نورالدين حنيف
الحوار المتمدن-العدد: 8783 - 2026 / 7 / 31 - 00:09
المحور:
الادب والفن
ناولَ المريدُ شيخَه قدحَ الماءِ ، طلبًا للرّواء و سدًّا لعطشةٍ فرضتْ ذاتَها بعد تناولِ وجبةٍ دسمةٍ من طعام الكسكس. ترنّحتْ كفّ الشيخ فانفلتَ القدحُ من قبضته و تهشّمَ أرْضا... و في ردّةِ فعلٍ سرِيعةٍ نبس الشيخُ قائِلًا: أعوذُ بالله من الشيْطانِ الرّجيم. وفي ردّ فعلٍ أسرعَ منْ ومضة، و دون تفكير، ردّ المُريدُ:
- و ما دخْلُ الشيْطانِ في هذه النازِلة يا شيخَنا؟
استغربَ الشيخُ لهذا الردّ. و لم يتوقّعْهُ من جليسه البتّة. و هو المطمئنّ إلى حصيلةِ تعليمه و توجيهه و إرشاده أنّها انغرستْ في قلوب مريديه و عقولهم.
- كيفَ تسأل هذا السؤال يا ولدي؟
- و لِمَ لا أسأل؟
- لأن البداهةَ تقول ذلك.
- لا يا شيخي... البداهةُ لا منطق لها. البداهةُ تسليمٌ قامَ على العجز و القبول الخاوي و كذا على شَلِّ حركية العقل. و حضرتكم قد علّمْتُمونا أن نشكّ لبلوغِ اليقين.
سُقِطَ في يدِ الشيخ، و حاول صرفَ الحوارِ إلى منطقةٍ أخرى حتّى لا يستفحل ويجرّ الحالَ إلى المحال.
في الضّفّة الهيولانيّة الأخرى من المجلس، قال الشيطان لخليلته: أسمعي يا خليلتي إلى هؤلاء. و بربِّكِ، هل تدخّلتُ في النازلة؟ هل عاكستُ كفَّ الشيخ كي يسقط القدحُ من تحكّمه؟ هل مارستُ إلهاءً كبيرًا أو صغيرًا على سمْتِهِ حتى يحشرَني في هذا الأمر.
قالتْ: أشهدُ أنكَ إبّانَ حدوثِ النّازلة كنتَ تغطّ في قيلولتك غطًّا سادِرا، و كنتَ تشخرُ شخيرًا هادِرا...
ضحك الشيْطان حتّى بدتْ نواجدُهُ، ثمّ استلْقى على ظهرهِ في نشوةِ المظلوم الّذي ظهرتْ براءته.
شطّب المريدُ أشلاء القدح من البلاطِ، و جمعها في كيسٍ مرصودٍ للقمامة. ثم التفت إلى شيخه و قال:
- افرِض يا شيْخي أن توقيتَ سقوط القدح من كفّك هو توقيتُ نومِ الشيطان؟
- و هل اليشطانُ ينام؟
- نعم... ينام...
- و ما دليلك؟
- دليلي من القرآن.
- هات ما عندك.
- النوم حالةٌ ناقصةٌ. و الشيطان ناقص.
- لم تُفْحِمني.
- الله سبحانَه و تعالى، هو الوحيد الّذي لا تأخذه سنةٌ و لا نوم. و بقية الخلق يعتريها الكلل والتعب و العياء فتطلب النوم صفةً لاصقةً بنقصانِها.
سمعَ الشيطانُ مقالة المريد، ابتسم في وجه خليلتِه ثم قال: علينا أن نرصدَ لهذا الشابِّ مزيدا من الرقابة. إنه خطر عليْنا.
ردّتْ بأن العكسَ هو الصحيح. لأنه طاقةٌ تكسّرُ المسلّمات. و نحن نقيم في التفاصيل. فلندعهُ يمارِس بعض الهدمِ في غيرِ شعورٍ أو إرادة، عسى أن تنبثق من تفاصيلِنا في روْعِهِ خدعةٌ أو خدعتان، نرعاها و نرويها و ننشرها كأنّها اليقين المقيمُ في رفرفة الفراشة.
انبرى الشابُّ مدفوعًا برغبة عارمة في اجتناء المعرفة. قال:
- أسألكم يا شيخنا. لِم في وصفِنا للشيطان نصفه دائما بالبشاعة و القبح..؟
- ردّ الشيخُ: لأنّ البداهةَ قالتْ ذلك.
- و هل للبداهةِ سلطان على العقل؟
- و ما بديلك أيّها الشابّ المشاكس؟
- بديلي هو أن الشيطانَ جميلٌ و وسيم.
- على أيّ بنيانٍ أسّسْتَ قناعتَك؟
- قد أثبتْنا الآن في نازلة سقوط القدح أن الشيطان برئ. أليس كذلك يا سيّدي؟
- بلى...
- إذن فكل برئٍ هو جميل.
- هل تقصدُ جمالَ المظهر؟
- طبعًا لا يا شيخي. أقصد جمال المخبر.
- هل جُنِنْتَ و كل الأدلّة النصية و العقلية تقول بخبث الشيطان.
- نعم يا شيخي. و لكنني أقصد بجمال الشيطانِ و وَسامتِهِ إخلاصهُ لمشروعه الأزلي والتاريخي.
- أيّ مشروع يا هذا؟
- مشروع الغَواية.
- كيف؟
- ألم نقرأ في كتاب الله العزيز قوله (قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ . قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ . إِلَىٰ يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ .قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)؟
- بلى... قرأنا و استوعبنا و حسمْنا... فما مكمنُ الجدّة و الفرادة في هذا؟
- الشيطانُ جميلٌ و وسيمٌ لأنه قرّر و أخلص المضيّ في القرار بخلاف البشر الذين يغلب عليهم الإخلاءُ بالقرار و التخلّي و التراجع و الخيبة و ما شابه. الشيطانُ برئٌ و وسيمٌ و صادق، لأنه أقسم أن يبلغ بمهمّته في الغَواية مبلغَ التنفيد في دقّةٍ متناهية. و ما أحوجنا أن نتعلّم منه هذه القوة في التنظير وفي التظهير.
بدا على الشيخِ بعضُ الارتباك نتيجةَ جرأة المريد. و قرّر في روعهِ أنْ يحسمَ النقاشَ بطريقةٍ قيصريّةٍ، و لكنّه لم يجرؤ على الفعل تقديرًا لصورةِ المعلّمِ المتجرّدِ في تعليمه، و المخلص في أهدافه وغاياته، و إيمانِه أن أول شرطٍ من شروطِ المَشْيَخَة ألّا يتكاثَر الشيخُ عبر استنساخِ ذاتِه في مُريديه، و أن يعلّمهم دونَ نيةِ قهرِهم كي يتبنّوا ما اعتقده في التفكير، اللهم في الاعتقاد، فهو مسألةٌ مركزيةٌ تقوم على التوحيدِ... و هو خطٌّ أحمر.
سايرَ الشيخُ مريدَه لا لجبْرِ خاطر، و إنما لإحساسٍ فيه تولّدَ ، و قام على أن يجتنِيَ من النهرِ ما ليس في البحر.
انبرى المريد سائِلًا و هو في غمرةِ الحماسِ المطوِي في صدرهِ منذ زمن:
- لِمَ يا شيخنا عندما نصف الشيطان نصفُهُ بقرْنيْن و ذيلٍ وأظلاف، وأظافر مثل المخالب...؟
- لأنّه كذلك، و هذه التفاصيل تعبير مناسبٌ لصورةِ الغوايةِ فيه و مناسبٌ للشرّ الكامِنِ فيه...
- لا يا سيدي... هذه الصورةُ نمطيّةٌ لا علاقة للشيْطانِ بها، وإنّما بنتْها و أسّستْها و روّجتْ لها ذاكِرَتُنا الغارفَةُ من وجدانِنا الجمعي الّذي حاصر هذا الكائن في هذه الدائرة الضيقة، و أورَثهَا للأجيالِ حتى ترسّبتْ فينا ترسّبًا منحها مصداقية الحضور و أعطاها صفةَ الإطلاقية و ثبّتْناها برغبتِنا الكسولة في تجسيدِ الشيْطان تجسيدًا خرافيًّا لاعلاقةَ له بالمنطق و بسيرورة هذا المخلوق و صيرورته.
- فكيف يا ولدي الحاذِق في الفهم و العلم يكون هذا الشيطان وما صفاتُه و خصائصه و شكله و باطنه؟
- مهلًا يا سيدي مهلا... فأنا أحاصر حديثي في تمثّلاتِنا المغلوطة فقط. فلا قيمةَ للشيطانِ بالقرنيْنِ و الذيل والمخالب و الأظلاف.
- كيف ذلك؟
- إنّ هذه الصورة النمطية غريبة و فاشلة لأنها لا تقومُ على حقيقة، و إنما تقوم على وهم. زِدْ على ذلك أن وظيفةَ الشيطانِ الإغوائية تفرِضُ عليه أن يتقدّم للمغرَّرِ بهم في صورةٍ وسيمةٍ و جميلةٍ للتمكّنِ منهم. فهو إن بدا على الشكل النمطيّ المعهود فسيكشف بعضَ أوراقِه و سيدفع المغرّر بهم إلى الاحتياط منه. و سيفضحُ خطّته كلّما تجلّى بقرنيْن و ذيلٍ و مخالب و أظلاف...
- ما هذا التخريجُ الغريب لصورةِ الشيْطان؟
- أنا أجتهد يا سيدي، و قد علّمتمونا أن باب الاجتهاد مفتوحٌ على مصراعيْنِ واسعيْن لآفاقَ أوسع...
- و إلى أين قادكَ اجتهادك؟...
قالَها الشيخُ و قد تحوّل من معلِّمٍ إلى متعلّمٍ يجتني بعض المعرفة من هذه الحصاةِ الصغيرة. فالقول القديم (لا تحقرنّ من الأمر صغيرةً، إنّ الجبال من الحصى) هو الآن قولٌ بمصداقية واضحة. و قد أبدى اهتماما بأطروحاتِ تلميذهِ وانفتحَ عليها بعقلٍ مستقبلٍ منقّح و ناقد...
- الصورةُ العالقةُ في أذهانِنا عن الشيطان بقرنين و ذيل ومخالب و أظلاف، صورة نازحةٌ من التديّنِ المسيحيّ الّذي بنتهُ أفكار العصور الوسطى في تأويلِها لنزول الشيطانِ مغضوبًا عليه من السماء.
- هذا صحيحٌ يا بنيّ... و لكن ما قولك في الآية الكريمة الواصفة لشجرةِ الزّقّوم ( طلعُها كأنّه رؤوسُ الشّياطين)...؟
- لستُ في مقامِ المفسّر المالك لضوابط التفسير، و لكنّني من موقع الحق في قراءةِ التراث و فهمهِ في اجتهادٍ مائلٍ جدًّا إلى الخطأ منه إلى الصواب أقول إنّ الموصوف هنا هو المُبأّرُ و هو الشجرة و ليس الشيطان. و مع ذلك أقول إن القبحَ هنا مسنودٌ للمشبّهِ و للمشبّهِ به معًا. و من ثمّةَ فالشيطانُ يمتلك رأسًا بشعةً قريبةً في بشاعتِها من شجرة الزقوم. ولكن دعْنِي يا شيخي أوضحُ مسألةً هي في غاية الأهمية...
- ما المسألةُ الجديرة بالإنصات يا ولدي؟ فقد شوّقْتني للمزيد...
- تأكّدْنا يا سيدي من أن الشيطانَ قبيحُ الرأس مثل شجرة الزقوم. السؤال هنا هو: هل يستقيم المعنى داخلَ الحقيقةِ ام داخل التجلّي؟
- الحقيقةُ هي بشاعة الشيطان، و التجلّي لابد أن يكون في الجمال حتى يتسنى للشيطانِ ممارسةُ الإواء.
- هو ذا ما كنتُ أرومه. و ألهجُ بتسطيره في اجتِهادٍ منّي اجتهادًا قاصرا. لابد للشيطانِ من التجلي لضحيتهِ في صورةٍ جميلة انسجامًا مع خطّتهِ في تحقيق الكمال في الاستدراجِ والإغواء و الانتصار على المغرّرِ بهم. و الصورة تتمايز بين الحسن و القباحة بتمايز سياقات الضحية. فقد يتجلى الشيطانُ بشعًا لفلان و يتجلى جميلا لفلان و هكذا... كلٌّ حسب سياقه المفرد و المتفرّد...
- أنت تتكلّمُ يا ولدي خارج النقل.
- تمامًا يا شيخي. أتكلّم من زاية العقل مشفوعًا بتأويل النقل تأويلًا لا يشط بالمعنى القرآني بعيدًا عن الحق.
- أما زلتَ تلحّ على وسامةِ شيْطانك يا بنيّ؟
- نعم... و أزيدكم و أنتم العارفون.
- زِدْني زادك الله من توفيقه.
- في الثقافة المسيحية للعصور الوسطى، تبثَ في جدارياتِ الكنائس و خاصةً في إيطاليا ظهور الشيطان في صورة الملاكِ الأزرق السماوي. لكن هذه الصورة الملائكية تمّ التخلي عنها لاحقًا لصالح مظهر شيطاني... وفي بعضِ النصوص البابلية القديمة، ذُكرت الشياطين مُجنّحةً تطير ليلًا، و تُغوي الناس.
- و ما قيمةُ هذا التوثيق التاريخي البعيد؟
- قيمتهُ تتجلّى في الحضور الملائكي في شخص الشيطان. ومنهُ نستدعي قيمة الجمال الشيْطاني.
- أنتَ تشطّ بعيدًا يا ولدي؟
- فما قولكم يا سيدي في اختلاف علماء الإسلام في جذور الشيطان بين جذر الجنّ و جذر الملائكة.
- هذا خلافٌ محسومٌ يا أيّها الباحث المنقّب. و هو محسومٌ لصالحِ الجن الذي هو أصل الشيطان.
- و هل هذا يقوم دليلًا على أن الجنّ كانَ قبيحًا و بشعًا وبقرنيْن و ذيلٍ و مخالب و أظلاف..؟
صمتَ الشيخُ برهةً من الزمن. ثم طأطأ رأسه كأنه يبحث عن ضالّة. بعدَ ذلك قرّر أن يخرج من هذا الحرج بأقلّ الخسارات الممكنة... فَرامَ تبديل وجهة الكلام خشيةَ أن يبزّه المريدُ بزًّا إضافيًّا. و حتّى لا يفقد بعضَ سمتِهِ و هو المعلّم الّذي يُشهد له بالحكمة و العقل، أرسل الشابّ في مهمّة خارج مقرّ الزاوية، ثمّ ركنَ إلى قيلولته المعهودة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟