أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حيدر العيلة - الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة














المزيد.....

الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة


حيدر العيلة

الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 07:46
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


حين يتحول الدين إلى أداة هدم للمجتمعات:
من أخطر الآفات التي ابتليت بها مجتمعاتنا العربية خلال العقود الأخيرة انتشار الجماعات الدينية المتشددة التي احتكرت فهم الدين، ونصبت نفسها وصية على الناس، وادعت امتلاك الحقيقة المطلقة، فحولت الدين من رسالة أخلاقية وإنسانية تدعو إلى الرحمة والعدل والتسامح إلى وسيلة للتخويف والإقصاء والتكفير.

المشكلة ليست في الدين نفسه، فالأديان جاءت لإصلاح الإنسان وتهذيب سلوكه وبناء مجتمعات أكثر عدالة وتماسكاً، وإنما تكمن المشكلة في أولئك الذين يوظفون الدين لخدمة مشاريع سياسية معادية أو أيديولوجية ضيقة، وخدمة أجندات لا وطنية، ويقدمون تفسيرات متشددة للنصوص الدينية تتجاهل ظروف الزمان والمكان ومتطلبات الحياة الحديثة.

الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة وزرع شيطاني، فهي لا تستطيع البقاء دون أن تزرع الخوف والكراهية في نفوس الناس، ولذلك نجدها في حالة صراع دائم مع المجتمع، ومع الدولة المدنية، ومع المثقفين الوطنيين، ومع أصحاب الرأي المختلف، بل ومع الجماعات الدينية الأخرى التي لا تتفق معها في الفهم والتفسير.

ومن أخطر ما تفعله هذه الجماعات أنها تقتل العقل النقدي وتستبدله بعقلية السمع والطاعة، فالفرد داخل هذه الجماعات لا يُطلب منه أن يفكر، وإنما أن يطيع، ولا يُشجع على البحث والاجتهاد، وإنما على التلقي والتسليم، وهكذا يتحول الإنسان من كائن حر يمتلك القدرة على التفكير واتخاذ القرار إلى مجرد تابع يردد ما يُملى عليه دون فهم أو تدبر.

ولعل السبب الرئيسي في نجاح الفكر المتشدد يعود إلى البيئة المناسبة التي يجدها في بعض المجتمعات العربية، فالتخلف والفقر والبطالة وضعف وتراجع الثقافة وانتشار الجهل السياسي الخرافات، كلها بيئة خصبة وعوامل تساعد على انتشار الخطاب المتطرف، فكلما تراجع دور المدرسة والجامعة المتحضرة والمؤسسات الثقافية التقدمية، ازدادت قدرة الجماعات المتشددة على تجنيد الأفراد واستقطابهم.

كما أن السلطة الحاكمة تتحمل جزءاً من المسؤولية عن هذه الظاهرة، فغياب الديمقراطية، وتقييد الحريات، وانتشار الفساد، وعدم توفير متطلبات الحياة الكريمة، كلها عوامل تولد الإحباط لدى قطاعات واسعة من الناس، الأمر الذي يدفع بعضهم للبحث عن حلول سريعة أو خلاص وهمي تقدمه تلك الجماعات المتشددة تحت شعارات دينية براقة مثل التغيير والإصلاح، العودة الى الجماعة المسلمة، والمجتمع الكافر .. الخ من الشعارات المسمومة.

والتجارب التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية تقدم أدلة واضحة على خطورة هذه الجماعات.
ففي كل مكان تمكن فيه الفكر المتشدد من السيطرة كانت النتيجة واحدة تقريباً: تراجع المجتمع، وهجرة العقول، وتفكك النسيج الاجتماعي، وانتشار العنف وإضعاف الدولة، وإدخال المجتمع في دوامات لا تنتهي من الصراعات الدموية.

الأخطر من ذلك أن الجماعات المتشددة لا تكتفي بإلحاق الضرر بالمجتمع، بل تسيء أيضاً إلى الدين الذي تزعم الدفاع عنه، فحين يرى الناس العنف والتكفير والكراهية باسم الدين، فإن صورة الدين نفسه تتعرض للتشويه، ويصبح الناس أكثر نفوراً من الخطاب الديني عموماً، ومن الدين نفسه، رغم أن المشكلة الحقيقية تكمن في التفسير الداعشي والوهابي والإخواني المتطرف وليس في الدين ذاته.

إن مواجهة التطرف لا تكون بالتطرف المضاد، ولا بالكراهية، ولا بالقمع وحده، وإنما ببناء الإنسان الواعي القادر على التفكير النقدي، وتعزيز قيم المواطنة وسيادة النظام والقانون، وتحسين التعليم، ودعم الثقافة، وتنقية الكتب الدينية الأزهرية من الأفكار المتخلفة والملوثة، وتوسيع هامش الحريات والعدالة الإجتماعية.
فالمجتمع المتعلم والمنفتح أقل عرضة للوقوع فريسة للأفكار الدينية المتشددة مهما كانت الشعارات التي ترفعها.

إن مستقبل أمتنا لا يمكن أن يُبنى على التعصب الديني والانغلاق، وإنما على العقل والعلم والتسامح واحترام التعددية، وكل مشروع يزرع الكراهية بين أبناء المجتمع، ويقسم الناس إلى مؤمنين وكفار أو إلى فريقين متصارعين، هو مشروع هدم مهما ادعى أصحابه أنهم يعملون باسم الدين.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم تتقدم عندما تنتصر قيم المعرفة والحرية والعدالة، وتتراجع عندما تسيطر عليها ثقافة التعصب وإلغاء الآخر.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين الدين والعلم، ولا بين التدين والحداثة، وإنما بين الفكر المنفتح الذي يبني الإنسان والفكر المتشدد الذي يحوله إلى أداة في صراعات لا تخدم إلا الخراب.
ولهذا أقول إن الجماعات الدينية المتشددة ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي أحد أخطر مظاهر الإعتلال الفكري والإجتماعي والسياسي للمجتمعات.
وإن أي مشروع وطني نهضوي حقيقي، لن ينجح ما لم ينتصر للعقل والفكر الحر والتسامح، ويضع حداً لثقافة التعصب الأعمى والكراهية.



#حيدر_العيلة (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة


المزيد.....




- هل بدأت نهاية الملاذ الأوروبي لجماعة الإخوان المسلمين؟
- مقترح تركي لإنشاء قوة عربية إسلامية إقليمية لحماية الحدود بي ...
- سوريا.. اتهامات بالابتزاز في قضايا المعتقلين تطال مفتي الجمه ...
- كاتب أمريكي: تحالف الإنجيليين مع ترمب ينفّر الشباب من الكنيس ...
- -إنه المسيح الدجال-..  تطور -دراماتيكي- في قضية قتل حاخام إس ...
- مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا يفتي بعدم جواز بيع أو استبدال ا ...
- حراس الحضور المسيحي في فلسطين: تكامل الأدوار بين الكنيسة وال ...
- 270 عاما على تدشين كنيسة قيامة المسيح.. شاهد على تاريخ القيا ...
- حزب عربي يهودي جديد يستهدف الشباب في انتخابات إسرائيل
- المقاومة الإسلامية في العراق تتوعد الولايات المتحدة والسعودي ...


المزيد.....

- حقوق العصر. تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم
- التواصل الحضاري ومفهوم الحداثة في قراءة النص القراني / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - حيدر العيلة - الجماعات الدينية المتشددة قنبلة موقوتة