أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الورّاق الجزائري - حين تصبح البذاءة فضيلة أخلاقية: مظفّر النوّاب يفضح وطن القطط والجلادين















المزيد.....



حين تصبح البذاءة فضيلة أخلاقية: مظفّر النوّاب يفضح وطن القطط والجلادين


الورّاق الجزائري

الحوار المتمدن-العدد: 8785 - 2026 / 8 / 2 - 08:27
المحور: الادب والفن
    


قراءة في قصيدة «من عالم القطط» وفي التواطؤ بين الاستبداد والنقد المهادن
ليست قصيدة «من عالم القطط» لمظفّر النوّاب نصًا مُريحًا، ولا يبدو أن صاحبها أراد لها أن تكون كذلك. إنَّها قَصيدَةٌ تَجرَحُ الذائقة، وتستفز الحياء، وتُضحك القارئ في مواضع لا يلبث أن يشعر بعد الضحك منها بالمرارة وربما بالخجل. ففي عالمها تختلط القطط بالجلادين، والفحولة بالعجز، والوطنية بالتعذيب، والرتب العسكرية بالضرطات، والمحاضر الرسمية بالأكاذيب، والموت الطبيعي بالقتل المتعمد. وكل شيء فيها يبدو هزليًا إلى أن ندرك أن الهزل ليس سوى القشرة الخارجية لمأساة سياسية وأخلاقية شديدة السواد.
هذه القصيدة ليست حكاية عن قطة اقتيدت إلى المخفر، ولا عن هرّ ساخر قتله جلاد غاضب، ولا عن مأمور سجن اختلطت عليه الذيول بالذنوب والشوارب بالرتب. إنها صورة كاريكاتورية مكبّرة لوطن كامل؛ وطن تتحول فيه أجهزة الدولة إلى أدوات لإذلال الإنسان، وتتحول فيه اللغة الرسمية إلى وسيلة لمحو الحقيقة، ويُعاقَب فيه الضحية على الجريمة التي ارتكبها الجلاد بحقه، ثم يُكافأ الجلاد لأنه أحسن أداء وظيفته.
وعندما يختم النوّاب قصيدته بقوله:
عجبٌ عجبٌ، وطنٌ عجبُ!
فإنه لا يطلق تعجبًا طريفًا، بل يُلخّصُ تاريخًا من العبث السياسي. فالوطن العجيب هو الوطن الذي يُعذَّب فيه الإنسان باسم حِمايته، ويُقتل باسم القانون، ويُكذَّب عليه باسم الإعلام، ثم يُطلب منه أن يَهتفَ بحَياة الوَطن وبِحكمةِ السُّلطة التي سلبته كرامته.
عالم القطط بوصفه صورة للعالم السياسي:
يلجأ النَوّاب إلى عالم الحيوان ليقول ما قد تكون اللغة السياسية المباشرة أعجز عن قوله. وهو بذلك يستفيد من تقليد أدبي قديم استخدم الحيوان قناعًا لكشف فَساد الإنسان، من الحكايات الرمزية القديمة إلى «كليلة ودمنة» وما تلاها من أعمال جعلت الحيوان مرآة للمجتمع والسلطة. لكن عالم الحيوان عند النوّاب لا يتمتع بالبراءة التقليدية. إنه عالم مشبع بالجسد والجنس والعنف والخوف والشبق. والقطط فيه ليست منفصلة عن المجتمع الإنساني؛ إنها تحمل صفاته وطبقاته وأدواره ومؤسساته. هناك القطة الضَّحيَّة، والقط الوطني المُعذّب، والهِرُّ الساخر المقاوم، والجلاد، والمأمور، والصحافة الرسمية، ونقابة جرذان الزِّبل، والخطباء، والجمهور الذي ينوح بعد وُقوع الجَريمة.
هذه الشخصيات لا تُكوِّنُ حِكايةً عَبَثيَّةً فَحَسب، بَلْ ترسمُ بِنيَةَ الدَّولَةِ الاستبداديّة بِأكمَلِها. فَالدَّولَةُ هنا ليست شخصًا واحدًا، وليست حاكمًا شريرًا يقف في القمة بينما يبقى ما تحته سليمًا. إنها شبكة متكاملة من المؤسسات والأدوار: مخفر يعتقل، وقسم يعذّب، ومأمور يحقق، وجلاد ينفذ، ومَحضَرٌ يُزَوَّر، وَصَحافَةٌ تَكذِب، وَنَقابَةٌ تَنعى، وَخُطَباءُ يُحَوِّلونَ الجَريمَةَ إِلى مُناسَبَة بَلاغِيَّة، وَجُمهور لا يملك في النهاية إلا الصُّراخ والرِّثاء. ولهذا فموضوع القصيدة أوسع من إدانة التعذيب. إنها تكشف دورة إنتاج الاستبداد: تبدأ باختلاق التهمة، ثم القبض على الضحية، ثم انتهاك جسدها، ثم تزوير ما جرى، ثم قتلِ مَن يَعْتَرِضُ، ثم إعادة كتابة القتل بوصفه وفاة طبيعية، وأخيرًا منح المجرم ترقية إدارية.
إنها، بهذا المعنى، ليست قصيدة عن انحراف بعض الموظفين، بل عن نظام أصبحت فيه الجريمة هي القاعدة، وأصبح القانون هو اللغة التي تُمنح بها الجريمة مظهرًا شرعيًا.
القطة: الجسد الذي تعاقبه السلطة لأنه موجود
تظهر القطة في بداية القصيدة بوصفها كائنًا ينتظر الليل في الشارع:
قِطّةُ عشقٍ في الشارع تنتظر الليلْ
تكشف عن فخذٍ وتغطّي
ستر الله علينا وعلى القطة، بالذيلْ
يقدّمها الشاعر بصورة ساخرة تستدعي خطاب الحياء والفضيلة والستر. لكن هذا الاستدعاء ليس بريئًا؛ إنه يهيئنا لمفارقة مرعبة. فالسلطة التي تزعم حماية الأخلاق هي نفسها التي تقتاد القطة إلى المخفر وتنتهك جسدها. وما بدا في البداية اهتمامًا ساخرًا بـ (الستر) ينقلب إلى كشف للعلاقة بين الاستبداد السياسي والوصاية الأخلاقية. فالسلطة تتذرع دائمًا بحماية المجتمع، وحماية الأمن، وحماية الأخلاق، وحماية الوطن، وحماية التقاليد. لكنها في القصيدة لا تحمي جَسَدَ القطة، بل تستولي عليه. إنها تعاقب الضحية باسم الفضيلة، ثم تمارس ضدها الفعل الذي تدّعي أنها جاءت لمنعه.
هنا يتحول الجسد إلى ميدان سياسي. فالاستبداد لا يكتفي بمنع الإنسان من الكلام أو المشاركة في الحكم، بل يريد أن يمتلك جسده أيضًا: كيف يتحرك، وماذا يرتدي، وأين يقف، ومع من يلتقي، وما الذي يجوز له أن يرغب فيه. وحين يخالف الإنسان الصورة التي رسمتها له السلطة، تتعامل معه كأن وجوده نفسه جريمة. والقطة في هذا السياق ليست رمزًا لفئة واحدة بالضرورة. إِنَّها المرأة التي تعاقب على جسدها، والمواطن الذي يُشتبه فيه لمجرد وجوده، والمعارض الذي يُختلق له ملف، والإنسان الأعزل الذي تضعه الدولة أمام مؤسسات أقوى منه بلا حدود. إنها الضحية حين تجد نفسها مطالبة بإثبات براءتها أمام من اعتقلها وعذّبها وكتب محضرَ اتهامِها. والأشد مرارة أن القطة تفقد سنوات من عمرها خلال التعذيب. قد يكون التعبير مبالغة ساخرة، لكنه يصيب حقيقة عميقة: التعذيب لا يترك أثره في الجسد وحده، بل يسرق الزمن. فالضحية التي تخرج من السجن لا تستعيد السنوات التي قُضيت خلف الجدران، ولا تعود إلى العالم بالشخصية نفسها التي دخلت بها. إن السجن السياسي ليس احتجازًا للمكان فقط؛ إنه مصادرة للعمر.
الذيل والذنب: العبقرية الكامنة في لعبة لغوية
تقوم القصيدة على محور لغوي ودلالي بالغ الذكاء هو العلاقة بين «الذَّنَب» و«الذَّنْب». واللفظان يكادان يتطابقان كتابة وصوتًا، لكن أحدهما يشير إلى عضو في جسد الحيوان، بينما يشير الآخر إلى الجريمة أو الخطيئة. تقول السلطة إن القطة بقيت صامدة يومين «وإن قُطع الذنب»، ثم يعترف بعض المُنهارين بأن القطة كانت (بالأصل بلا ذنب). هنا لا نعود نعرف على وجه اليقين: هل الحديث عن ذيل قُطع، أم عن تهمة مختلقة، أم عن الاثنين معًا؟ ففي الدولة الاستبدادية لا يسبق الذَّنْب العقوبة بالضرورة؛ فقد تأتي العقوبة أولًا، ثم تبحث السلطة للضحية عن ذنْبٍ يُناسبها. وإذا لم يكن الذنْبُ موجودًا، يُكتب في المحضر. وإذا ناقض الواقع ما ورد في المحضر، يُعاد تعريف الواقع. السلطة لا تحتاج إلى اكتشاف الحقيقة، لأنها تمتلك مؤسسة إنتاج الحقيقة الرَّسمية.
وهذه المفارقة من أعمق ما في القصيدة. فالقطة تُعاقب على ذيل لم يكن موجودًا، مثلما يُعاقب المواطن على اعتراف لم يقله، أو تنظيم لم ينضم إليه، أو مؤامرة لم يشارك فيها. إن غياب الدليل لا يؤدي إلى البراءة، بل قد يتحول هو نفسه إلى دليل على براعة المتهم في إخفاء جريمته.
يتكرر بعد ذلك الإيقاع:
ذنبٌ ذنبٌ، رتبٌ رتبُ، عجبٌ عجبُ
ولا يبدو الجمع بين الذنب والرتبة اعتباطيًا. فالقصيدة توحي بأن الرُّتَب في النظام القمعي تُبنى على الذُّنوب؛ كلما ازداد الموظف قدرة على الإيذاء والتزوير والطاعة، اقترب من الترقية. وفي النهاية تتحقق هذه المعادلة حرفيًا حين يُعاقب مأمور السجن بترفيع شواربه. العقوبة تصبح مكافأة، والعدالة تنقلب إلى أداة لتثبيت الجريمة.
(الغاز الوطني الفاخر): حين تصبح الوطنية أداة تعذيب:
من أكثر تعبيرات القصيدة سخرية وقسوة قولها إن القطة شاهدت قطًا وطنيًا "يُنفخ بالغاز الوطني الفاخر ويُخصى". فصفة "الوطني" التي تتكرر هنا لا تمنح الفعل شرفًا، بل تفضح الطريقة التي تستولي بها السلطة على مَعنى الوَطن. فالسلطة لا تقول إنها تعذّب المواطن، بل تقول إنها تحمي الوطن. ولا تقول إنها تكمم الأفواه، بل تقول إنها تحافظ على الاستقرار. ولا تقول إنها تخشى الحرية، بل تتحدث عن مواجهة الفوضى والمؤامرات. وهكذا تتحول الوطنية من علاقة انتماء حرة بين الإنسان وبلاده إلى سلاح لغوي في يد الدولة.
إضافة كلمة «الفاخر» إلى الغاز تزيد المشهد بشاعة. إنها تستدعي لغة الإعلانات والاستهلاك والمنتجات الممتازة، كأنّ التَّعذيب خدمة وطنية راقية تقدمها مؤسسات حديثة. وبذلك يجمع التعبير في كلمات قليلة بين البيروقراطية والدعاية والعُنف.
ثم ترفع القطة يدها لتحيي القط المعذّب وتغني:
"وطني حبيبي... وطني الأكبر"
وهذه ليست سخرية من حب الوطن ذاته، بل من تحويل الأناشيد الوطنية إلى ستار يغطي أنين المعذبين. فالقط يُنفخ ويُخصى، بينما يُطلب من الضحية أن تغني للوطن. لقد أصبح النشيد وسيلة لإلغاء التناقض بين صورة الدولة المثالية وواقعها الوحشي. والنوّاب هنا يميز ضمنًا بين الوطن والسلطة. الوطن ليس جهاز الأمن، ولا المخفر، ولا الجلاد، ولا الأغنية التي تُفرض على الضحايا. بل إن الدفاع عن الوطن الحقيقي قد يقتضي فضح السلطة التي اختطفته. وهذا هو جوهر الالتزام في شعره: رفض احتكار الحاكم لمعنى الوطنية، والتأكيد أن معارضة الاستبداد ليست خيانة للوطن، بل قد تكون الشكل الأصدق للوفاء له.
الضحكة التي تنتحب:
يقول الشاعر:
"والقطة تضحك، والضحكة تنتحبُ"
في هذا التركيب تتجسد طبيعة القصيدة كلها. فهي تضحك وتنتحب في الوقت نفسه. الضحكة فيها ليست نقيض البكاء، بل قناعه الأخير. إنها الضحكة التي تظهر عندما يبلغ الواقع درجة من العبث تعجز اللغة الجادة عن احتوائها. إننا نضحك من الشارب الذي يطير ثم يعود إلى موضعه، ومن الرتب التي تُمنح للضرطات، ومن الجلاد الذي يستعد لفحولته ثم يكتشف عجزه، ومن الهِر الذي يتجشأ خلف البرميل. لكن وَراءَ كُلِّ نُكتَةٍ جُثة أو جسد معذب أو حقيقة مزورة. والضحك هنا لا يخفف المأساة؛ إنه يجعلها أكثر نفاذًا، لأن القارئ يجد نفسه مشاركًا في لعبة لغوية موضوعها الألم الإنساني.
هذه إحدى خصائص السخرية السوداء الناجحة: إنها لا تسمح لنا بالبقاء في موضع المتفرج الأخلاقي المتعالي. نحن نضحك، ثم ندرك أننا نضحك داخل السجن، وأن الشخصية المضحكة قد تكون جلادًا حقيقيًا، وأن العبارة الطريفة قد تخفي وراءها جسدًا انتهكته السلطة. السخرية عند النوّاب ليست ترفًا بلاغيًا، بل وسيلة مقاومة. فالسلطة المستبدة تبني قوتها جزئيًا على الهيبة: صور الحاكم، والرتب، والأزياء، والشعارات، والمواكب، والمكاتب، والحراس، والخطاب المملوء بالألفاظ الكبرى. وعندما يحوّل الشاعر هذه المنظومة إلى شوارب وضرطات وذيول، فإنه لا يكتفي بشتمها، بل يسحب منها سلاحها الرمزي الأهم: الوَقار.
قد تستطيع السلطة سجن الجسد، لكنها تخشى أن تصبح مضحكة. فالخوف منها يتغذى على الاعتقاد بأنها عظيمة، متماسكة، عالمة بكل شيء وقادرة على كل شيء. أما السخرية فتكشف أن خلف الزي العسكري إنسانًا مذعورًا، وخلف الشارب المرفوع روحًا معطوبة، وخلف اللغة الرسمية كذبة ركيكة.
الجلاد وفحولة السلطة المصطنعة:
يخصص الشاعر مساحة واسعة لعجز الجلاد الجنسي. يتأنق الجلاد، ويعطر عورته، ويزجج حاجبه، ويحاول أن يثبت رجولته، لكن جسده يخذله. ويحاول بعد ذلك أن يفتل شاربه، فيظل الشارب "مكسور الخاطر لا ينتصب. وقد يبدو هذا المقطع، عند القراءة السريعة، مجرد هجاء شخصي فاحش. لكنه يتصل بمفهوم سياسي وثقافي أعمق: الاستبداد يقدم نفسه عادة في صورة ذكورية مفرطة. الحاكم «الأب» و«القائد» و«الفارس» و«الزعيم»، وأجهزة الأمن «رجال» الدولة، والعنف دليل الحزم، والرحمة ضعف، والاعتراض تمرد على سلطة الأب.
هذه الفحولة السياسية تحتاج دائمًا إلى استعراض. ولذلك يؤدي الشارب في القصيدة وظيفة رمزية؛ إنه ليس شَعرًا في الوجه فحسب، بل علامة على الهيبة والرجولة والسلطة. وحين يعجز عن الانتصاب يصبح جسد الجلاد نفسه شاهدًا على زيف الصورة التي صنعها لنفسه. ويصل النوّاب إلى العبارة التي يمكن اعتبارها القلب الأخلاقي للقصيدة:
"فما بالشارب، بل بالروح العطبُ"
المشكلة ليست في عضو الجلاد، ولا في شاربه، بل في روحه. إنه عاجز لأن التعذيب الذي مارسه لم يمر عبر جسد الضحية فقط، بل شوّه إنسانيته هو أيضًا. فَالجلادُ قد يَظُنُّ أنه خرج من غرفة التعذيب منتصرًا، لكن شيئًا فيه تحطم. لقد أثبت سلطته على جسد الآخر وفقد في المقابل سيادته على نفسه. وهذه الرؤية تمنعنا من اختزال القصيدة في انتقام رمزي بسيط. صحيح أن الشاعر يشمت بالجلاد ويهينه، لكنه يكشف كذلك أن الاستبداد يفسد أطرافه جميعًا. الضحية تتألم وتموت أو تخرج محطمة، والجلاد يتحول إلى كائن ممسوخ لا يستطيع إقامة علاقة إنسانية حتى مع زوجته المسكينة. فالسلطة القائمة على الإذلال لا تصنع رجالًا أقوياء، بل تصنع كائنات خائفة تحتاج باستمرار إلى إذلال الأضعف كي تقنع نفسها بقوتها.
الهِرُّ المُقاوِم: السُّخرية بِوصفِها بُطولَة:
بَعدَ خُروجِ القِطَّة، يَظهَرُ هِرٌّ "محترم" قرب حاوية الزِّبل. يُتابعُ الأخبار، ويقترب من القِطَّة، ثمَّ يلاحظ أنَّ الجلاد يسير حزينًا وفي مشيته عطب. وعندئذ يخرج له فحولته ساخرًا ويقول:
"فواحدةٌ يا جلاد بواحدةٍ"
هذه العبارة القصيرة تقلب ميزان القوة رمزيًا. الجلاد الذي انتهك القطة أصبح هو موضوعًا للسخرية، والهِرُّ الذي لا يمتلك سجنًا أو رتبة أو مسدسًا ينتزع منه السيطرة على المشهد. للحظة واحدة لا يعود الجلاد سيد الصورة، بل يصبح جسدًا عاجزًا تتندر عليه قطط الشارع. لكن السلطة لا تتحمل هذه اللحظة. فالسخرية تكشف ما تحاول إخفاءه، ولذلك يفرغ الجلاد مسدسه في الهِرِّ وَيَقتُلُه. وهكذا فإن قتل الهِر يبين حدود المقاومة الفردية، لكنه يكشف أيضًا خوف السلطة. الجلاد المسلح يقتل حيوانًا أعزل لأنه ضحك عليه. ظاهريًا، يبرهن ذلك على قوته المطلقة؛ أما باطنيًا، فيفضح هشاشته. فالشخص الواثق من سلطته لا يحتاج إلى مسدس للرد على سخرية. لكن الجلاد يعرف أن الضحكة أصابت الموضع الذي لا يستطيع جهاز الأمن حمايته: صورته عن نفسه.
الهرّ هنا ليس بطلًا تقليديًا يحمل السلاح، بل مقاوم بالكلمة والجسد والإيماءة. إنه يعيد للضحية جزءًا من اعتبارها عندما يرد الإهانة على صاحبها. لكنه يدفع حياته ثمنًا لهذه اللحظة. وموته لا ينهي الفضيحة، بل ينقلها إلى مستوى جديد: مستوى اللغة الإعلامية التي ستعيد كتابة الجريمة.
"لم يُقتل، وافاه الأجل": اللغة الرسمية بوصفها شريكًا في الجريمة:
بعدَ أنْ يَقتلَ الجلاد الهِرَّ عَمدًا، تَقولُ الصُّحُفُ الرَّسْميَّة:
"لم يُقتل، وافاه الأجلُ"
في هذه الجملة الموجزة تتجسد آلة الدعاية بكاملها. الصحيفة لا تنكر وجود الجثة، لكنها تغير العلاقة بين الجثة وسببها. لقد مات الهِرُّ، نعم، ولكن الرصاصة تختفي، والقاتل يختفي، والمسؤولية تختفي، ولا يبقى إلا "الأجل". ثم تُلصق نعوة تقول إن المغفور له دُهس في ريعان صباه. وهكذا لا تكتفي الرواية الرسمية بإخفاء القاتل، بل تخترع حادثًا بديلًا. إن السلطة لا تزوِّرُ تَفصيلًا صغيرًا، وإنما تنتج واقعًا موازيًا كاملًا، ثُمَّ تَطلبُ مِن المُجتمع أن يتعامل معه بوصفه الحقيقة الوحيدة المسموح بها.
هذه واحدة من أدق إشارات القصيدة إلى طبيعة الإعلام في الدولة المستبدة. فالصحافة الرسمية لا تقف بعد الجريمة لتصفها؛ إنها تدخل في بنيتها. لولا الإعلام الذي يمحو الرصاصة من الخبر، لبقي القتل قتلًا والقاتل قاتلًا. أما حين تُستبدل كلمة "قُتل" بعبارة "وافاه الأجل"، فإن اللغة تتحول إلى غرفة تعذيب ثانية، يُعذّب فيها معنى الحقيقة. ومن هنا نفهم أهمية اللغة الخشنة عند النوّاب. فالسلطة تستخدم الكلمات الناعمة لتغطية الأفعال البشعة: التعذيب "تحقيق"، والقمع "حفظ للأمن"، والهزيمة "نكسة"، والقتل "وفاة"، والسجن "إجراء احترازي"، والخوف "استقرار". في المقابل يتعمد الشاعر تسمية الجسد والعنف بأكثر الألفاظ فجاجة، كأنه يريد تمزيق الستار اللغوي الذي يخفي الجريمة.
إن بذاءة القصيدة، في هذا السياق، ليست أقل أخلاقية من لغة الصحيفة الرسمية، بل قد تكون أكثر أخلاقية منها. فالكلمة الصادمة التي تكشف الحقيقة أنظف من العبارة المهذبة التي تبرر القتل.
نقابة جرذان الزبل والخطباء: المجتمع الذي يستكمل المسرحية
لا تنتهي المهزلة بإصدار الرواية الرسمية. يظهر رئيس نقابة جرذان الزبل لينعى الهِرَّ، ويتوالى الخطباء، وتصيح قطط الحارة: «واهرّاه». وفي هذه الصورة الساخرة نقد للمؤسسات التي تأتي بعد الجريمة لتصنع لها طقسًا اجتماعيًا مقبولًا. فالنقابة لا تحقق في القتل، والخطباء لا يسمّون الجلاد، والجمهور ينوح لكنه لا يغير شيئًا. تتحول الجريمة إلى جنازة، والجنازة إلى خطب، والخطب إلى وسيلة لتصريف الغضب. وحين ينتهي العزاء، تبقى بنية السلطة كما كانت.
إن الشاعر لا يسخر من حزن الناس على المقتول، بل من الطريقة التي يجري بها احتواء هذا الحزن. فالنظام يسمح بالبكاء ما دام البكاء لا يتحول إلى سؤال، ويسمح بالرثاء ما دام الراثي لا يُسمي القاتل، وَيَسمح بإقامة العزاء ما دام المأمور سيعود بعده إلى مكتبه برتبة أعلى. واللافت أن العزاء سيقام في حاوية الزبل، المكان نفسه الذي شهد جزءًا من الحكاية. فالوطن الذي حوّل مواطنيه إلى قطط وجرذان لا يترك لهم فضاء عامًا يليق بحزنهم. حتى الذاكرة تُدفع إلى الهامش، وحتى الجنازة تُقام بين النفايات.
الضحية التي بلا ذيل تنوح على المقاوم:
في نهاية القصيدة «ناحت واحدة لا ذيل لها». إنها القطة نفسها، على الأرجح، وقد خرجت من تجربة الاعتقال والتعذيب محملة بعار لم ترتكبه. لا يمنحها الشاعر خطابًا بطوليًا طويلًا، ولا يجعلها تلقي بيانًا سياسيًا. إنها تنوح فقط. هذه البساطة مؤثرة لأنها تعيد القصيدة، بعد موجات السخرية، إلى مركزها الإنساني. هناك ضحية حقيقية فقدت شيئًا من جسدها أو كرامتها أو عُمرها، وهناك من دافع عنها بطريقته فقُتل، وهناك سلطة نَجَتْ مِن الحِساب. وحين تنوح القطة على الهِر، تنشأ بين الضحايا رابطة لا تستطيع السلطة محوها. قد تكتب الصحافة أن الهِر دُهس، لكن القطة تعرف أنه قُتل. وقد يقول المحضر إنها كانت مذنبة أو إن ذيلها قُطع، لكنها تعرف ما جرى لجسدها. إن ذاكرة الضحية تقف هنا في مواجهة أرشيف الدولة. فالدولة تمتلك المحاضر والصحف والرتب، لكن الضحية تمتلك الشهادة. وربما تكون وظيفة القصيدة نفسها حفظ هذه الشهادة من النسيان.
لماذا تبدو لغة النوّاب "متدنية" لبعض النقاد؟
اتهم بعض المتلقين هذا النوع من شعر مظفّر النوّاب بالهبوط والإسفاف، مستندين إلى كثرة الألفاظ الجنسية والجسدية والإشارات إلى العورات والضرطات والفحولة. ولا ينبغي منع النقد من مناقشة هذه العناصر؛ فمن حق القارئ أن يرى أن الصدمة اللفظية تكررت أكثر مما ينبغي، أو أن بعض المقاطع طالت، أو أن الهجاء اقترب في مواضع من المباشرة. لكن وصف التجربة كلها بأنها «متدنية المستوى» يخلط بين مستويين مختلفين: انخفاض المعجم وابتذال الرؤية. فقد يستعمل الشاعر ألفاظًا تأتي من الشارع أو الجسد أو المرحاض، لكن ذلك لا يعني أن بناءه الفني ساذج أو أن رؤيته الأخلاقية وضيعة.
في هذه القصيدة تحديدًا نجد شبكة دقيقة من الرموز والمقابلات: الذيل والذنب، والشارب والرتبة، والفحولة والعجز، والوطنية والتعذيب، والمحضر والكذب، والقتل والأجل، والعقوبة والترقية. وهذه البنية ليست تجميعًا عشوائيًا للشتائم، بل هندسة هجائية تتوالد أجزاؤها من بعضها. وهذه الألفاظ الخشنة تؤدي وظيفة واضحة: إنها ترد السلطة إلى حقيقتها الجسدية بعد أن حاولت الاختباء وراء اللغة الرسمية. فالمأمور الذي يظهر في الخطاب الإداري بوصفه ممثلًا للقانون، يظهر في القصيدة كائنًا يسعل ويضرط ويفتل شاربه. والجلاد الذي يصوَّر بوصفه رجلًا قويًا ينكشف عاجزًا مكسور الروح. والرتبة التي يُفترض أنها رمز للشرف ترتبط بالجريمة والريح الخارجة من الجسد.
إن النوّاب لا ينزل باللغة عبثًا، بل ينزل بها إلى القاع الذي أوصلت السلطة الإنسان إليه. ولعل السؤال الأخلاقي الذي تفرضه القصيدة هو: أيهما أكثر بذاءة، الكلمة التي تسمي الانتهاك أم الانتهاك نفسه؟ وأيهما أكثر هبوطًا، شاعر يقول لفظًا جارحًا لكشف التعذيب، أم مثقف يستخدم أرق العبارات كي يصمت عنه؟ فليس من العدل أن نطالب الشاعر بأن يصف غرفة التعذيب بلغة الصالونات. فالتهذيب قد يكون في بعض السياقات فضيلة، لكنه قد يتحول في سياقات أخرى إلى شكل من أشكال التستر. وحين تكون الممارسة السياسية بذيئة، قد تصبح اللغة البذيئة أداة لإعادة الصدق إلى الكلام.
هل تجاهل النقاد مظفّر النواب مجاملة للسلطات؟
من الصعبِ ردُّ موقف النقد العربي كله إلى سبب واحد؛ فالنقاد ليسوا كتلة متجانسة، ومواقفهم من شعر النوّاب تفاوتت بين الاحتفاء والتحفظ والتجاهل والرفض. كما أن في تجربته تفاوتًا فنيًا حقيقيًا، ومن المشروع دراسة مواطن القوة والضعف فيها. لكن من الصعب أيضًا فصل تهميشه عن موقعه السياسي. فالنوّاب لم يكن شاعر معارضة رمزية يمكن استيعابه ضمن الهامش المسموح. لم يكتف بانتقاد أخطاء عابرة، بل هاجم شرعية المنظومة السياسية العربية، وكشف علاقة القمع بالشعارات القومية والوطنية، وفضح الحاكم والمثقف والصحفي والمؤسسة والجمهور المهادن.
إنه لم يطلب من السلطة أن تكون أكثر رحمة فحسب، بل شكك في حقها الأخلاقي في التحكم بمصائر البشر. ولم يتعامل مع الإنسان بوصفه رعية تنتظر عطف الحاكم، بل بوصفه سيدًا على نفسه، وصاحب حق أصيل في الحرية والكرامة والمساءلة. وهذه النقلة أساسية لفهم خطورة شعره. فالسلطة قد تحتمل الشاعر الذي يتوسلها أن تصلح أخطاءها، لأن هذا الشاعر يعترف ضمنًا بأنها صاحبة الأمر. لكنها تخشى الشاعر الذي يقلب العلاقة فيجعلها هي المتهمة، ويجعل المواطن هو صاحب الحق في التحقيق معها.
ولأن كثيرًا من المؤسسات الثقافية العربية كان مرتبطًا بالدولة تمويلًا أو نشرًا أو وظائف أو جوائز أو وسائل إعلام، فمن المعقول القول إن المناخ السياسي أثّر في استقبال شعر النوّاب. ليس ضروريًا أن يتلقى كل ناقد أمرًا مباشرًا بتجاهله؛ فالرقابة الأكثر فاعلية قد تكون رقابة داخلية يعرف فيها المثقف حدود المسموح، ويختار موضوعاته ومصطلحاته بما يضمن بقاءه داخل المؤسسة. وقد يكون وصف شعر النوّاب بأنه «بذيء» وسيلة مريحة لتجنب مناقشة ما يقوله. فبدل السؤال عن السجون والتعذيب والهزائم والخيانة السياسية، ينتقل النقاش إلى ذوق الشاعر وألفاظه. وهكذا تتحول الأخلاق من أداة لمحاسبة الجلاد إلى أداة لمحاسبة من فضحه.
هذه المفارقة هي التي تجعل الموقف النقدي نفسه جزءًا من موضوع القصيدة. فالناقد الذي يحرس نقاء اللغة ويصمت عن انتهاك الجسد يشبه، من حيث يدري أو لا يدري، الصحيفة التي قالت إن الهِر لم يُقتل بل وافاه الأجل. كلاهما ينقل الانتباه من الجريمة إلى طريقة الكلام عنها. ومع ذلك، يجب الحذر من تحويل هذا الدفاع إلى تقديس. إنصاف مظفّر النواب لا يعني أن كل ما كتبه تحفة فنية، ولا أن التزامه السياسي يعفيه من النقد. فالشعر لا يصبح عظيمًا لمجرد أن موقفه نبيل، كما أن النص لا يصبح رديئًا لمجرد أن لغته صادمة.
الموقف الأكثر عدلًا هو الاعتراف بأن النوّاب شاعر متفاوت مثل كبار الشعراء، وأن بعض نصوصه تعتمد على حرارة الغضب أكثر من اعتمادها على التكثيف، وأن التكرار والخطابية والصدمة قد تضعف بعض المقاطع. لكن هذه ملاحظات نقدية جزئية يجب البرهنة عليها من داخل النص، ولا تبرر إلغاء تجربة كاملة كان لها أثر عميق في الوعي والذاكرة واللغة السياسية العربية.
الالتزام: الإنسان سيدًا لا عبدًا
تنتمي القصيدة بوضوح إلى أدب الالتزام، إذا فهمنا الالتزام لا بوصفه ترديدًا لشعارات حزبية، بل بوصفه انحيازًا إلى حرية الإنسان وكرامته. فجوهر الصراع فيها ليس بين قطة ومأمور، وإنما بين تصورين للإنسان. ففي التصور الأول، الذي تمثله السلطة، الإنسان مادة يمكن إخضاعها: يُعتقل، ويُعذّب، ويُجبر على الاعتراف، وتُكتب حكايته نيابة عنه، ويُعلن سبب موته دون الرجوع إلى الحقيقة. إنه عبد في منظومة ترى الدولة سيدة على جسده وذاكرته ولغته. أما التصور الثاني، الذي تنحاز إليه القصيدة، فيرى الإنسان سيدًا على نفسه. لا بمعنى السيادة على الآخرين، بل بمعنى امتلاكه حقًا أصيلًا في جسده وصوته وحياته وكرامته. والسلطة، وفق هذا التصور، ليست صاحبة البلاد والمواطنين، بل مؤسسة مؤقتة ينبغي أن تخضع للمساءلة. والنوّاب بذلك لا يطالب بمنحة يمنحها الحاكم للمواطن، بل يستعيد حقًا سبق الحاكم والدولة. الحرية ليست هدية، والكرامة ليست مكافأة على الطاعة، والوطن ليس ملكية خاصة لمن يجلس في السلطة.
لهذا لا تبدو القطة مذنبة حتى عندما يقدمها الخطاب الأخلاقي بوصفها "قطة عشق". فحقها في ألا تُعذّب لا يتوقف على رضا السلطة عن سلوكها، ولا على طهارتها وفق معايير المجتمع. الدفاع الحقيقي عن حقوق الإنسان لا يختار ضحايا مثاليين فقط؛ إنه يدافع عن الإنسان لأنه إنسان، حتى لو كان مختلفًا أو خاطئًا أو مكروهًا أو متهمًا. وهذه نقطة بالغة الأهمية في القصيدة: القطة لا تحتاج إلى أن تكون قديسة كي يكون اغتصابها وتعذيبها جريمة. كرامة الإنسان ليست جائزة تمنحها الدولة لمن يلتزم بالصورة التي ترسمها للمواطن الصالح.
من يهين الوطن: الشاعر أم الجلاد؟
كثيرًا ما يُتهم شعر المعارضة القاسي بأنه يسيء إلى الوطن أو يشوه صورته. لكن القصيدة تقلب السؤال: من الذي يهين الوطن فعلًا؟ أهو الشاعر الذي يصف المخفر، أم من حوّل المخفر إلى مكان للتعذيب؟ أهو من يفضح كذب الصحيفة، أم من أجبرها على كتابة الكذب؟ أهو من يسخر من الرتب، أم من جعل الترقية مكافأة على الجريمة؟ إن الصورة القبيحة للوطن لا يصنعها من يرسم القبح، بل من ينتجه. والشاعر الذي يرفض التستر على الجريمة لا يخون الوطن، وإنما يرفض اختزال الوطن في سلطة عابرة.
ثمة فرق بين محبة الوطن وعبادة الدولة. محبة الوطن تعني محبة ناسه وأرضه وذاكرته وإمكاناته، والدفاع عن حق مواطنيه في حياة كريمة. أما عبادة الدولة فتعني مطالبة الناس بالصمت عن الظلم كي لا تتضرر "الصورة". والنوّاب ينتمي إلى النوع الأول من الوطنية. قسوته على الوطن الظاهر نابعة من وفائه لوطن ممكن؛ وطن لا يُعامل فيه الإنسان كقطة شاردة، ولا تُستخدم الوطنية لنفخ أجساد المعذبين بالغاز، ولا تتحول الصحافة فيه إلى موظف في جهاز محو الحقيقة.
القيمة الفنية: القصيدة بوصفها مسرحًا هجائيًا
تتميز «من عالم القطط» بطابع مسرحي واضح. فهي لا تقدم فكرة مجردة، بل تصنع مشاهد متعاقبة وشخصيات وحوارًا وحركة وتحولات. نرى الشارع والمخفر وغرفة التعذيب وبيت الجلاد وحاوية الزبل ومشهد القتل والجنازة. ونسمع الغناء والسعال والمواء والخطب والنواح. وهذا التنوع الصوتي يمنحها حياة تتجاوز القصيدة الخطابية التقليدية. فالشاعر لا يتكلم بصوته وحده؛ بل تتكلم أيضا القطة والهِر والصحافة والخطباء والمحاضر الرسمية. وكل صوت يكشف جانبًا من المنظومة.
كذلك يعتمد الإيقاع على قوافٍ متلاحقة ذات نبرة ساخرة: «الذنب، الرتب، العطب، ينتصب، السبب، الركب». إنها قوافٍ تبدو أحيانًا قريبة من أهزوجة شعبية أو عرض مسرحي هزلي، لكن هذا الطابع الشعبي جزء من قوتها. فالقصيدة لا تريد الوقوف على منصة بعيدة عن الناس، بل تريد أن تنتقل شفهيًا، وأن تُحفظ عباراتها، وأن تتحول بعض مقاطعها إلى أمثال سياسية. والتكرار كذلك عنصر بنائي مهم. فعبارات مثل «عجب عجب» و«ذنب ذنب» و«مياو» تؤدي وظائف إيقاعية ودلالية. إنها تجعل عالم القصيدة أقرب إلى السيرك السياسي، حيث تتكرر الأدوار نفسها: اعتقال، وتعذيب، وكذب، وقتل، ونعي، وترقية، ثم يبدأ العرض من جديد.
ومع ذلك، يمكن للنقد أن يلاحظ أن بعض المقاطع، وخصوصًا مشهد عجز الجلاد، تمتد أكثر مما تتطلبه الفكرة، وأن تكرار الإشارات الجنسية قد يجعل المفاجأة أقل تأثيرًا. فالصدمة الفنية تكون أقوى حين لا تتحول إلى عادة متوقعة. لكن هذا التحفظ لا يلغي الوظيفة العامة للمشهد ولا دقته الرمزية.
ما بعد الضحك: لماذا تبقى القصيدة مؤلمة؟
تبقى القصيدة مؤثرة لأن بنيتها الهزلية لا تقود إلى خلاص. لا تتحرر القطة بالمعنى الكامل، ولا يُحاكم الجلاد، ولا تعترف الصحف بالحقيقة، ولا تتحرك المؤسسات لتحقيق العدالة. الهِرُّ الذي احتج يُقتل، والمأمور يترقى، والعزاء يقام في حاوِيَة الزِّبل. فهذه ليست حكاية انتصار، بل شهادة على استمرار الآلة. وحتى الانتقام الذي يقع للجلاد في صورة العجز لا يحقق عدالة حقيقية؛ فالضحية لا تسترد عمرها، والميت لا يعود إلى الحياة. وهكذا فإن القصيدة لا تمنحنا عزاء النهاية السعيدة، لكنها تمنحنا شيئًا آخر: نزع الشرعية الأخلاقية عن الجلاد. قد يبقى الجلاد في منصبه ويحصل على الترقية، لكنه لا يبقى في المخيلة ذلك الرجل القوي المهيب. لقد عَرّته القصيدة، وحولته إلى شارب مُنكسر وروح معطوبة وكائن يطلق النار على قِط لأنه ضحك منه.
هذه الهزيمة الرمزية ليست بديلًا عن العدالة، لكنها شرط من شروطها. فالاستبداد يبدأ بالانتصار في الخيال قبل أن ينتصر في الشارع؛ يبدأ حين يقتنع الناس بأن الحاكم فوق السؤال، وأن الأجهزة لا تُهزم، وأن الرتب تستحق الهيبة، وأن اللغة الرسمية هي الحقيقة. والشعر المقاوم يبدأ بتحطيم هذه الصور.
القصيدة بوصفها محاكمة مضادة:
في المخفر تحاكم السلطة القطة، أما في القصيدة فيحاكم الشاعر السلطة. وفي المحضر تكتب الدولة روايتها، أما في النص فيكتب الضحايا روايتهم. وفي الصحافة يختفي القاتل، أما في الشعر فيُسمّى الجلاد ويُكشف عجزه. وبهذا المعنى، القصيدة محضر مضاد. إنها لا تمتلك قوة القانون، لكنها تمتلك قوة الذاكرة. وقد تفلت السلطة من المحاكم في زمنها، لكنها لا تضمن الإفلات من الأدب. فالنصوص التي تكتبها أجهزة الدولة قد تُنسى أو تسقط بسقوط النظام، أما الصورة الشعرية القادرة على اختزال طبيعة الاستبداد فقد تبقى بعد اختفاء أسماء المأمورين والجلادين.
مظفّر النواب لا يقدم في هذه القصيدة برنامجًا سياسيًا، ولا يشرح شكل الدولة العادلة، لكنه يؤدي وظيفة سابقة على البرامج: يكسر التطبيع مع الإهانة. يجعل ما اعتاد الناس سماعه في الأخبار يبدو غريبًا ومقززًا ومضحكًا. يعيد إلى الجريمة اسمها، وإلى الضحية ألمها، وإلى الجلاد قباحته.
خاتمة: وطن لا يستحق الصمت:
"من عالم القطط" قصيدة غير مهذبة عن واقع فقد تهذيبه الأخلاقي. وهي فاجرة في ألفاظها لأن العالم الذي تواجهه أفجر في أفعاله. قد يختلف القراء في تقدير مقدار الصدمة فيها، وقد يرون أن بعض مشاهدها أطول أو أخشن مما ينبغي، لكن من الصعب إنكار أنَّ خُشونتها جزء من مَشروعها الفني والسياسي. إنها لا تستخدم الحيوان للهروب من الإنسان، بل للوصول إليه. القطة هي الضحية التي صودرت سيادتها على جسدها، والهِرُّ هو الساخر الذي دفع حياته ثمنًا لفضح الجلاد، والمأمور هو البيروقراطي الذي تحولت جريمته إلى رتبة، والصحيفة هي المؤسسة التي غسلت الرصاصة بالكلمات، والجلاد هو صورة السلطة حين تنكشف فحولتها المصطنعة عن روح معطوبة.
أما النقاد الذين اختزلوا شعر مظفّر النواب في البذاءة، فقد يكون بعضهم قد اختلف معه فنيًا بصدق، لكن بعض الأحكام لا يمكن فصلها عن مناخ سياسي وثقافي كان يفضِّل محاكمة الكلمة على محاكمة الجلاد. لقد كان من الأسهل الاعتراض على لفظة جارحة من الاعتراض على سجنٍ كامل، ومن الأسهل الدفاع عن الذوق من الدفاع عن إنسان تُنتزع كرامته في المخفر.
إنصاف النواب لا يكون بتحويله إلى قديس شعري، بل بقراءته قراءة جادة: الاعتراف بتفاوت تجربته، ونقد خطابيته حين تضعف، وفي الوقت نفسه فهم القيمة الفنية والسياسية للسخرية والجسد واللغة الشعبية في شعره. فالالتزام الأخلاقي لا يعفي الفن من شروطه، لكنه أيضًا ليس عيبًا ينبغي للنقد أن يعتذر عنه.
في جوهر القصيدة سؤال واحد يتكرر خلف القطط والذيول والشوارب: هل الإنسان سيد نفسه أم عبد للسلطة؟
جواب النوّاب واضح. الإنسان ليس مادة في محضر، ولا جسدًا في غرفة تحقيق، ولا رقمًا في خبر رسمي، ولا رعية تنتظر رحمة صاحب الرتبة. إنه صاحب حق سابق على الدولة، وكرامته ليست قابلة للمنح أو السحب. وكل سلطة تنسى ذلك، مهما ارتفعت شواربها ورتبها، تحمل عطبها في روحها. لهذا تبقى خاتمة القصيدة صالحة بوصفها حكمًا على وطن تنقلب فيه المعايير: يُعذَّب البريء، ويُقتل المحتج، وتكذب الصحيفة، ويخطب المنافق، ويترقى المأمور:
"عجبٌ عجبٌ، وطنٌ عجبُ!"
لكن العجب الحقيقي ليس أن يكتب شاعر غاضب ألفاظًا خشنة؛ العجب أن يصبح التعذيب مألوفًا، والكذب خبرًا رسميًا، والقتل أجلًا، والترقية عقوبة، ثم يُطلب من الشاعر وحده أن يكون مهذبًا.

قصيدة من عالم القطط
شعر: مظفر النواب

ريحٌ سوداءُ تُزَمجرُ بالويلْ
قِطّة عِشق في الشارع تنتظر الليلْ
تكشفُ عَن فَخذ وتُغَطّي، سَتر الله علينا وعلى القطة، بالذيلْ
تُستَدعى للمَخفَر، ينكحها القسم المختص بتدعيم بُنانا التحتية
شاهَدَت القِطة من شَقِّ الحائط قطّا وطنيا يُنفخُ بالغازِ الوطنيِّ الفاخِرِ
وَيُخصى
رَفَعتْ يَدَها لِتُحَيّي المَنفوخَ، وَغَنَّتْ: "وَطَني حَبيبي.. وَطَني الأَكبر.."
يوم وراء يوم...
والقطّة تَضحك، والضِّحكة تَنتَحِبُ
فَقَدَتْ سِنّين خِلالَ التَّعذيب!
وَقيلَ لها كان يُشيع بِأنَّ السُّلطات بِها جَرَبُ
خَرَجَ الغازُ الوَطَنيُّ الفاخرُ مِن عينيهِ وَلَم يَتَكلّم
دَوَّنَ في المَحضَرِ أَيضًا، أَنَّ القِطَّةَ بَقِيَتْ صامِدَةً يَومَيْنِ وَإِنْ قُطِعَ الذَّنَبُ!
سَعَلَ المأمورُ وَطارَ التحقيق، وَكانَ الجَلادُ لَه شَنَبُ
طار، وعادَ إلى مَوضِعِهِ الشَّنَبُ
أيُّ سُعالٍ هذا؟ ماذا أكلَ المأمورُ
وماذا رُتبتُه؟
ما دامَ السُّلطةُ في السُّلطةِ
فالضَّرطاتُ لَها رُتَبُ
بَعضُ المُنهارين اعترفوا بِحَياءٍ أَنَّ القِطَّةَ بالأَصلِ بلا ذَنَبٍ!
ذَنَبٌ ذَنَبٌ، رُتَبٌ رُتَبُ.. عَجَبٌ عَجَبُ
في تِلك الليلة من شهر شباط القارس!
عَطَّرَ عَورَتَه الجلادُ
تَأنَّق تَحتَ السِّروالِ، وَزَجَّجَ حاجِبَهُ
نام بِزوجته المِسكينة، لا يمكنُ إطلاقًا!
عَبَثًا ظلَّ الشَّيءُ كما ذَنَبِ القِطة يَنْسَحِبُ
تَفَّ بِإِصبَعِهِ
حاوَلَ أَن يَفتِلَ شاربه
ظلَّ الشارب مكسور الخاطر لا ينتصبُ
حاربَ مَيمَنَةً
حاربَ مَيسَرةً،
عَنتَرَ عَنتَرةً، حدَّق، غرّب ، شرق
هيهاتَ...
فَما بِالشّارِبِ، بَلْ بِالرّوحِ العَطَبُ
شاهَدَ في الحُلمِ ذُيولا، شاهَدَ أََفعى مَيِّتَةً،
بَغْلاً يُخْصى
عَجَبٌ عَجَبُ
حَوبَةُ ذَيلِ القِطة يا مَأمورُ هِيَ السَّبَبُ
هَبَّ نَسيمُ الصُّبح رَخِيّا
لَمْ يَكُ في الشّارِعِ إلا حاوِيَة الزِّبلِ وَهِرٌّ مُحْتَرَمُ
لاحَظَ أَنَّ القِطَّةَ تَخرُجُ من بابِ الدَّولَةِ في خَفَرٍ
عَدَّلَ جَلسَتَهُ، تَرَكَ الإفطارَ،
وَمَدَّ خُيوطَ الشّاربِ يَلتَقِطُ الأَخبارَ
تَسَلَّقَ حاوِيَةَ الزِّبلِ؛ وَلكِنْ خانَتْهُ الرُّكَبُ
أَغلقَ إحدى عَينيه، تَعَوَّذَ باللهِ
مُحالٌ، لا يمكن هذا، ليس لها ذَنَبٌ يَسْتُرُ عَورَتَها
وَدَنا حَذِرًا، قالَ: مِياو سَيِّدتي
أَطرَقَتِ القِطَّةُ
لو تنشَقُّ الأَرضُ وَتَبلَعُها
نَغَّمَ وَالشَّبَقُ الشَّرقِيُّ بِعَينيه:
مِياو عيني، مِياو عيني
ذَنَبي مَولاي! مِياو لِلّهِ!
لَهُ الشُّكرُ، لَهُ الحَمدُ...
سَلامَةُ رَأسِكِ، لم يُقْطَع سَيِّدَتي...
تلكَ عَلاماتُ السّاعةِ
اختَبِئي
صاروخُ وَساخاتٍ يَقتَرِبُ...
لاحظَ أنَّ الجَلادَ يَسيرُ حَزينًا
لا يَرفَعُ عَينَيهِ
وَفي مَشيتِهِ عَطَبُ
ركضَ الهِرُّ، وَمِنْ خَلفِ البرميلِ تَجَشّأَ:
أَخرَجَ للجَلادِ فُحولَتَهُ
وَتَمايَلَ كَالرَّقاصِ
مياوواه، مياوواه
فَواحِدَةٌ يا جلادُ بِواحِدَةٍ
رَكِبَ الجَلادَ الخَبَلُ
أَفرَغَ فِيهِ مُسَدَّسَهُ
قَتَلَ الهِرَّ
عَليهِ الرَّحْمَةُ
والصُّحُفُ الرَّسميَّةُ قالت:
لَم يُقتلْ، وافاهُ الأَجَلُ
أُلصِقَت النَّعوةُ بالحيطانِ وبالأبوابِ وحاوية الزبلْ
"لَقَدْ دُهِسَ المَغفورُ لَهُ في رَيعانِ صِباهْ"
رَئيسُ نَقابَةِ جُرذانِ الزِّبلِ نَعاهْ
وَتَوالى الخُطباءُ
وَصاحَتْ قِطَطُ الحارة: واهِرّاهْ
ناحَت واحِدة لا ذَيلَ لَها
عُوقِبَ مَأمورُ السِّجنِ بِتَرفيعِ شَوارِبِهِ
رَحِمَ اللهُ القِطَّ دَفَنّاهْ
وَيُقامُ عَزاءٌ في حاوِيَةِ الحارَةِ إِنْ شاءَ اللهْ
تِلْكَ عَلاماتُ السّاعةِ، قالتها الكُتًبُ
عَجَبٌ عَجَبٌ، وَطَنٌ عَجَبُ!






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دموع فينيس: جمال المدينة وصرخة الإنسان المخنوق
- حين يسكن الطاغية في الحرف: الطقس الأورفي ودائرة الاستبداد في ...


المزيد.....




- لقطات مرعبة وأشبه بالأفلام من أمريكا.. مسلحان يفتحان النار ق ...
- وفاة نجم مسلسل -The Sopranos- عن عمر ناهز 80 عاما
- -قاعة مسجد وهوى عثماني-.. كيف حوّل روائي فرنسي منزله إلى -إس ...
- اتهامات ودعوى قضائية.. هل سربت نتفليكس فيلم -فورتيتيود-؟
- الغرافيتي.. صوت المتمردين ومرآة المنبوذين
- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...
- مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد ...
- -بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري ...
- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الورّاق الجزائري - حين تصبح البذاءة فضيلة أخلاقية: مظفّر النوّاب يفضح وطن القطط والجلادين