أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - زهير الزهراني - تهافت الإسقاط السوسيولوجي: لماذا يخطئ من يصف رئيس أمريكا ب -البدوي-؟














المزيد.....

تهافت الإسقاط السوسيولوجي: لماذا يخطئ من يصف رئيس أمريكا ب -البدوي-؟


زهير الزهراني

الحوار المتمدن-العدد: 8777 - 2026 / 7 / 25 - 19:11
المحور: كتابات ساخرة
    


أثار مشهد السجال بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وصحفي جريدة "النيويورك تايمز" حول قصف محطات الطاقة والجسور موجة من القراءات التحليلية. وذهب بعض المحللين إلى استدعاء إرث المفكر العراقي الراحل علي الوردي، مسقطين مفهوم "ثقافة البداوة" وقيم الغلبة مثل "من عزّ بزّ" و*"النهاب الوهاب"* على سلوك الرئاسة الأمريكية، ليعلنوا تمدد البداوة السلوكية إلى قلب البيت الأبيض.
لكن هذا الإسقاط السوسيولوجي، رغم جاذبيته البلاغية، يعاني من تهافت بنيوي ويخلط بين العصبية البدائية كنمط اجتماعي، وبين البراغماتية الإستراتيجية للدول الكبرى والشعبوية الحديثة، وذلك بناءً على الحقائق التالية:
1. إستراتيجية عسكرية لا عصبية قبائلية
إن قصف البنية التحتية، والجسور، ومحطات الطاقة في الصراعات الدولية، ليس نابعاً من "شهوة البدوي للنهب والسيطرة". بل هو جزء من العقيدة العسكرية الغربية الكلاسيكية القائمة على "الإنهاك الإستراتيجي" وقطع خطوط الإمداد.
الدول الحديثة المدنية اعتمدت شل قدرات الخصم كأداة لإجباره على التفاوض. وصف هذا السلوك بـ"البدوي" يمنح إستراتيجيات القوى العظمى صبغة عاطفية بدائية، متغافلاً عن أنها قرارات تحسبها غرف العمليات الحديثة ومراكز الأبحاث بلغة الأرقام والمصالح الفوقية، لا بلغة "الغزو والقبيلة".
2. الشعبوية المعاصرة ليست بداوة
الهجوم اللفظي لترامب على صحفي "النيويورك تايمز" ووصفها بـ"الفاشلة" هو تكتيك سياسي مدروس ينتمي إلى "الشعبوية المعاصرة" (Modern Populism) وليس إلى "أنفة البدوي".
في العلوم السياسية الحديثة، يعتمد القائد الشعبوي على ضرب وسيط المعرفة (الإعلام المدني) لإيجاد رابط مباشر وصهر القاعدة الجماهيرية معه. البدوي في أدبيات الوردي يفتخر بالبطش صراحة، بينما السياسي الشعبوي الحديث يعيد تأطير الهجوم كـ "دفاع عن مصالح الأمة" وضمن منطق "أمريكا أولاً".
3. المؤسسات المدنية ما زالت تحكم
يقوم جوهر الأطروحة السوسيولوجية لعلي الوردي على صراع "البداوة والحضارة" في مجتمعات تمزقها العصبية وتغيب عنها المؤسسات. أما الولايات المتحدة، فمهما بلغت حدة خطاب رئيسها أو عدوانيته، تظل محكومة بـ منظومة مؤسساتية صصلبة تشمل الدستور، الكونغرس، وموازنات القوى.
الرئيس الأمريكي لا يملك سلطة "الشيخ المطلق"؛ إذ يخضع للمساءلة القانونية، وتتحرك ضده المحاكم، وتعارضه وسائل الإعلام بكل حرية. هذا الفارق الجوهري يمنع تماماً إسقاط مفهوم "حكم البداوة" على دولة تحركها البيروقراطية والمؤسسات القانونية، حتى وإن بدا رأس سلطتها التنفيذية حاد الطباع.
4. إغفال سياق الردع السياسي
إن تجاهل الرئيس للسؤال حول "جرائم الحرب" وتحويله إلى هجوم على المؤسسة الإعلامية، هو مناورة سياسية مألوفة في الإعلام الغربي (Deflection). فالسياسة الخارجية الأمريكية لطالما وضعت "الأمن القومي والردع العسكري" فوق اعتبارات القانون الدولي. هذا السلوك هو نتاج لـ "الواقعية السياسية" (Realpolitik) التي تحكم العلاقات الدولية، حيث البقاء للأقوى، وهي فلسفة صيغت في صالونات أوروبا المدنية (مثل أفكار ماكيافيلي وهوبز) وليس في خيام البادية.
خلاصة
إن محاولة "شيطنة" السلوك السياسي لترامب عبر وصفه بـ"البدوي" تعكس تسرعاً في إسقاط المفاهيم السوسيولوجية الإقليمية على ظواهر عالمية مختلفة تماماً. ما يشهده العالم اليوم ليس "توسعاً لثقافة البدو"، بل هو أزمة الحداثة الغربية نفسها، وصعود لخطاب القوة المصلحية والشعبوية الإعلامية في عصر ما بعد الحقيقة. أمريكا تُحكم اليوم بعقلية رأسمالية، إستراتيجية، وشعبوية بالغة الحداثة، والبحث عن تفسير سلوكها في كتب السوسيولوجيا التقليدية هو هروب من فهم آليات القوة المعاصرة.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الشريعة الإسلامية براء من استعراضات التنكيل ومقاصدها الستر ل ...


المزيد.....




- رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري ...
- متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري ...
- فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي ...
- الرواية... السلاح الآخر للاستعمار
- نقابة الفنانين في لبنان تدين إلغاء حفل محمد إسكندر بسوريا: ن ...
- -لمواجهة التدمير الإسرائيلي-.. اليونسكو تدرج آثار صور وجبل ع ...
- -تسليطٌ للضوء على المخيمات الفلسطينية-.. انطلاق مهرجان جرش ف ...
- رحيل -موثق الهوية الجزائرية- المخرج السينمائي محمد الأمين مر ...
- مهرجان فينيسيا السينمائي الـ83: حضور فلسطيني وعربي لافت وتكر ...
- مترجم إيطالي: اللغة العربية تُعلّم التواضع والمثابرة


المزيد.....

- مقامات وقف السرسرية / د. خالد زغريت
- مدينة فاضلة بالطرة رذيلة بالنقش / د. خالد زغريت
- في الطريق إلى الهفا / د. خالد زغريت
- وحطوا رأس الوطن بالخرج / د. خالد زغريت
- قلق أممي من الباطرش الحموي / د. خالد زغريت
- الضحك من لحى الزمان / د. خالد زغريت
- لو كانت الكرافات حمراء / د. خالد زغريت
- سهرة على كأس متة مع المهاتما غاندي وعنزته / د. خالد زغريت
- رسائل سياسية على قياس قبقاب ستي خدوج / د. خالد زغريت
- صديقي الذي صار عنزة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - زهير الزهراني - تهافت الإسقاط السوسيولوجي: لماذا يخطئ من يصف رئيس أمريكا ب -البدوي-؟