أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رشا الزبيدي - بين وعي السيدةزينب وجنون اليمامة:معركة العقل مع الصدمة















المزيد.....

بين وعي السيدةزينب وجنون اليمامة:معركة العقل مع الصدمة


رشا الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 20:02
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


​حين تقع الفواجع الكبرى وتصل الصدمات النفسية إلى ذروتها، يجد العقل البشري نفسه أمام اختبار بيولوجي وروحي حدّي. عبر التاريخ الإنساني، اختلفت ردود أفعال البشر أمام المشاهد الدموية والفقد المفاجئ؛ فبينما انهارت عقول واستسلمت للجنون والإنكار التام، استطاعت عقول أخرى –بقوة العقيدة والإيمان– أن تتجاوز هول الصدمة وتتحول من لحظة الانكسار الجسدي الفطري إلى قيادة التاريخ.
​يهدف هذا المقال التوعوي إلى تفكيك الظاهرة السلوكية المعروفة بـ "اللطم والحزن الجسدي" من منظار علم الأعصاب ونفسية الصدمات، ومقارنة نموذج الانهيار العقلي المجرد (قصة اليمامة بنت كليب) بنموذج التسامي الروحي الخارق (السيدة زينب بنت علي - عليها السلام).
​لماذا يلطم الجسد عند الفجيعة؟ سؤال يتكرر في الأذهان في كل سنة خلال شهر محرم الحرام، وللإجابة عليه لا بد أن نعرف أصول اللطم والزمن الذي جاء منها؟ هل قبل الإسلام أم بعده؟
​لا تُعد ممارسات الحزن الجسدي (كاللطم على الصدر، وضرب الرأس، ونث التراب) سلوكيات تعبيرية غائرة في القدم؛ فقد عرفتها الحضارات القديمة كالسومرية والبابليّة والفرعونية والإغريقية للتعبير عن فجيعة الموت، كما كانت حاضرة في العرف العربي قبل الإسلام لفرز شحنات القهر والفقد، قبل أن تتطور وتتحول في التاريخ الإسلامي (لا سيما بعد واقعة كربلاء) إلى مظاهر تعبيرية وشعائرية تجسّد مظلومية أهل البيت وتخلّد ذكرى الفاجعة.
​من الناحية الطبية والنفسية الحديثة، لا يُعتبر اللطم على الصدر، أو ضرب الوجه والرأس، أو وضع التراب على الجسد عند هول الصدمة مجرد طقس عاطفي أو تعبير ثقافي مجرد، بل هو بروتوكول دفاعي بيولوجي لا إرادي يلجأ إليه الجهاز العصبي لحماية الدماغ من التلف أو الانهيار التام. وهذا الكلام هو شيء علمي بيولوجي وليس من فراغ؛ فهناك ما يدعى بـ "الاختطاف اللوزي" وتعطيل لغة اللسان.
​عند حدوث صدمة مروعة، يتوقف الفص الجبهي للدماغ –وهو المسؤول عن التفكير المنطقي واستخدام اللغة– عن العمل بشكل مؤقت، وتسيطر اللوزة الدماغية المسؤولة عن الخوف. وبما أن العقل يعجز عن تحويل حجم الفاجعة إلى "كلمات"، فإنه يحول هذه الطاقة فوراً إلى مخارج حركية جسدية لتفريغ الضغط العصبي الهائل.
​منع التبدد الواقعي واستعادة الحدود الجسدية:
في الصدمات الكبرى –كما صدمت السيدة زينب (عليها السلام)– يمر الإنسان بحالة تُسمى "التبدد الواقعي"، حيث يشعر كأنه انفصل عن جسده أو يعيش كابوساً غير حقيقي. ضرب الرأس والوجه واللطم يعمل كإشارة حسية حادة تصرخ في الوعي: "أنت هنا، هذا جسدك، وما تراه حقيقة". إنها محاولة مستميتة لإبقاء الضحية متصلة بالواقع ومنعها من الانفصال العقلي الكامل.
​عندما يلطم الشخص صدره أو وجهه، يرسل الجلد والعضلات إشارات ألم مادية فورية إلى الدماغ، فيستجيب الدماغ بإفراز هرمونات الأندورفين والإنكيفالين (الأفيونات الطبيعية للجسد). يعمل هذا الكوكتيل الكيميائي كمخدر مؤقت يغمر الدماغ ليحميه من صدمة الألم النفسي الحارق، أي أنه يعمل كالمهدئات (المسكنات) الطبيعية.
​منطقة الصدر غنية بنهايات العصب الحائر المسؤول عن خفض تسارع نبضات القلب وضغط الدم. علمياً، اللطم أو الضغط القوي على منطقة الصدر يحفز هذا العصب ميكانيكياً، مما يجبر القلب على خفض نبضاته الجنونية الناجمة عن الرعب، فيحمي الضحية من السكتة القلبية الفورية. عندما لطمت السيدة زينب على صدرها، كان رد فعل غير متقصد تم به تحفيز العصب الحائر لحماية قلب مولاتي من هول ما رأت.
​وهنا يأتي أحد الأشخاص ويتساءل: لماذا هي تفعل هذا وهي كانت على علم بأن الحسين سوف يُقتل في كربلاء؟
​فعلاً، كانت السيدة زينب تعلم إيمانياً وعقائدياً أن أخاها الحسين سيُستشهد؛ وهذا العلم وطّن روحها وهيأها للمبدأ. لكن المعرفة شيء، والمعاينة المباشرة للتفاصيل الوحشية شيء آخر. رؤية قطع الرؤوس، سحق الأجساد بالخيل، حرق الخيام، وتشتت الأطفال... تفاصيل مرعبة صدمت جهازها العصبي البشري.
​هنا تجلت بشريتها؛ كان اللطم ورمي التراب على الرأس تفريغاً بيولوجياً فورياً لصدمة التفاصيل، أداة جسدية استخدمها كينونها لإنقاذ عقله الشريف من الانهيار والجنون وتثبيت وعيها في الأرض.
​بمجرد أن أفرغ الجسد الزينبي شحنة الصدمة الأولى، لم تستسلم للجنون أو الانفصال كاليمامة (التي سأذكر لكم قصتها بالأسطر القادمة)، بل مسحت التراب عن وجهها وتدخلت القوة الإلهية واليقين والمبدأ:
​سارعت لإنقاذ الأطفال من بين النيران.
​حمت الإمام زين العابدين (ع) وجسدها صار درعاً له.
​تولت إدارة قافلة السبايا بمهابة وسكينة وهدوء.
​عندما سألها الطاغية ابن زياد عن صنع الله بآلها، أجابت بـ: "ما رأيتُ إلا جميلاً". فالجمال لم يكن في الجريمة وتقطيع الأجساد، بل كان الجمال في موقف التضحية، الثبات على المبدأ، والوفاء بالعهد.
​من المنظور النفسي والفيزيولوجي، فإن الشخص المصدوم (الذي عانى العطش والجوع والرعب ورؤية القتل) يفقد القدرة على التركيز أو صياغة الكلام نتيجة إجهاد الدماغ. لكن الوقوف التاريخي للسيدة زينب في الكوفة والشام وإلقائها لخطب بلاغية هزت عروش الطغاة يُعتبر معجزة بيولوجية ونفسية بتأييد إلهي مباشر؛ أومأت إلى الناس أن اسكتوا، فارتدت الأنفاس وسكنت الأرواح وكان صوتها وكلامها الذي يُسمع فقط، تكلمت بلسان علي بن أبي طالب بوعي تام وبلاغة محكمة، حوّلت حالتها من الهزيمة الظاهرية التي يرونها إلى انتصار تاريخي.
​وهنا المثال الآخر الذي يوضح كيف يتصرف العقل البشري المجرد من الركيزة الإيمانية والقوة الغيبية، يبرز مثال اليمامة بنت كليب ( حرب البسوس بالتاريخ) ولا أظن أنه هناك من لم يرها أو يسمع بها.
​الصدمة التي تلقتها اليمامة عند مقتل أبيها "كليب" بشكل غادر ومفاجئ والتمثيل بجثته، عندما عجز عقلها عن تصديق مقتل أبيها، انهار عقلها بشكل تام ودخلت في حالة إنكار ذهني صادم. ماذا يعني هذا؟ يعني أن دماغها اخترع حقيقة بديلة (وهم) لكي يحميها من الموت، فصارت تصرخ بعبارتها الشهيرة: "لا تقتلوه.. إنه يمشي على رمشي!" (المشهد الذي لا يزال مثبتاً في عقلي منذ طفولتي).
​هنا نستنتج أن العقل استسلم لبشاعة الموقف وانفصل بشكل تام عن الواقع، ودخلت اليمامة في حالة جنون دائمة نتيجة صدمتها بفقد أبيها بلا علم مسبق ولا عقيدة تسند الروح.


اللطم هنا يربط أجيال الشيعة على مر القرون بتلك اللحظة في كربلاء؛ فهو يذكرهم دائماً بالوقوف ضد الظلم، ونصرة المظلوم، والاستماتة في طلب الحق، تماماً كما وقفت السيدة زينب كالجبل الأشم. فهم حولوا اللطم إلى "هوية وذاكرة حية".
​اللطم عند شيعة أمير المؤمنين هومواساة لقلب جدهم المصطفى وأمهم الزهراء وأبيهم أمير المؤمنين في مصابهم، يلطم الشيعي صدره ليقول: "قلبي يعتصر معكِ، يا موﻻتي "
​ولا ننكر أن هناك بعض المبالغة والغلو في هذه الممارسات، حتى أن كبار علماء الشيعة ومراجعهم حذّروا مراراً وتكراراً من إقحام ممارسات الغلو، أو التمثيل المبالغ فيه، أو استخدام أساليب تسبب الضرر البليغ بالجسد وتسيء لسمعة المذهب والدين.
هذه المبالغات أصبحت تُستغل إعلامياً لتشويه الصورة الناصعة للرسالة الزينبية والحسينية، وتحويلها من رسالة وعي وفكر إلى مظاهر مجردة من المعنى البليغ.
​اللطم والحزن الجسدي عند الفواجع ليس مجرد مظاهر عاطفية ومبالغة كما يدعي البعض، بل هو آلية بيولوجية لحماية الدماغ البشري من السكتة القلبية والانهيار العقلي التام عند مواجهة هول الصدمات. المعرفة المسبقة لا تمنع الصدمة ، لكن قوة الإيمان والعقيدة هي الفيصل الذي يحدد هل يستسلم الإنسان للجنون أم يتسامى نحو الخلود؟
​تجسد السيدة زينب (عليها السلام) أعظم درس إنساني وعقائدي في كيفية تحويل ألم الجسد وصدمة الفاجعة إلى قوة فكرية تغير مجرى التاريخ.
​شكراً لقراءتكم، وأتمنى أن أكون قد أوشكت على إيصال رسالتي كما يجب.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- -كأننا عدنا لما بعد 11 سبتمبر -.. كير تكشف تصاعد الاعتداءات ...
- هل بدأت نهاية الملاذ الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين؟
- مقترح تركي لإنشاء قوة عربية إسلامية إقليمية لحماية الحدود بي ...
- سوريا.. اتهامات بالابتزاز في قضايا المعتقلين تطال مفتي الجمه ...
- كاتب أمريكي: تحالف الإنجيليين مع ترمب ينفّر الشباب من الكنيس ...
- -إنه المسيح الدجال-..  تطور -دراماتيكي- في قضية قتل حاخام إس ...
- مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا يفتي بعدم جواز بيع أو استبدال ا ...
- حراس الحضور المسيحي في فلسطين: تكامل الأدوار بين الكنيسة وال ...
- 270 عاما على تدشين كنيسة قيامة المسيح.. شاهد على تاريخ القيا ...
- حزب عربي يهودي جديد يستهدف الشباب في انتخابات إسرائيل


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - رشا الزبيدي - بين وعي السيدةزينب وجنون اليمامة:معركة العقل مع الصدمة