أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فؤاد ميرزا بغدادي - قصتان قصيرتان عن التهجير















المزيد.....

قصتان قصيرتان عن التهجير


فؤاد ميرزا بغدادي

الحوار المتمدن-العدد: 8772 - 2026 / 7 / 20 - 10:00
المحور: الادب والفن
    


قصتان قصيرتان جداً عن التهجير: فؤاد ميرزا
........
صبيحة:
.........:
كانت صبيحة في الخامسة والخمسين من عمرها حين جاء التهجير القسري... أمّاً لستة أبناء: ثلاث بنات وثلاثة ذكور.
كان اثنان من أبنائها الذكور طالبين في الجامعة، وكانت ابنتها الكبرى في الثانوية، أما الباقون فكانوا يتوزعون بين المتوسطة والابتدائية.
لم تكن صبيحة قد فقدت تماماً بقايا وهج جمالها القديم؛ كان في ملامحها شيء من صفاء الشباب البعيد، غير أن ذلك الصفاء كان يخفي تحته خيوطاً شفيفة من حزن غامض، حزنٍ تركه فقدان أمها وهي في العاشرة من عمرها.
كانت تعبّر عن ذلك الحزن، وعن حدادها الطويل، بالصلوات، وبإشعال أعواد البخور ذات الرائحة الزكية في زوايا غرفتها مساء كل جمعة.
وقفت يوم التهجير عند عتبة البيت، ويدها على خشبة المزلاج. كان صوت رجل الأمن خشناً، معدنياً، كأنه يخرج من فوهة البندقية لا من فمه:
ـ الجميع إلى الخارج!
عزلوا الأب والشابين البالغين عن العائلة، ثم قادوا صبيحة وبقية أولادها إلى الشاحنة.
في الطريق إلى الحدود، كانت الشاحنات تهتز كتوابيت مطلية بالقار. النساء يبكين بصوت مكتوم، يمسحن وجوه الأطفال من الدموع، والأطفال يلعقون دموعهم الممزوجة بالمخاط والغبار.
مرّت عشرون عاماً، وصبيحة تعيش في مخيم التهجير.
كبر أولادها في المخيم بلا تعليم حقيقي، وبلا رعاية صحية تليق بالبشر. أما وجه صبيحة، فقد أخذ يتحوّل بسبب كثرة الدموع وانتظار الفرج، إلى وجه من ملح، حتى صار الجلد حول عينيها شبيهاً بورق الرمان اليابس!!
كان أمل العودة يتأخر مع كل غد. ذلك الغد الذي يأتي بخيبة جديدة، ثم يموت عند المساء. غير أن قلبها لم يكن يقنط.
في الخامسة والسبعين، بدأت الذاكرة تتسرب من رأسها ببطء، كماء يرشح من شقوق جرّة متصدعة.
نسيت أسماء الناس، ثم نسيت الطريق إلى غرفتها، ثم نسيت أنها كبرت. صار وجهها ناعماً بطريقة غامضة ومقلقة؛ لا لأن التجاعيد اختفت، بل لأن ذكريات الألم غادرته. عادت طفلة في جسد امرأة عجوز.
كانت أحياناً تلبس عباءتها السوداء عند الفجر، وتفتح الباب بحذر، ثم تمشي بين الخيام كأنها خارجة في زيارة قصيرة.
يعثر عليها الجيران، مرة وهي تسير بلا هدى في الظلمة الحالكة، ومرة جالسة تحت شجرة يابسة تحدّث دميتها.
كانوا يسألونها:
ـ إلى أين أنت ذاهبة يا صبيحة؟
فتنظر إليهم بعيني طفلة وتقول:
ـ متشوقة لزيارة أمي فاطمة.. لم أزرها منذ أسبوعين!
كانوا يصمتون !!
أمها فاطمة ماتت حين كانت صبيحة طفلة في العاشرة. ماتت في صباح اختلطت فيه رائحة الدخان برائحة الكافور، في بيت بعيد في بغداد.... لكن الذاكرة، حين انكسرت، أعادتها إلى ذلك السن القصي!!. انمحت تماماً ذاكرة الزوج والأولاد الذين غُيّبوا في المقابر الجماعية، وانمحت أيام الحرب والفقر والعوز والمهانة في بلد لا تعرف لغته ولا تعرف فيه أحداً.
تلاشت من ذاكرتها رحلة التسفير كلها. نسيت كيف سارت هي وأطفالها الصغار بلا طعام، عابرين الحدود من العراق إلى إيران. نسيت مرارة القهر، والحسرة، والمنفى. تلاشت تلك الذكريات جميعاً، حتى أدرك أولادها والجيران في الخيام المجاورة أن أمهم تعيش محنة الشيخوخة.
في المرة الأخيرة، لم ينتبه أحد إلى خروجها.
كانت ليلة جمعة معتمة، بلا نجوم. كان الأولاد جميعاً في الخيمة قد غرقوا في نوم ثقيل. الريح ساكنة، وحرس المعسكر أخلوا أماكنهم عائدين إلى بيوتهم.
ارتدت صبيحة عباءتها.. ضمّت الدمية إلى صدرها، وخرجت.
مشت طويلاً.
كانت الصحراء بين البلدين واسعة، عارية. كانت تمشي بشوق طفلة، فلا ترسم على الأرض ظلاً، ولا تحرّك حجراً.
من بعيد، بدت أضوية أبنية الحرس الحدودي تلمع مثل أسنان وحش نائم. لكن صبيحة لم ترَ حدوداً. رأت درباً تعرفه بغريزتها، درباً يقود إلى بيت أمها. رأت زقاقاً قديماً، وباباً خشبياً، ويداً تفتح، وصوتاً يناديها باسمها الأول.
كانت تقول للدمية:
ـ لا تخافي. سنصل قبل الفجر. امي ستخبز لنا خبزاً حاراً.
وحين اقتربت من الخط الممنوع، صرخ الحرس العراقيون من بعيد، آمرين ذلك الشبح الأسود بالتوقف.
أما هي فلم تسمعهم. كان في أذنها صوت آخر: صوت أمها وهي تناديها من أعماق الطفولة. رفعت يدها نحو الأم البعيدة، تلك التي أخذت ملامحها تتجلى داخل الظلام.
ثم انطلقت الرصاصة.
سقطت العباءة أولاً، كليل أسود تعثّر فوق الحجارة والتراب. ثم سقط الجسد الصغير داخل شيخوخته. أما الدمية، فبقيت ملتصقة بيدها، كأنها آخر شاهد على أن هذه المرأة لم تكن تعبر حدود دولة، بل كانت تحاول أن تعبر عشرين عاماً من البكاء، وسبعين عاماً من الفقد، لتصل إلى حضن أم ماتت منذ زمن بعيد.
سمعها الحرس تتمتم:
ـ يمّه… افتحي الباب. لقد تأخرت عليكِ!
في الصباح، كتبوا في التقرير:
“عُثر على جثة عجوز مجهولة، قادمة من الجانب الإيراني، مرمية قرب الحدود.”
وحين أعادوا الجثة إلى المخيم، عرفها الناس من الدمية.
قالت ابنتها، وهي تبكي:
ـ هذه أمي صبيحة.. أصيبت بمرض الزهايمر… كانت فقط تريد أن تزور أمها قبل أن تموت !!
..................................


الذاكرة:
.....................................
كيف تحوّلت تلك الأزقة المكتضة بالناس البسطاء من كلّ الأعراق والأجناس إلى أزقة موحشة أثر تهجير قوم إسمهم ( الكرد الفيلية)؟.
كان يسأل والده:— أبي، لماذا يكرهوننا؟
فيجيبه الأب:
— لا يكرهونك أنت يا ولدي.... يكرهون أن تكون شاهداً على كذبهم.
— وما ذنبنا؟
— ذنبنا أننا نعرف من نحن..
كان الطفل الصغير لا يفهم تماماً ماذا كانت تعني كلمات والده، لكنه يشعر في دواخله أن المعرفة ربما تكون كالعبء والجريمة!!. أن تعرف إسم جدك، وإسم النهر والطريق الأقصر اليه، ومكان قبر جدتك، ولا زلت تتذكر رائحة بيتكم القديم.. كل ذلك يمكن أن يتحوّل في زمن الحاقدين إلى تهمة!!
في المدرسة، صار بعض المعلمين يتكلمون بحذر. خاصة، الأستاذ جليل، كان وطنياً صامتاً. يشرح التاريخ للتلاميذ الصغار وكأنه يعتذر منه... وحين يصل إلى كلمة العراق، يضغط على إصبع الطباشير حتى ينكسر !..،
ذات يوم طلب من التلاميذ أن يكتبوا موضوعاً إسمه "الوطن" !!
الطفل الفيلي كتب:
“وطني هو المكان الذي فيه أمي تعرف أسماء الجارات، ويعرف أبي الطريق إلى السوق وهو مغمض العينين. وطني هو المكان الذي إذا مات فيه الإنسان يتذكر تراب القبر أسمه.” !!
قرأ المعلم جليل ما كتبه الطالب، ثم طواه ووضعه في جيبه!!
قال للطفل الفيلي: — سأحتفظ بهذه الورقة.
— لماذا حضرة المعلم؟
— لأنها جميلة أكثر مما يسمح به هذا الزمن!!
.بعد المدرسة عاد الطفل إلى منزله فوجد أمه تنتحب بمرارة بلا دموع !!
لم يكن بكاؤها عالياً، بل كان كالماء حين يتسرب من الجرار المشروخة!!. عرف أن مصاباً أو حدثاً جللاً قد حصل !!.
والده كان جالساً في الزاوية أمام صندوق خشن مفتوح. احتوى الصندوق على أوراق قديمة، وثائق، صور، شهادات ولادة، وسندات بيع وشراء.. رسائل من خانقين أو بعقوبة أو الكوت أو مندلي أو مدينة العمارة.. كلّها من أقارب أو أرباب عمل وتجارة... وكانت هناك أيضاً قصاصة لصحيفة فيها تخطيط لشكل وإسم سفينة البضائع التي كانت توصل السند والهند وسيلان بميناء البصرة !!
ينظر الأب إلى كلّ تلك الوثائق كما ينظر جندي إلى بقايا جسده الممزق أثر حرب بالحراب والسيوف القديمة !!.
قالت له الزوجة:— الجيران أخبروني بأن هناك من اقتحم السوق يسأل عنك !!
لم يتحرك الأب... وضع يده على الأوراق وكأنه يضع يده على كتاب مقدّس !!
_ ماذا قالوا؟
— قالوا أن رجال الأمن يبحثون عنك!!
شهق الأب شهقة جافة، ثم قال:
— أعرف.. كيف تسمي قوى التوحش والرعب نفسها بقوى الأمن؟!! العراق دخل مرحلة حالكة هذه الليلة!!
اجتمع عدد من الأقارب في البيت الكبير . اكتفوا بفانوس يضيء لهم المكان !! كانت الوجوه تغيب وتظهر كأنها وجوه تنعكس على مياه معتمة في قاع بئر!!
قال أحد الحاضرين:— يجب أن نخفي الأوراق المهمة.
قال آخر:
— وهل تحمي الأوراق المخفية الإنسان المهدد ؟
— لكنها تشهد.
— لن يقبلوا شهادة الوثائق والمستندات والأوراق؟
— ربما لا يأبهون بها الآن وينكرونها.. لكن أولادنا ربما سيحتاجون إلى دليل أننا من اصلاء هذا البلد !!
هذه الجملة كانت بمثابة بداية مقاومة صغيرة. لم تكن مقاومة بالسلاح، ولا بالخطابات، بل بالذاكرة.
صار كل بيت ينسخ أوراقه ويخبئ نسخة منها عند جار عربي، وأخرى عند قريب كردي، وثالثة داخل جدار، ورابعة في كيس طحين !!
صارت النساء يخفين الصور في حشوات الوسائد، والرجال يدفنون السندات تحت عتبات الأبواب، والأطفال يتعلمون أسماء أجدادهم كما يتعلمون تعاويذاً سريّة تحمي من الحسد وتساعد على النجاة من قسوة الأشرار !!
الأستاذ جليل، معلم المدرسة الفيلية والذي كان يصحح دفاتر الطلبة الصغار ، صار يدوّن ذاكرة الحي والمدينة !! ،،. يجمع ما توفر عنده من الأسماء، يكتبها بحروف صغيرة في دفاتر امتحانات الطلبة التي كان يمحوها ثم يعيد استخدامها كسجلات:
خدر بن عباس.. لطيفة بنت مراد..نوري بن جواد، غيبوا في ليلة كذا.
زينب وفوزية بنات الحاج كريم سفرتا !!
قاسم، ولد في معتقل الترحيل...
صلاح غيب.. خليل غيب.. عدنان غيب .. سعدية هجرت.. أميرة هجرت.. صفاء غيب.. هجرت.. غيب.. هجرت.. غيب.. هجرت.. غيب.. الخ الخ الخ.
كان المعلم جليل.. آخر من هجر من حي الكرد في منطقة باب الشيخ






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- تغاريد تحت القصف.. كيف يوثق الأدب ذاكرة أطفال غزة؟
- -في مرآتي- يحصد جائزة -الكوكب الذهبي- في اختتام الأيام الوط ...
- ارتفاع أسعار تذاكر المهرجانات الموسيقية في روسيا بنسبة 21% خ ...
- بعد التأجيل لأسباب عائلية.. موعد جديد لجنازة الممثل الراحل أ ...
- بوتين يمنح الفنان أوليغ غازمانوف وسام -الاستحقاق للوطن- من ا ...
- من أبرز المجددين في الموسيقى المصرية.. رحيل المؤلف الموسيقي ...
- الفنان السعودي محمد عبده يوجه رسالة بعد ظلم منتخب مصر وخسارة ...
- اكتشاف نحو ثلاثين عملا فنيا خلال ترميم مركز معارض عموم روسيا ...
- لإنهاء الحرب.. ما هو المخرج الذي ينبغي أن يسلكه الجميع الآن؟ ...
- وفاة هاني شنودة.. عراب نجوم الموسيقى في مصر


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فؤاد ميرزا بغدادي - قصتان قصيرتان عن التهجير