|
|
فساد في قطاع النفط: تلازم المسؤولية الوظيفية والجزاء الجنائي في ضوء قضية “الجميلي-
سيامند مزوري
الحوار المتمدن-العدد: 8769 - 2026 / 7 / 17 - 23:25
المحور:
الفساد الإداري والمالي
تُعد مكافحة الفساد الإداري والمالي الركيزة الأساسية لحماية استقرار الدول وتعزيز التنمية الاقتصادية، ولا سيما في قطاع النفط والطاقة الذي يمثل المصدر الرئيس للإيرادات العامة في العراق. وتكشف قضية وكيل وزارة النفط السابق لشؤون التصفية، عدنان الجميلي، وفق ما أعلنته الجهات القضائية المختصة، عن واحدة من أبرز قضايا الفساد التي شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة، بما تمثله من نموذج عملي لتلازم المسؤولية الوظيفية مع المسؤولية الجزائية، وضرورة تفعيل المنظومة القانونية الرادعة لحماية المال العام ومنع الاعتداء عليه.
اولا: التكييف القانوني للواقعة: بين استغلال الوظيفة والإضرار بالمال العام إذا ما أُخذت الواقعة المعلنة بنتائجها التي كشفت عنها التحقيقات الجارية، فإنها قد تندرج ضمن عدد من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل، ولا سيما الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة العامة، ومن أبرزها: 1- جرائم الرشوة واستغلال النفوذ الوظيفي، إذا ثبت استغلال الوظيفة العامة لتحقيق منافع غير مشروعة أو تمرير تعاقدات مقابل مزايا مادية وفق المواد من (307 إلى 314) من قانون العقوبات ، وكذلك جرائم الرشوة في القطاع الخاص الوطني والاجنبي في الاعمال المتعلقة بالقطاع العام وجرائم رشوة الموظف الأجنبي الواردة في المادة (1/ ثالثا/ ب) من قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم 30 لسنة 2011 المعدل . 2- جريمة الإضرار العمدي بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل فيها الموظف، متى ثبت تعمد الموظف إلحاق الضرر بأموال أو مصالح الجهة التي ينتسب إليها أو يمثلها وفق المادة (340) من قانون العقوبات. 3-جرائم غسل الأموال المنصوص عليها في قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب رقم (39) لسنة 2015، إذا ثبت أن الأموال المتحصلة من الجرائم الأصلية جرى إخفاء مصدرها أو تمويه حقيقتها من خلال تحويلها إلى عقارات أو مصانع أو مركبات أو غيرها من الأصول. 4- جرائم الفساد وبضمنها خيانة الامانة التي ترتكب من المنظمات غير الحكومية الممنوحة صفة النفع العام وفي الاتحادات والنقابات والجمعيات المهنية التي تسهم الدولة في اموالهم او التي منحت اموالهم صفة اموال عامة او التي منح منسوبوها صفة المكلفين بخدمة عامة وفق المادة (1/ثالثا/ أ) من قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم 30 لسنة 2011 المعدل .
ثانيا: أهمية تتبع الأصول في الإثبات الجنائي تشير البيانات الرسمية الصادرة عن هيئة النزاهة والجهات القضائية إلى ضبط مبالغ تجاوزت 98 مليار دينار عراقي وأكثر من 19 مليون دولار أمريكي، كانت مخبأة ومدفونة بطرق مختلفة، فضلاً عن الحجز على أكثر من 70 عقاراً ومصنعاً، وتعكس هذه الوقائع التطور الملحوظ في اعتماد أسلوب تتبع الأصول بوصفه أحد أهم وسائل الكشف عن الأموال المتحصلة من الجرائم الاقتصادية والمالية. كما تؤكد هذه القضية أهمية التكامل بين السلطة القضائية والأجهزة الرقابية والجهات التنفيذية المختصة في تعقب الأموال غير المشروعة، وصولاً إلى استردادها وفق الإجراءات القانونية.
وفي نطاق جرائم الكسب غير المشروع، تفرض التشريعات النافذة التزامات قانونية تتعلق بالإفصاح عن الذمة المالية وبيان مشروعية الزيادة غير المبررة في الأموال، مع بقاء سلطة التحقيق والتقدير والفصل للقضاء وفقاً للقانون، وعند ثبوت عدم مشروعية تلك الأموال بحكم قضائي، يجوز الحكم بمصادرتها وإعادتها إلى الخزينة العامة وفق الأحكام القانونية النافذة في قانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع رقم 30 لسنة 2011 المعدل.
ثالثا: الامتداد التشعبي للمسؤولية الجزائية تكشف هذه القضية أن المسؤولية الجزائية لا تقف عند حدود الفاعل الأصلي، إذ أعلنت الجهات القضائية عن شمول أكثر من 20 مسؤولاً رسمياً ونواباً سابقين وحاليين بإجراءات القبض والتحقيق. ويبرز هنا تطبيق أحكام قانون العقوبات العراقي المتعلقة بالمساهمة الجنائية (الاتفاق والتحريض والمساعدة)، والتي تقرر مسؤولية كل من ساهم في ارتكاب الجريمة بإحدى هذه الصور، على أن تبقى المسؤولية الجزائية شخصية، مع إمكانية ترتيب المسؤولية المدنية المتعلقة برد الأموال والتعويض عن الأضرار متى توافرت شروطها القانونية وفق المواد (47 إلى 50) عقوبات .
وبناء على ما تقدم، وفق المعطيات المعلنة حتى الآن، فإن ما أفرزته قضية الجميلي يمثل مؤشراً على تنامي فاعلية الإجراءات القضائية في ملاحقة جرائم الفساد الكبرى، ويؤكد أن شغل الوظيفة العامة لا يوفر حصانة من المساءلة الجزائية متى توافرت الأدلة القانونية، وأن الأموال المتحصلة من الجرائم لا تكتسب المشروعية بمرور الزمن، وإنما تخضع للإجراءات القضائية الخاصة بالاسترداد والمصادرة وفقاً للقانون، مع بقاء الفصل النهائي في وقائع القضية وأشخاصها لسلطة القضاء المختص.
وختاماً ، في ضوء ما كشفت عنه قضية “الجميلي” من تحديات قانونية ومؤسسية في حماية المال العام ومكافحة الفساد، إذ تمثل القضية محطة مهمة في مسار مكافحة الفساد في العراق، إذ تؤكد أن حماية المال العام لا تتحقق بالعقوبات وحدها، وإنما بمنظومة متكاملة تبدأ بالشفافية والرقابة الوقائية الفاعلة، وتمر بتنسيق مؤسسي بين الجهات الرقابية والقضائية، وتنتهي بقضاء مستقل يطبق القانون على الجميع دون استثناء، بما يعزز الثقة بمؤسسات الدولة، ويحافظ على المال العام، ويرسخ مبدأ سيادة القانون، لذا تبرز الحاجة إلى تبني جملة من الإصلاحات التشريعية والإدارية، من أهمها: 1-تعزيز العقوبات المالية من خلال مراجعة التشريعات النافذة بما يضمن اقتران عقوبات السجن بالمصادرة والغرامات المالية التي تتناسب مع حجم الضرر المالي المتحقق، بما يحقق الردع العام والخاص ويجرد مرتكبي جرائم الفساد من العائد الاقتصادي للجريمة. 2-تطوير منظومة الرقابة الوقائية عبر اعتماد أنظمة التدقيق الرقمي المستمر للعقود الكبرى والمشروعات الاستثمارية، ولا سيما في القطاع النفطي، بما يسهم في كشف مؤشرات الفساد في مراحلها المبكرة ومنع وقوعه قبل معالجة آثاره. 3- تعزيز التكامل المؤسسي بين السلطة القضائية، وهيئة النزاهة الاتحادية، وديوان الرقابة المالية الاتحادي، والأجهزة التحقيقية والأمنية المختصة، بما يضمن سرعة تبادل المعلومات، وتنسيق الإجراءات، وتسريع اكتشاف الجرائم الاقتصادية واسترداد الأموال العامة. 4- تفعيل دور دائرة الاسترداد في هيئة النزاهة الاتحادية، ودعمها بالإمكانات القانونية والفنية اللازمة، لتمكينها من متابعة إجراءات استرداد المتهمين والأموال المتحصلة من جرائم الفساد داخل العراق وخارجه، وتعزيز التعاون القضائي الدولي استناداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والاتفاقيات الثنائية ذات الصلة. 5-تعزيز منظومة الإفصاح عن الذمة المالية والتحقق من الكسب غير المشروع من خلال تطوير قواعد البيانات الحكومية وربطها إلكترونياً، بما يسهم في الكشف المبكر عن حالات الزيادة غير المبررة في الأموال وتعزيز الشفافية والمساءلة. 6- ترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية في قطاع النفط عبر تعزيز الرقابة الداخلية، والإفصاح عن العقود الاستراتيجية، وتفعيل أنظمة الامتثال وإدارة المخاطر، بما ينسجم مع أفضل الممارسات الدولية في إدارة الموارد العامة وفق اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد لعام 2003 .
#سيامند_مزوري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كرامة الإيزيدية ليست موضع سخرية: تعليق نائب تحت مجهر القانون
-
مقال بعنوان : انتخاب رئيس الجمهورية في العراق: بين الالتزام
...
المزيد.....
-
إدانات عربية واسعة للضربات الإيرانية.. ودعوات لاستئناف الحوا
...
-
تواصل التصعيد بين واشنطن وطهران واستهداف البنية التحتية
-
مؤثرة مغربية شهيرة تكشف تعرضها لاعتداء جنسي خلال سنين مراهقت
...
-
مشاهد توثق -إصابة دقيقة- لناقلة نفط -مخالفة- في مضيق هرمز بط
...
-
انفجارات ضخمة في مستودعات ذخيرة وقواعد عسكرية في أربيل شمال
...
-
نظام كييف يوسع منطقة الإخلاء القسري في الأجزاء التي تسيطر عل
...
-
تمديد الخدمة العسكرية وأيضا -ما هو جيد لأمريكا-.. جميع القوا
...
-
الكولاجين أم الجيلاتين؟ دليلك لاختيار المكملات الأنسب لك
-
سوريا.. إحباط تهريب مليون و300 ألف حبة كبتاغون في حمص
-
يبحث عن عدو جديد.. اتهامات ترمب للصين باختراق الانتخابات تثي
...
المزيد.....
-
The Political Economy of Corruption in Iran
/ مجدى عبد الهادى
المزيد.....
|