|
|
أقرَأُ ماركس لفهم المجتمع، وهذا يساعدني على كتابة روايات أفضل............ حوار مع الكاتب الكيني نغوغي واثيونغو عن الأدب، اللغة، والتمكين.......بقلم: بيلي كاهورا ....
قحطان المعموري
الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 10:02
المحور:
الادب والفن
بقلم: بيلي كاهورا ترجمة : قحطان المعموري نغوغي واثيونغو شخصية ودودة بشكل مدهش. فعلى الرغم من أنه كتب لأكثر من سبعة عقود، وتعرض للسجن على يد النظام الكيني الأول، ثم أُجباره على النفي من قِبل نظام آخر، وتلقيه تشخيصًا بمرض عضال، لكنه لا يُظهر شيئًا من العبوس الذي يتسم به كثير من أبناء جيله من الكتّاب. رأيته لللمرةِ الأولى في مناسبة عامة في مركز "غو داون للفنون" عام 2004، خلال حضوري فعاليّة بمناسبةِ عودتهِ الأولى إلى الوطنِ بعد غيابٍ دام 18 سنة. جرت الفعاليّة في أكثر الظروف رعبًا. حيث تعرض نغوغي وزوجته نجييري لهجوم في شققتهما في منطقة نورفولك ، من قبل مقنّعون حيث اغتصبوا زوجته، وسرقوهما، وأطفأوا سجائر مشتعلة على جبين نغوغي. تفاجأ الجميع من حضور نغوغي الفعالية بعد أيام قليلة من الحادثة. جلس أمام جمهور غالبيته من الفنانين. وقد أدهشنا اتزانه العاطفي في حديثهِ الذي كان يخلو من أي أثرٍ للمرارة. في عام 2007، قال الكاتب الراحل بينيافانغا وينينا: "إنه دليل على قوة كتابة نغوغي، وسياسته، أن يتفاعل الناس معها بهذه القوة، وبهذه الشخصية. فإذا كان كثيرون يلوّحون بألقاب الدكتوراه ضده، فلا بد أنه قوي فعلاً." وكان يقصد بـ"الدكتوراه" ما أسماه "عقلية الجذب للأسفل" في كينيا، وهي العقلية التي تخشى النجاح لدرجة أنها تسعى لتدمير من يحققه. وقد كان هذا جزءًا مما واجهه نغوغي خلال سبعة عقود من الكتابة، لكنه احتفظ بفضوله، وروحه المرحة، وصلابته الهادئة رغم كل هذه التحديات. بعد أكثر من عقدٍ من الزمن، وبينما كنا نتبادل الرسائل الإلكترونية لإجراء هذا الحوار، بقيت مندهشًا من هدوءهِ. وبعد أن أرسل إليّ رده النهائي، وجدت نفسي أُعيد قراءة كتابه الذي أحببته كثيراً، ( تويجات الدم)، وتحديدًا أحد مشاهده اللافتة ـ مشهد الحانة وصندوق الموسيقى. وفجأة تذكرت إحدى الحانات التي كنت أرتادها في شبابي في التسعينات في نيروبي تسمى "ماتيسو بيلا تشوكي"، أي "معاناة بلا حقد". لم يكن الاسم يعكس فقط حس الدعابة الكيني في وجه المحن، بل كان يعبّر أيضًا عن السياق الاجتماعي والسياسي الواسع في البلاد، السياق الذي كتب عنه نغوغي لعقود سبقت فترة شبابي. كانت "ماتيسو" مؤسسة كينية عندما كنت في العشرينات من عمري. عندها أدركت — أن ذلك المزيج من روح "ماتيسو بيلا تشوكي" وحكمة نغوغي هو ما يجعل منه ومن كتاباته تجسيدًا للكينونة الكينية، وفي الوقت ذاته عظمة تتجاوز الحدود الوطنية، وأملي كبير في أن ينعكس هذا في حوارنا. بيلي كاهورا : تمتد مسيرتك الأدبية لأكثر من ستة عقود، وقليلة هي الأشكال الأدبية التي لم تكتب فيها. في نواحٍ عديدة، يمكن تقسيم مسيرتك الطويلة إلى فترات ركّزتَ فيها على الرواية، أو المقال، ومؤخرًا، المذكرات. كيف تنظرالى هذه المسيرة المترابطة كجسد إبداعي موحّد، رغم اختلاف الشكل أو النوع، في التعامل مع قضايا مثل الإمبريالية، الاستعمار، الدولة الإفريقية/الكينية، والمواضيع المرتبطة باللغة الإفريقية؟ سواء كانت مسرحية مثل محاكمة ديدان كيماثي، أو رواية مثل تويجات الدم، أو مقالات في موضوعة العولمة، أو قصة مثل كيف يمشي الإنسان منتصبا،هل تراها مترابطة ؟ وكيف؟ نغوغي واثيونغو : المقال، سواء كان أكاديميًا أو تأمليًا؛ المذكرات باعتبارها أدبًا غير روائي إبداعي؛ والمسرحية ـ كلها تستمد من نفس التجارب ونفس النظرة إلى العالم. ومع ذلك، فأن لكل نوع أدبي خصوصيته الشكلية، أما رؤيتي للعالم فهي ما يوحّد كل هذه الأعمال. الحكاية الرمزية ( إتويكا ريامورونغارو)، تُجسّد بالفعل رؤيتي للعالم ونهجي الفني من حيث ترابط الظواهر وتداخلها. ومع ذلك، فإن عشقي الحقيقي كان دائمًا للأدب القصصي، وتحديداً الرواية، التي أتناولها دائمًا من موقع الحكّاء، وأسعى فيها قدر الإمكان إلى التجريب. في عملي الأخير ( التاسوع الكامل)، إستخدمت الشكل الملحمي، وهو نوع من السرد الشعري القصصي. كما كتبت أيضًا قدرًا لا بأس به من الشعر باللغة الكيّكويو، رغم أني عادة لا أنجذب اليه. وقد نشرت بعضًا منه في مجلة موتيري الإلكترونية، لكن معظم قصائدي ما تزال محفوظة في حاسوبي الخاص دون أن أنشرها. ولابد أن اشير الى أن صحيفة ذا ستار الكينية خصصت لي مؤخرًا صفحة كاملة كشاعر بناءً على قصيدة كتبتها مؤخرًا بالإنجليزية بعنوان( فجر الظلام)، والتي تُرجمت إلى الإسبانية، والبرتغالية البرازيلية، والتيلوغو. وظهرت في ثلاث مجلات على الأقل، مطبوعة و الكترونية, لذا ربما ينبغي لي أن أحتضن الشاعر الذي يكمن في داخلي. بيلي كاهورا : يُبدي العديد من الكُتّاب فضولًا إبداعيًا في العمل بأشكال مختلفة. كيف كان اختيارك لشكل العمل ؟ هل ترى هذا قرارًا واعيًا مرتبطًا بالمحتوى الذي تهتم به في لحظة معينة؟ وهنا أفكر مثلًا في مسرحية "محاكمة ديدان كيماثي"، (ذات المحتوى السياسي)، هل كان الفضول الإبداعي له دور في هذه الاختيارات؟ نغوغي واثيونغو: إن قرار الكتابة بالنسبة لي، في هذا النوع الأدبي أو ذاك غالبًا ما تحدده الظروف. مشاريعي المسرحية، على سبيل المثال، جاءت استجابةً للطلب . إن المسرحيات ذات الفصل الواحد والتي كتبتها في جامعة ماكيريري، مثل " الجرح في قلبي"، كانت في الغالب من أجل مسابقات أدبية ، أما المسرحية الثلاثية "الناسك الأسود" فقد جاءت احتفالاً باستقلال أوغندا.،في حين كانت مسرحية "هذا الوقت غدًا"، بتكليف من هيئة الإذاعة البريطانية. "محاكمة ديدان كيماثي"، كتبتها بالاشتراك مع ميشيري موغو، بدافع من غضب مشترك. كنا نشعر أن كيماثي وأبطال وبطلات كفاحنا يتم شطبهم من صفحات التاريخ في الأوساط السياسية الكينية. ووفرلنا المهرجان الثقافي "فيستاك 77 " فرصة لعرض الجانب الشعبي من تاريخ نضال كينيا. أما رواياتي وقصصي القصيرة فهي امتداد لحكايات الطفولة التي نشأت معها.إن اتجاهي للغة الكيكويو فتح لي آفاقًا جديدة للخيال. الكيكويو لغة موسيقية رائعة. إن ما أحبه في هذه اللغة فيها هو أنها تتيح لي اللعب بالجناس الصوتي. لقد قادني جمالها إلى الشعر لكن في نهاية المطاف، عادة ما تأتي كتابتي من التدفق الحر للخيال. وفي مكان آخر، وصفتُ الفن بأنه "حلم واعٍ" بالكلمات، أو الألوان، أو الأصوات، أو الحركة، وهذا هو ما أعمل عليه. الكتابة هي حلم واعٍ بالكلمات، بينما اليد هي من تمسك القلمَ أو تلمس لوحة مفاتيح. بيلي كاهورا : لقد شهدت العقود التي كتبتَ فيها ، الكثير من التغيرات الاجتماعية والسياسية، منها استقلال الدول الإفريقية وتطوراتها السياسية اللاحقة التي كانت ملهمة في بعض الأحيان ومثيرة للجدل في أحيان أخرى، ثم ظهور ما يُعرف بالعولمة، وجائحة كوفيد-19، والحركات العالمية مثل "حياة السود مهمة"، وحتى صعود الشعبوية في الغرب. ككاتب، ما هي السياقات السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية التي تعتقد أنها تغيّرت أكثر من غيرها بالنسبة لك من حيث نظرتك للعالم وطريقتك في مقاربة الفن؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة لدورك ككاتب؟ نغوغي واثيونغو : أعتقد أن حرب التحرير التي خاضها جنود جيش أرض وحرية كينيا (KLFA)، الذين أطلقت عليهم السلطات الاستعمارية البريطانية اسم "ماو ماو"، كانت الأكثر إلهامًا سياسيًا. لقد كانت أول تحدٍ مسلح كبير ضد الإمبريالية البريطانية. لقد كان رجال ونساء KLFA مذهلين؛ لقد تمكنوا حتى من تصنيع الأسلحة في مصانع متنقلة في الجبال وأخرى تحت الأرض في المدن. كما أنشأوا موسيقى ما تزال ألحانها مؤثرة ومفعمة بالحياة حتى اليوم. يمكن القول إنهم هم من كسروا ظهر الإمبراطورية البريطانية. لقد عشت تلك المرحلة بكل أحلامي، ومن هنا جاء عنوان مذكراتي عن الطفولة: أحلام في زمن الحرب. في مذكراتي مولد ناسج الأحلام، تحدثت عن اكتشافي لفكرة السواد. لقد زرع KLFA تلك البذور. كما أن اكتشافي للفوارق الطبقية الاجتماعية كان مهمًا جدًا بالنسبة لي ككاتب. السواد يجب أن يُفهم في جميع أبعاده: الاقتصادية، السياسية، الثقافية والنفسية. في ملحمتي التاسوع الكامل، تلعب النساء الدور المحوري. التغيير الذي أتوق لرؤيته حقًا هو تمكين النساء السود العاملات اقتصاديًا وسياسيًا وثقافيًا. أو بمعنى آخر: تحرر وتمكين المرأة السوداء العاملة يعني تمكين جميع الكادحين. فالنظام الأبوي هو أول أشكال الانقسام الطبقي، وهو الأساس لجميع الطبقات الأخرى. إذا تم تحرير العاملة السوداء، فسيتحرر الجميع. إن شخصية "نياويرا" في روايتي ساحر الغراب تسعى لتجسيد هذا الرؤية. بيلي كاهورا: اليوم وفي هذه المرحلة ، وحين تنطر إلى الوراء ، هل كانت هناك أفكار إبداعية رئيسية خطرت لك لكنها لم تكتمل؟ كأن تكون رواية/مجموعة مقالات/قصص قصيرة ، فكّرتَ فيها لكن لم يتسنّى لك إكمالها؟ نغوغي واثيونغو: لدي رواية عن شخصية تُدعى "هينيري غاتينغيري" لم أتمكّن أبدًا من تطويرها بعد لحظة استراحته وهو متكئ على شجرة. منذ عام 1983 وحتى اليوم، لم أستطع أبدًا تحريك هينيري غاتينغيري من تحت تلك الشجرة. ذات مرة، أخرجت المخطوطة من الرف محاولًا الاستئناف، لكن الجملة الأولى التي كتبتها أصبحت أول جملة في رواية ماتيغاري. لذا لا يزال غاتينغيري متجمّدًا في الزمن، على تلك الشجرة. آمل أن أعود يومًا لتحريره. كما ذكرت في ميلاد ناسج الأحلام، في بداياتي دوّنت الكثير من الأفكار التي لم ترَ النور، وبدلًا منها، استحوذت رواية لا أيها الطغل على اهتمامي. أعتقد أن أفضل رواياتي هي التي لم أكتبها بعد. كل كتاباتي حتى الآن كانت محاولة للوصول إلى تلك الرواية الحلم. بيلي كاهورا: أنا مهتم بمصادر التأثير المختلفة التي شكّلت رواياتك. لقد كتبت عن تأثير ثقافة كيكويو الشفوية، التي نشأتََ فيها، على نهجك الروائي. هل يمكنك الحديث أكثر عن كيفية التوفيق بين هذه التأثيرات، خاصة عندما تكون متضادة، مثل الأغاني والأحاجي في طفولتك من جهة، والكانون الإنجليزي الذي درسته في أليانس وماكيريري من جهة أخرى. باختصار، كيف تصف حرفيتك عندما يتعلق الأمر بكتابة الرواية؟
نغوغي واثيونغو: أحب عبارة والت ويتمان: "أنا أحوي الجُموع". الكاتب، أو لِنَقُلْ الإنسان، يحتوي على جُموع. كل هذه التأثيرات كوّنت الكاتب الذي أنا عليه. لقد كانت جلسات الحكايات في طفولتي هي الأكثر تأثيرًا واستمرارًا. قصص الكتاب المقدس، خاصة في العهد القديم، غذّتْ خيالي. وبالطبع مجموعة الأدب الإنجليزي، من شكسبير إلى تشارلز ديكنز، د. هـ. لورنس، وآر. إل. ستيفنسون. ثم جاء تأثير الأدباء الأفارقة، والكاريبيين، والأفارقة الأمريكيين. أيضًا، تأثرت بالأدب المترجم، مثل الأدب الروسي و الكتاب اليونانيين. لذا نعم، أحتوي على جموعٍ من التأثيرات. الخيال هو مرجل الساحرات لدى الكاتب. لكن لو اضطررت لاختيار كاتب واحد، فسيكون جوزيف كونراد حيث كان تأثيره واضحاً في البنية السردية في (حبّة قمح ) و (تويجات الدم) . بيلي كاهورا: سبق وأن ذكرت بأن هناك تأثير مباشر لكتاب (خطاب عن الاستعمار) لأيميه سيزيرعلى عملك، لكنك تشير أيضًا إلى "الاستعارات الماركسية" كدافع وراء عملك الإبداعي. تبدو المقاربات التقليدية للكتابة الإبداعية متحفّظة تجاه مفاهيم مجردة مثل "الصراع". هل كان من الصعب التوفيق بين هذه هذا وكيفية عمل الرواية التي تقوم على الملموس والمحدد؟ هل يمكنك أن توضح لنا كيف تناولتْ رواياتك بين "التجريدات الفكرية" وتجاربك الواقعية؟ بعض الكتاب يبدأون من الشخصيات والمكان، بينما ينطلق آخرون من فكرة موضوعية ويُسقطون عليها الشخصيات والأحداث. نغوغي واثيونغو: تحدثتُ سابقًا عن أنَ لكلِ كاتبٍ نظرة للعالم . لقد تأثرت رؤيتي للعالم تأثرًا كبيرًا بكفاح الشعب الكيني المسلح من أجل الاستقلال عن بريطانيا. هل يمكنك تخيّل فلاحين حفاة وعمالٍ يرتدون سراويل رثّة يتحدّون جبروت الإمبراطورية البريطانية؟ هذا مذهلٌ حقًا. لذا، فأن النضال هوجزءٌ بالغ الأهمية من نظرتي للعالم. صراعٌ داخلي: صراعٌ مع الطبيعة؛ صراعٌ مع الآخرين. لا حياة بدون صراع،. لقد عمّقت قراءة أعمال هيجل وماركس وإنجلز هذه النظرة. أعتقد أن على كل كاتب قراءة بعض أعمال كارل ماركس. فهو (كاتبْ الكُتْابْ) . لقد حفزتني عوامل مختلفة على كتابة أعمالي ولقد أوضحت هذا في ( ناسج الأحلام) . كان المال دافعًا في البداية لكتابة (النهر الفاصل). أما (حبّة قمح ) فقد استُلهمت من زيارتي إلى إنفرنِس، شمال أسكتلندا، وأظنني كنت أقرأ ( آنا كارنينا) لتولستوي، حيث يتجلى القطار كرمز في الرواية كلها. كتبت أول سطر منها في القطار أثناء عودتي من مدينة إنفرنِس إلى ليدز. كما تأثرت بجوزيف كونراد، وخصوصًا (تحت أنظار غربية) . أما (شيطان على الصليب) ، فجاءت كرد على سجني دون محاكمة في سجن كاميتي ، فيما كانت (ساحر الغراب ) بمثابة ردة فعل على تشخيص إصابتي بسرطان البروستات في نيوجيرسي عام 1995/1996، حيث قيل لي إن أمامي 3 أشهرفقط للعيش. عدت إلى منزلي في 52 شارع بيركلي وكتبت أول سطر، وكان من المفترض أن تكون رواية وداع ، لكنها استمرت ولم تنتهِ حيث كنت يائسًا. بدأت الرواية في أورانج، نيوجيرسي، عندما كنت أستاذًا في جامعة نيويورك، وأنهيتها في أورانج كاونتي، كاليفورنيا، كأستاذ بجامعة كاليفورنيا في إيرفاين. أما بقية أعمالي فهي كردود فعل على المنفى، ووسيلة للتواصل مع كينيا وأفريقيا. بشكل عام، ساعدني الفن على مواجهة المآسي الشخصية، بما في ذلك أن أكون على حافة الموت. خلال جائحة كورونا، كتبت قصيدة ( فجر الظلام ) بالإنجليزية، والتي أصبحت عالمية الآن. لكن المشاعر في القصيدة، وروح المقاومة، والأمل إن أردت، جاءت من صراعي الشخصي للتعافي من عملية قلب مفتوح وفشل كلوي. لقد كانت كلمات والدتي (حتى أحلك الليالي تنتهي بفجر) حاضرةُ معي، وأردت مشاركتها مع العالم. بيلي كاهورا: في روايتك (تويجات الدم) ، يشعر القارئ بتوتر خاص بين الأفكار الكبرى في العمل وأصوات شخصياتك. كيف تعاملت مع "أصوات" شخصيات قرية إلموروغ والتجريدات الفكرية لماركس، وسيزير، وغيرهما من رموز "النضال" الذين كثيرًا ما تقتبس منهم في الرواية؟ نغوغي وا ثيونغو: ماركس وسيزير ليسا تجريدات. ماركس يفتح أعيننا على كيفية عمل المجتمع وان رؤيته لآليات الرأسمالية لا تضاهى. ومن المفارقة أن من يفهمه بشكل أفضل هم الرأسماليون وأنصار النظام الرأسمالي. إنهم يعرفون أن ماركس يراهم ويكشف نظامهم؛ ولهذا يكرهونه وينفقون المال والموارد لشراء السياسيين والمثقفين لتفنيده ومقاومته. ماركس يقول لنا: إذا أردتم فهم مجتمعكم، انظروا كيف يُنتَج الثروات وتُوزَّع. انظروا إلى التداخل بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والقيم، وسترون كيف يؤثر كل ذلك على حياة الناس. ماركس يدعونا لأن نفتح أعيننا وننظر حولنا. وينطبق ذلك إلى حد كبير على الشاعر الفرنسي إيميه سيزير، في تحليله للاستعمار، وفي شعره، وخصوصًا في قصيدته "العودة إلى الوطن الأم"، وفي كتابه خطاب عن الإستعمار. بيلي كاهورا: في سياق توجهاتك الماركسية، لديّ فضول بشأن الفترة التي قضيتها في موسكو خلال الحقبة السوفييتية في ظل الواقعية الاشتراكية. كيف أثرت تلك الفترة على أسلوبك الأدبي؟ نغوغي وا ثيونغو: أنا لا أكتب كتبًا لأشرح بها ماركس. أقرأ ماركس لفهم المجتمع، خاصةً الرأسمالية والإمبريالية، وهذا يساعدني على كتابة روايات أفضل. أظنك تشير إلى زيارتي للاتحاد السوفييتي حيث أنهيت رواية تويجات الدم (التي بدأتُ بكتابتها في شمال غرب أمريكا، وكتبت معظمها في كينيا). لم أقضِ وقتًا طويلاً في موسكو. أنهيت الرواية في منزل تشيخوف في جبال القوقاز المطلة على يالطا والبحر الأسود. راجع سردًا كاملاً لهذا في كتاب : الثقافة الاشتراكية في العالم الثالث بقلم فيجاي براشاد. أعتبر هذه الرواية، في الأقل من حيث كتابتها، عملاً يعبرعن الغرب والشرق والعالم الثالث والانقسام في الحرب الباردة، وقد احتفلنا بإتمام الرواية في يالطا. بيلي كاهورا: كتبت مطولاً عن تأثير الكانون الأوروبي أثناء وجودك في ماكيريري. هل شعرت بالغبن لعدم وجود تجارب مماثلة لخبراتك في شكل الرواية مقارنةً بنظرائك الأوروبيين الذين انطلقوا من تقليد راسخ؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف تغلبت على ذلك؟ نغوغي وا ثيونغو: تَذكّرْ أنني نشأت في تقليد حكي القصص. لكنني لا أنكر تأثير الكانون الغربي الملهم. أحب الأدب من كل لغات العالم. أحب أعمال شكسبير وتولستوي وبلزاك. كان هناك وقت كنت مهووسًا فيه بالملاحم الآيسلندية. وعندما زرت آيسلندا لاحقًا، اندهشت حين وجدت نفسي أسير في الأماكن نفسها التي ذُكرت في بعض تلك الملاحم من القرن الثاني عشر. في رواية ساحر الغراب، أشير إلى المهابهارتا وغيرها من كلاسيكيات اللغة السنسكريتية المكتوبة في حدود عام 1500 قبل الميلاد. أنا منفتح على التعلم من كل اللغات والثقافات. لقد اكتشفتُ مؤخرًا الأدب المصري القديم، والذي يجب أن يكون جزءًا من منهج الأدب في المدارس الإفريقية. لابد من الإشارة الى أن المزمور 104 في العهد القديم هو تقريبًا إعادة صياغة لإنشودة مصرية لإله الشمس آتون. بيلي كاهورا: في دليل كولومبيا لأدب شرق إفريقيا بالإنجليزية بعد 1945، يتحدث سايمون جيكاندي وإيفان موانغي عن تأثير كتابات جومو كينياتا القومية وأوغيغا أودينغا على كتّاب من جيلك في ماكيريري، حيث كان الكانون الإنجليزي مهيمنًا. كيف تغيرت كتاباتك عندما عدت إلى كينيا بعد الاستقلال؟ نغوغي وا ثيونغو: كان لكتاب جومو كينياتا ( مواجهة جبل كينيا) تأثير كبير عليّ. قرأته في مدرسة ألايانس الثانوية، وما زلت أعود إليه كثيرًا. كان هذا كينياتا في أوج عطائه الفكري. كما إن كتاب أوغيغا أودينغا ( الحرية لم تتحقق بعد) مهم أيضًا. كنت في لندن حين نُشر. استشارتني دار هاينمان بشأنه، ولم يكن لدي الكثير لأضيفه سوى إعجابي به. أعرف ما يقوله محتوى الكتاب، لكني أشعر بعدم الارتياح تجاه عبارة "الحرية لم تتحقق بعد". لا أريد للناس أن يقللوا من أهمية الاستقلال. انا أفضل صيغة ماو: تسعى الدول للاستقلال؛ تناضل الأمم للتحرر الوطني؛ وتسعى الشعوب للثورة الاجتماعية. كل مرحلة من هذه المراحل مهمة، لكن من الواضح أن الاستقلال السياسي لا معنى له بدون ثورات وطنية واجتماعية — أي بدون تمكين اقتصادي وسياسي وثقافي ونفسي للطبقة العاملة. وهذا بالضبط ما كان أودينغا يقصده في كتابه. بيلي كاهورا: إلى أي مدى كان للأعمال التي كُتبت في مستعمرة كينيا على يد كُتّاب استيطانيين إنجليز مثل إلسبيث هكسلي وكارين بليكسن تأثير على كتاباتك؟ نغوغي وا ثيونغو: ليس كثيرًا، باستثناء كونها تجسيدًا أدبيًا لما كنت أكتب ضده. إلسبيث هكسلي كانت مدافعة بالكامل عن الاستعمار الاستيطاني. أما كارين بليكسن فهي بالتأكيد الأهم بين الاثنتين. هكسلي مدفوعة بعنصرية الازدراء، بينما بليكسن مدفوعة بعنصرية المحبة. لقد تحدثت عن هاتين الكاتبتين في مذكراتي " ميلاد ناسج أحلام". بيلي كاهورا: غالبًا ما يُنظر إلى أعمالك على أنها تحمل تأثيرات واقعية وحداثية. هل ترى هذا صحيحاً؟ وهل كنت على دراية به عند الكتابة — سواء لنفسك أو ضمن سياقات أدبية تقليدية؟ نغوغي وا ثيونغو: أترك للقارئ تحديد خصائص أعمالي. لكنني أعترف بإعجابي بمجموعة واسعة من الكُتّاب الإنجليز، والاسكتلنديين، والأيرلنديين، والفرنسيين، والألمان، والهنود، والأفارقة، وغيرهم. بيتر أبراهامز، وسيبريان إيكوينسي، وتشينوا أتشيبي، وولي سوينكا؛ وكامارا لاي: قرأتُ لهم جميعًا. بيلي كاهورا: في مجموعة مقالاتك "العودة إلى الوطن" عام 1973، طالبت بـ"أغانٍ، وقصائد... وأدب يُجسد منظومة قيم تتعارض جدليًا مع تلك الخاصة بالطبقة الحاكمة من العرق والأمة المستعمِرة". في وقتنا الحاضر، حيث أصبح مفهوم السلطة أكثر تعقيدًا وعولمة، واللغتان الإنجليزية والفرنسية منتشرتان على نطاق واسع، والهياكل الرأسمالية متجذّرة لدرجة أن الرؤى العالمية الأخرى تكافح من أجل الظهور، هل ما زلتَ ترى أن لهذه الأمور دورًا ما ؟ أو، بعبارة أخرى، ما هو موقع "لغاتنا الأم" في عالم معولم جدًا حيث تنتشر فيه تقنيات الإعلام واللغات الأوروبية المهيمنة؟ وما الذي يعنيه هذا لأجيال الكتابة القادمة ونهجهم تجاه السلطة؟ نغوغي وا ثيونغو: العولمة هي حكم رأس المال على مستوى العالم. لقد أطلقت عليها اسم "الافتراس العالمي" لموارد إفريقيا والشعوب والمناطق المستعمَرة سابقًا، أو ما يُطلق عليه العالم الثالث أو العالم النامي. علينا أن نواجه هذا "الافتراس" بعالمية إنسانية. العالمية تعني الوحدة الواعية لجميع شعوب العالم العاملة. رأس المال الذي يضطهد العامل في بريطانيا هو نفسه الذي يضطهد في كينيا. الأوليغارشيات النفطية التي تدمّر البيئة في أمريكا هي نفسها التي تفعل ذلك في إفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية. الأمر نفسه ينطبق على المؤسسات المالية العالمية؛ قد تكون جذورها في الغرب، لكن أذرعها في كل مكان. تذكّر أن القوى الصناعية والنووية الرائدة مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا كانت من أكبر المتاجرين بالرقيق ومالكي العبيد. هل هذا مجرد صدفة؟ انظر كتابي "تأمين القاعدة: جعل إفريقيا مرئية في العالم". لاحظ كيف أن القوى الرأسمالية الكبرى في العالم ،هي أيضًا والى حدٍ كبيرٍالقوى اللغوية السائدة في العالم. إن النضال من أجل اللغات أمرٌ بالغ الأهمية. تذكروا أنه لا توجد لغةٌ أسمى من أخرى. إذا كنت تعرف جميع لغات العالم، ولا تعرف لغتك الأم أو لغة ثقافتك، فهذا استعباد. أما إذا كنت تعرف لغتك الأم أو لغة ثقافتك وأضفت إليها جميع لغات العالم، فهذا تمكين. كتاباي الموسومان "تفكيك إستعمار العقل" و"شيءٌ ممزقٌ وجديد" يتناولان هذه القضية بالتفصيل. يتحدث كتاب "شيءٌ ممزقٌ وجديد" عن سياسات الذاكرة، و العلاقةٌ الوثيقةٌ للغة بهيمنة الذاكرة (الجسد، المكان، الزمان، إلخ) في أي وقت. لطالما كان الاستعمار يعني، ويؤدي، إلى غرس ذاكرة المُستعمَِرْ في جسد المُستعمَرْ وعقله ومكانه .. بيلي كاهورا: كيف أثّرَعليك المنفى والبعد عن الأماكن التي كانت تشكل خلفية رواياتك الأولى؟ هل وجدت تجربة كتابة "ساحر الغراب" مختلفة عن تجاربك السابقة حين كنت تقيم في كينيا إلى حد كبير؟ نغوغي وا ثيونغو: كتبت "النهر الفاصل"، و"لا تبك ايها الطفل"، و"الناسك الأسود" في أوغندا. و"حبة قمح" في ليدز، بريطانيا. بدأت "تويجات الدم" في إلينوي، الولايات المتحدة، وكتبت معظمها في كينيا، وأكملتها في يالطا، روسيا. كتبت "شيطان على الصليب" في سجن بكينيا، و"ماتيغاري" و"ساحر الغراب" في بريطانيا والولايات المتحدة. الأعمال الوحيدة التي كتبتها وأنا مقيم كليًا في كينيا كانت المسرحيات: "سأتزوج عندما أريد" (مع نغوغي وا ميريي)، و"محاكمة ديدان كيماثي" (مع ميسيري موغو). أترقب اليوم الذي أكتب فيه رواية كاملة على تراب كينيا. ربما كانت كتابتي صراعًا للبقاء متصلًا بكينيا — قصيدة حب لشعبي الكيني. بيلي كاهورا: هل فكرت يومًا في كتابة رواية تدور أحداثها في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة حيث قضيت وقتًا طويلاً؟ نغوغي وا ثيونغو: ليس بعد. لكني أتمنى أن أفعل ذلك يومًا ما: رواية واحدة تدور أحداثها في المملكة المتحدة وأخرى في الولايات المتحدة. بيلي كاهورا: مع مرور الوقت ، حدث تغيراً كبيراً في هوية الكاتب في القارة الإفريقية.إن أغلب كُتاب جيلك نشأوا غالبًا في القرى وتلقوا تعليمهم في مدارس الإرساليات، بينما يبدو أن معظم الكُتاب الآن يعيشون في المدن وينتمون إلى خلفيات طبقية "متوسطة"، على الأقل من حيث التعليم. من منظورك الماركسي، هل ترى أن هذا التحول مهم بالنسبة للأدب الإفريقي، وللأسئلة الكبرى التي طالما طرحتها من خلال كتاباتك، خصوصًا في أعمالك مثل تجربة كاميريثو، ودور الكاتب الآن في إفريقيا؟ نغوغي وا ثيونغو: لابد من العودة إلى مسألة اللغة. لا يهم أين تلقّى الكاتب الإفريقي تعليمه أو أين يعيش. كل شخص إفريقي متعلّم عليه واجب رد الجميل للغته. إلى متى سنستمر في أخذ ما هو لغوي من لغاتنا لنُغذي به لغات المستعمرين السابقين، الذين حاولوا بكل الوسائل تدمير لغاتنا؟ انظر إلى تجربة (كاميريثو) وكيف عملنا بلغة المجتمع. لكن دعونا لا ننسى أن من دمرت (كاميريثو) هي حكومة إفريقية ، فقط لأننا عملنا بلغة إفريقية محكيّة داخل المجتمع! عقلية الإستعمار هي من أغلق المشروع وسجنتني في سجن شديد الحراسة. بالتأكيد، هناك قلق مشروع بشأن وحدة الدول. لكن، دعونا نتذكّر أن ما يخلق التوتر والاستياء هو النظر الى اللغات من منظور هرمي. ما نحتاج إليه هو آليات للحوار بين اللغات الإفريقية. الترجمة هي واحدة من هذه الآليات. يمكننا حتى استخدام اللغة الإنجليزية كجسر. ولكن يجب أن نستخدمها للتمكين وليس للتعطيل. في الوقت الحالي، تُمكِّن الإنجليزية التواصل بين المجتمعات اللغوية الإفريقية المختلفة عن طريق تعطيل صلة المثقفين بلغاتهم الأصلية. بيلي كاهورا: ما هي الروايات التي قرأتها في العام الماضي؟ هل تقرأ الروايات الإفريقية الحديثة؟ وما هي أوجه التشابه والاختلاف في الشكل الروائي مقارنة بما كنت تكتبه في الستينيات والسبعينيات؟ نغوغي وا ثيونغو: بصراحة أقول، كان من الصعب عليّ مواكبة هذا الكم الهائل من الإنتاج، وهذا بحد ذاته تعليق على كثرة الكُتّاب والكتب في أنحاء القارة. لكن لابد من الإعراب عن إعجابي بكاتبتين هما: تشيماماندا نغوزي أديتشي وناموالي سيربل. رواية أديتشي "نصف شمس صفراء" هي رواية يجب أن يقرأها كل كاتب. ثم هناك العمل المبهر "الانجراف القديم" لسيربل. من بين العناوين الأخرى التي لفتت إنتباهي ، رواية "رقصة الجاكاراندا" للكاتب بيتر كيماني. أعترف أنني مولعٌ بهذا العمل تحديدًا، فقد كنتُ أحد القراء والمشرفين الخارجيين عليه عندما كان في مرحلة إعداد أطروحته. كما أنني فخورٌ جدًا بأعمال أبنائي الأربعة المنشورة: تي نغوجي (مواسم الحب واليأس)، وندوكو وا نغوجي (جرائم المدينة)، وموكوما وا نغوجي (حرارة نيروبي)، ووانجيكو وا نغوجي (سقوط القديسين). نحن عائلةٌ من المتنافسين الأدبيين. أصغرهما، مومبي نغوجي وتيونغو نغوجي، فهما يطرقان الباب ويكادان يفتحانه بالقوة. لكنني أتطلع معهما ومع جميع الكُتّاب الآخرين من القارة إلى اليوم الذي يكتشفون فيه تلك القوة السحرية للغات الأفريقية ويتواصلون معها. أود أيضًا أن أحيي مجلتين أدبيتين: (كواني) و(جالادا)، وكلاهما من إبداعات الشباب. لقد كنتما جزءًا من ثورة كواني الأدبية. بيلي كاهورا: لقد شهد الإنتاج الأدبي أيضًا تغيرًا كبيراً، فالمؤسسات التي كنت جزءًا منها مثل قسم الأدب بجامعة نيروبي والصفحات الثقافية في جريدة "ذا نيشن" لم تعد مركزاً للنقاش الأدبي. اليوم، تدورأغلب النقاشات على "تويتر" ومنصات الكُتّاب. فيما يتعلق بإنتاج الروايات الكينية من قبل الكُتّاب المحليين بين عامي 2004 و2019، تم إنتاج حوالي 170 رواية غريبة كما تم تجميعها في مجلة أدب الكومنولث. من بين هذه الروايات، لا يصل عدد الروايات الخيالية إلى 100. بالمقارنة مع المراجع السنوية المماثلة بين نفس الفترة الزمنية من عام 1968 إلى عام 1978، انخفض عدد الروايات "الأدبية" المنشورة في كينيا كثيراً، وهو أمر مفاجئ وبعيد عن التوقعات . إلى جانب ذلك، أودُّ الإشارة إلى أن العديد من أشهر الكُتّاب الأفارقة عالميًا - من ناموالي سربيل إلى هيلون هابيلا إلى مازا منجيستي - يعيشون ويعملون خارج أفريقيا. لا أقول إنه لا توجد أعمال تُنتج في القارة، ولكن أدب "الرواية الأفريقية" أخذ يتراجع تدريجيًا من دور النشر المحلية. ما رأيك في هذا، خاصةً عند مقارنته بالإمكانيات الأدبية في عصرك؟ نغوغي وا ثيونغو: بالنسبة لي، الانقسام الكبير هو بين كُتاب إفريقيين يكتبون بلغات أوروبية (Europhone) وكُتاب يكتبون بلغات إفريقية. والحديث هنا ليس عن الجودة. لقد أنتج الأدب الإفريقي باللغات الأوروبية أعمالًا عبقرية كثيرة. لكن ما أريده هو أن أرى هذه العبقرية تستكشف الإمكانيات الكامنة في اللغات الإفريقية. هذه اللغات هي التي تحتاجنا، وليس اللغات الأوروبية. بيلي كاهورا: ما رأيك في وسائل التواصل الاجتماعي، التي أصبحت اليوم مساحة مهمة للنقاش السياسي والاجتماعي؟ وماذا تعني لك ككاتب؟ نغوغي وا ثيونغو: هي جزء من حياتنا. لقد مكّنت التكنولوجيا وسائل التواصل الاجتماعي من الازدهار. أقول: يجب علينا استغلالها. سمعت أن ناموالي سيربل تكتب رواية عبر تويتر. أتطلع لقراءتها. لكن، مرة أخرى، أود أن نستخدم هذه التقنيات لخدمة اللغات الإفريقية. انظر إلى الأثر العالمي لمحاربين لغويين شباب مثل: كولا توبوسون من نيجيريا، مونياو كيلولو من كينيا، وبوبكر بوريس ديوب من السنغال. أريد أن أرى المزيد منهم في القارة. بيلي كاهورا: مع وفاة الرئيس الكيني السابق دانيال آراب موي ، يبدو أن جدلاً واسعاً قد ثار حول كيفية تخليد ذكراه. كان الموقف الرسمي للحكومة الكينية هو الاحتفاء به كرجل دولة مخضرم. كما وصفته شخصيات إعلامية مرموقة في الصحف الكينية والمجتمع المدني والكينيين على تويتر بأنه ديكتاتور ومفتاح المشاكل السياسية المستمرة في كينيا. بصفتك الشخصية المحوريّة في واحدٍ من النظامين اللذين دافعتَ عنهما في كتاباتك، ما هو إرث موي برأيك؟ نغوغي وا ثيونغو: يذكرني آراب موي بعشرين عامًا من الرعب. كان منتجًا استعماريًا، تمامًا مثل عيدي أمين، موبوتو، بينوشيه وآخرين. الحاكم في روايتي "ساحر الغراب" هو تجسيد لكل هؤلاء الطغاة. يقول البعض إن موي كان يسير على خطى كينياتا. الفرق كبير: جومو كينياتا قضى 40 عامًا من حياته في النضال من أجل حرية الكينيين. لكنه خذلهم عند وصوله للسلطة. أما موي، فقد كان صنيعةً استعماريةً منذ تعيينه في المجلس التشريعي بدعم من المستوطنين وحتى تأسيسه لحزب كادو. إذا نسي الكينيون تاريخ سنوات حكم موي الإرهابي، فقد يُحكم عليهم بتكراره. قد يحمل موي التالي اسماً آخراً. لكن الشيء الجيد الوحيد الذي فعله موي، ثم تخلى عنه بسرعة بناءً على طلب البريطانيين وصندوق النقد الدولي، كان مشروع نيايو كار، القائم على خطة طموحة رسمها المهندس جيكاغا. كانت رؤية جيكاغا هي تطوير كينيا صناعيًا على نطاق واسع لتصبح دولة منتجة للسيارات والطائرات. بيلي كاهورا: مع تراجع إنتاج الروايات الأدبية على الأقل في كينيا مقارنة بزمنك، ما هو دور الأدب في السياسة الإفريقية المعاصرة؟ خصوصًا بعد أحداث هامة ، مثل أعمال العنف التي أعقبت انتخابات 2007/2008، الدستور الجديد في 2010، التعددية الحزبية في التسعينيات، ونتائج الانتخابات الأخيرة التي حسمتها المحاكم؟ نغوغي وا ثيونغو: في الحقيقة، أعتقد أن هناك عددًا كبيراً من الكُتّاب في كينيا اليوم، حتى وإن كان أغلبهم يكتبون بالإنجليزية، مقارنة بزمني. عندما نُشرت روايتي "لا تبكِ أيها الطفلْ" عام 1964، كانت أول رواية بلغة أوروبية لكاتب أسود من شرق إفريقيا. السياسة دائمًا موجودة، وعلى كل جيل أن يستلهم ما حوله. بيلي كاهورا: إذا طُلب منك إعطاء نصيحة واحدة للكاتب الإفريقي الشاب، ماذا ستكون؟ نغوغي وا ثيونغو : اختر لغة ( وأتمنى أن تكون إفريقية) ، أُكتبْ ، ثم أُكتبْ ، ثم أُكتبْ مجدداً و مجدداً ، وستتقن الكتابة في النهاية ,
#قحطان_المعموري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ماريو فارغاس يوسا ......عن روايته ( حلم السلتي) وجائزة نوبل
...
-
جاك لندن و « العقب الحديدية ».......... حين تنبأت الرواية بع
...
-
حوار مع الكاتبة التركيّة اليف شفق
-
البورتريت الأخير لنيلسون مانديلا
-
بعد مائة عام على جريمة قتلها .... المانيا تستذكر روزا لوكسمب
...
-
الثقافة ليست ترفاً ! تجربة -البرولِتْكَلْتْ- في روسيا الثوري
...
-
جذور اليوم العالمي للمرأة
-
ثورة إكتوبر والرياضة
-
ما الذي يقصده ماركس بعبارة -الدين أفيون الشعب- ؟
-
ثورة إكتوبر والأممية - جون فوست
-
مائة عام على ثورة إكتوبر ... هل من صلة بعالمنا اليوم؟ توم كر
...
-
دور النساء في الثورة الروسية 1917 - ماري ديفيز
-
هل أفرزت ثورات الربيع العربي قيادات نسوية فاعلة ؟؟ - بقلم: ن
...
-
جورج أورويل حياة في رسائل
-
نحوتأسيس قناة تلفزيونيه يساريه عراقيه
-
ألا يستحق المثقفون العراقيون ( العرب) من الأكراد منحهم حقيبة
...
-
إنتخبوا ( الطبيب الجوال ) .... إنه القول والفعل
-
عندما تصادر المحاصصة الحزبية إرادة الأغلبيه
-
قائمة ( مدنيون ) وأخواتها........قائمة التغيير والبناء
-
هل يفلح مجلس النواب في الخروج من عنق زجاجة المحاصصه ؟؟؟
المزيد.....
-
متحف زيلارت بموسكو يستضيف روائع الفن العالمي من مجموعة المتح
...
-
-ملائكة لادوغا- يحصد جائزة في مهرجان منظمة شنغهاي للتعاون ال
...
-
الفروسية في تونس.. إرث ثقافي يواجه تحديات مالية تهدد استمرار
...
-
انطلاق مهرجان إيغور بوتمن الدولي للجاز في بطرسبورغ
-
-مجنونة أحمد العوضي- تثير الجدل مجددا وتوجه رسالة للفنان الم
...
-
المتحف البحري العسكري المركزي ينظم سلسلة معارض في مناطق روسي
...
-
محمد إسكندر بعد إلغاء حفله في سوريا: لم أحمل سلاحا وأدعو لفت
...
-
اتهام فنان مصري بسبب شهيرة.. وبيان يكشف التفاصيل
-
-داليدا.. الأغنية التي لا تنتهي- مسرح الإسكندرية يعيد إحياء
...
-
روبن ويليامز في ذكرى ميلاده الـ75.. الكوميدي الذي أضحك العال
...
المزيد.....
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
المزيد.....
|