أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر عبد الحر - توقيت آخر للحياة لبشرى الهلالي... نشوة الكتابة المحلّقة في فضاء الروح















المزيد.....

توقيت آخر للحياة لبشرى الهلالي... نشوة الكتابة المحلّقة في فضاء الروح


منذر عبد الحر

الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 15:36
المحور: الادب والفن
    


توقيت آخر للحياة لبشرى الهلالي...
نشوة الكتابة المحلّقة في فضاء الروح
1
حين يفصح الكاتب في مستهلّ نصّه، عن غاية كتابته أو مدى جدواها في الم صاخب مضطرب، فهو – الكاتب- يعطي مفاتيح الكتابة بالقصديّة والوعي العالي لمسار نصّه. هذا ما فعلته الكاتبة بشرى الهلالي وهي تدخل فضاء روايتها "توقيت آخر للحياة" لمسار يبدأ من مقطع حواريّ حاد يبدو إطارًا لرحلتها المثيرة في بلاد غريبة.
"السيدات والسادة المسافرون، نرجو الجلوس في مقاعدكم، وربط الأحزمة استعدادا للإقلاع .....
السيدات والسادة المسافرون، نرجو الجلوس في مقاعدكم، وربط الأحزمة استعدادا ل"...
"الفرق بين لحظة الإقلاع ولحظة الهبوط في رحلة جوية يشبه الدهشة لحظة بداية أيّ فعل، والسكون لحظة نهايته. إنها اللذة الممزوجة باللهفة والترقّب، والنشوة التي تشعل الجسد لتخمد حرائقه مع انتهاء الفعل. هذا تماما ما أشعر به، الآن وأنا أستمتع بتلك القشعريرة التي تسري في جسدي لحظة ملامسة عجلات الطائرة لأرض المطار. "
تنطلق الرواية من نسج فضاء خاصّ يحمل رؤىً وأفكارًا وتأمّلات، أنشأت منها الهلالي حكاياتٍ تتفرّع من الخيط السردي المتصاعد من لحظة إقلاع الطائرة حتى النهاية المدهشة التي أعطت للعمل إطارًا فنيًّا عالي المهارة لأنه أجاب على الكثير من الأسئلة التي ظلّلت معلّقة طيلة الرحلة المثيرة التي بدأتها "ملك" مع "نجوى" رفيقة المصادفة في رحلة التدريب في أوغندا باعتبارهما موفدتين من مؤسسة إعلامية كبيرة، كما جاء في الرواية.
شغف الاكتشاف، وفضول الصحفي، والتوق للمغامرة ميّزت شخصية البطلة ملك، التي خرجت من أزمة عاطفيّة ونفسيّة تركت في روحها آثارًا عميقة، لذلك وجدت في هذه الرحلة ملاذًا للتغيير وفسحة للحريّة التي سعت للبحث عنها بعيدًا عن مجتمع تعرّض لمحن وأزمات وصلت ذروتها في التظاهرات التي شهدتها البلاد وأنتجت استقالة رئيس الوزراء بعد أن راح ضحيّة هذه التظاهرات شباب أبرياء.
لستُ هنا بصدد شرح تفاصيل الرواية، لأن مثل هذا الشرح يفسد متعتها ويكشف أسرارها التي حرصت الكاتبة على تنظيم إيقاع كشفها بأسلوب حرفيّ عالٍ وأداء متقن وإدارة متمكنة للشخوص والأحداث. وكذلك بثّ الأفكار بشجاعة وجرأة من النادر أن نجد نظيرًا لها بين الكاتبات العربيّات بسبب الكوابح الاجتماعية والسياسية. لذلك تعدّ بشرى الهلالي من المبدعات اللائي لم يقفن عند حدود الخشية من سوء الفهم أو إسقاط سلوك البطلة على شخصيّتها، وهذا أمر يحسب لها.
بنيت رواية "توقيت آخر للحياة" بأسلوب المحاور المتداخلة بإتقان، فهناك محور أزمات الوطن وما يتعرّض له وسلوك أبناء المنطقة الخضراء و"م" الذي تميّز من بين الشخصيّات الأخرى باعتماد حرف من اسمه، دلالة على التعميم الرمزي الذي سعت إليه الكاتبة ليكون دالاً على نموذج للسوء، واستغلال الآخرين ومنهم بطلة الرواية التي انتهكها. كما يشمل هذا المحور إشارات للضحايا وما تعرّض لها المطالبون بحقوقهم الشرعيّة، حيث رصدت المؤلفة حالات من داخل منطقة الاحتجاجات وعملها كصحفيّة في نقل الأحداث من خلال التواصل مع عدد من الشباب المحتجّين .
أما المحور الآخر فيتعلّق بالرفقة القسريّة لزميلتها في دورة التدريب "نجوى" التي تتناقض تماما مع شخصيّة" ملك". ومع ذلك فإنها ترتبط بها بمودّة وتتعاطف مع تحفّظاتها والتزامها الاجتماعي الرصين حتى وهي في سفرة من الممكن أن توفّر لها بعض الحريّة، لكن نجوى تحمل طقوس عائلتها وكأنهم معها.
أما المحور الثالث، الذي بدا غرائبيًّا في رصده الأول وحمل إيحاءات تشير إلى التخيّل والوهم في شخصيّة الشبح " موساكا" والعجوز الغامضة في الفندق "ديمبي" جدّة "سيا " عاملة الفندق التي تفاجئها بعبارة تحمل تأويلات عديدة وهي: "لا توقظي الموتى ستعاتبك دماؤهم"، وتاريخ أوغندا ونهاية حكم عيدي أمين عام 1979، وما تركته من تداعيات وأحداث.
أما المحور الرابع فهو شخصيّة عادل العاشق الرومانسيّ الذي يلاحق ملك ويسافر من أجلها إلى أوغندا ليرتبط بها .
2
استطاعت بشرى الهلالي في روايتها أن تلمّ بقاعدة معلومات وبيانات وأفكار بثّتها عبر المحاور التي أشرت إليها، بإقناع سرديّ متقن وبدون تكلّف ظاهر، وهذا الأمر يجعلها تنسج حكايتها بالتعامل مع الشخصيّات بدقة، وتحديد للملامح والسمات والسلوك المستند إلى أرضيّة كل شخصيّة. ف "م" تحوّل من موظف كهرباء بسيط، إلى مسؤول كبير في المنطقة الخضراء الذي لخّص طبيعة سلوكه بمانشيت لافت للنظر هو "لا تثقي بسياسيّ قط، أنا مثلك كنت طيبا، لكن في اللحظة التي وضعت فيها قدمي على ما يطلق عليه (مسرح السياسة) أصبحت قذرا"، وهذه إشارة فكريّة مكثّفة لسرّ معاناة البلد .
ومن الجدير بالإشارة إليه، أن المواقف الوطنيّة التي حملتها أحداث الرواية جاءت من خلال رصد ما يحصل بسرد مشاهد سينمائية من واقع الحدث ووصفها بدقّة متناهية، مع تعميق الإحساس بأن ما يجري يستدعي السعي للتضحية من أجل وطن يتعرّض لانتهاك سافر من قبل ساسته.
إن قدرة بشرى الهلالي على الوصف جعلت شخصياتها وأحداثها واضحة المعالم تتجسّد للقارئ بدقة متناهية.
إضافة إلى نحت بعض الجمل التي ترسّخ التصور الإنساني الذي تهدف الكاتبة لتحقيقه فعبارات مثل "نحن ضحايا جاهزون" أو "علينا أن نداوي جراحنا بأنفسنا قبل أن تلتهمنا" أو تلميحات الجدة العجوز، وتخيّل مستنقع الدم من قبل ملك، وضحايا الديكتاتوريات والحروب، وكذلك ضحايا المجتمع، هي إضمامة من رسائل إنسانيّة حملها جسد الرواية، التي تكللت بالحضور المضيء الآسر لميشيل المرأة الإفريقية، التي تحمل فصولاً من المعاناة إضافة إلى وعي عالٍ وروح إنسانيّة تتجلى نقاء وصدقاً ووجعا لا يكسرها بل يجعلها أكثر قوة ورباطة جأش وقدرة على التعامل مع الظروف، وهي التي تشعر بما تعانيه المرأة العراقية المثقفة الخارجة من جحيم البلاد والتي تعلن عن موقفها في ورشة تدريب تخصّ عمل الصحفي في التعامل مع مناطق النزاع. لقد كانت ميشيل المرأة الأوغندية القوية نافذة أمل لملك وبوّابة دافئة شجّعتها على البقاء في إفريقيا وطرق أبواب مغامرات لابدّ منها في العمل والحياة والمزيد من التجارب المثيرة ومنها السفر إلى كينيا والتعامل مع منظّمة دوليّة فيها.
3
من الهموم الإنسانية التي وسمت بها بطلة الرواية، تعاطفها مع الجدّة "الضحيّة" و "موساكا" الذي بدا في عرضه السرديّ لغزًا، وتشابه فصول القسوة مع ما تعرّضت له من قبل "م" الذي تزوّجها سرًّا، وأجهضت حملها منه وما تعرّضت له العجوز بعد أن صارت من نساء عايدي أمين الذي حملت منه وأخذ منها مولودها الذي ظلّت حتى نهاية حياتها لا تعرف عنه شيئًا، لتتعرض بعد سقوط النظام إلى حملات تعذيب واغتصاب وحشيّ .
هذا التعاطف الإنساني مع هذه النماذج المسحوقة، إضافة إلى الشجن الوطني والحنين للعائلة أبًا وأمّا وإخوة، دفعت الصحفيّة الموجوعة ملك للمزيد من التحديات والصراعات التي لم تقف عند حدود نماذج الصراع التقليديّة بل عبرتها إلى النظرة الخاصّة لمفهوم الحبّ وسلوك طرفيه، الرجل والمرأة، وما تحمله الرغبات ولحظات المتعة من دلالات ومعاني تبني المؤلفة إزاءها مواقف وأفكاراً وتأمّلات تبدو لا أقول متطرّفة بل ذات نظرة خاصّة ورؤية ذاتية عميقة، حتى مع العاشق عادل، الذي عبر القارّات من أجل أن يحقق لقاء بحبيبته التي تبادل معها رسائل وأمنيات وأحلامًا. لكنها صدمته باختيار الابتعاد عنه والانفصال النهائي وسط هالات الاستغراب التي داهمته... والحيرة التي هيمنت عليه أمام شخصيّة إشكاليّة رسمت لنفسها مسارًا خاصّا ورؤية فلسفيّة عبّرت عنها حين طلبت منها سيرتها الشخصيّة "أخبرتهم ما أعرفه عني لا عن نفسي" وهي تعبير عن عمق الذات وخصوصيّتها التي بنيت على أسس عميقة من قوّة الشخصيّة.
4
اعتمدت الكاتبة بشرى الهلالي في روايتها على عناوين فصول جزأتها وأعطت لكلّ فصل عنوانا دالاً، كما إنها حرصت على التشويق والمتعة في رصد مسار حكايتها، مع النهايات المفاجئة المثيرة لكلّ فصل تجعل المتلقي مترقّبًا لما يأتي. كما إنها جعلت روايتها ذات مستويين في التلقّي: الأول وهو الحكائي الظاهر الذي ينساب ببساطة وعفويّة، والثاني وهو الرمزي الذي يحمل إشارات معرفيّة وجماليّة تعبّر عنه مواقف الشخصيّات وسلوكيّاتها.
كما سعت الهلالي إلى إعطاء الصورة الحيّة لإفريقيا الراهنة، بعيدًا عن الصورة الذهنيّة التي يحملها كلّ منا عن هذه القارة السمراء، كما أنها رصدت مظاهرها الحضاريّة والعمرانيّة والمدنيّة.
ومن المهارات التقنية التي تميّزت بها الرواية بناء المواقف التبريرية لحرف مسار الحدث عن طبيعته. حيث تختار ملك بطلة الرواية تأجيل عودتها إلى الوطن بعد انتهاء مدة التدريب من أجل كشف السرّ الذي أرّقها وجعلها تشكّ في مصداقيّة حدوثه، بعد أن وضعت القارئ في جوّ من التخيّلات والطقوس والحركات التي تشير إلى أمر مخفيّ يستدعي فضول التعرّف عليه وكشفه، وهو العجوز التي تتوارى عن الأنظار والشبح الذي سرعان ما يختفي وكأنه كائن شبحيّ فعلاً. لذلك تمدد مدة بقائها وتتنقل من مكان إلى آخر حتى تكتشف السرّ في دوّامة من البحث والكشف والتساؤل وصولاً إلى حقيقة مبتغاة، ومعلومة لا ترغب الكاتبة في الإدلاء بها بشكل إخباريّ بارد لا إثارة فيه .
5
في الفصل الأخير الذي حمل عنوان "البداية" شعرتُ مع انسياب لغته الهادئ، والتصاعد في الأحاسيس التي قادت البطلة إلى تخوم الغابة وغموضها ودلالاتها، في عزف، شعرت أنه يتماهى مع"سد هارتا" لهيرمان هسّه، والرحلة الغريبة التي تمثّل الإجابة الكبرى على الأسئلة المتشابكة، بل السؤال الأكبر الذي يفتح باب البداية المحيّرة، والنهاية الموجعة بالسقوط بين الصخور وفقدان الوعي والحوار مع العجوز الضحيّة في رؤية هلامية صادمة، تتناغم مع الهالة الكبرى التي صارت عنوانًا دالاً ذكيّا هو " توقيت آخر للحياة".






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما يقوله التاج للهدهد للشاعر وديع شامخ - انفتاح على أفق معرف ...


المزيد.....




- 80 عاماً على تفجير فندق الملك داود: الجريمة التي هزت القدس و ...
- جسور بطرسبورغ تُرفع على أنغام الموسيقى البحرية احتفالا بيوم ...
- متحف النصر في موسكو يستضيف معرض -معركة القوقاز- في ذكراها ال ...
- ممثلة إيطالية شهيرة وابنتها تتقدمان بطلب للحصول على الجنسية ...
- وفاة الفنان المصري محمد الشرشابي
- زادونسك.. -القدس الروسية- التي ترك قديسها أثرا في عالم دوستو ...
- مدير مهرجان جرش لـCNN: المهرجان في دورته الـ40 يحتفي بجذوره ...
- ماريا فولكونسكايا.. الأم التي لم يعرفها تولستوي وخلّدها في ر ...
- عشرات الشخصيات الأردنية الوطنية والسياسية والثقافية والعشائر ...
- وفاة الممثلة الصماء كايلي هوتل بطلة سلسلة -غودزيلا- في حادث ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منذر عبد الحر - توقيت آخر للحياة لبشرى الهلالي... نشوة الكتابة المحلّقة في فضاء الروح