حاتم فليح
الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 10:15
المحور:
الادب والفن
ترتكز دراسة الأسلوب الشعري للشاعر سوران محمد على تتبع الانتقال الحركي لبنيته الشعرية عبر نصوصه المنشورة في المنشورات والمنصات الادبين والثقافية، مثل قصيدة "رمق الهالات" المنشورة في موقع الحوار المتمدن، يُظهر هذا التتبع تحولاً من الذاتية الوجدانية إلى الرمزية الفلسفية المعقدة الممتدة تاريخياً.
يتسع المعجم الأسلوبي في هذه لقصيدة ليصبح أكثر تعقيداً وتركيباً. ينتقل الشاعر إلى أبعاد فلسفية وتاريخية مجردة، حيث يوظف مفاهيم مثل "خيوط الزمكان" و"تقلبات التضاد"، ويعيد توظيف الرموز التاريخية مثل قصة (سنمار وباني قصر الملك) للتعبير عن صراع السلطة والمثقف.
تصبح الصورة ذهنية، مشكوكة ومحفوفة بالحيرة. يعتمد الأسلوب هنا على التحديق وخرق المألوف البصري (ترى ما لا يرون)، مما يجعل الصورة تتجاوز البعد المادي لتدخل في سريالية الفلسفة الوجودية.
في هذا النص يتحول الخطاب إلى صيغة جمعية يتجاوز حدود الجغرافيا ليوجه رسالة كونية تمس جوهر الصراع البشري الأزلي بين المبادئ والمصالح، وبين الضحية والمستبد.
تميل الجمل والعبارات الشعرية إلى الطول والتركيب الأسلوبي:
"تؤرقك نظرات مفجوعة،
محفوفة بالحيرة، مشكوكة".
الإيقاع هنا أبطأ ومثقل بالأسئلة والتأملات التي تفرض على القارئ التمهل لتفكيك الطبقات الدلالية العميقة للنص.
إن توظيف الشاعر لمصطلح "الزمكان" (Spacetime) في قصيدته "رمق الهالات" ليس مجرد استعارة علمية عابرة، بل يحمل أبعاداً ومرجعيات فلسفية ووجودية عميقة تساهم في صياغة رؤيته الفنية.
تتجلى المرجعيات الفلسفية وراء توظيف هذا المفهوم في المحاور التالية:
1. المرجعية الوجودية والأبعاد الأربعة للوعي
في الفلسفة الفيزيائية، يُلغي الزمكان الفصل بين المكان الثلاثي الأبعاد والزمن كبُعد رابع متدفق بشكل مستقل.
تأطير المعاناة: عندما يقول الشاعر "مؤطرة بخيوط الزمكان"، فإنه يضع الإنسان أو المخاطب داخل قفص وجودي حتمي.
الدلالة الفلسفية: المعاناة، أو الحيرة، أو المأزق النفسي والسياسي في النص ليس حدثاً عابراً في مكان ما أو لحظة ما، بل هو نسيج وجودي مطلق وممتد يطوق الكينونة البشرية بالكامل.
2. تجاوز "عوائق المادة" والامتداد الكوني
يرتبط استخدام الزمكان برؤية الشاعر حول "عالمية الشعر". فالنص الإبداعي الحقيقي عنده هو النص الذي يجتاز كل عوائق الزمكان ويتفاعل معه الإنسان أينما كان على وجه الأرض.
المرجعية المثالية: التوظيف هنا ينزع عن الحدث الشعري محليته وجغرافيته الضيقة، ليحوله إلى أزمة إنسانية عابرة للتاريخ والجغرافيا.
النظرات المفجوعة والحيرة في النص تصبح ظواهر كونية لا يحدها زمن معين ولا مكان محدد.
3. نسبية الحقيقة وتعدد زوايا الرؤية
يرتبط مفهوم الزمكان ارتباطاً وثيقاً بنظرية النسبية لألبرت آينشتاين، حيث يختلف إدراك الأحداث باختلاف موقع المراقب وإطاره المرجعي.
المفارقة في النص: يظهر هذا البُعد الفلسفي بوضوح في الشطر الذي يليه مباشرة:
"وأنت تحدق فوق الأسوار،
ترى ما لا يرون".
الدلالة الفلسفية: الشاعر يوظف الزمكان ليؤكد أن الرؤية والحقيقة نسبيتان. الذات الشاعرة (أو المثقف) تمتلك وعياً مغايراً وإطاراً مرجعياً يتيح لها كسر أبعاد الرؤية التقليدية السائدة وتجاوز القوالب الفكرية المعتادة لعامة الناس.
4. حتمية التغيير وصيرورة الهلاك (القدر الوجودي)
في الفلسفة الوجودية، يُنظر إلى المكان والزمان باعتبارهما النسيج الذي تتخلق فيه الحركة والصيرورة.
البنية النسيجية: يربط الشاعر بذكاء بين الزمكان والحركة في قوله:
"مؤطرة بخيوط الزمكان،
منسوجة بتقلبات التضاد".
الدلالة الفلسفية: التقابل والتضاد هما محركا التاريخ والوجود. هذا الربط يعكس فلسفة هيغلية أو هيرقليطية ترى الوجود في حالة صراع مستمر وتقلب حتمي، حيث يُحاصر المثقف (الذي يرمز له النص لاحقاً بـ "سنمار") بقدَره الوجودي المصنوع من خيوط هذا العالم المعقد.
تمثل القصيدة نموذجاً متقدماً في التوظيف الأسطوري والتراثي، لا سيما عبر استحضار رمز "سنمار" (البنّاء الأسطوري الذي ألقاه الملك من فوق القصر الذي بناه لئلا يبني لغيره مثله). يشير النقاد إلى أن هذا التوظيف يتجاوز السرد التاريخي التقليدي نحو آفاق حداثية أعمق على النحو التالي:
1. قلب الأدوار الدرامية (الضحية كصانع للاستبداد)
في الموروث الشعبي، يُنظر إلى سنمار كضحية خالصة لغدر السلطة والمستبد. لكن سوران محمد يُحدث انزياحاً دلالياً مفاجئاً ويوجه خطاباً نقدياً لاذعاً للرمز:
"تروم يا سنمار إنشاء قفص للأحلام،
فيه يغذي بدم الشعراء الغربان".
التحليل الفلسفي: الشاعر يرى أن الشخص الانتهازي (المتمثل في سنمار) يشارك بوعي أو بدون وعي في تشييد أركان النظام القمعي "قفص للأحلام"، الضحية هنا تسهم في إطعام "الغربان" (التي ترمز للخراب أو لرجال السلطة) بدم القوافي والشعراء الآخرين.
2. التكرار العبثي للخطأ التاريخي (العود الأبدي)
يستحضر الشاعر الفكرة الفلسفية القائلة بأن الإنسان يلدغ من الجحر ذاته تطلّعاً للامتيازات.
"ولو عادت الكرة وسنحت بالقيام،
ستشرئب إلى تلك القبة وسراديبها،
وستشرب من نفس الأواني المكسورة"
التحليل الفلسفي: يتعامل النص مع الرمز بوصفه ظاهرة ممتدة؛ فلو أُعطي سنمار فرصة أخرى للحياة، سيسعى مجدداً وراء بريق السلطة "القبة وسراديبها"، شارباً ذات الأوهام من "الأواني المكسورة". إنه يمثل الأفراد أو الشعوب التي تضحي بمبادئها الأخلاقية طمعاً في مجد زائل.
3. دمج الرمز التراثي بجغرافية المكان (ميزوبوتاميا)
لا يترك الشاعر أسطورة سنمار معلقة في فضاء متخيل، بل يعيد توطينها محلياً بربطها ببيئة الرافدين:
"منتظراً حليب جواميس ميزوبوتاميا..
ألا تلفك حسرة الظمأ حين تراهم؟
وأنت تشاهد شقوق شفتي الفرات"
التحليل الفلسفي: هنا تتمازج الرموز التراثية (دجلة، الفرات، ميزوبوتاميا) لتعبر عن الواقع العراقي والإنساني المعاصر. "شقوق شفتي الفرات" دلالة على الجفاف المادي والروحي، وعجز المبدع الانتهازي (سنمار) عن إنقاذ أرضه رغم براعته البنائية السابقة.
4. تحويل التراث إلى أداة للمساءلة الكونّية
ينتقل التوظيف من كونه حكاية أخلاقية قديمة إلى أداة لمواجهة الحاضر. الشاعر يستخدم الأسلوب الاستفهامي الإنكاري المسكون بالمرارة والمواجهة، ليعري تواطؤ بعض النخب الثقافية مع قوى التدمير ("ترح الأوباش") والسكوت الشبيه بالموت.
لقد نجح الشاعر هنا في أنسنة الأسطورة وتحديثها؛ فلم يعد "جزاء سنمار" تعبيراً عن مظلومية تاريخية، بل صار إدانة رمزية لكل صانع يدعم ركائز قفص الاستبداد، مقدماً رؤية فلسفية شاملة تُسقط الماضي على صراعات الحاضر السياسية والنفسية.
ترتكز التقنية الشعرية والصور البصرية في قصيدة "رمق الهالات" للشاعر سوران محمد على أسلوب التكثيف الرمزي الحداثي، حيث
يتعامل الشاعر مع القصيدة كنسيج مادي مترابط عبر استخدام مفردات الغزل والخياطة لتأطير المفاهيم المجردة. يتجلى ذلك في تركيبات مثل:
"مؤطرة بخيوط الزمكان،
منسوجة بتقلبات التضاد".
تمنح هذه التقنية الأفكار الفلسفية بُعداً ملموساً وهيكلاً بصرياً متماسكاً.
كما ينتقل النص من صيغة الوصف والمناجاة العامة للذات أو للآخر المجهول "تؤرقك نظرات مفجوعة"إلى الاستدعاء والمواجهة المباشرة لرمز تراثي تاريخي "تروم يا سنمار". هذا الانتقال يُحول القصيدة من مجرد تأمل ساكن إلى مسرح مواجهة درامية ومساءلة نقدية للنخب.
يوظف الشاعر صيغ الاستهجان والتعجب لإبراز الفجوة الفكرية والأخلاقية بين المبدع الانتهازي والواقع المأساوي المحيط به. يظهر ذلك بوضوح في تساؤله المرير:
"ألا تلفك حسرة الظمأ حين تراهم؟
وأنت تشاهد شقوق شفتي الفرات".
الاعتماد على الإيقاع الداخلي الصامت:
يتخلى النص عن التفعيلة والقافية الخارجية الرنانة، مستعيناً بجرس داخلي ناتج عن تتابع الحروف المهموسة والمقاطع الممتدة (مثل: مفجوعة، مشكوكة، سراديبها، راقدون). يمنح هذا الاختيار الإيقاعي القصيدة مسحة جنائزية هادئة تتلاءم مع مناخ الانكسار والخيانة التاريخية.
تتميز الصور في القصيدة بأنها مركبة وفانتازية، حيث تبتعد عن التشبيه المباشر وتنزاح دلالياً لتصنع لوحات ذهنية سريالية:
يقوم الشاعر بدمج الحسي بالمعنوي لخلق صور مبتكرة، مثل "خيوط الزمكان" و"تقلبات التضاد". هنا يصبح الزمن والمكان والتحولات الفكرية خيوطاً بصرية تحاصر بطل النص وتُقيد وعيه خلف الأسوار.
كما تظهر الصور السريالية القاتمة من خلال دمج عناصر النقاء (الرؤى والأحلام) بأدوات الأسر والموت:
"إنشاء قفص للأحلام،
فيه يغذي بدم الشعراء الغربان"
تجمع هذه الصورة المتناقضة بين عذوبة الحلم وبشاعة القفص والمطاردة، حيث يتحول النتاج الإبداعي (دم الشعراء) إلى وسيلة لاستمرارية قوى القمع والخراب (الغربان).
يعيد الشاعر توظيف تضاريس ميزوبوتاميا (دجلة والفرات) بصور بصرية مجروحة:
"شقوق شفتي الفرات" لتجسيد الظمأ والقحط الروحي والمادي.
"سيول الدم تنزف وهي باقية على العهد"، حيث يتحول الماء الأزرق الواهب للحياة في الذاكرة الجمعية للنهرين إلى نزيف مستمر وتضحية صامتة لا تبوح بأسرار العابرين.
وهكذا استطاع سوران محمد عبر هذه التقنيات والصور صياغة نص حداثي بامتياز، يخرج بالقصيدة من سياق الوصف الخارجي العابر ليدخل في سياق اللوحة البصرية الفلسفية المعقدة التي تصدم وعي القارئ وتجبره على التفكير بمرجعيات النص الرمزية.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟