أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مريم بوشارب - صديقتي العاهرة














المزيد.....

صديقتي العاهرة


مريم بوشارب

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 20:06
المحور: الادب والفن
    


كانت لديّ صديقة مقربة في أيام الثانوية، لكن بعد أن تحصلتُ على شهادة الباكالوريا وانتقلتُ إلى المحيط الجامعي، انفصلنا ،لم تتحصل هاء على الشهادة ولم تُعِد السنة، وقررت الانسحاب كليًا من التعليم الممنهج، ثمّ انقطعت أخبارها تمامًا.
التقيتها قبل سنة داخل عيادة طبية نسائية، وكانت صدفة جميلة للغاية؛ بدت في غاية الأناقة والجمال، بشرتها صافية وشعرها أسود كثيف وقد خمّنت انها تعيش بسلام وحب . تبادلنا أطراف الحديث قليلًا، ثم قررنا أن نلتقي في مكان ما لنتأمل في ماضينا معًا.
كانت هاء من عائلة ميسورة، لكنها كانت طفلة متبناة، لا تعرف والديها الحقيقيين، لكنها تعرف أنها محبوبة جدًا في عائلتها التي تبنّتها وهي ابنة العشر سنوات. لطالما تميّزت هاء بعينين خضراوين ربيعيتين وبشرة حنطية مميزة. كنت أحبّ فيها تميّزها في اللغات الأجنبية، وكانت كلما تحدثت في الفصل طلب منا أستاذ اللغة الفرنسية أن نتعلم طريقة النطق منها. كانت تقول على الدوام: “أعلم أن أصولي بورجوازية وأني من عائلة جيدة، لا بد أنهم خطفوني ورموني في الميتم.”
كان جسدها آنذاك يميل إلى السمنة، ولديها ثديان كبيران حقًا، وكنا في سن النضوج في وقتٍ كانت فيه أثدائي تكاد ألا تبرز أصلًا. كانت تقول لي بسخرية: “لنقتسم الحظ، أعطيني الأم وخذي ما تشائين من سعة الحجم.” كنت في ذلك الوقت لا أتفق أبدًا مع أمي، وأشعر بالحنق المستمر منها ومن تصرفاتها، فكنت أبتسم بمرارة.
التقينا أنا وهاء بعد أيام في مقهى مطلّ على البحر. أول ما لاحظته هو شرودها وقلة الكلمات التي تقولها. سألتها عن حالها وحياتها وأهلها، فقالت إن والدتها توفيت، وتزوج والدها من امرأة أخرى كانت تعرف أنها ابنة متبناة، وكانت تغار منها ومن وجودها وتتربص بها، إلى أن طردها والدها بعد أن أتمت سن العشرين إلى منزل خالتها. كان لدى الخالة ولد بالغ سيئ الطبع اعتدى عليها مرات كثيرة. كانت تتحدث ببرود باهت وعينين فارغتين، تنظر إلى البحر، ومع ذلك لم تلمع عيناها الخضراوان بصفاء المحيط، بل بدتا رماديتين جدًا. مدّت يدها نحو كأس العصير وسألتني: “ماذا عنك؟” لكني كنت في ذهول تام، وطلبت منها أن تستمر: “ماذا حدث بعدها؟” لكنها أصرّت: “ماذا عنك؟” فأخبرتها أني درست الكيمياء في الجامعة أيضًا، وتوقفت وكوّنت أسرة وعشت في ملل وسأم، وها أنا أجدد عهدي بحلم الطفولة وأعود للكتابة. ما كدت أفرغ من حديثي حتى قلتُ: “هيا أخبريني أنتِ، هل أنتِ بخير؟” هزّت رأسها بسخرية وقالت: “أنا الآن عاهرة، لدي بيت وسيارة وخادمة، وسمعة تلمع كالنجوم…”
لم أفهم في البداية، وخشيت أن أسأل بطريقة خاطئة. صمتت، فأردفت تقول:
“بعد اعتداءات ابن خالتي -التي لم تكن خالتي أصلًا، بل أخت الأم المتبناة التي احتضنتني- عدت إلى بيت والدي وأخبرته بحياتي، ورجوته باكيةً أن يعيدني إلى البيت. اقترحت زوجته تزويجي بابن خالتي، وتزوجنا، وكان شخصًا مريضًا يضربني ويعاملني بسوء، فهربت منه إلى عالمي هذا. التقيت بمن دلّني على طريق الرذيلة باحترافية، وحصلت على الطلاق بسرعة البرق. وهكذا مضت سنوات عمري؛ ليس لدي عائلة، لكن حسابي البنكي يسمح لي بالسفر في أرجاء العالم. لكني لست سعيدة أبدًا. الآن لا أُحسّ بقيمة للعالم، لا يمكنني أن أبتسم حتى، لدي قلب ميت. أتذكر أنه في إحدى المرات في بداية عملي كعاهرة، تلقيت أجرًا لأنام مع امرأة -أجل، امرأة- وقد دفعت لي أضعاف ما يدفعه عشرة رجال معًا. ثم أصبحت صديقتي، وقد توفيت قبل سنوات قليلة. لم أحبّها يومًا؛ كانت امرأة قاسية ومتملكة، وسيطرت عليّ بشكل تام، لكنها كانت الشخص الوحيد الذي يعرف حقيقتي ويحترمني. عرّفتني على ابنها الوحيد وعلى زوجها، ولم تخف مني ولا من طبيعة عملي، وخرجت معي في العلن، وأهدتني سيارة وشقة قبل موتها بأسابيع معدودة.
لكنني عاهرة، والعاهرة مرةً في هذه المدينة هي عاهرة للأبد.
أتوق إلى الميتم، كنت فيه أتساوى مع بقية الأطفال، وكنا جميعًا -بلا استثناء- ككرة صوف تتدحرج على أرضية العالم.”
لم أشعر بالأسف لأجل هاء، أنا نفسي أشعر مثلها تمامًا؛ العالم مكان يضيق تنفسنا فيه كل يوم أكثر.
يومها رأيت هاء لآخر مرة في حياتي، بعدها أغلقت حسابها على فيسبوك وتبخّرت تمامًا.
تذكرتها قبل أيام حين احترق الميتم ومات الأطفال حرقًا، تذكرتها هذا الصباح وأنا أنظر إلى الشمس الحمراء في سماء المدينة. أتذكرها الآن وأنا أكتب لأقول إن عينيها الخضراوين كانتا تبدوان في آخر لقاء بيننا كغابةً في نهاية الزمن.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جرس الخوف: مشهد العودة إلى المدرسة
- أصداء الليل أسئلة في فجر الحزن


المزيد.....




- داخل إحدى دور سينما آيماكس النادرة.. تجربة مشاهدة -الأوديسة- ...
- مخرج ألماني يحذف مشهد تعرّ من أحد أفلامه الشهيرة ويعتذر لمؤد ...
- -بياف 2026- يكرّم نخبة من نجوم الفن والإعلام... وعباس النوري ...
- لماذا تريد الفنانة البريطانية -تشارلي إكس سي إكس- أن يعرف ال ...
- ليبيا تسترد آثارها المنهوبة وتصارع لإنقاذ تاريخها من الخطر
- دعوى بـ105 ملايين دولار ضد نتفليكس بعد سرقة فيلم نيكولاس كيج ...
- “سينما تحت الإبادة”.. كتاب جديد لأشرف بيدس يرصد صورة غزة في ...
- بعد الجدل الواسع... نقابة الفنانين توضح حقيقة منع إدخال الآل ...
- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - مريم بوشارب - صديقتي العاهرة