عبد اللطيف جمال رشيد
الحوار المتمدن-العدد: 8784 - 2026 / 8 / 1 - 02:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
بينما تهيمن الأزمات الجيوسياسية والنقاشات الأمنية على عناوين الأخبار الدولية، تتكشف كارثة أخرى في "مهد الحضارة". ففي جميع أنحاء العراق، يؤدي شح المياه وتغير المناخ وتدهور البيئة إلى تغيير المناظر الطبيعية التي دعمت بعضا من أقدم حضارات البشرية، إذ تحتل أنهار العراق مكانة فريدة في كل من التاريخ الانساني والتقاليد الدينية. ويزعم الكثيرون أن مدينة القرنة التاريخية الواقعة عند التقاء نهري دجلة والفرات هي موقع جنة عدن التوراتية.
كذلك ان مدينة أور هي مسقط رأس النبي إبراهيم الذي ربما يكون من أوائل لاجئي المناخ المسجلين، ووفقاً للتاريخ المدون، فإن السومريون هم روّاد الزراعة المروّية واسعة النطاق في بلاد ما بين النهرين، وهي المنطقة التاريخية الواقعة داخل نظام نهري دجلة والفرات.
اما اليوم، فإن انخفاض تدفق نهري دجلة والفرات أثر على الزراعة وادارة المياه. وكذلك حياة المجتمعات التي لا يمكن فصل هوياتها عن هذه الأنهار، ومن بين الأكثر تضرراً هم المندائيون، المجتمع الديني الذي يتطلب إيمانهم أن يعيشوا قرب الانهار ويؤدوا الطقوس في مياهها.
إن جفاف الأهوار العراقية هو أزمة لحقوق الإنسان لأنها تظهر كيف للتدهور البيئي أن يعرض الحفاظ على التراث العالمي للخطر وكذلك الكرامة الإنسانية والحق في التنمية.
اعتمدت الأمم المتحدة إعلان الحق في التنمية قبل أربعين عاما، مؤكدا أن التنمية لیست امتیازا مخصصاً لعدد قليل من الدول أو المجتمعات ولكنها حق غير قابل للتصرف لكل إنسان وكل شعب. ومع ذلك، بعد مرور أربعة عقود، لا يزال الواقع يواجه الملايين حول العالم موضحاً إلى أي مدى نحن بعيدون عن الوفاء بهذا الوعد.
بصفتي مهندساً كرس الكثير من حياته المهنية للموارد المائية والري واحياء أهوار جنوب العراق، فقد تعلمت أن التنمية لا يمكن قياسها من خلال الإحصاءات الاقتصادية وحدها، بل يكمن مقياسها الحقيقي في التأثير على الحياة اليومية. وينعكس ذلك في ايصال مياه الشرب النظيفة الى الاطفال، وقدرة المريض على تلقي الرعاية الطبية، وقدرة المزارع على زراعة الأراضي المنتجة، وتنمية المجتمع فرصة لإعادة البناء بعد سنوات من الحرمان والصراع.
لقد أتيحت لي الفرصة مؤخرًا لتسليط الضوء على العديد من هذه التحديات كمتحدث رئيسي في منتدى حول حوكمة حقوق الإنسان العالمية في بكين في يونيو/ حزيران 2026، حيث أكدت أن الحق في التنمية يجب أن يبقى قضية محورية بالنسبة للأجندة الدولية لحقوق الإنسان وكذلك دول مثل العراق تحتاج إلى شراكات عملية لمواجهة التحديات المتشابكة لشحة المياه، تغير المناخ، التحول التكنولوجي والتعافي بعد الصراع.
في العراق، حيث عاش عقوداً من الصراع والعقوبات أدى عدم الاستقرار إلى إتلاف الأسس التي تتم على أساسها التنمية وفرض تكاليف هائلة لإعادة الإعمار.
وفي الآونة الأخيرة، أصبح تغير المناخ وشحة المياه عوائق جديدة على طريق التعافي الصعب، وتمثل الاهوار الجنوبية واحدة من أوضح الأمثلة على كيفية تأثير البيئة وكيف
يمكن أن يصبح التدمير انتهاكًا لحقوق الإنسان وهي تعد من بين أكبر النظم البيئية للأراضي الرطبة في غرب آسيا وموطنا لثقافة مميزة تمتد إلى آلاف السنين، تم استنزاف اهوار العراق عمداً من قبل نظام صدام حسين الذي حكم العراق من عام 1979 حتى أوائل عام 2003 عندما أصبحت المنطقة مركز مقاومة لمناهضة الحكومة.
إن الماء الذي كان ينبغي أن يدعم الحياة و الرخاء، تم استغلاله كأداة للقمع السياسي، مما أدى إلى نزوح المجتمعات وما لا يمكن وصفه إلا بأنه عمل من أعمال الإبادة البيئية. وفي أعقاب عام 2003، بذل العراق جهداً طموحاً لاستعادة الاهوار واعادة الحق للسكان في العيش حسب هويتهم وثقافتهم والاتصال بالأرض. ورغم هذه المحاولات، لقد تركت تصرفات صدام إرثًا جعل الأمر أسهل لتسرب المياه المالحة. حيث أصبحت أحواض الأراضي الرطبة الجافة مصادر لعواصف ترابية متزايدة الشدة.
إن الحق في التنمية يعني إعادة المياه إلى الأراضي القاحلة، وإنعاش القرى، وتمكين الناس من استعادة منازلهم وسبل عيشهم ومستقبلهم. إلا أن تحقيق هذه الأهداف عملية طويلة وشاقة تتطلب استقراراً سياسياً وموارد اقتصادية وتعاوناً إقليمياً وثيقاً لا سيما في إدارة الموارد المائية المشتركة في عصر التغير المناخي المتسارع.
قدم قرار تركيا في وقت سابق من هذا العام بزيادة تصريف المياه في نهري دجلة والفرات إغاثة بالغة الأهمية بعد أشهر من الجفاف الشديد في العراق. ومع ذلك، لا تزال هذه الإجراءات ارتجالية إلى حد كبير.
على الرغم من اعتماد العراق وتركيا وسوريا المشترك على هذه الأنظمة النهرية، لا تزال تفتقر إلى إطار شامل وملزم قانونياً يحكم الإدارة العادلة للموارد المائية العابرة للحدود. ويتطلب الأمن المائي طويل الأمد اتفاقيات إقليمية متينة.
وينطبق الدرس نفسه على الرعاية الصحية. فقبل جيل، كان العراق يمتلك أحد أكثر أنظمة الرعاية الصحية تطوراً في المنطقة. إلا أن سنوات الحرب والعقوبات وهجرة الكفاءات المهنية أضعفت هذا الأساس بشدة.
وأصبحت إعادة بناء المستشفيات وتدريب الكوادر الطبية واستعادة الرعاية الصحية الوقائية تحديات رئيسية بعد عام 2003. ومن خلال هذه التجربة، تعلمنا أن الحق في الصحة والحق في التنمية متلازمان.
لا يمكن تحقيق تنمية حقيقية في مجتمع عاجز عن حماية صحة مواطنيه، ولا يمكن لأي نظام رعاية صحية أن يزدهر دون استقرار واستثمار وفرص.
بينما يتأمل المجتمع الدولي في مستقبل التنمية، تستحق بعض الأولويات اهتمامًا خاصًا: أولًا، يجب الاعتراف بالحق في التنمية كركيزة أساسية في الإطار الدولي لحقوق الإنسان. تصبح الحقوق محدودة عندما تغيب الشروط اللازمة لممارستها في غيابها. طفل محروم من التعليم، أو أسرة بدون كهرباء أو مياه نظيفة، أو مزارع يدمر الجفاف مصدر رزقه يعاني من تأكل عميق للحقوق الأساسية.
ثانيًا، يجب أن يسترشد العمل المناخي بالإنصاف والعدالة. لا يمكن إنكار ضرورة مواجهة تغير المناخ لكن الانتقال إلى مستقبل أكثر استدامة بيئيًا لا يمكن أن يكون على حساب الدول النامية التي تتحمل بالفعل عبئًا غير متناسب. تواجه دول مثل العراق بعضًا من أشد آثار تغير المناخ في العالم بينما لا تزال تعتمد بشكل كبير على مصادر الطاقة التقليدية، ويجب أن يكون التحول الناجح في مجال الطاقة متوازنًا ومراعيًا للاحتياجات التنموية وللاقتصادات الناشئة.
ثالثًا، يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقا استثنائية لتحسين إدارة المياه، والتنبؤ بالمناخ، والزراعة، والتعليم والرعاية الصحية. وفي الوقت نفسه، يثير تساؤلات هامة حول الشمول الرقمي والحوكمة العالمية، كما يجب أن يكون للدول النامية صوت في صياغة القواعد والمعايير والمؤسسات التي ستحدد المستقبل.
رابعًا، يجب أن يظل الانسان محور التنمية. واذ يعد العراق بلدا شابا، حيث يزيد عدد الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا عن نصف عدد السكان. ومثل الشباب في كل مكان، يسعى شباب العراق إلى الحصول على تعليم جيد وفرص عمل واستقرار وسلام.
أخيرًا ، لا يمكن لأي نقاش حول حقوق الإنسان أو الحق في التنمية أن يتجاهل معاناة الشعب الفلسطيني. فقد أقرّ إعلان عام 1986 بشأن الحق في التنمية بوضوح ضرورة مواجهة العواقب الوخيمة للاحتلال والعدوان. ان عقوداً من الاحتلال حرمت الفلسطينيين من العديد من أبسط الشروط اللازمة لازدهارهم.
في نهاية المطاف، يبقى السلام الركيزة الأساسية للتنمية. فالحروب تدمر البنية التحتية، وتضعف المؤسسات، وتشرّد السكان، وتسلب الأجيال القادمة فرصها. ولا يمكن للتنمية
المستدامة أن تزدهر في ظل الصراع.
لقد قطع العراق شوطا طويلًا على طريق التعافي، ومع أن الطريق لا يزال طويلا فنحن ممتنون للشراكات والدعم اللذين ساهما في هذا التقدم. وفي الوقت نفسه، يجب على المجتمع الدولي تجديد التزامه بنظام عالمي أكثر عدلا، نظام يُنظر فيه إلى الحق في التنمية على أنه حق مشترك للبشرية جمعاء، وليس امتيازا تحتكره قلة من الدول.
يقع العراق المعاصر في قلب الهلال الخصيب التاريخي، حيث ازدهرت الحضارة لأول مرة، لأن الطبيعة وفرت الظروف الملائمة لازدهار الحياة البشرية. وستكون مأساة عظيمة لو أصبح مهد الحضارة من أوائل الأماكن التي يبدأ فيها الانهيار تحت وطأة الضغوط المشتركة للتدهور البيئي، وندرة المياه، والحرارة الشديدة. ومع ذلك، فإن هذا المستقبل ليس حتميًا. فبالإرادة السياسية، والتعاون الدولي، والالتزام الصادق بكرامة الإنسان، يمكن للعراق أن يعود مرة أخرى مكانًا ترث فيه الأجيال القادمة إرث الهلال الخصيب، وفرصة الازدهار فيه.
طرح الدكتور عبداللطيف جمال رشيد رئيس جمهورية العراق السابق هذه المقالة في منصة (صناع القرار) وهي منصة عالمية لمشاركة الاراء بشأن الاحداث الدولية في تموز 2026 ، ونشرت في موقع شبكة تلفزيون الصين الدولية CGTN.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟