أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسيل عبدالامير خضير - قصة قصيرة بعنوان لو لم














المزيد.....

قصة قصيرة بعنوان لو لم


اسيل عبدالامير خضير

الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 08:26
المحور: الادب والفن
    


لو لم

الفصل الأول

كانت الساعة تشير إلى ثانية بعد منتصف الليل توقفت سيارة عند زقاقٍ ضيق ونزل عادل يحمل حقيبته بثقل وارهاق وما إن ابتعد عن السيارة حتى لفح البرد جسده فأحس به يتسلل إلى أعماقه حتى بلغ عظامه، إذ لم يكن يرتدي سوى قميصٍ فضفاضٍ مزخرفٍ بورودٍ خفيفة، وبنطال جينز
رفع عينيه لتعتادا على الظلام الحالك الذي يغمر الزقاق. ومن بعيد، تسللت إلى أنفه رائحة الباقلاء (الباجلة)، فانحنى والتقط حقيبته من الأرض، ثم همَّ بالسير حتى وصل أمام أحد المنازل. كان بابه مصنوعًا من خشبٍ عتيق، فتأمله طويلًا، ثم أشاح بنظره وهو يلمح مؤخرة السيارة تختفي مبتعدة في آخر الشارع
أطلق تنهيدةً عميقة، وقال مخاطبًا نفسه:
ـ لو لم أنزل...!
طرق الباب، ففتح له شابٌ صغير، واستقبله بحفاوةٍ ولهفة؛ تارةً يقبله، وتارةً يضمه إلى صدره بقوة
مرت أعوام على عودة عادل إلى الوطن. حاول خلالها أن يبدأ حياةً جديدة، فتنقل بين أكثر من عمل، وكان يظن في كل مرة أنه وجد الطريق المناسب. لكن شيئًا واحدًا ظل يطارده؛ فما إن يتخذ قرارًا حتى يبدأ بمراجعته، ثم يندم عليه، حتى غدا الندم رفيقه الدائم، واستقر أخيرًا في محلٍ لبيع اللحوم... أو هكذا كان يعتقد.

*الفصل الثاني*

افتتح عادل محلًا لبيع اللحوم بعد مرور وقتٍ على قدومه من السفر واستقراره في الوطن.
كان جالسًا على كرسيه المعتاد، يمعن النظر في كل قطعة لحمٍ معلقة، متنقلًا ببصره من واحدةٍ إلى أخرى. ارتسمت على ملامحه ابتسامة غريبة، وكأنه يتأمل جسد حبيبته وهو يتفحص كل جزءٍ منه
وإذا بامرأتين تدخلان، فقطعتا عليه خلوته. ألقتا التحية، فرد ببرود، بينما ثبت نظره على إحداهما. لم يرَ من قبل امرأةً بهذا الجمال والدلال
طلبت منه أن يقطع لها نصف كيلو من اللحم الشرح، ففعل، وهو يسترق النظر إليها بين الحين والآخر
وفجأة وقعت عيناه على حركةٍ خفية من المرأة الأخرى، إذ مالت نحو صديقتها وهمست:
لنخرج... قلت لكِ إنه يحدق بك.
لكن الأخرى لم تعر صديقتها اهتمامًا، واستلمت اللحم، ودفعت ثمنه بابتسامة، ثم انصرفت
خرج عادل خلفها دون أن يشعر، كطفلٍ يودع أمه. سار بضع خطوات، ثم توقف. همَّ أن يناديها، لكنه تراجع. ظل يتابعها بعينيه حتى اختفت في آخر الشارع
تنهد بأسف، وضرب كفًا بكف، وقال بصوتٍ خافت:
لو لم أخرج خلفها...
وفي تلك اللحظة خرج صاحب المحل المقابل، وكان يمسح سكينه بقطعة قماش، ثم نظر إليه مبتسمًا وقال:
ماذا يا عادل؟ هل ندمت لأنك تركت المحل، أم لأنك لم تلحق بها؟ يبدو أن الندم يسبقك إلى كل مكان
رفع عادل يده بإشارةٍ تدل على أن كلامه لا يعنيه، ثم عاد إلى داخل المحل، لكنه لم يجلس هذه المرة، بل أخذ ينظر إلى الميزان، ثم إلى الباب، ثم تمتم:
سأغلق المحل... لا أدري لماذا أشعر أنني أخطأت حتى اليوم الذي فتحته فيه.

الفصل الثالث والأخير

جلس الأب يوبخ عادل أمام الجميع، وهو يطالبه بمراجعة طبيبٍ نفسي.
قال الأب بحزم:يا بني، لم يعد وضعك يسر أحدًا.
انتفض عادل من مكانه، وقال بصوتٍ مرتفع: أنا لا أعاني من شيء، كل ما في الأمر...
لكن والده قاطعه، وشاركه إخوته وأخواته الجالسون حوله قائلين بصوتٍ واحد:
إنك تعاني من الندم... بعد كل شيء تفعله!
عاد عادل إلى الجلوس، وأخذ يتصفح وجوه الجميع. كانت الابتسامات ترتسم على ملامحهم، يحاولون جاهدين كبتها، حتى احمر وجه أحد إخوته من شدة الضحك
أنزل عادل رأسه، ونظر إلى الأرض، ثم قال بهدوء: أين الخطأ؟ لا أفهم ما بكم.
نهض والده، وأمسك بكم قميصه، وقال: تعال، سأعددها لك، ولتخبرني بعدها إن كنت ترى نفسك طبيعيًا
ساد الصمت في الغرفة
قال الأب:يوم عدت إلى العراق، وقبل أن تتحرك السيارة، قلت: "لو لم أنزل"
ثم أكمل وهو يشير إليه بإصبعه: وبعدها عملت في بيع الخضروات. وما إن تبيع شيئًا حتى تركض خلف الزبون تسترجعه، لأنك ندمت على بيعه. استمر الحال حتى اضطررت إلى ترك العمل
وتابع: ثم ندمت على تركه، فعملت في بيع الأقمشة، ثم ندمت على الأقمشة، فانتقلت إلى بيع اللحوم. وحتى اليوم، لا يمر موقف إلا وتندم عليه، حتى ظن الناس أنك لا تعرف اتخاذ قرار واحد دون أن تحاكم نفسك بعده.
وأضاف أحد إخوته مبتسمًا: واليوم خرجت خلف امرأة لا تعرفها، ثم عدت نادمًا لأنك خرجت، وربما لو كلمتها لندمت لأنك كلمتها!
انخفض رأس عادل قليلًا، ثم رفعه، ونظر إلى والده قائلًا بثبات
أنا لست مريضًا... هذه مشاعر موجودة داخل كل واحد منكم، لكنكم تخفونها، أما أنا فلا أكبتها، بل أعلنها فقط
ساد الصمت
تبادل الجميع النظرات، ولم يجد أحد ما يقوله
أما عادل، فأخذ ينظر إلى وجوههم واحدًا تلو الآخر، ثم ابتسم ابتسامةً باهتة وقال بصوتٍ خافت وربما... سأندم بعد قليل لأنني قلت هذا أيضًا
لم يضحك أحد هذه المرة
واكتفى الأب بالنظر إلى ابنه طويلًا، وكأنه يحاول لأول مرة أن يفهمه، لا أن يحاكمه

... الكاتبة اسيل عبدالامير



#اسيل_عبدالامير_خضير (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة بعنوان لو لم
- العراق.... حين تسلب النساء حقوقهن ويخذلهن القانون


المزيد.....




- -حذر زواره وأصدر مرسوما جديدا-.. لماذا أعلن ترمب الحرب على ا ...
- ألمانيا.. مديرة مهرجان -بايرويت للموسيقى- تحذر من الانزلاق ن ...
- الموت يُغيّب فيلسوف الموسيقى العراقية فاروق هلال
- بيت المدى يستذكر شاعر القصة وراهب المسرح جليل القيسي
- حين يحرر التلفزيون كلام السلطة.. صراع الرواية الرسمية في إير ...
- رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري ...
- متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري ...
- فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي ...
- الرواية... السلاح الآخر للاستعمار
- نقابة الفنانين في لبنان تدين إلغاء حفل محمد إسكندر بسوريا: ن ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - اسيل عبدالامير خضير - قصة قصيرة بعنوان لو لم