أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوزاد عمر علي - من قصور بابل إلى كراسي بغداد، عندما يتحول الواقع إلى مسرحية














المزيد.....

من قصور بابل إلى كراسي بغداد، عندما يتحول الواقع إلى مسرحية


نوزاد عمر علي

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 20:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    



في تاريخ الفلسفة السياسية، لطالما وصفت السلطة بأنها خمرة مسكرة، كل من يتجرعها دون أرضية فكرية وأخلاقية، يصاب بنوع من "جنون العظمة"(Megalomania). ولقد حذر الفلاسفة القدامى دائما من أن لكرسي الحكم قدرة عجيبة على تحويل الواقع إلى وهم، وتحويل الإنسان البسيط إلى كائن غريب يظن نفسه فوق قوانين الطبيعة والتاريخ. إن كتاب مذكرات "سينوهة" (الطبيب الشهير للفرعون) ليس مجرد وثيقة طبية أو تاريخية، بل هو نص فلسفي غائر في عمقه، يحلل البنية النفسية والسيكولوجية الداخلية للعبيد والملوك على حد سواء.
ومن بين كل الطقوس القديمة التي يرويها سينوهة، لم يكن هنالک طقس يحمل رمزية فلسفية مكثفة مثل "عيد الملك المزيف" عند البابليين. في ذلك العيد، كانت السلطة المطلقة تمنح لمدة ٢٤ ساعة فقط لشخص غريب، لمتسكع، أو لإنسان مهمش من عامة الشعب ان يمارس سلطة الملك. ولم تكن التراجيديا لذلك العبيد تبدأ في لحظة ارتداء ثياب الحرير والجلوس على العرش الملكي، بل كانت تبدأ في تلك اللحظة النفسية الخاطفة التي يقوم فيها هذا الإنسان البسيط، تحت تأثير تصفيق الحشود ونشوة خمر بابل المسكر، "بتصديق الكذبة". كان ينسى في تلك الساعات الأربع والعشرين أنه مجرد ظل عابر، قناع مسرحي، وأن التاريخ منحه هذا المنصب لمجرد التسلية وتزجية الوقت. وقبل أن تشرق شمس اليوم التالي لتذكره بحقيقته الواهية، كان يسقى سم المجرع، لأن تاريخ الديكتاتوريات لا يسمح للأقنعة بأن تعيش إلى الأبد.
تنطبق هذه الأطروحة الفلسفية العميقة ليسنوهة، تماما على واقع العراق طوال الأعوام الثلاثة والعشرين الماضية. في التاريخ الحديث لهذا البلد (ما بعد ٢٠٠٣)، لم نشهد مجرد تغيير نظام سياسي، بل كنا شهودا على أكبر تجربة نفسية واجتماعية: "قلب الهرم الطبقي وصناعة ملوك مزيفين من قاع الهوامش والضواحي".
لقد لعب التاريخ هنا، على مدار ٢٣ عاما، لعبة في غاية القسوة والعنف. فالأفراد الذين كانوا بالأمس في الشوارع كباعة متجولين، أو يعيشون على هامش الحياة دون أي رأس مال فكري أو معرفي، وجدوا أنفسهم فجأة، وبفعل عقارب الساعة التاريخية، يعتلون عروش السلطة. لكن المفارقة المسرحية بين الألفية الثالثة قبل الميلاد واليوم تكمن في أن عيد البابليين كان يدوم ٢٤ ساعة فقط، بينما استمر عيد هؤلاء لأكثر من عقدين. هذه المدة الطويلة جعلت "الوهم" يتحول في وعيهم إلى "هوية ثابته".
عندما يصبح المرء، بلا أي جدارة فكرية، أو توازن اجتماعي، أو تصالح مع الذات، صاحب منصب برتبة "جنرال"، أو يشتري "شهادة دكتوراه مزورة" من جامعات الخارج، او يشتري الولاءات ليصبح "وزيرا" أو "مسؤولا"، فإنه يصاب فلسفيا بما يعرف بـ (الظاهراتية - Phenomenology) للانفصال التام عن ماضيه. لقد تولدت لديهم قناعة نفسية عميقة بأن هذه الأرض مدينة لهم. ووصل بهم الخيلاء والصلف إلى حد أن بعضهم بات يرى نفسه من سلالة الملكة إليزابيث، واعتبروا دماءهم دماء ملكية زرقاء ونقية، ينظرون من خلالها إلى المواطنين البسطاء كـ "رعاع" وخدم. وهذه هي العلامة الجوهرية لكل الديكتاتوريات والطغاة عبر التاريخ: عندما يتضخم الإنسان ويكبر ليفوق حجمه الحقيقي، فإن أول ما يفقده هو قدرته على رؤية الواقع كما هو. يخبرنا تاريخ الديكتاتوريات أن الطاغية لا يسقط في بدايات سلطته، بل يسقط تحديدا عندما تصل سكرته إلى "الذروة" (Climax). وكما يقول كارل ماركس:"التاريخ يعيد نفسه، في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة."
واليوم في العراق يسدل الستار ونهاية العرض، نحن نقف أمام فصول الختام لهذه المهزلة السوداء. وإن التحولات والمتغيرات السياسية الراهنة ولا سيما تحركات واستراتيجيات الزيدي، تمثل تلك القوة التاريخية التي جاءت لتستقبل لحظة استفاقة الملوك المزيفين. ومن الناحية الفلسفية، فإن الموت النفسي لهؤلاء المسؤولين والملوك المزيفين يبدأ قبل موتهم الفيزيائي (الجسدي). فعندما يتبدد ضباب نشوة السلطة، ينظرون فجأة إلى أيديهم ليكتشفوا أنهم خسروا كل شيء، فلا هم جنرالات حقييون، ولا هم حملة دكتوراه، ولا تجري في عروقهم دماء الملوك، بل كانوا مجرد دمى متحركة ومضطربة على خشبة المسرح، وقد انتهى وقت عرضها، وبلغت نشوتها منتهاها، وبات خنجر التاريخ مغروزا في أعناقهم.
إن هذه المرحلة الجديدة التي يمر بها العراق تشبه تماما الساعات الأخيرة من العيد البابلي، عندما يزول مفعول الخمر، وينقشع ظلام الليل، ويخيم الصمت على أرجاء القصر. لقد وصل ملوك العراق الزائفون اليوم إلى ذروة نشوتهم ونزواتهم في "المنطقة الخضراء"، لكنهم لم يدركوا أن نصل الجلاد قد أعد لهم من وراء الستار. إن التاريخ يخاطبهم بلغة صامتة ويقول: "لم تتمكنوا من أن تكونوا جزءا من حكمة التاريخ، لذا يجب أن تكونوا جزءا من رماده ".
الخاتمة: عندما يتمزق قناع الديكتاتورية والسلطة الزائفة، لا يبقى شيء سوى الحقيقة الصارخة: إن الإنسان لا يمكنه الحكم بالكذب إلى الأبد. هذه هي ديناميكية فلسفة سقوط الطغاة. إن ملوك بغداد المزيفين، الذين رقصوا طوال ٢٣ عاما على كراسي الجهل والفساد والدماء، يواجهون الآن قانونا أزليا من قوانين التاريخ: "ان كل من صعد العرش مقنعا، أنزل عنه بخنجر الواقع". لقد انتهى العرض المسرحي، وحان الوقت لكي يستيقظ الوطن من هذا النوم العميق المليء بالكوابيس.



#نوزاد_عمر_علي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من قصور بابل إلى كراسي بغداد، عندما يتحول الواقع إلى مسرحية


المزيد.....




- مهمة واحدة لكلاب الإنقاذ: العثور على ناجين من زلزال فنزويلا ...
- عون: سوريا ترغب في فتح صفحة جديدة مع لبنان
- -يد الله-.. المنتخب الإنكليزي يعود مجددا لذات الملعب بعد 40 ...
- ارتفاع حصيلة القتلى بعد تفجير عبوة ناسفة في دمشق
- بعد 53 عاما.. الولايات المتحدة تمهد لعودة الطيران المدني الأ ...
- مناقصة مثيرة تطيح بوزير أردني
- إصابة 12 شخصا إثر هجوم أوكراني استهدف حافلة في جمورية لوغانس ...
- القاهرة تحدد موعد افتتاح أضخم صرح عسكري بالشرق الأوسط
- في الطريق إلى 100 ألف مصاب.. تحذير خطير في الجيش الإسرائيلي ...
- -بلومبرغ-: دول الخليج قد تسمح بفرض رسوم على عبور مضيق هرمز


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - نوزاد عمر علي - من قصور بابل إلى كراسي بغداد، عندما يتحول الواقع إلى مسرحية