أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الورّاق الجزائري - حين يسكن الطاغية في الحرف: الطقس الأورفي ودائرة الاستبداد في -مشاهد من طقوس الطغيان-















المزيد.....


حين يسكن الطاغية في الحرف: الطقس الأورفي ودائرة الاستبداد في -مشاهد من طقوس الطغيان-


الورّاق الجزائري

الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 09:13
المحور: الادب والفن
    


مدخل: من إدانة الطاغية إلى اكتشافه في الذات

في قصيدة "مشاهد من طقوس الطغيان" للشاعر علي طه النوباني لا يظهر الطغيان حادثةً سياسية عارضة، ولا سلوكًا فرديًا يمكن اختزاله في حاكم مستبد، بل يتجلى نظامًا دائريًا شاملًا، يتسلل إلى السلطة والمجتمع واللغة والذاكرة، ثم يبلغ أعماق الإنسان نفسه. ولهذا لا تكتفي القصيدة بتوجيه إصبع الاتهام إلى الطاغية، وإنما تنتقل إلى السؤال الأكثر إيلامًا: ماذا يحدث للمظلوم حين يطول به المقام في عالم الظلم؟ وهل يبقى بريئًا من البنية التي سحقته، أم يعيد إنتاجها في علاقاته وسلوكه ووعيه؟
يختصر المطلع هذه الرؤية في عبارة تبدو بسيطة، لكنها تحمل البذرة الدلالية للنص كله:
ظَلَمونا
ثمَّ تَظالمنا
فتساوى المظلومُ مع الظالمْ
لا تقيم العبارة مقابلة تقليدية بين ظالم ومظلوم، بل تكشف حركة التحول من وقوع الظلم على الجماعة إلى تسرّبه داخلها. فالفعل "ظلمونا" يحدد عدوًا خارجيًا، أما “تظالمنا” فينقل مركز المأساة إلى الداخل؛ إذ يصبح ضحايا الطغيان مشاركين، بوعي أو بغير وعي، في إعادة إنتاج منطقه. وحين يقول الشاعر: “فتساوى المظلوم مع الظالم”، فإنه لا يبرئ السلطة الأولى، بل يكشف نجاحها الأخطر: تحويل الظلم من مؤسسة خارجية إلى ثقافة داخلية.
من هنا تتجاوز القصيدة الاحتجاج السياسي المباشر لتصبح بحثًا في أنطولوجيا الطغيان؛ أي في الطريقة التي يوجد بها داخل الإنسان والتاريخ واللغة. وهي لا تقدم هذا البحث في صورة خطاب فلسفي مجرد، بل تبنيه عبر طقس شعري تتكرر فيه اللازمة والصور والحركات والإيقاعات، كأن الشاعر يستحضر الظاهرة مرة بعد مرة لكي يحيط بأقنعتها المتبدلة.
العنوان وبنية المشاهد
يحمل العنوان، “مشاهد من طقوس الطغيان”، مفتاحًا أساسيًا لقراءة النص. فاختيار كلمة “مشاهد” يشير إلى أن القصيدة لا تقوم على حكاية خطية واحدة، وإنما تتكون من لوحات متعاقبة، لكل منها فضاؤها وصورها وشخصياتها وإيقاعها. أما كلمة “طقوس” فتنقل الطغيان من مستوى الفعل المنفرد إلى مستوى الممارسة المتكررة التي تحتاج إلى أدوار وشعارات وجمهور وكاهن وأضحية.
فالطاغية لا يعمل منفردًا؛ إنه يظهر محاطًا بالمصفقين والخائفين والكهنة والحمقى والمخدوعين. والجميع يؤدون أدوارهم داخل مشهد تتكرر بنيته مهما تغيرت أسماء الحكام والأزمنة. ولذلك لا يسعى النص إلى رسم صورة طاغية تاريخي بعينه، بل إلى القبض على “طقس الطغيان” نفسه: كيف يتشكل، وكيف يستمر، وكيف يجدد لغته، وكيف يجد دائمًا من يبرره أو يستجدي منه النجاة.
ويعزز التقسيم بالنجوم طبيعة القصيدة المشهدية. فكل مقطع يمثل دورة جديدة حول المركز ذاته، لكنه لا يكرر المقطع السابق حرفيًا؛ بل يغير زاوية النظر. نرى الطغيان مرةً من خلال سيزيف، ومرةً من خلال تعدد أقنعة الطغاة، ومرةً من خلال السيف والأوراق، ومرةً من خلال الحرف والقيثارة، ومرةً في هيئة مشهد جماهيري ساخر، وأخيرًا في صورة كائن فجّ يسرق ضحكة الطفل ويطفئ الأسماء.
وبذلك يتحول البناء من تسلسل قصصي إلى بناء دائري: تعود القصيدة إلى النقطة نفسها، لكنها تعود إليها محملةً في كل مرة بطبقة دلالية جديدة.
اللازمة وتحولات الدائرة
تمثل عبارة “ظلمونا” لازمة مركزية تتردد في القصيدة، لكن عودتها لا تعني ثبات دلالتها. إنها أشبه بنغمة أصلية تتولد منها تنويعات متعددة:
ظلمونا
ثم تظالمنا
ثم تبلغ الحركة درجة أشد مفارقة:
ظَلَمونا
فَتَظالَمْنا
ثُمَّ تَظَلَّمنا للظّالم كَي يُنْصِفَنا
تتأسس هذه العبارة على اشتقاق لغوي لافت: “ظلمونا، تظالمنا، تظلمنا”. فالجذر واحد، لكن تغير الصيغة الصرفية يرسم تاريخًا كاملًا من الانحدار. في البداية يمارس الآخر الظلم علينا، ثم نتبادله فيما بيننا، ثم نعود إلى مصدره طالبين منه العدل. وهكذا ينجح الطاغية في أن يصير خصمًا وحكمًا في الوقت نفسه.
ليست اللازمة، إذن، مجرد تكرار خطابي، بل جهاز معرفي يكشف مراحل استبطان القهر. وهي كذلك نبض إيقاعي يعيد القصيدة إلى مركزها كلما أوشكت الصور أن تتشعب بعيدًا. وإذا كانت الأحداث السياسية تتغير، فإن اللازمة تؤكد أن البنية العميقة ما تزال تعمل.
ويأخذ التكرار هنا صفة طقسية؛ إذ لا تتحرك القصيدة نحو خاتمة تحل الصراع، بل تعيد تمثيله. وهذا يتفق مع عالمها الذي يتحول فيه التاريخ إلى دائرة، ويغدو الإنسان محكومًا بإعادة التجربة ذاتها، وإن تغيرت الأسماء والشعارات.
سيزيف: الحجر الذي يحمله ضحاياه
يحتل سيزيف مكانة مركزية في القصيدة، لكنه لا يُستدعى بوصفه زينة ثقافية أو إحالة أسطورية جاهزة. فالشاعر يعيد تشكيل الأسطورة بحيث تصبح تعبيرًا عن التاريخ العربي والإنساني المعاصر:
حَجَرٌ يَتدحرجُ نحوَ السَّفحِ
فَنَحملهُ
وَنُسافرُ في الأفقِ الغائمْ
المفارقة الحاسمة تقع في الفعل “فنحمله”. فالحجر يتدحرج وفق منطق الأسطورة، لكن الجماعة تعود فتحمله. بذلك لا يعود العذاب مفروضًا من الآلهة وحدها، بل تشارك الضحية في استمرار دورته. وهذه الفكرة امتداد عضوي للعبارة الأولى: “ثم تظالمنا”. فالإنسان المقهور لا يحمل الحجر دائمًا لأنه يريد ذلك، وإنما لأنه أُدخل في نظام جعل حمله يبدو قدرًا أو واجبًا أو الطريق الوحيد الممكن.
ومع ذلك لا يظل سيزيف رمزًا للعبث الخارجي وحده، بل يتحول إلى مخاطَب وحليف ومرآة للذات:
وَأَنا يا سيزيفُ أحاوِلُ
أَنْ أَقرعَ جَرَسًا
أَنْ أَصنعَ مِنْ كَلِماتي فَرَسًا
أَنْ أَقتُلَ بِذْرَةَ طُغْيانٍ في جَوفي
تتدرج الأفعال من الصوت إلى اللغة إلى التطهر الداخلي: قرع الجرس، وصناعة الفرس من الكلمات، وقتل بذرة الطغيان. والفرس رمز للحركة والانعتاق، في مقابل الحجر الذي يعيد صاحبه إلى السفح. كأن الشعر يحاول تحويل الكلمة إلى طاقة مغادرة، لكن هذه المحاولة تصطدم دائمًا بالرمال والثقل والتيه.
وتبلغ المواجهة ذروتها حين يقول الشاعر:
وَأَنا يا سِيزيفُ سَأَبْحَثُ في جَوفي عَن طاغِيَةٍ
كَي أَقتُلَهُ
لكنّي
لا أعرِفُ كَيفْ
هنا ينتقل النص من الثورة على الطاغية إلى نقد قابلية الإنسان للطغيان. وهذه ليست مساواة أخلاقية سطحية بين الجلاد والضحية، بل إدراك أن البنية الاستبدادية قد تترك نموذجها مصغرًا في نفس من قاومها. والاعتراف بـ "لا أعرف كيف" يمنح الصوت الشعري صدقًا إنسانيًا؛ فهو لا يدعي امتلاك وصفة جاهزة للخلاص، وإنما يكشف صعوبة الثورة الداخلية.
النسر والطفل: الحرية حين تمتلك مخلبًا
من أكثر صور القصيدة كثافة قول الشاعر:
طِفلٌ تاهَ
فَلم يعرف دارَتَهُ
مِن مِخلبِ نَسرٍ حائمْ
تجمع صورة النسر بين دلالتين متعارضتين: التحليق والافتراس. فهو من جهة كائن الأعالي والانطلاق والرحيل، ومن جهة أخرى قوة جارحة تتجسد وحشيتها في المخلب. لذلك لا يمثل النسر عائقًا خارجيًا فحسب، بل يجمع الرغبة في الحرية والحد الذي يحول دونها.
أما الطفل فيمثل الذات في حالتها الأولى؛ ذاتًا لم تفقد شغفها بالاكتشاف، لكنها تاهت حتى لم تعد تعرف «دارتها». ولفظة «الدَّارة» هنا فصيحة وثرية الإيحاء؛ فهي لا تحيل إلى البيت وحده، بل يمكن أن توحي بالمجال المحيط وبالدائرة الآمنة وبالموضع الذي تنتظم فيه علاقة الإنسان بعالمه.
وتكمن مأساة الصورة في أن رمز الانطلاق نفسه يحمل أداة القبض. فالذات تنجذب إلى العلو، لكنها ترى المخلب في الكائن الذي يجسد حلمها. وهكذا تصبح الحرية مشوبة بالخوف، ويغدو الرحيل خلاصًا محتملًا وتهديدًا في آن.
وتتصل هذه الصورة بمنظومة مكانية ممتدة في القصيدة: الحجر والسفح والجب والرمال تقابلها الغيوم والأفق والنسر والعنقاء والشمس. ثمة صراع دائم بين الأعلى والأسفل؛ بين توق الروح إلى التحليق وقوى التاريخ التي تعيدها إلى الجب أو السفح.
الروح الأورفية والإيقاع الفيثاغورسي
يمكن قراءة التكرار في القصيدة في ضوء الحساسية الأورفية التي ترى الشعر فعلًا طقسيًا واتصالًا بين الروح ونظام الكون. فالتكرار هنا لا يؤدي وظيفة زخرفية، ولا يقتصر على تثبيت عبارة سياسية، بل يحاكي الإيقاعات الكونية الدورية: السقوط والصعود، والموت والانبعاث، والظهور والاختفاء، والغروب والعودة.
وقد اقترنت الأورفية تاريخيًا بتصورات روحية عن تطهر النفس ودورات وجودها، بينما منح الفكر الفيثاغورسي العدد والنغم والتناسب منزلةً كونية؛ إذ لا تكون الموسيقى مجرد صوت جميل، بل انعكاسًا لنظام أعمق تنتظم به الموجودات. ومن هذه الزاوية يصبح الإيقاع في القصيدة طريقةً في التفكير، لا قالبًا خارجيًا للقول.
فالقصيدة تعود إلى عباراتها وصورها كما تعود الظواهر الكونية في دوراتها. الحجر يسقط ليُحمل، والطاغية يموت ليعود كالعنقاء، والشمس توشك أن تغرب، والإنسان يسقط في الجب ثم يطلب قبسًا من النور، والجماعة تنتهي إلى “دائرة صماء”، والشارع يعيد تهجئة الأبجدية:
ألفٌ باءٌ تاءٌ ثاءْ
تبدو الأبجدية هنا بدايةً بعد خراب؛ عودةً إلى العناصر الأولى للغة كي يعاد تأسيس العالم. لكنها قد تكون أيضًا عودةً إلى النقطة الصفر، بما يجعلها معلقة بين احتمال البعث وخطر التكرار.
ومن ثم يمكن التمييز بين نوعين من الإيقاع داخل القصيدة: إيقاع الطغيان الذي يعيد القهر، وإيقاع الشعر الذي يحاول اختراق تلك الإعادة وتحويلها إلى وعي. في هذا السياق تكتسب عبارة:
أَنْ أَقرعَ جَرَسًا
دلالة تتجاوز الصوت المادي. فالجرس إعلان وإنذار واستدعاء للروح؛ إنه محاولة لمقاومة نظام الطغيان بإيقاع مضاد. وكذلك تتحول الكلمات إلى “فرس”، أي إن اللغة لا تكتفي بتسمية الأسر، بل تحاول أن تصبح وسيلةً لتجاوزه.
أما سيزيف، فعلى الرغم من أنه ليس رمزًا أورفيًا بالمعنى الدقيق، فإنه يدخل في حوار خصب مع البنية الأورفية. سيزيف يمثل التكرار العقابي المغلق، بينما تحمل الروح الأورفية احتمال التطهر والعبور والانبعاث. ومن التوتر بينهما يتولد سؤال القصيدة: هل نحن محكومون بإعادة الحجر إلى الأبد، أم يمكن تحويل التكرار نفسه إلى معرفة تقود إلى الخلاص؟
أقنعة الطاغية وتعدد أشكاله
تقدم القصيدة سلسلة من صور الطاغية، ولا تسمح له بأن يستقر في شكل واحد:
طاغِيَةٌ حُلوُ الشَّكلِ
وَآخرُ يَزحفُ مِثلَ الأَفعى خَلفَ رِحالِكْ
طاغِيَةٌ مِنْ صَوتِكَ يَنْسِجُ أغنِيَةً
والآخرُ يَعوي في أَذيالِكْ
طاغِيَةٌ يَتَجَدَّدُ مِثلَ العَنقاءِ
وَيَصنَعُ خِرقَتَهُ مِنْ أَسمالِكْ
تؤكد هذه الصور قدرة الطغيان على التنكر. فقد يأتي جميل الشكل أو زاحفًا كالأفعى، وقد يسرق صوت الضحية ليصنع منه أغنيته، وقد يعيد إنتاج نفسه من بقايا ضحاياه. إن الطاغية لا يكتفي بمصادرة الجسد، بل يصادر الصوت والرمز والذاكرة، ثم يقدمها بوصفها ملكًا له.
وتبلغ المفارقة ذروتها في قوله:
طاغِيَةٌ يَتَقَرَّبُ للرَبِّ بِقَتلِكَ
تكشف العبارة التحالف بين العنف والمقدس حين يُختطف الدين ليصبح أداة تبرير. فالقتل لا يُرتكب هنا على الرغم من التدين المزيف، بل يُقدم بوصفه قربانًا. وهذا وجه آخر للطقس الفاسد: تحويل الضحية إلى أضحية، والجريمة إلى عبادة، والطاغية إلى حارس مزعوم للحقيقة.
ولا ينجو الفن نفسه من الاختطاف:
طاغِيَةٌ يَسكُنُ في الحَرفِ
وَيَصنَعُ مِنْ وَتَرِ القيثارَةِ سَوطًا
يَلسَعُ حوريّات الماءْ
هذه من الصور المركزية في القصيدة؛ لأن الطغيان ينتقل فيها من السلطة المباشرة إلى اللغة والجمال. فالحرف الذي يفترض أن يحمل المعرفة قد يسكنه الطاغية، ووتر القيثارة الذي خُلق للموسيقى يمكن أن يتحول إلى سوط. بذلك يتضح أن المعركة ليست بين الصمت والكلام فقط، بل بين كلام يحرر وكلام يقمع، وبين فن يعيد الروح وفن يزين السوط.
المعرفة الأولى وخيانة الطريق
يقول الشاعر:
لكنّي
حينَ خَبِرتُ طريقًا كَذّابًا
يَتَوارى في ثَوبِ وَقارٍ
وَعَبيرٍ ناعمْ
جَرَّبتُ المَعرفةَ الأولى
فَرَمتني في شوكِ الخَيبَةِ
والأُفق القاتمْ
لا يأتي التضليل في هيئة قبح واضح، بل يتخفى في الوقار والعطر. وهذه سمة أساسية في تصور القصيدة للطغيان: الشر الفعال لا يعلن نفسه دائمًا، بل يستخدم مفردات الجمال والحكمة والخلاص. فالطريق “كذاب” لكنه يرتدي ثوب الوقار.
أما “المعرفة الأولى” فتدل على تجربة انكشاف مؤلمة. فالمعرفة لا تمنح صاحبها طمأنينة، بل تقذفه في شوك الخيبة. ويمكن فهمها بوصفها معرفة سقوط البراءة؛ اللحظة التي يكتشف فيها الطفل أو الشاعر أن الكلمات المهيبة قد تخفي العنف، وأن الطريق الذي وعد بالخلاص قد يقود إلى القاتم.
يتكرر هذا المعنى في قول الشاعر:
ظَلمونا
حينَ قَرأْنا الأَوراقَ
وَلَمْ نَقرأْ حَدَّ السَّيفْ
تقيم الصورة مقابلة بين ظاهر السلطة المكتوب وقوتها الفعلية. فقد قرأ الناس الأوراق: القوانين والوعود والمواثيق والخطب، لكنهم لم يقرأوا السيف الكامن خلفها. وعبارة “قراءة حد السيف” تنقل القراءة من العين إلى الجسد؛ فثمة نص رسمي معلن، وثمة نص حقيقي تكتبه القوة على أجساد الناس.
المشهد المسرحي: الطاغية والكاهن والجمهور
يتحول جزء من القصيدة إلى مشهد شبه مسرحي يظهر فيه الطاغية متحدثًا عن نفسه:
أَنا صَوتُ الرِّيحِ
وَحُنجَرَةُ البُلبُلِ إِن غَرَّدَ يَومًا
وَأَنا النَّسغُ السّاري في الزَّيتونِ
يعتمد خطابه على الاستحواذ الرمزي؛ فهو ينسب إلى نفسه الريح والبلبل والزيتون، أي إنه لا يكتفي بحكم الوطن، بل يدعي أنه الوطن والطبيعة والحياة. ثم يطلب النجدة حين توشك شمسه أن تغرب، فينهض قائد البلهاء هاتفًا:
أَفديكَ بِنَفسي وَعُيوني
تكمن السخرية في التناقض بين تفاهة الطاغية وضخامة الأسطورة التي يصنعها حول نفسه، وبين هشاشته واستعداد أتباعه للتضحية من أجله. ويسهم التشبيه “كالثور الهائج” في نزع البطولة عن التابع؛ إذ يحول اندفاعه إلى طاقة عمياء.
أما الكاهن فيقترب من التابوت ويهذرب حتى يمل القوم. وهنا تتكشف المؤسسة الخطابية التي تحرس الطغيان: طاغية يصنع أسطورته، وكاهن يمدها بالتبرير، وجمهور يصمت خوفًا أو يملّ الحكاية وينشغل بالبرد والحر. فاستمرار الاستبداد لا يقوم على قوة الحاكم وحدها، بل على شبكة من الخوف والتقديس واللامبالاة.
والتابوت الحجري يختزل مفارقة النظام كله: سلطة ميتة أو آيلة إلى الموت، لكنها تظل ثقيلة الحضور، ويستمر الأتباع في إقامة الطقس حولها.
الجسد المشوَّه وبلاغة الاشمئزاز
في المقطع الأخير تبلغ اللغة درجة عالية من العنف الحسي:
وَأَتى الفاجِرُ مُبْتَلًّا بِدَمٍ كَذِبٍ
ثم:
يَسرقُ مِنْ طِفلٍ ضِحْكَتَهُ
وَيَلوكُ عِظامًا عَجفاءْ
ويقول:
تَتَبَوَّلُ عَيناهُ بَراغيثًا شاحِبَةً
تَمتَصُّ الصَّمْتَ
وَتَنْفُثُهُ في وَجهِ الكَلِماتِ لِتَنْطَفِئَ الأَسماءْ
لا تسعى هذه الصور إلى الجمال بالمفهوم المألوف، بل إلى إنتاج الاشمئزاز. إنها بلاغة تشويه تقابل تشويه الطغيان للإنسان والعالم. والصورة الأخيرة خصوصًا تتعمد خرق العلاقات المنطقية بين أعضاء الجسد وأفعالها؛ فالعين تتبول، والبول يتحول إلى براغيث، والبراغيث تمتص الصمت ثم تنفثه. هذا التشابك الكابوسي يجعل جسد الطاغية مصنعًا للتلوث والمحو.
ومع ذلك تظل الصورة محسوبة على منطقة عالية المخاطرة؛ إذ قد ينشغل بعض القراء بغرابتها عن وظيفتها الدلالية. غير أن سياقها السريالي يمنحها مبررًا فنيًا: فالطغيان الذي قلب نظام القيم لا يمكن تمثيله دائمًا بصورة متوازنة؛ بل يحتاج أحيانًا إلى صورة ينقلب فيها نظام الجسد واللغة معًا.
والغاية النهائية لهذه البراغيث هي أن “تنطفئ الأسماء”. وإطفاء الاسم يعني محو الهوية والذاكرة والقدرة على النداء. فالطاغية لا يريد إسكات الكلمات وحدها، بل يريد إبطال الصلة بين الكلمات وأصحابها.
اللغة والإيقاع والقوافي المرحلية
تنتمي القصيدة إلى شعر التفعيلة أو الإيقاع الحر بمعناه الواسع، وتعتمد في موسيقاها على التوازي والتكرار والتدوير وتجاور الجمل القصيرة أكثر من اعتمادها على انتظام بيت خليلي تقليدي. وتؤدي القوافي المرحلية دورًا واضحًا في تشكيل وحدات النص؛ ففي مقطع تتوالى كلمات مثل:
الظالمْ، نائمْ، الغائمْ، الدائمْ، حائمْ، ناعمْ، القاتمْ
وفي مقطع آخر:
حالكْ، هالكْ، رحالكْ، أذيالكْ، أسمالكْ، أحوالكْ، أوصالكْ، رمالكْ
ثم تنتقل القصيدة إلى:
السيفْ، الحيفْ، ضيفْ، الصيفْ، كيفْ
وبذلك يكتسب كل مشهد مجاله الصوتي الخاص، بينما تحافظ اللازمة على وحدة القصيدة العامة. والقافية هنا لا تغلق البيت بقدر ما تولد موجات نغمية متتابعة، تتوافق مع فكرة الطقس والدوران.
وتبرز كذلك بنية التعداد:
أَنْ أَقرعَ جَرَسًا
أَنْ أَصنعَ مِنْ كَلِماتي فَرَسًا
أَنْ أَقتُلَ بِذْرَةَ طُغْيانٍ في جَوفي
وكذلك:
نَقَبوا في الصَّوتِ
وَفي المَوتِ
وَفي الحَمَأِ المَسنونِ
فالتوازي النحوي يحول العبارة إلى إنشاد، ويمنح المعنى قوة تراكمية. كما تؤدي الأفعال دورًا بارزًا في تحريك النص: ظلموا، تظالمنا، سقطنا، يزحف، يعوي، ينسج، يقتل، يزرع، يطعن، يلسع، يسرق، يلوك. إنه عالم لا تهدأ فيه الحركة، لكنها حركة غالبًا ما تعود إلى النقطة نفسها.
أما المعجم فيجمع بين السياسي والأسطوري والديني والطبيعي. نجد الطاغية والظلم والسيف واللغم إلى جانب سيزيف والعنقاء وحوريات الماء، ونجد الرب والكاهن والحمأ المسنون إلى جانب الغيم والورد والزيتون والقيثارة. هذا التداخل يوسع مجال القصيدة؛ فالاستبداد لا يظهر مشكلة سياسية محدودة، بل قوةً تخترق الميثولوجيا والمقدس والطبيعة والفن.
ثنائيات القصيدة
يتأسس العالم الشعري على سلسلة من الثنائيات المتوترة:
• الظالم والمظلوم.
• النور والظلماء.
• الورق والسيف.
• الجرس والصمت.
• القيثارة والسوط.
• الطفل والطاغية.
• التحليق والمخلب.
• الحجر والفرس.
• الورد واللغم.
• الموت والعنقاء.
• الماضي والحاضر.
• الداخل والخارج.
لكن القصيدة لا تبقي هذه الأضداد منفصلة؛ بل تكشف انزلاق أحدها إلى الآخر. فالمظلوم قد يحمل بذرة الظالم، والقيثارة قد تتحول إلى سوط، والطاغية قد يصنع أغنيته من صوت ضحيته، والنسر الذي يمثل التحليق يحمل مخلب الافتراس. هذه التحولات هي مصدر القلق الجمالي في النص؛ إذ لا يعود الخير آمنًا في صورته، ولا الشر مكشوفًا دائمًا.
ومن أبرز هذه الثنائيات الحجر والفرس. الحجر هو ثقل الماضي والتكرار القسري، أما الفرس فهو الحركة التي يريد الشاعر صنعها من الكلمات. وبينهما تقع وظيفة الشعر: هل يظل وصفًا للحجر، أم يستطيع أن يتحول إلى وسيلة للانطلاق؟
الذات الفردية والجماعة
تتحرك الضمائر بين «نحن» و«أنا». يبدأ النص بالجماعة:
ظلمونا
ثم تظالمنا
ثم تظهر الذات:
وأنا يا سيزيف دموعي
وتعود الجماعة في مشاهد الخوف والاستجداء، ثم تنفرد الذات بمحاولة قتل الطاغية الكامن في داخلها. هذا الانتقال ليس عارضًا؛ فمشكلة الطغيان جماعية، لكن مواجهتها تبدأ من اعتراف فردي. والجماعة في القصيدة ليست كتلة بطولية مثالية، بل هي خائفة ومتواطئة ومخدوعة ومسلوبة، ومع ذلك تحتفظ بإمكان الوعي.
والشاعر لا يضع نفسه فوق الجماعة؛ إذ يقول "تظالمنا" ولا يقول “تظالموا”، ويبحث عن الطاغية في جوفه. هذه المشاركة تمنح الخطاب قيمة أخلاقية؛ فالقصيدة لا تعظ الآخرين من موقع الطهارة، بل تعترف بأن المتكلم جزء من الدائرة التي يحاول كسرها.
الأمل بوصفه طيفًا هشًا
تغلب على القصيدة العتمة، لكن الأمل لا يختفي تمامًا. إنه يظهر في صور صغيرة وهشة: قبس النور، الجرس، الفرس المصنوع من الكلمات، الورد، الشمع، طيف الرجاء، والشمس. غير أن النص لا يمنح أيًّا منها انتصارًا مكتملًا.
يقول الشاعر:
وَلَعلّي يا سيزيفُ أَموتُ هُنا
يَكفي ما أَتَجَرَّعُ مِن سَفَهٍ
وَأَنا أَبحثُ عَن طَيفِ رَجاءْ
إنه لا يبحث عن الرجاء نفسه، بل عن طيفه؛ أي عن أثر بعيد يكاد يغيب. ومع ذلك فإن استمرار البحث مقاومة في ذاته. وكذلك الأسئلة المتتابعة:
هَلْ يَخْفُتُ هذا الحُزْنُ
وَيَمضي في الأفْقِ لِكي يَتَوارى فينا؟!
لا تقدم جوابًا، لكنها تمنع اليأس من أن يتحول إلى يقين مغلق. فالسؤال يحتفظ بإمكان لم يتحقق بعد.
ويبرز الشارع في النهاية بوصفه ذاكرة بديلة:
لكنَّ الشّارعَ يَبْقى يَحكي
ألفٌ باءٌ تاءٌ ثاءْ
مهما حاول الطاغية إطفاء الأسماء، يبقى الشارع قادرًا على الحكاية وإعادة تعلم اللغة. وقد تكون هذه الأبجدية إعلانًا عن بداية جديدة، لكنها بداية مهددة؛ لأن الجميع يعودون أذلاء مخدوعين إلى «دائرة صماء». ولذلك تبقى النهاية معلقة بين استئناف الكلام وإعادة إنتاج القهر.
الصورة الشعرية والرمز
تملك القصيدة طاقة تصويرية وفكرية كبيرة، وهي لا تعتمد على فكرة واحدة سهلة، بل تنسج شبكة من الرموز والأساطير والثنائيات. ومن أبرز عناصر قوتها:
أولًا، اللازمة الاشتقاقية “ظلمونا/تظالمنا/تظلمنا”، وهي خلاصة لغوية نادرة الكثافة لمسار الاستبداد داخل المجتمع.
ثانيًا، تحويل سيزيف من رمز فردي للعبث إلى شريك في تجربة جماعية وتاريخية.
ثالثًا، شجاعة القصيدة في البحث عن الطاغية داخل الذات، بما يمنعها من الوقوع في خطاب البراءة المطلقة.
رابعًا، تعدد أقنعة الطغيان، ولا سيما اختطافه للدين والفن واللغة وصوت الضحية.
خامسًا، البناء الطقسي الذي يجعل التكرار جزءًا من الرؤية، لا مجرد وسيلة للتوكيد.
سادسًا، القدرة على الانتقال بين الغنائية والمشهد المسرحي والسخرية والكابوس السريالي.
وقد يشعر قارئ لا ينتبه إلى الأساس الطقسي بشيء من الاستطالة نتيجة تكرار الدلالات والصور. إلا أن المعيار الأنسب ليس مقدار التكرار في ذاته، بل مقدار التحول الذي يطرأ على الدلالة عند كل عودة. والقصيدة تحقق هذا التحول في مواضع كثيرة: فالظلم ينتقل من الخارج إلى الداخل، وسيزيف ينتقل من حامل للحجر إلى مخاطَب في عملية التطهر، والطاغية ينتقل من شخص إلى بنية تسكن الحرف والجوف.
ومع ذلك يمكن القول إن بعض الصور أشد ضرورة من غيرها، وإن كثافة المجازات قد تجعل بعض اللحظات تتنافس بدل أن تتضافر. وهذه ليست دعوة إلى تجريد القصيدة من فيضها، بل إلى الانتباه إلى أن النص الطقسي نفسه يحتاج إلى توزيع درجات الشدة، حتى تبقى الذرى الكبرى مثل - “تظلمنا للظالم كي ينصفنا”، و”طاغية يسكن في الحرف”، و”سأبحث في جوفي عن طاغية” - واضحة الأثر في ذاكرة القارئ.
خاتمة: الشعر إيقاعٌ مضاد للطغيان
"مشاهد من طقوس الطغيان" ليست مجرد قصيدة في هجاء المستبد، بل محاولة لفهم الكيفية التي يتحول بها الاستبداد إلى طقس اجتماعي ونفسي ولغوي. فالطاغية فيها لا يجلس على كرسي الحكم فقط؛ إنه يسكن الحرف، ويتخفى في الوقار، ويستولي على الأغنية، ويحوّل القيثارة إلى سوط، ويطلب من ضحيته أن تنقذه، ثم يزرع صورته في جوفها.
وفي مقابل هذا الانتشار يقيم الشاعر طقسه الخاص. يكرر العبارة كي يكشف الدائرة، ويستحضر سيزيف كي يمنح العذاب اسمًا، ويقرع الجرس كي يوقظ الوعي، ويحاول أن يصنع من كلماته فرسًا. وإذا كان الطغيان يفرض على الوجود إيقاع السقوط والإعادة، فإن الشعر يسعى إلى إنتاج إيقاع مضاد: إيقاع المعرفة والتطهر واستعادة الاسم.
لهذا تبدو القصيدة، في أعمق مستوياتها، صراعًا بين طقسين: طقس السلطة الذي يحول البشر إلى أتباع وأضاحٍ، وطقس الشعر الذي يحاول إعادة الروح إلى الإنسان وإعادة المعنى إلى الكلمات. وبين الحجر والفرس، وبين المخلب والجناح، وبين السوط والقيثارة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الإنسان أن يكسر دائرة الطغيان، أم أنه سيظل يحمل الحجر الذي تدحرج نحو السفح؟
لا تقدم القصيدة جوابًا مطمئنًا، لكنها تحقق الخطوة الأولى والأكثر ضرورة: تجعل الدائرة مرئية، وتكشف أن الطاغية الأخطر ليس ذلك الذي يقف أمامنا فحسب، بل ذلك الذي ينجح، بعد طول القهر، في أن يتكلم من داخلنا.
يمكن قراءة القصيدة على موقع الديوان على الرابط التالي
https://www.aldiwan.net/poem161383.html






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- نسيان اللغة الثانية بسبب الخرف يؤثر علي رعاية المسنين
- ندى يافي: -في فرنسا تعرضت اللغة العربية للتشويه ووصفت بأنها ...
- مصر.. تامر حسني يعلن وفاة والده الفنان المعتزل حسني شريف
- كارول سماحة تطلق كليب -يا حظي-.. وتدخل عصر الذكاء الاصطناعي ...
- كيجي.. عمارة خشبية صُنعت بالفأس واشتهرت ببنائها -من دون مسام ...
- الناطور ينفي والخاني يطالب بتوضيحات.. جدل في الوسط الفني الس ...
- متحف الإرميتاج يحصل على حماية قانونية لاسمه كعلامة تجارية مش ...
- الموت يفجع الفنان تامر حسني
- حين يتحول الخشب إلى حياة.. منحوتات ستيبان إرزيا في معرض تريت ...
- فيلم -الأوديسة-.. هذا هو موقع تصوير الملحمة السينمائية في اس ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الورّاق الجزائري - حين يسكن الطاغية في الحرف: الطقس الأورفي ودائرة الاستبداد في -مشاهد من طقوس الطغيان-