نديم الراوي
الحوار المتمدن-العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 01:06
المحور:
الادب والفن
قراءة نقدية في رواية سمية صبحي سرور
ليس من السهل أن يجد القارئ تصنيفًا نقديًا حاسمًا لرواية «عرائس السماء». فهي تبدو في ظاهرها سيرةً ذاتية، لكنها تتجاوز هذا الإطار منذ الصفحات الأولى. فالنص لا يهدف إلى تسجيل وقائع حياة الكاتبة بقدر ما يسعى إلى تتبع الكيفية التي تشكل بها وعيها، ثم ضميرها، وأخيرًا رؤيتها لله والإنسان والعالم. ومن هنا فإن الرواية لا تروي سيرة شخص، بقدر ما تروي سيرة سؤال.
تبدأ الرحلة من الطفولة، لكن الطفولة هنا ليست زمنًا بريئًا يُستعاد بحنين، وإنما هي المعمل الأول الذي تتكون فيه الروح. فكل إنسان يدخل حياة البطلة لا يؤدي وظيفة سردية عابرة، بل يترك أثرًا دائمًا في بنائها الداخلي. الأب، والأم، وشيوخ المساجد، وأهل الحسين، وضابط السجون، وتاجر المخدرات، والباعة، والدراويش، و اساتذة الجامعة و الفنانين و المثقفين والأصدقاء، وحتى الشخصيات التي لا تظهر إلا مرة واحدة؛ جميعهم يشكلون درجات في سلم طويل يقود البطلة إلى إعادة النظر في كل ما ظنت يومًا أنه حقيقة نهائية.
وهنا تكمن البنية العميقة للرواية؛ فهي لا تقوم على تطور الأحداث، وإنما على تطور الرؤية. فالحدث ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لإحداث شرخ في يقين سابق، أو فتح نافذة على معنى جديد. ولهذا يبدو كل فصل وكأنه حكاية مستقلة، بينما هو في الحقيقة لبنة في بناء واحد، لا يكتمل معناه إلا إذا قُرئ ضمن الرحلة كلها.
وتنجح سرور. في هدم أحد أكثر القوالب رسوخًا في الأدب، وهو تقسيم البشر إلى أخيار وأشرار. ففي «عرائس السماء» لا يوجد ملاك كامل، ولا شيطان كامل. ضابط السجون قد يكون أرحم بالناس من كثير من الوعاظ، وتاجر المخدرات قد يحمل خصالًا من الشهامة والكرم لا يمكن إنكارها، دون أن يمحو ذلك حقيقة جريمته. والطفلة لا تتعلم من هؤلاء أن الخير والشر شيء واحد، بل تتعلم أن الإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في حكم واحد.
ولا تسعى الرواية إلى تبرير الشر، كما أنها لا تستسلم لإدانة جاهزة. إنها تدعو القارئ إلى تعليق أحكامه حتى يرى الصورة كاملة. وهذه، في تقديري، إحدى أهم القيم الفكرية للنص؛ إذ تنقل الأخلاق من منطقة الشعارات إلى منطقة الفهم. فالرحمة هنا ليست نقيض العدل، وإنما شرطه، لأن الحكم العادل لا يولد إلا بعد معرفة الإنسان في ضعفه وقوته، في نوره وظلمته.
ومن هذه النقطة تبدأ الرواية في تجاوز السيرة الذاتية إلى أفق فلسفي أوسع. فالأسئلة التي تطرحها البطلة لا تتوقف عند الناس، وإنما تمتد إلى الله نفسه. غير أن النص لا يدخل هذا الباب من خلال الجدل العقائدي أو المناقشات اللاهوتية، بل من خلال التجربة الإنسانية. فكل خيبة، وكل فقد، وكل غربة، وكل لقاء، يتحول إلى سؤال جديد عن الله.
إن البطلة لا تفقد إيمانها بالله، لكنها تفقد يقينها في الصور التي رسمها الناس لله. وحين يتصدع هذا اليقين الموروث، تبدأ رحلة البحث الحقيقية. وهنا تتحول الرواية إلى سجل طويل للمراجعة؛ مراجعة الأفكار، والمعتقدات، والانطباعات، والأحكام. وتصبح الكتب، والفلسفة، والتصوف، والأديان، والأسفار، والغربة، وسائل لاكتشاف الحقيقة، لا غايات مستقلة.
ولهذا فإن المكان في «عرائس السماء» لا يؤدي دور الخلفية الجغرافية، بل يتحول إلى شريك في بناء الوعي. فالحسين، والجمالية، والغورية، والباطنية و مدينة الملح و نيبال و الهند ، و المدن والبلدان التي تعبرها البطلة في مراحل لاحقة ، ليست مجرد محطات على الخريطة، وإنما محطات داخل النفس. كل مكان يضيف سؤالًا جديدًا، أو يزيل وهمًا قديمًا، حتى يصبح الانتقال في المكان معادلًا للانتقال في الداخل.
وتكتسب اللغة دورًا حاسمًا في هذه الرحلة. فهي لغة ذات إيقاع شعري واضح، لكنها لا تنفصل عن السرد، ولا تتحول إلى استعراض بلاغي. إن الجملة عند سمية صبحي سرور تؤدي وظيفتين في آن واحد؛ فهي تحكي، وفي الوقت نفسه تتأمل. ولهذا كثيرًا ما يشعر القارئ أن النص يبطئ إيقاع الحدث ليمنحه فرصة التأمل، وكأن الرواية لا تريد للقارئ أن يمر على الوقائع، بل أن يقيم فيها.
ومن اللافت أيضًا أن سمية تستخدم السؤال بوصفه أداة بنائية، لا مجرد علامة ترقيم. فالسؤال يتكرر في بدايات الفصول ونهاياتها، لكنه لا يطلب جوابًا مباشرًا، بل يدفع القارئ إلى مواصلة التفكير. إن الرواية لا تؤمن بأن الأدب يقدم إجابات نهائية، وإنما تؤمن بأن وظيفته الكبرى هي تحرير العقل من وهم الإجابات السهلة.
ومع تقدم الرحلة، يدرك القارئ أن البحث عن الله لم يكن منفصلًا عن البحث عن الإنسان، وأن البحث عن الإنسان لم يكن منفصلًا عن البحث عن الذات. فكل طريق سلكته البطلة كان يعيدها، بصورة أو بأخرى، إلى نفسها. وكل يقين انهار لم يكن خسارة، بل كان إزالة لحجاب جديد.
وهنا تبلغ الرواية ذروتها الفكرية والوجدانية. فالنهاية لا تعلن وصولًا نهائيًا، لأن الطريق إلى الله لا يعرف النهايات، وإنما تعلن ميلاد رؤية جديدة. لقد اكتشفت البطلة أن الله لم يكن غائبًا عن الرحلة حتى تبحث عنه، وإنما كان حاضرًا فيها كلها؛ في الرحمة والقسوة، في الفقد والعطاء، في الوطن والغربة، في السؤال كما في الصمت. وما تغير في النهاية لم يكن الله، بل العين التي صارت قادرة على رؤيته.
ولعل هذا هو السر الكامن في عنوان الرواية. فـ«عرائس السماء» ليست مجرد الشرفات التي تعلو المساجد، وليست رمزًا معماريًا فحسب، وإنما استعارة عن الأرواح التي ارتفعت بالبطلة درجة بعد درجة. لقد كانت كل شخصية، مهما بدت عابرة أو متناقضة، عروسًا من عرائس السماء، لأنها أسهمت بطريقتها في تشكيل الرحلة. لم يكن الجميع قديسين، ولم يكن الجميع صالحين، لكنهم جميعًا كانوا معلمين، شاءوا أم أبوا.
إن الإنجاز الحقيقي للرواية لا يكمن في صدقها السيري وحده، ولا في لغتها الشاعرية، ولا في ثرائها الإنساني، بل في قدرتها على تحويل التجربة الشخصية إلى سؤال إنساني عام. فالقارئ لا ينتهي من «عرائس السماء» وهو يعرف سمية صبحي سرور أكثر، بل ينتهي منها وهو يعرف نفسه أكثر، ويعيد النظر في صورته عن الناس، وعن الله، وعن الطريق الذي يربط بينهما.
وهذا، في النهاية، هو ما يمنح الرواية خصوصيتها؛ فهي لا تدعو القارئ إلى أن يتبنى أفكار بطلتها، ولا إلى أن يسير في الطريق نفسه، وإنما تدعوه إلى أن يمتلك شجاعة السؤال، وصبر الرحلة، وتواضع الباحث الذي يدرك أن الحقيقة ليست محطة يصل إليها الإنسان مرة واحدة، بل أفق يتسع كلما ظن أنه اقترب منه.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟