حسن نيت منصور
الحوار المتمدن-العدد: 8765 - 2026 / 7 / 13 - 07:54
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
تقديم:
يرتبط تاريخ الدراسات الثقافية البصرية ارتباطا وثيقا بالدراسات الثقافية بصفة عامة، والحال أن الحديث عن السياق التاريخي والاجتماعي للدراسات الثقافية البصرية يضعنا على محك تاريخ الفنون والانثروبولوجيا.
ولأن الأنثروبولوجيا كعلم مستقل لم يتحقق إلا في القرن التاسع عشر مع استمرار الثقافة البصرية تحت لوائها. فانه تجدر الإشارة إلى أن جذور الدراسات الثقافية البصرية تمتد الى اقطار فكرية، تاريخية، فنية، فلسفية وأدبية... وبالرغم من ارتباط هذا المجال المعرفي بالعلوم الأخرى إما بفعل تلك الامتدادات أو التقاطعات المعرفية معها، فإنه سيتشكل كحقل متميز في الجانب المنهجي والإبستمولوجي، خاصة عندما يدرس الصورة باعتبارها موضوعا متميزا في علاقتها بالسلطة، ومع الثورة التكنولوجية والرقمية على وجه التحديد، يجد المهتمون بالدراسات الثقافية البصرية أنفسهم أمام منعطف بصري، أيقوني يستحق البحث والدراسة.
لكل ذلك ومساهمة منا في النقاش الدائر حول موضوع الدراسات الثقافية البصرية، سوف نحاول التطرق من خلال هذا العرض إلى سياقات تاريخية واجتماعية لظهور وتطور الدراسات الثقافية البصرية كمبحث علمي متميز. معتمدين في هذه المساهمة بشكل كبير على أفكار من كتاب " الثقافة البصرية" لاليكسيس بويلان لأن ما ذكره لا يختلف عن الدراسات الأخرى التي تطرقت إلى هذا الموضوع من جانبه المتعلق بمراحل نشأة وتطور الثقافة البصرية.
وسنحاول الإجابة عن التساؤلات التالية:
ما الدراسات الثقافية وعلاقتها بالدراسات البصرية؟ وكيف تشكلت الدراسات الثقافية البصرية كحقل معرفي وفق سياقات تاريخية واجتماعية؟ إلى أي حدٍّ استطاعت الدراسات الثقافية البصرية أن تفرض نفسها كمجال علمي؟
وتتجلى أهمية هذا الموضوع في القدرة على فهم الثقافة البصرية كمفهوم، والتمييز بين الدراسات الثقافية ودراسات الثقافية البصرية. ثم الوقوف على مختلف السياقات الاجتماعية والتاريخية المساهمة في ضهور الدراسات الثقافية البصرية.
المحور الأول: ملامح الثقافة البصرية عبر التاريخ ما قبل التأسيس
أولا: مفهوم دراسات الثقافية البصرية.
تعرف الثقافة البصرية على أنها القدرة على فهم وتفسير المعلومات المقدمة على شكل صور. تمت صياغة مفهوم الثقافة البصرية لأول مرة من قبل جون ديبس 1969 وقد عرفها: على أنها مجموعة من كفايات الرؤية التي يمكن خلالها للإنسان تطويرها من خلال النظر، بالإضافة إلى الخبرات والتجارب الحسية الأخرى.
إنها كل شيء. كل ذكرياتك البصرية، وكل الصور على الشاشات، وكل الأشياء في منزلك، وكل شيء في منازل الآخرين، وكل الصور على لوحات الإعلانات، وعلى جوانب الحافلات، وفي مترو الأنفاق، وكل صور المدن والمزارع، وكل الخرائط، وكل الرسوم الكرتونية، وكل الأشياء التي تعتقد أنك رأيتها، ولكنك لم ترها بعد. إذا كان الشيء يمكنك رؤيته، وإذا كان قد صنع ُ ليرى، فهو إذن مشمول في مفهوم الثقافة البصرية ولكن كما يشير نيكولاس ميرزويف ، الثقافة البصرية أيضا "تشمل ما هو غير مرئي أو مخفي عن الأنظار …
وبالتالي فان الدراسات الثقافة البصرية تعني: مجال أكاديمي يهتم بدراسة وتفسير الصور المرئية في مختلف السياقات الاجتماعية والثقافية وتهدف الى فهم كيف تنتج وتستهلك وتفسر في المجتمع.
ثانيا: الفنون البصرية عبر التاريخ
يقول غاستون بلاشلار "أن تاريخ العلم هو أخطاء تراكمي" ومنه فان الحديث عن تاريخ الدراسات الثقافية البصرية يخضع بدوره لهذه القاعدة، لكل ذلك سوف نحاول أن نعرج بشكل سريع على الثقافة البصرية عبر التاريخ القديم بارتباطها الوثيق بالأنثروبولوجيا. "وان البحث عن ماهية الأنثروبولوجيا يقودنا حتما إلى البحث عن تاريخ الفكر الأنثروبولوجي وملامح تطوره، ومن ذلك بداية مع الحضارة الفرعونية المصرية، من خلال الرحلات التجارية نحو جنوب مصر عام 1493ق .م التي كشفت عن جوانب لشعوب المجتمعات القديمة، وفي حدود القرن الخامس قبل الميلاد جمع المؤرخ اليوناني هيرودتس معلومات وصفية دقيقة عن عدد كبير من الشعوب غير الأوربية حيث تناول تقاليدهم وعاداتهم وملامحهم الجسمية وأصولهم السلالية"(فهيم، ،1986).
ان تطور ابعاد الثقافة البصرية بداية من الحضارات المختلفة مر من هذا المسار المتقطع:
الحضارة المصرية: من خلال الاهرامات العملاقة وكذلك تماثيل الآلهة والنقوش الصخرية، ان الصورة بما هي استنساخ يدوي كانت لها وظيفة حفظ التاريخ والرموز...
الحضارة اليونانية والرومانية: انها تقدم لنا الفن الكلاسيكي عبر التصوير العقلي الفلسفي للآلهة او التماثيل كما في الحضارة المصرية.
العصور الوسطى: تأسست ملامح الفنون البصرية في العصور الوسطى بشكل أساسي على خدمة الدين، حيث استخدم الفن (رسم، نحت، تذهيب كتب، عمارة) لنشر العقيدة المسيحية وتعليم الأميين عبر الصور الرمزية بدلًا من التمثيل الواقعي. هيمنت الكنيسة والنظام الإقطاعي على المشهد الفني، مُعتمدة على الرموز لنقل المفاهيم اللاهوتية المعقدة.
عصر النهضة تحسنت الفنون الكلاسيكية في أعمال عظماء مثل ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو ورامبرانت وغيرهم، والذين أبدعوا في تصوير الانسان وجماليات الطبيعة، مما أضفى طابعا إنسانيا وعلميا على الفنون.
ومع بداية القرن العشرين انفتحت آفاق الفن على مدارس عديدة، منها التعبيرية والسريالية، حيث استخدم الفنانون الجدد أدوات وتقنيات مبتكرة لتقديم رؤيتهم الفريدة للتكنولوجيا والتغيير الاجتماعي وكان لهما تأثير كبير على الفنون، مما ساهم في ظهور حركات فنية جديدة مثل الفوتوغرافية والفن الرقمي... ومع تزايد تأثير وسائل التواصل الاجتماعية في العصر الحديث، أصبح من الممكن للفنانين أن يتجاوزوا الحواجز الجغرافية ويصلوا للعالمية، مما أضاف بعدا جديدا لتاريخ الفنون البصرية.
تعد الفنون البصرية أحد أهم أشكال التعبير الإنساني في العصر الحديث، إذ تجاوزت حدود الجماليات التشكيلية لتصبح أداة مؤثرة في تشكيل الوعي الاجتماعي وإحداث التغيير الثقافي. يهدف هذا البحث إلى دراسة الدور الذي تؤديه الصورة، بمختلف أشكالها الفنية (التصوير الفوتوغرافي، الفن الرقمي، السينما، التصميم الجرافيكي، الجداريات)، في بناء الوعي الاجتماعي، وتوجيه المواقف، وصياغة القيم الجماعية في المجتمعات المعاصرة .
ثالثا: الدراسات الأنثروبولوجيا والفنون البصرية
انبثق عن الأنثروبولوجيا فروع ومجالات عدّة أهمها في عصرنا الحالي الأنثروبولوجيا البصرية أو المرئية ،لارتباطها بالصورة ودورها التفاعلي والرمزي في ايصال المعرفة إلى الآخر والتأثير عليه ، تتجسد من خلال وسائل الإعلام الجديدة كالتصوير والفيلم الإثنوغرافي ، وتشمل مجالات عديدة تتضمن التمثيل البصري مثل : الأداء والمتاحف والفن والوشم والمنحوتات والنقوش والجداريات في الكهوف والحلي والمجوهرات، وغيرها من الأشكال البصرية ذات البعد الثقافي والانساني، التي تعمل على دراستها وتحليلها انطلاقها من كونها وثيقة مرئية لها خصوصياتها .
ظهرت الأنثروبولوجيا البصرية استجابة لحقبة القرن العشرين التي تميزت بإنتاجية الصورة وحضورها الكاسح في كل مجالات الحياة، ما دفع الأنثروبولوجيا الثقافية إلى إدماج الصورة في دائرة اهتمامها وأسلوب عملها، وتطوير طرق بديلة لتلقي الثقافة بواسطة العدسات.
وأوضح الكاتب أن هذا التخصص انشغل بأدوات تسجيل الثقافة مثل الصورة، الفلم، المتحف، الفيديو، وغيرها، التي تمكن الباحث من فهم الثقافة ونقلها. كما توسع لاحقا ليشمل دراسة المظاهر البصرية في الحياة اليومية، بما في ذلك البيئة العمرانية، الأشكال السياسية، الجسد، الطقوس، الرقص، واللباس، لتصبح كلمات الوسائل الإعلامية، الثقافة، والمظاهر البصرية العمود الفقري للأنثروبولوجيا البصرية.
المحور الثاني: الثقافة البصرية من سياقات مختلفة إلى تخصص متميز
أولا: محطات تاريخية لنشأة الدراسات الثقافية البصرية
بدأ القرن التاسع عشر في ظل ثلاثة أجواء هامة يعتبرها البعض بمثابة ثورات تداخلت آثارها، وانعكست على الفكر الاجتماعي والأنثروبـولـوجـي، تلك هي الثورة الفرنسيـة (1789-1799) والثورة الصناعية، التي كانـت قـد بدأت في أواخر القرن الثامن عشر، وأيضا الثورة العلمية الثقافـيـة، الـتـي شهدت طفرات كبيرة في مجالات وأماكن متعددة بأوروبا. فـبـيـنـمـا ركـزت مبادئ الثورة الفرنسية على أهمية الإنسان وحريته وكرامتـه، كـمـا حـمـلـت معها فكرة التقدم فقد تمخض عن الثورة الصناعـيـة الانـتـقـال إلـى عـصـر الآلة، واستغلال الطاقة والموارد، والاتجاه نحو التصنيع. (حسن فهيم، 1986، 90).
وإذا كان القرن التـاسـع عـشـر هـو عـصـر بـحـث وعـلـم وتكنولوجيا وازدهار اقتصادي، فقد شهد هذا القرن أيضا تطورا في مجالات الفنون والعمارة والآداب والموسيقى والثقافة بصفة عامة. (حسن فهيم، 1986، 93).
وقد رجح علماء الدراسات الثقافية أن الجانب البصري كان دائما أداة قوية لنقل الأفكار والقيَم في أي مجتمع أو جماعة في كل زمان ومكان (بويلان، 2017، ص 35).
إن "الإحساس بحدود تاريخ الفن، وعجزه عن رؤية ما وراء قواعده الخاصة، وأعماله المرجعية الخاصة، وأنظمة القيمة والمعنى الخاصة به، هو ما شجع على إعادة التفكير فيمن وما يهم في نطاق الثقافة البصرية. وكان نمو الدراسات الثقافية وتوسعها في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين أمرا بالغ الأهمية في هذا التحول. فكما تشير الباحثتان في مجال الثقافة البصرية ماريتا ستوركن وليزا كارترايت : "كان أحد أهداف الدراسات َ الثقافية … تزويد المشاهدين والمواطنين والمستهلكين بالأدوات اللازمة لفهم أفضل لكيفية تحولنا إلى موضوعات اجتماعية من خلال الممارسات الثقافية التي تشكل حياتنا."
(بويلان، 2017، ص 34).
بحلول ثمانينيات القرن العشرين وأوائل تسعينياته، أسفرت التدخلات النقدية للنظرية السيمائية، والنظرية النقدية، وكذا النسوية من خلال مساهمة لورا مولفي ، ودراسات ما بعد الاستعمار، والنظرية الكويرية ؛ عن زيادة زخم مطالب الدراسات الثقافية بتوسيع الاعتبارات البصرية خارج إطار أصولها التاريخية الفنية. تطورت "النظرة" وفئات العرق، والنوع الاجتماعي، والقدرة، والجنسانية بوصفها طرقا أساسية لتقييم الأعمال الفنية المرجعية، ومناقشتها، َوتوسيعها أو معارضتها.
بحلول تسعينيات القرن العشرين ثم العقد الأول من الألفية الثانية، أدت هذه الاتجاهات والتدخلات والانتقادات الجديدة إلى تغيير جذري في معايير مجال تاريخ الفن. في الواقع، خلال هذه الفترة، عدلت بعض الأقسام الجامعية عن تسمية والكليات عن تسمية "تاريخ الفن" تماما لصالح دراسات الثقافية البصرية. لقد أثرت قوة "التحول إلى الثقافة البصرية" حتى في المتاحف، وهي الأماكن المرتبطة بشكل أساسي بالمثل العليا، والقيم، والاطر الفكرية لتاريخ الفن. (بويلان، 2017، ص 35).
يشير كل هذا إلى وعي متزايد بأن الثقافة البصرية تمثل طريقة فريدة لمواجهة العالم وتنظيم المعرفة وإنتاجها.
باختصار، ومن منظور أكاديمي، لم يكن هناك سبب واحد لظهور دراسات الثقافية البصرية، بل سلسلة من التحولات في المعرفة والقوة والسلطة، التي رافقت تغييرات فكرية وسياسية واجتماعية واسعة النطاق في النصف الأخير من القرن العشرين. (بويلان، 2017، ص 37).
ثانيا: الدراسات الثقافية البصرية في عصر الآلة والتكنولوجيا
إن الصناعات التي استهدفت تطوير الآلة وكذا التطور التكنولوجي أثرت على الدراسات الثقافة البصرية بما هي دراسات جعلت من الصورة موضوعا لها: ولأن الآلة والتقنية ساهمتا في تطور الصورة نفسها، أمكن القول إنه بفضل هذه التقنية أصبحت الدراسات الثقافة البصرية في مكان بالموضوعات المختلفة.
وبالإضافة الى اعتمادنا على أفكار اليكسيس بويلان، فان المفكر والناقد الأمريكي وليام توماس ميتشيل الذي يعد كذلك من أهم المهتمين بموضوع الثقافة البصرية ومنظريها، تبنى مقاربة نقدية في التعامل مع الفن والصورة بشكل خاص، وقبل التطرق الى بعض من التدخلات في هذا الإطار، ارتأينا ان نورد بعض الاختراعات التي ارتبطت بهذا المجال مع الإشارة الى بعض الأحداث التي ساهمت في تطور أهمية الصورة والدراسات الثقافة البصرية.
1. - اختراع التصوير الفوتوغرافي (1839)
2. - اختراع السينما بدأ تاريخ السينما بمختلف أنواعها سواء الأفلام أو الصور المتحركة، في نهاية تسعينيات القرن التاسع عشر الميلادي، مع اختراع كاميرا التصوير السينمائي.
3. - اختراع التلفزيون خلال العشرينيات القرن الماضي.
4. - اختراع الحاسوب خلال الأربعينيات القرن الماضي.
5. - اختراع الإنترنت أواخر الستينيات القرن الماضي.
6. - اختراع الهاتف الذكي (2007)
انه لا يمكن الحديث عن دور توسيع دائرة الاهتمام بالصورة دون الإشارة الى بعض الاحداث المختلفة التي كان لها أثر كبير في ذلك وازداد دورها وأهميتها، حتى أصبحت تفرض نفسها علينا، وأكثر من ذلك، أضحت كل شيء بالنسبة لنا: تحدد وجودنا ماهيتنا وتتحكم حتى في مصيرنا...
ومن الأحداث البارزة والتي تدخل في إطار السياقات التاريخية والاجتماعية لتطور الدراسات الثقافية:
1- حرب الخليج وبشكل خاص الحرب الثانية 1990
2- احداث 11 شتنبر 2001 التي شهدها العالم بشكل مباشر.
3- اعدام صدام حسين: نفد فجر يوم عيد الأضحى العاشر من ذو الحجة) سنة 1427 هـ، الموافق 30 ديسمبر. (2006
ثم كذلك مساهم الصورة في تغيير وتوجيه الرأي العام، ولا شك ما سمي بالربيع العربي كانت شرارته الحقيقة في صورة متحركة " البوعزيزي" وهو يضرم النار في جسده.
ثالثا: الدراسات الثقافية البصرية مجال علمي متميز
ان الحديث عن أي علم او ميدان علمي كيف ما كان كميدان مستقل في الادبيات العلمية، يحتم علينا وضعه في ميزان ابستمولوجي محض: ان أي علم لن يحمل صفة العلمية والاستقلالية بدون توفر ثلاث أشياء على الأقل:
1- الموضوع الذي يدرسه، ان يكون موضوعا في مجاله الخاص.
ان الثقافة البصرية تتخذ من الظواهر البصرية موضوعا لها، انها تهتم بدراسة كلما يرى وكل ما لا يرى كذلك.
2- المنهج، لأنه لا علم بدون منهج لتحليل القضايا التي يعالجها:
ان الدراسات الثقافة البصرية تتخذ من السيمائية. والبنيوية. والتفكيكية والنقدية... اطارا منهجيا ونظرية للتحليل.
3- المفاهيم: ان الدراسات الثقافية البصرية مجال علمي يزخر بالمفاهيم، وقد كان أهمها؛ الرؤية، الإنتاج البصري، الصورة، العلامة، التمثيل البصري، البناء، المجال الداخلي والخارجي...
رابعا: دراسة الصورة ومعضلاتها
في الولايات المتحدة الامريكية برز ميشيل في دراسته وتعاطيه الثقافة البصرية انطلق من توجيه نقد لاذع لمؤسسي الفن، انه لا ينتقد الفن في حد ذاته بقدر ما ينتقد رؤية او نظرة أصحاب الفن لتاريخ الفن. ان ميتشيل يقدم الدراسات الثقافة البصرية بأمريكا على انها لا يمكن ان تتقدم بدون تغيير تلك النظرة الاختزالية الانسان الغربي للفن. كما يؤكد ان واقع الصورة اليوم لا يمكن استيعابه بدون العودة الى تاريخ الفن بنظرته النقدية.
ان الصورة يجب ان نتعامل معها بحذر، انها ليست بريئة: أي ناقلة لشيء ما، بل ان ما وراءها يناقش.
ويرى ميشيل انه في التعامل مع الصورة يجب أن نمتلك ما يمكن تسميته "بسوء الظن" أي الشك، والحال ان الحديث عن هذا الشك، فان العقل مباشرة يستحضر رونيه ديكارت.
إذا كانت الحداثة قد بدأت مع روين ديكارت، فإنها قد قامت على تجربة الشك. وإذ يركز الفلاسفة ومؤرخو الأفكار على دور الشك الديكارتي، باعتباره منهجا ووسيلة، في تفسري النهضة العلمية والحضارية التي تلته.
تطرح اليكسيس بويلان أمثلة لمعضلات مرتبط بالصورة الصورة: كان أهمها السلطة:
من الصفحة 22 يقدم مشروع الفنانة مورشين اللهياري مشروع بعنوان تأملات مادية داعش: من خلال إعادتها بناء التمثال الذي دمره تنظيم داعش في الموصل، حيث استخدمت طابعة ثلاثية الابعاد، وفتحت الباب للجميع لطباعة التمثال في أي وقت واي مكان، ولكن بويلان تتساءل: هل هذا الفعل هو احياء للتمثال او إعادة تدميره من خلال تحويله الى إعادة نسخ لا نهائي؟ هل هو حداد وتذكر او طمس بطريقة او أخرى.
هل سننتهي بتقديس الالة الناسخة بدل الانسان؟
اننا امام معضلة من معضلات الثقافة البصرية: انه صراع على المعنى والسلطة، حيث يمكن للتكنولوجية ان تكون أداة بناء وتدمير في نفس الوقت. ان الصور ليست مجرد أشياء نراها بل هي ساحات صراع نشيطة.
من يتحكم فيمن؟ هل الصورة ام نحن؟ أصبحنا نتعامل مع الصور مجهولة المصدر ، مثلا ا الصور التي تنتجها الخوارزميات (Algorithms).ماذا تريد منا؟ من ينتجها، ولاي غرض.
يطرح الكتاب كذلك مثال: وهو فيديوهات السكان المعزولون في الأمازون التي تنشرها مؤسسة فوناي البرازيلية (بويلان،2017 ص28) فيديوهات تصور بلا اذن مسبق ولا موافقة، قد تكون لها تبريرات الحماية الأمنية خاصة بعد احداث 11 شتنبر. ولكن أخلاقيا لا تستقيم المراقبة بدون موافقة، وبالتالي نحن امام معضلة أخرى من معضلات الثقافة البصرية وهي المعضلة الأخلاقية.
ويبقى السؤال قائم: متى تتحول عملية الرؤية لعمل عدواني.
ان الثقافة البصرية هي ساحة مشحونة بالقوة والمعاني.
خاتمة
يتضح لنا جليا بعد كل ما تفضلنا بمناقشته من خلال هذه الورقة، ان الحديث عن السياقات التاريخية والاجتماعية للثقافة البصرية لا يمكن الإحاطة به، لأنه موضوع متشعب وواسع، وان ما قدمناه هنا ليس سوى محاولة (أو: لا يتعدى كونه محاولة).لاستثارة أسئلة حول الثقافة البصرية وفهم مساراتها المختلفة.
إن دراسة الثقافة البصرية عملٌ شاقٌ ومعقد، ولطالما كانت كذلك، فالصور تحجب الصراع. علينا التفكير بجدية وذكاء في كيفية التعامل مع هذا الصراع. فمع كل بصمة يد قديمة نراها على جدار أحد الكهوف، يجب أن نسأل: أي يد لم تترك بصمتها؟ ومع كل موقع تاريخي ننظر إليه بدهشة، علينا أن نهمس لأنفسنا أيضا متسائلين: لماذا حفظ هذا الموقع، ولم يحفظ ذلك الموقع الآخر؟ ما الذي دمر أو هدم كي يبنى هذا المكان؟ نحن في حاجة دائما إلى النظر من كثب والتساؤل: لم هذا وليس … هل من شيء آخر؟ ما الذي نريده؟ وكيف أردناه؟
المصادر والمراجع:
أولاً: المصادر والمراجع باللغة العربية
الكتب:
- بويلان، أ. (2020). الثقافة البصرية (ي. العربي، مترجم). مؤسسة هنداوي.
- فهيم، ح. (1986). قصة الأنثروبولوجيا: فصول في تاريخ علم الإنسان. سلسلة عالم المعرفة (98). المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.
- مانزو، ط. (2014). تطور الفنون (مجموعة من الباحثين، مترجم؛ أ. ن. هاشم، مراجع). الهيئة العامة لقصور الثقافة.
- ميتشيل، و. ج. (2020). الأيقونولوجيا: الصورة والنص والأيديولوجيا (ع. حذيفة، مترجم). هيئة البحرين للثقافة والآثار.
المجلات والمقالات:
- البوغانمي، أ. (2019). بنية سوق المعلومات في عصر الإنترنت: بين الديكارتية والمجحفة والداروينية المقلوبة. مجلة مؤمنون بلا حدود.
- بن عمر، س. (2023). الأنثروبولوجيا البصرية: مسارات التشكل واستراتيجيات التمثل. مجلة قراءات، 15(1)، 123-136.
ثانياً: المصادر الأجنبية (الأرشيف الرقمي)
- Debes, J. L., III. (1964–1985). John L. Debes III Collection (MSS-105). Arizona State University Library, Rare Books and Manu-------script-------s. https://lib.asu.ed/collections/rare-books
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟