أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - محمد ابو النواعير - تشييع السيد الخامنئي في العراق بين إرادة الأمة ووضعية القانون.














المزيد.....

تشييع السيد الخامنئي في العراق بين إرادة الأمة ووضعية القانون.


محمد ابو النواعير

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 20:12
المحور: دراسات وابحاث قانونية
    


تقدير موقف


تثير الأحداث الجماهيرية الكبرى إشكاليات لا يستطيع النص القانوني وحده أن يقدم إجابات كافية عنها؛ فكلما اتسعت دائرة المشاركة الشعبية في حدث معين، تراجع السؤال القانوني التقليدي، وبرز سؤال أكثر عمقًا يتعلق بمصدر الشرعية ذاته؛ إذ لم يعد البحث منصبًا على ما إذا كان الفعل موافقًا للنص أو مخالفًا له، بل على العلاقة بين النص القانوني وبين الإرادة الاجتماعية التي يفترض أنه يمثلها.

وقد أعادت المشاركة الجماهيرية الواسعة في تشييع سماحة السيد الشهيد الخامنئي داخل العراق إحياء هذا الجدل عند البعض، بعدما ذهب بعض المختصين إلى القول إن بعض مظاهر ذلك التشييع قد تثير إشكالات قانونية تتعلق بطبيعة العلاقة مع رئيس دولة أجنبية أو باستخدام رموزها الرسمية.

وبغض النظر عن مدى صحة هذا الرأي أو خطئه، فإن مجرد طرحه يفتح بابًا لنقاش يتجاوز حدود الواقعة نفسها.

إن الفرضية التي تستحق التأمل ليست قانونية، وإنما فلسفية؛ فإذا افترضنا، جدلًا، أن ملايين المواطنين مارسوا فعلًا يعده بعض الفقهاء مخالفًا للقانون، فما الذي ينبغي أن يحدث بعد ذلك؟ هل يصبح ملايين المواطنين خارجين على القانون؟ أم يصبح القانون نفسه أمام اختبار لمدى تعبيره عن الوعي الجمعي الذي وجد أصلًا لتنظيمه؟

هنا يبرز التمييز بين شرعية النص وشرعية المجتمع، فالنظرية القانونية الوضعية تفترض أن النص يكتسب قوته من صدوره وفق الإجراءات الدستورية، وأن هذه القوة تبقى قائمة بصرف النظر عن حجم الاعتراض الشعبي عليه.

إلا أن هذا التصور يواجه معضلة عملية يصعب تجاوزها، فالقانون لا يعمل في فراغ، وإنما داخل مجتمع حي، وكلما اتسعت الهوة والجفوة بين النص وبين المجتمع، تناقصت قدرة النص على فرض نفسه بوصفه تعبيرًا عن الإرادة العامة. !

ولكي نبسط الفكرة، يكفي لنا ان نتصور حالة افتراضية ينص فيها القانون على عقوبة إلزامية لجريمة محددة، ثم يقدم على ارتكاب تلك الجريمة ملايين المواطنين في وقت واحد وبالصورة ذاتها؛ فمن الناحية النظرية سيبقى النص قائمًا، لكن من الناحية الواقعية يصبح تطبيقه مستحيلًا.

وعند هذه النقطة لا تدخل الدولة في مواجهة مع ملايين الناس، وإنما تبدأ بمراجعة النص، أو تفسيره، أو البحث عن مخارج قانونية وسياسية تجنبها الاصطدام بالمجتمع.

وهذه النتيجة ليست دليلًا على ضعف الدولة، وإنما تعبير عن حقيقة أعمق، وهي أن القانون يستمد فاعليته من المجتمع، وليس المجتمع من القانون وحده.

فالنصوص، مهما بلغت دقتها، لا تمتلك إرادة مستقلة، ولا قدرة ذاتية على فرض نفسها، وإنما تكتسب هذه القدرة من الاعتراف الاجتماعي والمؤسسي بها.

ومن هنا يبرز سؤال غالبًا ما يتم تجاوزه في النقاشات القانونية: من الذي منح القانون سلطته الأولى؟

الإجابة التقليدية تقول إن الدستور هو مصدر هذه السلطة، وأن المؤسسات الدستورية تستمد مشروعيتها منه؛ غير أن هذه الإجابة ستقودنا لاشكالية اعمق في نفس الدستور، لأن الدستور نفسه لا ينشأ من ذاته، بل من إرادة سياسية واجتماعية سابقة عليه.

وبالنتيجة، فإن جميع السلطات، بما فيها السلطة القضائية والمحكمة الدستورية، تنتهي في أصلها إلى مصدر واحد، هو الأمة؛ وعذا سيعني بان العلاقة بين الأمة والقانون ليست علاقة تابع بمتبوع، وإنما علاقة منشئ، مؤسس، مكون، بأداة فالقانون لا يوجد بوصفه غاية مستقلة، وإنما بوصفه وسيلة لتنظيم الإرادة العامة، وحماية استقرار المجتمع، وتحقيق العدالة بين أفراده، فإذا تحول القانون إلى أداة تصطدم بصورة مستمرة مع الوعي الجمعي، فإن الإشكال لا يعود محصورًا في سلوك المجتمع، بل يمتد إلى مدى استمرار النص في أداء وظيفته التي شرع وأوجد من أجلها.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن كل تحرك جماهيري كبير، سيكتسب شرعية قانونية بمجرد كثرة المشاركين فيه، لأن هذا المنطق يقود إلى الفوضى، لكنه يعني أيضًا أن الشرعية ليست مفهومًا أحادي البعد، وان كانت ارادة الامة، في قضاياها الواعية بها بذاتها، سيكون لها الثقل الاوفر، بل هي ادوار تاخذ انسيابية نسقية، تتفاعل فيما بينها؛ وهذا يقودنا الى ان الاقتصار على القراءة الشكلية للنص قد يعجز عن تفسير ظواهر اجتماعية وسياسية كبرى تتجاوز قدرة القانون على الاستيعاب.

وعلى هذا الأساس، فإن حدثًا جماهيريًا واسعًا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد مخالفة قانونية محتملة (كما ادعى بعض القانونيين)، أو مجرد ممارسة لحق من الحقوق، بل بوصفه مؤشرًا على طبيعة العلاقة بين المجتمع والنظام القانوني؛ فحين تتطابق الإرادة الشعبية مع النص، لا تظهر الإشكالية أصلًا، أما حين يكون هناك اختلاف وتعارض، فإن السؤال الحقيقي لا يكون: كيف نفرض القانون على المجتمع؟ وإنما: هل ما يزال القانون يعبر عن المجتمع الذي يستمد منه شرعيته؟!

ومن هنا يمكن القول إن القضية لا تتعلق بتشييع شخصية سياسية أو دينية بعينها، وإنما تتعلق بمسألة أكثر رسوخًا في الفكر القانوني والسياسي، وهي حدود سلطة النص عندما يقف في مواجهة إرادة جماهيرية واسعة.

ويبقى السؤال مفتوحًا: إذا كانت الأمة هي المصدر الأول لكل سلطة، فهل يمكن أن يصبح النص القانوني أعلى من الأمة التي أنشأته، أم أن بقاء شرعيته مرهون ببقائه معبرًا عن وعيها وإرادتها؟

د. محمد ابو النواعير
دكتوراه في النظرية السياسية/ المدرسة السلوكية الامريكية المعاصرة في السياسة






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عمار الحكيم والسير على نهج الوالد والعم المؤسس .. ردا على ما ...


المزيد.....




- هل تراجع عمدة نيويورك عن تعهده الانتخابي باعتقال نتنياهو؟
- صرخ: -لا أعلم ما يفعلون-.. شاهد لحظات مربكة لمحاولة اعتقال ر ...
- لجنة الأمم المتحدة لحقوق الشعب الفلسطيني ومنظمة التعاون الإس ...
- السعودية.. وزارة الداخلية تعلن إعدام مصري وتكشف عن اسمه وما ...
- إدانات خليجية واسعة للهجمات الإيرانية على الكويت والبحرين وا ...
- ممداني يؤكد أنه قد يأمر باعتقال نتنياهو إذا زار نيويورك
- أمين مجلس التعاون الخليجي: الهجمات الإيرانية في البحرين والك ...
- البديوي: هجمات إيران على البحرين والكويت والأردن -جرائم حرب- ...
- غزة.. تمسك بعمل وكالة الأونروا
- السودان.. الأبيض تواجه تحديا إنسانيا متصاعدا مع تزايد أعداد ...


المزيد.....

- الوضع الصحي والبيئي لعاملات معامل الطابوق في العراق / رابطة المرأة العراقية
- التنمر: من المهم التوقف عن التنمر مبكرًا حتى لا يعاني كل من ... / هيثم الفقى
- محاضرات في الترجمة القانونية / محمد عبد الكريم يوسف
- قراءة في آليات إعادة الإدماج الاجتماعي للمحبوسين وفق الأنظمة ... / سعيد زيوش
- قراءة في كتاب -الروبوتات: نظرة صارمة في ضوء العلوم القانونية ... / محمد أوبالاك
- الغول الاقتصادي المسمى -GAFA- أو الشركات العاملة على دعامات ... / محمد أوبالاك
- أثر الإتجاهات الفكرية في الحقوق السياسية و أصول نظام الحكم ف ... / نجم الدين فارس
- قرار محكمة الانفال - وثيقة قانونيه و تاريخيه و سياسيه / القاضي محمد عريبي والمحامي بهزاد علي ادم
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / اكرم زاده الكوردي
- المعين القضائي في قضاء الأحداث العراقي / أكرم زاده الكوردي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث قانونية - محمد ابو النواعير - تشييع السيد الخامنئي في العراق بين إرادة الأمة ووضعية القانون.