أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إدوارد جداوي - فخ سارتر الوجودي: عندما تصبح الحرية المطلقة سلاحاً للانتحار!














المزيد.....

فخ سارتر الوجودي: عندما تصبح الحرية المطلقة سلاحاً للانتحار!


إدوارد جداوي

الحوار المتمدن-العدد: 8770 - 2026 / 7 / 18 - 20:12
المحور: قضايا ثقافية
    


جحيم الصدفة: كيف تقتلك حريتك عندما يغيب الله؟

منذ اللحظة التي صرخ فيها نيتشه بعبارته المزلزلة "لقد مات الإله"، والوعي الإنساني يترنح تحت وطأة فراغ كوني مرعب. لم تكن الكلمة مجرد إعلان عن غياب الميتافيزيقيا، بل كانت إيذاناً ببدء عصر "الرعب الوجودي"؛ العصر الذي أدرك فيه الإنسان فجأة أنه يقف وحيداً تماماً، بلا أب سماوي يراقب خطاه، وبلا خطة مسبقة تحميه من السقوط. في هذا الفراغ الموحش، لم يمنحنا جان بول سارتر طوق نجاة، بل قذف بنا إلى قاع الهاوية عندما أعلن حكمه الصارم: "الإنسان محكوم عليه بالحرية".
لكن، ماذا يحدث عندما تلتقي هذه الحرية المطلقة بعبثية الكون الصامت؟ الإجابة تجسدت في واحدة من أبشع خطايا الأدب الفلسفي وأعمقها: قصة "الجدار".
زنزانة سارتر: حيث تفقد الأشياء معناها
في قصة "الجدار"، لا يضعنا سارتر أمام أيديولوجيا سياسية أو بطولة ثورية، بل يجرِّد أبطاله من كل "المساحيق" التي يغطون بها عجزهم. ثلاثة رجال ينتظرون الإعدام عند الفجر. الموت هنا ليس فكرة مجردة، بل هو حقيقة مادية باردة كالجدار الذي سيقفون أمامه.
في تلك الزنزانة، يتفكك كل شيء: يتعرق الجسد خارج سيطرة صاحبه، ويفقد الزمن قيمته، ويتحول الوطن، والحبيبة، والماضي إلى رماد. لماذا؟ لأن الموت القادم يمحو الجوهر. هنا يضع سارتر يده على الجرح الوجودي: أنت لست ماضيك، ولست أفكارك؛ أنت فقط ما تفعله الآن في هذه اللحظة.
خديعة النية الطيبة: الكذبة التي قتلت
تصل الإثارة الفلسفية إلى ذروتها عندما يقرر البطل "بابلوز" أن يمارس حريته في وجه جلاديه. يرفض الخيانة، ويقرر السخرية من المحققين عبر اختراع كذبة عشوائية عن مكان اختباء صديقه "رمون غريس". يقول لهم إنه يختبئ في المقبرة—وهو يعلم يميناً أنه ليس هناك.
النتيجة؟ الصديق كان قد غير مخبأه بالفعل وانتقل إلى المقبرة ذاتها بالصدفة! يعتقله الجنود ويقتلونه، وينجو البطل الخائن رغماً عنه.
هنا يزلزل سارتر الوعي البشري بسخرية سوداء مدمرة. يدرك بابلوز أن حريته المطلقة واختياره الواعي لم يؤديا إلى البطولة، بل إلى دور "الوشاة". الكون العبثي لا يبالي بنواياك الشريفة؛ إنه يأخذ فعلك الحر، يخلطه بروليت الصدفة العمياء، ويعيد قذفه في وجهك كمهزلة.
السخرية كأداة تحرر أخيرة
لماذا ضحك بابلوز حتى دمعت عيناه في نهاية القصة عندما علم بموت صديقه؟
لم يكن ضحك جنون، بل كان ضحك الاستنارة الوجودية المرعبة. لقد أدرك "الجدار" الحقيقي؛ ليس الجدار الأسمنتي الذي يُطلق عليه الرصاص، بل جدار العبثية الذي يفصل بين إرادة الإنسان والنتائج الحتمية لأفعاله. الضحك هنا هو الإعلان الأخير للحرية: عندما تكتشف أن اللعبة عبثية بالكامل، فإن سخريتك من اللعبة هي الطريقة الوحيدة لكي لا تسحقك.
الخلاصة: الحرية هي الجحيم
إن "الجدار" لا تنقض فلسفة سارتر، بل تكشف عن وجهها الأكثر رعباً. الدين والأنظمة الأخلاقية التقليدية كانت تمنح الإنسان دافئاً زائفاً: "افعل الخير وستكون النتائج خيراً". أما الوجودية فتقول لك: "أنت حر تماماً، وستختار لوحدك، وتحت مسؤوليتك الكاملة، لكن الكون أعمى ولن يضمن لك النتيجة".
الحرية عند سارتر ليست منحة مبهجة أو رفاهية، إنها جحيم وعقاب، لأنها تجعلك المسؤول الأوحد عن مأساة وجودك. في عالم بلا قَدَر مسبق، تصبح الصدفة هي الإله الجديد، وتتحول حريتك إلى السلاح الذي يطلق النار على رأسك.






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- تحليل.. صراع متصاعد يهدد بالتحول إلى حرب إقليمية أوسع
- فيديو متداول بزعم عرضه -لحظة تفجير الجسر الرابط بين السعودية ...
- بيان عاجل للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي موجه للأمة..
- نهاية التفاهمات والمنطقة تترقب.. الأسبوع الحاسم بين الوساطة ...
- بعد الحرب.. لماذا لم تتغير طهران؟
- حيوان غامض يثير الذعر في الفيوم.. وبيان رسمي يكشف التفاصيل
- الغارات تتوسع إلى عمق مدينة غزة.. هل تغير إسرائيل قواعد الاس ...
- الأسطول الأصفر.. حكاية سفن غرقت ثماني سنوات في رمال سيناء
- بين الفرص والتحديات.. خط كركوك – بانياس يعيد رسم خريطة الطاق ...
- وداعا للكنيست الأسوأ.. هآرتس تطالب بكشف الصناديق السوداء لنت ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إدوارد جداوي - فخ سارتر الوجودي: عندما تصبح الحرية المطلقة سلاحاً للانتحار!