق. والعجوز هو الخطاب الذي يجمّل الفشل. والطابور هو النظام الذي يحول الكائن الحي إلى رقم. أما النار فهي الاحتجاج حين يفقد رحمته، والنقاء حين يتحول إلى إبادة.
المتكلم عاشق وقاتل في وقت واحد. يقتل أرنبته لأنه يخاف عليها، ويحرق القمح لأنه لا يريد عمرًا بلا معنى، ويرفض القمر لأنه مؤقت، ويرفض الضوء لأنه مختلط بالظلام. إنه لا يحتقر الجمال؛ على العكس، يطلب منه كمالًا لا يستطيع العالم توفيره. ولذلك يعاقب الموجود لأنه لم يطابق المستحيل.
تنبهنا القصيدة إلى أن أخطر أشكال العنف قد لا يصدر عن الكراهية وحدها، بل عن حب فقد تواضعه، وعن مثالية فقدت رحمتها، وعن رغبة في الحماية لم تعد تعترف للآخر بحقه في الحياة والاختيار.
وحين يدخل المتكلم في النهاية "نفق الحقيقة" وحدَه، لا نعرف هل بلغ كشفًا عظيمًا أم انتهى في عزلة صنعها بيديه. وربما تكون المفارقة الأخيرة أن الحقيقة لم تكن في النفق أصلًا، بل كانت في الحقل الذي أحرقه، وفي الأرنبة التي قتلها، وفي العصافير التي منحها الشعر ولم يمنحها حق الصمت.
لهذا يمكن القول إن القصيدة لا تتحدث عن قتل الأرانب بقدر ما تتحدث عن قتل الحماسة داخل الإنسان. ولا تتحدث عن حريق زراعي بقدر ما تصور إحراق القدرة على الاستمرار. إنها شهادة شعرية على لحظة يصبح فيها اليأس صاحب مشروع، ويصبح الحب ذريعة للقتل، ويصبح طلب النقاء حربًا على الحياة.
ويبقى السؤال معلقًا بعد السطر الأخير: هل كان العالم قبيحًا إلى درجة استحق معها الحريق، أم أن أعظم انتصار حققه قبح العالم هو أنه أقنع الشاعر بأن يشعل النار في حقله بيده؟
لقراءة قصيدة "الحقل والأرانب" للشاعر: علي طه النوباني أنقر على الرابط التالي:
https://www.aldiwan.net/poem161048.html
أو
https://shorturl.at/lShQj






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- عندما يسقط السلاح.. تسقط الرواية موافقة حماس على نزع سلاحها ...
- المسرح السوري يتألق في جرش... زيناتي قدسية يحصد جائزتين وعبد ...
- الأخوان ملص يفتحان النار على المثقف السوري: بين التطبيل والط ...
- -من يرمي الحجر الأول؟-.. مسرحية سورية تحاكم العنف وتترك السؤ ...
- مؤرخ روسي يدعو لترجمة الأدب القديم إلى الروسية الحديثة لإنقا ...
- مستشهدا بآيات قرآنية وبالسنّة.. متحدث خارجية إيران: لا يحق ل ...
- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الوراق الجزائري - الجريمة التي يرتكبها اليأس باسم الحب - قراءة نقدية في قصيدة «الحقل والأرانب» لعلي طه النوباني