عزوز النتن
الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 21:26
المحور:
كتابات ساخرة
في مقاهي القاهرة القديمة وزوايا الرياض الحديثة، لم يعد الحديث بين النخب والعوام عن فقه المعاملات أو أثر النص في السلوك، بل عن "فقه المكافآت" وكواليس المسابقات الدينية. لقد تحولت مسابقات تحفيظ القرآن الكريم في مصر والسعودية اليوم من مساحات للروحانية والتدبر، إلى ما يشبه البرامج الترفيهية الكبرى والإنتاج الهوليوودي الضخم. يقف المتسابق النحيل أمام ميكروفون ذهبي، وتحت إضاءة مبهرة تتلاعب بالقلوب، وعينه ليست على السماء، بل على الشيك المليوني المنتظر في نهاية الحفل، والذي يحمله المذيع بابتسامة بلاستيكية عريضة.
الفصل التعسفي بين النص والتطبيق
لقد استفاد المواطن العربي من هذه الظاهرة بأكبر درس عملي في تاريخ البشرية حول "الفصل التعسفي" بين النص وتطبيقه في الحياة اليومية. تجد التاجر يحفظ سورة البقرة وآيات الربا والمطففين كاملة بأحكام التجويد الدقيقة، ولكنه في صباح اليوم التالي يمارس "الإخفاء الشفوي" لعيوب البضاعة عن الزبائن، ويفضل "المد المتصل" في أسعار السلع قبل مواسم الأعياد، ويطبق "المد المنفصل" في طوابير المصالح الحكومية. السخرية تكمن في أننا أمة تجيد ترتيل آيات العدل والميزان برقم الصفحة والسطر، بينما تمارس "الإدغام بغنة" لحقوق العمال والموظفين، وتدير اقتصاداتها بموازين تحتاج إلى إعادة ضبط مصنع.
ودخلت التكنولوجيا وصناعة "التريند" على خط المصاحف؛ فلم يعد المهم كم تحفظ من الأجزاء، بل "بأي مقام تغني". أصبح المتسابقون يدرسون مقامي الصبا والنهاوند والبياتي ليحركوا مشاعر لجنة التحكيم، وتحول الترتيل إلى "أوبرا دينية" تدر ملايين الإعلانات للقنوات الفضائية. أما الرعاة الرسميون، فهم شركات احتكارية كبرى تغسل سمعتها التجارية برعاية ليلة القدر؛ يوزعون المصاحف الفاخرة بيد، ويرفعون الأسعار باليد الأخرى. والنتيجة؟ جيل يعرف مخارج الحروف بدقة متناهية، لكنه يخطئ في مخرج الطوارئ عند أول اختبار أخلاقي في الشارع أو الوظيفة.
سيكولوجية المشاهد: البكاء بـ "الريموت كُنترول"
المستفيد الأكبر من هذه المهرجانات الدينية هو "المشاهد العربي" الجالس على أريكته، ممسكاً بجهاز التحكم عن بُعد بيمينه، وكوب الشاي المحلّى بـ "سكر السوق السوداء" بيساره. لقد طوّر هذا المشاهد عقلية فريدة تتأرجح بين "الخشوع اللحظي" و"الانفصال التام عن الواقع" بمجرد انتهاء الفاصل الإعلاني. يتعامل المشاهد مع هذه المسابقات كنوع من "غسيل الذنوب الافتراضي"؛ تراه يتابع الشاب الموهوب فتنهمر دموعه بغزارة، ويصيح: "الله.. فتح الله عليك يا بني!". هذه الدموع ليست تأثراً بالمعنى، بل هي آلية دفاع نفسية مريحة يشعر بعدها أنه أدى قسطه الروحي تجاه العقيدة ونال صك الغفران وهو مستلقٍ تحت التكييف.
المفارقة الساخرة تبدأ فور إعلان اسم الفائز وتوزيع الجوائز. هنا، تتحول عقلية المشاهد فوراً من "الروحانيات" إلى "الرياضيات والغل"؛ يمسك الآلة الحاسبة ويبدأ في حساب قيمة الجائزة بالعملة المحلية: "يا بخت أمه.. أخذ ثلاثة ملايين ريال! يعني كم بالجنيه؟ هذا يشتري بهم شقتين وخمسة فدادين!". وفي لمح البصر، يختفي الخشوع ليحل محله "الحسد الشرعي"، ويمر شريط الإعلانات الذي يعرض "كومباوندات" الأثرياء، فيتحسر على حظه، ويلعن الغلاء، ثم يصرخ في وجه ابنه الصغير النائم بجواره: "قم يا فاشل ذاكر، بدلاً من جلستك هذه التي لن تأتي لنا بمليم واحد!". المشاهد هنا لا يريد من القرآن منهجاً يمنعه من إلقاء القمامة من النافذة؛ هو يريده "جرعة تخدير" تريحه من عذاب الضمير، وعرضاً ممتعاً يثبت له أن أمته ما زالت "بخير" طالما أن هناك أطفالاً يحفظون الكلمات، حتى لو كان الكبار يضيعون الأمانات.
خلف كواليس اللجنة: شيوخ الـ "VIP" والمقاولات الروحية
خلف كواليس لجان التحكيم، يختفي فجأة الوقار التلفزيوني ليحل محله منطق "المقاولات الروحية". الشيوخ الأجلاء، الذين تظهر على وجوههم علامات الخشوع التام أمام الكاميرات، يتحولون خلف الستار إلى خبراء في "الهندسة الصوتية" وتقييم الأداء وكأنهم في استوديو تسجيل موسيقي. تجدهم يتناولون الشاي بالنعناع ويتبادلون النكات حول قفشات المتسابقين: "أرأيت كيف خرج من مقام الصبا ودخل في البياتي دون إحماء؟"، أو "هذا الولد صوته جميل لكن مخارج حروفه تحتاج إلى سمكرة!".
والأزمة الحقيقية خلف الكواليس هي صراع "البرستيج" والمخصصات المالية؛ فكل شيخ في اللجنة يدرك تماماً أن ظهوره في مسابقة مليونية يرفع من أسهمه في سوق الفتاوى والبرامج الفضائية. لذلك، تشتعل المشادات الخفية حول من يجلس في المقعد الأوسط، ومن يحصل على وقت أطول للتعليق وإظهار علمه أمام الملايين. يوزعون درجات الخشوع بناءً على جودة الفندق المقيمين فيه، فكلما زادت نجوم الفندق، اتسعت صدورهم لتمديد أحكام التجويد والتغاضي عن بعض الأخطاء اللغوية الصغيرة.
مصير الفائزين: من السجادة الحمراء إلى طوابير النسيان
أما المتسابق الفائز، فمصيره هو الملهاة الأكبر في هذه الكرنفالات السنوية. في ليلة الختام، يُعامل كبطل قومي؛ يُحمل على الأعناق، وتُفتح له أبواب القصور، ويلتقط الصور التذكارية مع المسؤولين وهو يحمل شيكاً عملاقاً من الكرتون يضم أرقاماً فلكية. يُخيل للطفل، أو الشاب، أنه امتلك الدنيا والآخرة معاً بفضل حنجرته الذهبية.
لكن، بمجرد أن تنطفئ أضواء الاستوديو ويبدأ العمال في تفكيك الديكورات، يبدأ مفعول "السحر" في الزوال. يعود الفائز إلى قريته أو حيه الشعبي ليجد أن الشيك الكرتوني قد صُرف بالفعل، وأن نصفه ذهب لتسديد ديون العائلة والنصف الآخر التهمه التضخم. تتركه وسائل الإعلام فوراً لتبحث عن "تريند" جديد، أو فضيحة لفنانة صاعدة، أو لاعب كرة قدم تشاجر مع مدربه. ينتهي الحال ببطل الأمة السابق وقد تحول إلى "قارئ مآتم" محلي في القرى، أو موظف أرشيف في وزارة الأوقاف براتب لا يكفي ثمن مواصلاته. يمر عليه الناس في الشارع دون أن يتذكره أحد، فيكتشف متأخراً أن المجتمع الذي بكى خلف الشاشات عندما سمع تلاوته، هو نفسه المجتمع الذي يرفض توظيفه أو تزويجه لأنه "لا يملك وظيفة حكومية ثابتة تؤمن مستقبله". لقد استخدموه كـ "ديكور" لموسم ديني ناجح، ثم أعادوه إلى الرف ليغبره النسيان، حتى موعد المسابقة القادمة.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟