سعيد في مجلة سلاح النقد
الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 01:58
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
خلال إقامته في سويسرا بين سبتمبر وديسمبر 1914، وجد لينين نفسه في وضع سياسي وفكري استثنائي فرضته ظروف الحرب العالمية الأولى وما رافقها من انهيار الأممية الاشتراكية الديمقراطية. وقد أدت هذه التطورات إلى عزلة شبه كاملة دفعته إلى التفرغ للدراسة النظرية والفلسفية بصورة مكثفة. وفي هذا السياق عاد إلى الاهتمام بالقضايا الفلسفية التي كان قد تناولها سابقًا في كتابه المادية والمذهب النقد التجريبي (1909)، وشرع في تدوين ملاحظات واسعة في دفاتر بسيطة كتبها بالروسية والإنجليزية والفرنسية. وقد تضمنت هذه الدفاتر اقتباسات مطولة من نصوص فلسفية، ولا سيما من مؤلفات هيغل، مرفقة بتعليقات وتأملات تراوحت بين الإعجاب والنقد والسخرية، وأحيانا أخرى اتخذت شكل إشارات مقتضبة أو ملاحظات مختصرة.
وقد احتلت فلسفة هيغل مكانة مركزية في هذه المرحلة من تطور فكر لينين، خاصة من خلال دراسته المعمقة لكتاب علم المنطق. وأفضت هذه القراءة إلى مراجعة عدد من المسلمات التي كانت سائدة داخل تقاليد الأممية الثانية، وفي مقدمتها الفصل التام بين المادية والمثالية. فمع محاولته فهم الأسباب العميقة للأزمة التي أصابت الحركة الاشتراكية الأوروبية، أدرك لينين أن استيعاب الماركسية على نحو كامل يقتضي فهم المنهج الجدلي الذي طوّره هيغل، باعتباره منهجا يفسر الحركة والتغير من خلال التناقضات الداخلية التي تحرك الواقع والتاريخ.
ومع أنّ لينين ظل متمسكا بالموقف المادي ورافضا للمثالية المطلقة التي تقوم عليها فلسفة هيغل، فإنه لم يرفض جدله، بل سعى إلى إعادة توظيفه ضمن إطار مادي. فبينما رأى هيغل أن تطور الواقع هو في جوهره تجلٍّ لحركة الفكرة أو الروح، اعتبر لينين أن الفكر لا يعدو أن يكون انعكاسًا للحركة الموضوعية للمادة وللعلاقات الواقعية القائمة في العالم. ومن هنا جاءت دعوته إلى قراءة هيغل قراءة مادية تستخلص القيمة المنهجية للجدل من دون تبني الأساس المثالي الذي يقوم عليه.
وقد كان لهذه العودة إلى هيغل أثر بالغ في إعادة صياغة تصور لينين للتاريخ والسياسة والثورة. فقد قادته إلى تجاوز الرؤية التطورية الخطية التي كانت شائعة في أوساط الاشتراكية الديمقراطية، وإلى التأكيد على أن التطور التاريخي لا يجري بصورة متواصلة ومتدرجة، بل يتحقق عبر أزمات حادة وانقطاعات وتحولات نوعية تنبثق من التناقضات الكامنة في الواقع نفسه. ومن ثم أصبحت الثورة، في نظره، تعبيرًا عن تلك القفزات التاريخية التي تفتح إمكانات جديدة للتغيير الاجتماعي والسياسي وتعيد تشكيل مسار التاريخ.
ومن هنا يطرح السؤال حول مدى تأثير هيغل في تشكيل فكر لينين العملي: فإذا كان المنطق هو المفتاح الأساسي لفهم نسق هيغل، فكيف أعاد لينين، باعتباره “رجل الممارسة”، توظيف هذا المنطق داخل الماركسية؟ وما التحولات التي أدخلتها “دفاتر الديالكتيك” على النظرية الماركسية مقارنة بالمنطق الهيغلي ؟
للإجابة عن ذلك، يمكن النظر أولا إلى الديالكتيك بوصفه علم وحدة الأضداد داخل المنطق الهيغلي، ثم تتبع “الانقلاب” الذي أحدثه المنهج المادي عند لينين في قراءته لهيغل، والذي يكشف في آن واحد عن دينامية الفكر الماركسي-اللينيني وعن البنية العميقة للفكر الهيغلي. وأخيرًا، يمكن فهم هذا التطور في ضوء فكرة أن المنطق الهيغلي “يُعاد تصحيحه” داخل دفاتر لينين، وصولًا إلى امتداده العملي في وحدة النظرية والممارسة كما يتجلى لاحقًا في كتاب الدولة والثورة (1917).
1. نقد علم المنطق عند هيغل
«ما لم أكن مخطئًا، فإن في منطق هيغل قدرًا لا بأس به من الغموض والتعصب الفارغ لكن الفكرة الأساسية رائعة: فكرة الصلة الكونية، المتعددة الأطراف، الحية بين كل شيء وكل شيء آخر، وانعكاس هذه الصلة (هيغل معكوس ماديًا) في المفاهيم الإنسانية التي يجب صقلها، والعمل عليها، وأن تكون مرنة، متحركة، نسبية، مترابطة، واحدة في التناقضات، من أجل استيعاب الكون»(1).
يوجّه هيغل نقدًا جذريًا إلى المنطق الصوري التقليدي الذي يفصل بين الفكر والوجود ويجعل الحقيقة مجرد توافق خارجي بين الذات العارفة والموضوع المعروف. فالحقيقة عنده ليست معطى ثابتًا ولا نتيجة جاهزة يمكن بلوغها عبر تطبيق قواعد شكلية للتفكير، وإنما هي سيرورة حية تتطور من خلالها الروح وتتحقق في العالم. فالروح، بوصفها جوهر الواقع ومبدأ حركته، لا تكتفي بتمثل العالم أو التأمل فيه، بل تعمل على تجسيد مفهومها في التاريخ والطبيعة والثقافة، بحيث يصبح وجودها الفعلي هو التعبير عن حقيقتها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى المفهوم باعتباره بنية عقلية جامدة أو صورة ذهنية منفصلة عن الواقع، بل باعتباره قوة فاعلة تحمل في ذاتها مبدأ تطورها وتحقيقها. فالمفهوم يوجد لذاته كما يوجد للآخر، غير أن حقيقته لا تكتمل إلا عندما يصبح موضوعًا لوعي الروح بنفسها. ولهذا فإن عملية المعرفة لا تقوم على مواجهة بين ذات وموضوع مستقلين أحدهما عن الآخر، بل على حركة جدلية تكتشف فيها الروح ذاتها من خلال ما يبدو في البداية موضوعًا خارجيًا عنها. ومن ثم فإن موضوعية الشيء ليست حقيقة قائمة بذاتها ومستقلة عن الوعي، بل هي لحظة من لحظات تحقق الوعي بذاته، إذ لا يكتسب الموضوع معناه وحقيقته إلا داخل المسار الذي تتعرف الروح من خلاله على ذاتها في العالم.
وتتجلى هذه الفكرة منذ الصفحات الأولى من كتاب فينومينولوجيا الروح، حيث يبيّن هيغل أن الوعي لا يبلغ الحقيقة إلا من خلال سلسلة من التجارب التي يتجاوز فيها أشكاله المحدودة باستمرار. فكل شكل من أشكال المعرفة يكشف عن تناقضاته الداخلية، وهذه التناقضات لا تمثل نقصا أو خطأ في التفكير، كما يفترض المنطق الصوري، بل تشكل القوة المحركة لتطور الفكر وارتقائه نحو أشكال أكثر شمولًا وثراءً. وهكذا يتحول التناقض من مبدأ سلبي ينبغي استبعاده إلى مبدأ إيجابي يفسر حركة الواقع والفكر معا.
وعلى هذا الأساس، يصبح المنطق عند هيغل علمًا بالحركة الداخلية للمفاهيم وبكيفية انتقالها من التحديدات الجزئية والمجردة إلى الوحدة الشاملة التي تتصالح فيها الذات والموضوع. لذلك لا يكتفي المنطق الهيغلي بدراسة صور الفكر وقواعد الاستدلال، بل يسعى إلى الكشف عن البنية العقلانية للوجود ذاته، انطلاقًا من الاقتناع بأن "ما هو عقلي واقعي، وما هو واقعي عقلي". ومن هنا يتأسس نقد هيغل للمنطق التقليدي بوصفه نقدًا لكل تصور يجعل الفكر منفصلًا عن الواقع أو يجعل الحقيقة شيئًا ثابتًا ومكتملًا خارج حركة التاريخ وتطور الروح. فالحقيقة، في نهاية الأمر، ليست إلا هذا المسار الديالكتيكي الذي تبلغ فيه الروح وعيها التام بذاتها من خلال العالم الذي أنتجته وجسدّت فيه مفهومها. وعلى هذا النحو، يجري هيغل مقاربة جديدة بين الموضوع والوعي: "الآن، الموضوع هو ما يُمثّل الوعي، بعد أن كانت الحركة مُقسّمة سابقًا بين الموضوع والوعي. الشيء واحد، ينعكس في ذاته، هو لذاته، ولكنه أيضًا للآخر، وفي الحقيقة، هو لذاته مُغاير لما هو عليه للآخر"(2).
إنّ عملية المعرفة، أو التفكير، ليست سوى حركة مستمرة تهدف إلى التأليف بين الوعي وما يواجهه من غيرية. فالموضوع لا يغدو موضوعًا للوعي إلا بعد أن يتم استيعابه ضمن هذه الحركة التأليفية، فيتحول من معطى خارجي إلى مضمون يحتويه الوعي ويستوعبه. غير أن حقيقة هذا الوعي لا تستمد مشروعيتها من الموضوع الجزئي في ذاته، بل من الكلية أو الجوهر الذي يشكل أساس كل حقيقة. ومن هنا يمكن تصور وجود تمايز أو تعارض داخل الروح نفسها، بما أنها قادرة على أن تجعل من ذاتها موضوعًا لها، فتقف بإزاء نفسها كما تقف بإزاء موضوع آخر. لكن هذا التعارض يظل داخليًا، لأن الروح، بوصفها جوهر العالم ومبدأ وجوده، لا يمكن أن يكون لها خارج حقيقي يقف في مواجهتها. فكل ما يبدو آخرًا أو مغايرًا لها ليس إلا لحظة من لحظات تجليها الذاتي. وقد عاد هيغل إلى تأكيد هذه الفكرة وصياغتها بصورة أكثر تجريدًا داخل علم المنطق، حيث بيّن أن الفكر لا يواجه موضوعًا غريبًا عنه، بل يجد في موضوعه تعيّنًا من تعيّناته الخاصة، الأمر الذي يجعل الهوة بين الذات والموضوع، أو بين الفكر والوجود، قابلة للتجاوز في إطار الحركة الديالكتيكية للروح. يقول هيغل في هذا الغرض:" يحتوي التفكير، باعتباره فعلا في علاقته بالأشياء، على الكلّي (بوصفه نتاج لنشاطه) وعلى قيمة الشيء الجوهرية والداخلية والحقيقية"(3).
إنّ حقيقة العالم لا تقوم خارج الوعي، بل تتضمن موضوعيًا في فعل التفكير ذاته. فالحقيقة لا تظهر إلا من خلال الحركة التي يعود فيها الفكر إلى ذاته، أي من خلال استرداد الذات المُدركة لموضوعها واستيعابه ضمن بنيتها الخاصة. وفي هذا المسار يكتسب الموجود طابع الموضوعية، إذ تغدو الحقيقة في جوهرها نشاطا للفكر الموضوعي القائم على الوجود والمتحقق فيه. ومن ثمّ فإن الحقيقة الأولى التي ينطلق منها المنطق، أي مبحث الوجود، تنقض في الآن نفسه الفكرة السلبية التي تفترض إمكان وجود فكر سابق على الحركة الديالكتيكية أو متعالٍ عليها. بل إن هذه هي الخطوة التأسيسية التي يقوم عليها علم المنطق بأسره: فالوجود الخالص، بما هو وجود غير متعين وغير محدد على الإطلاق، لا يختلف عن العدم الخالص. ومن هذا التطابق تنبثق الحركة الديالكتيكية الأولى. لذلك فإن الفكر الذي يتوهم إمكان التحرر من الوجود أو الانفصال عنه، أي الذي يسعى إلى التمركز في فراغ العدم، يظل مع ذلك واقعًا ضمن أفق الوجود نفسه وخاضعًا لمفهومه. أما محاولة تجاوز الوجود الخالص تجاوزًا مطلقًا، فلا تفضي إلى نمط آخر من التفكير، بل إلى ما هو خارج دائرة الفكر ذاتها، أي إلى عزلة فارغة لا تنتج معنى ولا معرفة، لأنها تفقد الشرط الذي يجعل التفكير ممكنًا من الأصل، وهو الانتماء إلى حركة الوجود وانكشافه.
"والآن، هذا الوجود المجرد هو تجريد محض، وبالتالي هو ما هو سلبي مطلقًا، أي، إذا أخذناه مباشرةً، هو العدم"(4). وهذا أمر بالغ الأهمية لفهم ماهية هذا الفكر الخارج عن الوجود من الناحية السلبية، أي ما ليس عليه الفكر القبلي بالنسبة للتفكير أو الروح. وبما أن الفكر القبلي يقع خارج نطاق الوجود المطلق غير المحدد أو العدم، فهو مجرد فئة ثابتة ومحايدة للشيء الذي هو موضوع للحكم. يقول هيغل: "وبالتالي، فإن التصنيفات غير قادرة على تحديد المطلق، طالما أن هذا الأخير لا يُعطى في إدراك، وبالتالي فإن الفهم، أي المعرفة عن طريق التصنيفات، عاجز عن معرفة الأشياء نفسها(5).
يتجه هذا النقد الموجّه إلى كانط ومثاليته النقدية نحو أحد المقاصد الأساسية للفلسفة الهيغلية، والمتمثل في استعادة فاعلية «الشيء في ذاته» وإدماجه من جديد، أولًا في بنية الواقع ذاته، ثم في مجال المعرفة. فخلافًا للتصور الكانطي الذي يُبقي الشيء في ذاته خارج متناول الفكر، يرى هيغل أن الحقيقة لا تقوم على انفصال بين ما هو موجود وما هو قابل للمعرفة، بل على وحدة جدلية تجمعهما داخل حركة الروح والمفهوم. ومن ثمّ، لا يعود للكلّي أي خارج يحدّه أو يقف بإزائه. إذ إن كل ما يبدو غريبًا عنه أو متجاوزًا له إنما يجد مكانه ومعناه داخل حركته الذاتية. وبهذا المعنى، ينتفي إمكان الحديث عن جوهر متعالٍ أو حقيقة قائمة وراء الفكر أو خارجه، لأن فعل التجاوز نفسه لا يكون إلا لحظة من لحظات التطور الداخلي للكلية.
وفي المقابل، يثبت الفكر ذاته بوصفه صيرورة جدلية متواصلة، لا باعتباره أداة خارجية لمعاينة الموجودات، بل باعتباره الحركة التي ينكشف من خلالها الوجود في حقيقته. وتستند هذه الصيرورة إلى السلبية الملازمة للوجود منذ تعيّنه الأول، أي منذ انفتاحه على نقيضه المباشر، العدم. فالوجود الخالص، من حيث هو تعيّن فارغ من كل مضمون، لا يلبث أن يكشف عن تلاشيه في العدم، ومن هذا التوتر الأصلي بين الوجود والعدم تنبثق الحركة الديالكتيكية التي تشكل الأساس المنطقي لكل تطور لاحق للمفهوم. ولهذا يضيف هيغل: "على العكس، فإن العدم، بقدر ما هو هذا الشيء المباشر المتطابق مع ذاته، ليس أقل من الوجود. فحقيقة الوجود والعدم هي وحدتهما، وهذه الوحدة هي الصيرورة"(6).
تؤكد هذه الفقرة من جديد الفكرة الأساسية التي يقوم عليها المنطق الهيغلي، وهي أن حركة الفكر ذاتها لا تنفصل عن البنية الديالكتيكية للوجود. فالتفكير، بوصفه جدلًا، ينبثق من الوحدة الأصلية التي تجمع بين الوجود المطلق غير المتعين والعدم، ومن هذا التوتر الأول تتولد جميع تعينات الواقع والمعرفة. لذلك لا يمكن فهم المعرفة الديالكتيكية باعتبارها نشاطًا ذاتيًا مستقلًا عن الوجود، بل إن حقيقتها كامنة في الوجود نفسه منذ لحظته الأولى وفي أبسط أشكاله. ومن ثمّ، لا توجد حقيقة خارج هذا التحديد الأصلي الذي يشكل الأساس الذي تنبثق منه كل تعينات الفكر والواقع معًا.
وبما أن الحقيقة تنبثق من الغيرية الكامنة في الذات ذاتها، أو من الاختلاف الذي يحمله الكل في داخله، فإن كل تصور يجعل المعرفة خارجية عن الواقع يصبح باطلًا. فالمعرفة ليست علاقة بين ذات وموضوع منفصلين، بل هي الحركة التي يعود فيها الوجود إلى ذاته عبر الفكر. ومن هنا تتحدد المبادئ الأساسية للمنطق الهيغلي في ثلاث قضايا مترابطة:
1) أن الروح أو التفكير يشكل جوهر العالم وحقيقته.
2) أن تصور فكر سابق على الديالكتيك أو منفصل عنه أمر مستحيل.
3) أن كل تفكير هو بالضرورة تفكير جدلي، لأنه ينبثق من التناقضات الأولية التي تتأسس عليها بنية الوجود ذاته.
هذه هي الحجج التي ناقشها لينين وانتقدها في «الدفاتر الفلسفية». فالفكرة القائلة بأن الروح، أو الحركة المتجسدة للفكر، تشكل الضامن الأخير للحقيقة، تندرج في نظره ضمن ما سماه ماركس من قبل "القشرة الصوفية" التي تغلف فلسفة هيغل. ولذلك لم يكن من الممكن لفيلسوف مادي مثل لينين أن يتبنى هذا البناء الميتافيزيقي أو أن يمنحه قيمة تفسيرية حقيقية. غير أن رفضه لهذا البعد المثالي لم ينته إلى رفض الديالكتيكية الهيغلية برمتها، بل دفعه إلى القيام بعملية انتقاء نقدي دقيقة، سعى من خلالها إلى الاحتفاظ بما اعتبره جوهرها العقلاني والتخلي عما رآه عناصر ميتافيزيقية أو صوفية. ومن ثم تبرز مهمة فهم الكيفية التي أنجز بها لينين هذا الانتقاء، والكشف عما استرعى اهتمامه في الديالكتيك التأملي الهيغلي، خاصة إذا استحضرنا هاجسه الفكري والسياسي المتمثل في البحث عن الأسس النظرية القادرة على إرساء علم للثورة. وفي هذا السياق تكتسب ملاحظاته على "تصوّر الوجود" أهميتها الخاصة، إذ تكشف عن سعيه إلى إعادة توظيف المنهج الديالكتيكي في إطار مادي يربط الفكر بحركة الواقع والتاريخ، حيث يقول: "ليس هناك شيء في السماء، ولا في الطبيعة، ولا في الروح، ولا في أي مكان آخر لا يحتوي في آنٍ واحد على ما هو مباشر ووسيط:
1. السماء – الطبيعة – الروح. فلتسقط السماء: المادية.
2. كل شيء "وسيط". فلتسقط السماء: قوانين كل شيء (العملية) في الكون(7).
ينطلق لينين، في قراءته لمنطق هيغل، من تأكيد الطابع المباشر للوجود واستقلاله النسبي عن كل إحالة إلى وعي مطلق أو روح كلية. فالوجود، ليس سوى مجرد مفهوم "في علاقته بذاته"(8)، غير أن هذا التأكيد لا يعني اعتبار الوجود معطى بسيطا أو ثابتًا، لأن الوجود، وفق المنطق الديالكتيكي نفسه، هو نتاج سيرورة من الوسائط والتناقضات التي أنتجته. وهنا يبرز الإشكال: إذا كان الوجود قد تشكل من خلال حركة جدلية، فكيف يمكن الحفاظ على هذه الحركة مع التخلي عن الكلية التي يمنحها لها هيغل في إطار الروح المطلق؟
إنّ الشعار الذي يعبر عنه لينين بعبارة "فلتسقط السماء" لا ينبغي فهمه بوصفه رفضًا للجدل أو لفعل المعرفة، بل باعتباره رفضًا للأساس الميتافيزيقي الذي يجعل من الروح أو الجوهر المطلق الضامن الأخير لوحدة الحقيقة. فالمقصود ليس إنكار القوانين التي تحكم تطور الواقع والمعرفة، وإنما نزع صفتها الماهوية وإلغاء فكرة انتمائها إلى حقيقة مطلقة تتجاوز العالم. وبهذا المعنى يحتفظ لينين بالحركة الديالكتيكية ذاتها، لكنه يحررها من الإطار المثالي الذي كانت تندرج فيه عند هيغل.
غير أن هذا التحول ليست له نتائج نظرية بسيطة. فبإلغاء الروح باعتبارها لحظة اكتمال العملية الديالكتيكية ووحدة جميع تعيناتها، تفقد القوانين ذلك السند الذي كانت تستمد منه وحدتها الشاملة. ولم تعد الحقيقة تُفهم بوصفها وعي الروح بذاتها، بل أصبحت مرتبطة بالواقع الموضوعي نفسه. ومن هنا تعود، بصورة ما، الثنائية بين الذات والموضوع، غير أن لينين لا يمنح الذات دورًا تأسيسيًا في إنتاج الحقيقة، بل يجعل الحقيقة كامنة في حركة الوجود ذاته، مستقلة عن الوعي الفردي الذي يدركها.
لذلك يستمر نقد الكانطية وفكرة "الشيء في ذاته" حتى بعد التخلي عن الجوهر الهيغلي. فحقيقة الوجود لا تبقى قائمة خلف حدود المعرفة الإنسانية، بل تنكشف من خلال تطوره الداخلي ومن خلال التناقضات التي يحملها في صميمه. إن الوجود لا يحتاج إلى مرجعية خارجية تمنحه معناه، لأن حقيقته تتولد من مسار تشكله الذاتي ومن الطريقة التي يتجاوز بها تناقضاته الخاصة. وهكذا تنتقل الحقيقة من مستوى الوعي الكلي أو الروح المطلقة إلى مستوى الواقع نفسه، بحيث يصبح المطلوب هو الكشف عن المعنى الكامن في حركة الوجود لا البحث عن ضمانة ميتافيزيقية تتعالى عليه. ومن هذا المنظور يواصل لينين قراءته لمذهب الوجود، ساعيًا إلى إبراز الحقيقة بوصفها خاصية للواقع الديالكتيكي الموضوعي لا بوصفها لحظة من لحظات وعي مطلق بذاته.
"إن الشيء المفترض بحدّه الكامن كتناقض مع ذاته يدفعه إلى ما وراء ذاته هو المحدود." (إنّ الشيء، إذا نُظر إليه من منظور حدّه الداخلي - من منظور تناقضه الداخلي الذي يدفعه إلى ما وراء ذاته - فهو محدود.) عندما نقول إنّ الأشياء محدودة، فإننا بذلك نُقرّ بأنّ عدم وجودها هو طبيعتها ("عدم الوجود هو وجودها")(9).
«هذه الأشياء موجودة، ولكن حقيقة هذا الوجود هي غايتها». يا له من تحليل ثاقب وبصير! يُحلّل هيغل مفاهيم تبدو عادةً جامدة، ويُبيّن أنّ هناك حركةً داخلها - هل انتهت؟ إذن، هي تتحرك نحو النهاية! هل هي شيء؟ إذن، ليست هذه، بل هي شيء آخر. هل هي الوجود بشكل عام؟ إذن، هي غير مُحدّدة لدرجة أنّ الوجود = العدم. المرونة الكونية للمفاهيم، المرونة التي تُؤدّي إلى هوية التناقضات - هذا هو جوهر المسألة. هذه المرونة الفكرية، إذا طُبّقت ذاتيًا، تُصبح انتقائيةً ومغالطة. أما إذا طُبّقت موضوعيًا، أي إذا عكست عالمية العملية المادية ووحدتها، فهي جدلية، وهي الانعكاس الحقيقي للتطور الأبدي للكون»(10).
تُثير محاولة لينين إضفاء طابع مادي على المنطق الهيغلي صعوبة نظرية أساسية. فالحقيقة الكامنة في الوجود، بحسب المنطق الهيغلي، لا تكمن في المعطى المباشر، بل في صيرورته. أي في علاقته بالغيرية التي يتحدد من خلالها والتي تنبثق عنها حقيقته. غير أن لينين، وهو يسعى إلى إبراز البعد الثوري في فلسفة هيغل، يجد نفسه مضطرًا، بصورة انعكاسية، إلى إعادة تأويل النص الهيغلي باعتباره سردًا مجازيًا وعلميًا لمسار الثورة. ومن هنا تتشكل نظرة متعددة المستويات. فعندما يتجاوز الموضوع تناقضاته الداخلية، لا يصبح عنصر الوجود مقتصرًا على المجال الطبيعي أو المادي، بل يشمل في الوقت نفسه المادة بوصفها موضوعًا للميكانيكا، والواقع الإنساني بوصفه مجالًا للفعل السياسي والتاريخي. وهكذا يغدو الوجود إطارًا عامًا للمادية في مختلف تجلياتها، حيث لا تجد التحديدات المتنوعة حلّ تناقضاتها إلا من خلال مقولة العلاقة. إلا أنه ثمة فرقًا جوهريًا بين المادة والإنسان: فإذا كانت تناقضات المادة تخضع لمنطق الضرورة والآليات الميكانيكية، فإن الإنسان لا ينتمي كليًا إلى هذا المستوى من الحتمية، لأنه يدرك واقعه الخارجي في صورة وعي، ويدرك ذاته في صورة وعي ذاتي. وعند هذه النقطة تظهر السمات الخاصة بالروح كما يصوغها هيغل، أي ذلك الكائن الذي يعرف حقيقته من خلال الوعي الذاتي، ومن خلال علاقته بنفسه بوصفه موضوعًا للتفكير. ومن ثم فإن الغائية التي تتخلل الوجود عبر وساطة الجوهر لا تتمثل إلا في تحقق الوجود لذاته، أي في بلوغه غايته التي تتكشف لاحقًا، في مذهب المفهوم، بوصفها مضمونًا غنيًا ومحددًا. وعلى هذا الأساس، فإن غاية الوجود الإنساني تتمثل في الحل الواعي للتناقضات الموضوعية الكامنة في الكلية التي ينتمي إليها الفرد ويندمج فيها. وهذا ما يعبّر عنه هيغل بقوله إن الشيء، إذا نُظر إليه من زاوية حده الباطني ومن زاوية التناقض الذي يدفعه إلى تجاوز ذاته، فإنه يظهر بوصفه محدودًا. في هذا الجانب تحديدًا وجد لينين ما كان يبحث عنه في فلسفة هيغل: القوة الإيجابية للجدل التأملي وقدرته على حل التناقضات. ذلك «العلم» الذي كان قد تعلّمه من ماركس، ورأى في قراءة هيغل وسيلة لفهم أصوله النظرية العميقة. ولعل إدراكه لدقة العمل الفلسفي الذي أنجزه ماركس كان أحد أهم الدوافع التي جعلته يعود إلى هيغل في خضم انشغاله الثوري. غير أن الأهمية الحاسمة بالنسبة إلينا لا تكمن في هذا الوجه الإيجابي للجدل فحسب، بل أيضًا في الوجه السلبي الذي تنتهي إليه الفقرة، والذي يفتح أفقًا آخر للتفكير في حدود التناقض وإمكانات تجاوزه.
لا يمكن للديالكتيك، بما أنه علم يتعلّق بالجوهر ذاته، أن يكون إلا موضوعيا. ذلك أنّ نفي موضوعيته يفضي إلى نفي وجوده من الأساس. ومن ثمّ، فإذا كانت "المرونة الكونية للمفاهيم" التي يتحدث عنها لينين تشير إلى الحركة الدائمة للجوهر، مستندة في ذلك إلى الإرث الهيراقليطي الذي يشكّل أحد الأسس العميقة للجدل الهيغلي، فإنّ هذه الحركة لا ينبغي أن تُفهم بوصفها تقلبًا اعتباطيا أو غير عقلي. فحين يربط لينين الاستخدام الذاتي للجدلية بالانتقائية والمغالطة، فإنه لا يقصد الإقرار بحرية غير مقيدة للمفاهيم، بل ينتقد على العكس من ذلك كل توظيف ذاتي يعزل التناقض عن أساسه الموضوعي. وليس من قبيل المصادفة أن يستعمل هنا مفهوم "الانتقائية" ذاته الذي جعله محورًا لنقده المتواصل لأرنست ماخ في كتابه المادية والمذهب النقد التجريبي. فالانتقائية، في نظره، ليست سوى عجز عن إدراك الأولوية الأنطولوجية للوجود، أي عن الاعتراف بالمادة باعتبارها الواقع الجوهري الذي تستند إليه جميع التحديدات الفكرية. ولهذا يغدو الاستخدام الذاتي للديالكتيك، الذي يساوي بين المتناقضات على نحو شكلي أو يتعامل بوصفها صفات منفصلة عن حركتها الواقعية، شكلًا من أشكال المغالطة الفكرية التي تفقد الديالكتيك طابعه العلمي والموضوعي. ومن هنا فإنّ نقد لينين للانتقائية ليس غرضه الدفاع عن جمود المفاهيم، بل يسعى إلى تأكيد أنّ حركتها لا تكون مشروعة إلا بقدر ما تعكس الحركة الموضوعية للواقع نفسه، أي الصيرورة المادية التي تشكّل أساس كل معرفة حقيقية.
يقتضي الموقف الموضوعي التعامل مع الديالكتيك بوصفه تعبيرًا عن التناقضات الكامنة في الواقع المادي نفسه، لا باعتباره مجرد أداة ذهنية أو منهجا للتفكير. وهنا يمكن ملاحظة أن لينين، في بعض صياغاته، يقترب من تصور يكاد يستعيد بعض ملامح المثالية الهيغلية، وخاصة عندما يتحدث عن التطور الكوني بوصفه حركة ضرورية وشاملة تتجه وفق منطق جدلي محدد. فبينما يرفض لينين فكرة الروح المطلقة عند هيغل بوصفها الضامن الميتافيزيقي للحقيقة ولصيرورة التاريخ، فإنه يظل مطالبًا بتفسير الكيفية التي تكتسب بها الديالكتيكية المادية مشروعيتها وحقيقتها من دون هذا الضامن. ومن هنا يبرز الإشكال الفلسفي الأساسي: إذا كانت الديالكتيكية المادية تقوم على قوانين موضوعية تحكم تطور الواقع وتوجهه نحو غايات معينة، فما المجال المتبقي لحرية الفعل الإنساني؟ وما موقع الذات الثورية داخل مسار يبدو محكومًا سلفًا بضرورات التاريخ؟
إنّ السؤال لا يتعلق فقط بطبيعة الحقيقة في الديالكتيك المادي، بل يمتد إلى العلاقة المعقدة بين الضرورة والحرية، بين الحتمية التاريخية والممارسة الثورية، بحيث يصبح من المشروع التساؤل عما إذا كان الفاعل الثوري يصنع التاريخ فعلًا أم أنه لا يفعل سوى تحقيق ما تفرضه قوانين التطور الموضوعية. هكذا يكشف النص عن التوتر القائم داخل الفكر الماركسي بين الإقرار بموضوعية القوانين التاريخية من جهة، والدفاع عن الدور الخلاق والحر للإنسان في صنع التاريخ من جهة أخرى.
2. الحرية والإرادة
بيّنا في الصفحات السابقة، كيف أن لينين تبنّى، إلى حدّ بعيد، بعض المرتكزات الأساسية لفلسفة هيغل، وفق الصيغة التي حاولنا تحديد معالمها بأكبر قدر من الدقة. ويبدو الأثر الهيغلي في الماركسية جليًا في اعتبار الديالكتيك حركة سلبية تكشف التناقضات الداخلية الكامنة في الواقع وتدفعها نحو تجاوز ذاتها. ومن هذا المنظور، تُفهم تناقضات النظام الرأسمالي بوصفها عناصر بنيوية تؤدي، عبر تطورها الخاص، إلى تفككه التاريخي.
غير أنّ هذا التصوّر يثير إشكالًا نظريا أساسيا يتعلق بكيفية عمل الديالكتيك داخل إطار مادي. فهل ينبغي النظر إليه باعتباره قانونا حتميا يعمل بصورة آلية، بحيث تقود التناقضات إلى حلّ نفسها تلقائيا؟ أم أن الديالكتيك يشير إلى مسار أكثر تعقيدًا تتداخل فيه الشروط الموضوعية مع الفعل الإنساني والتاريخي ؟
لقد انتبه أنجلز مبكرًا إلى مزالق الفهم الميكانيكي للماركسية، وهو الفهم الذي يحوّل الديالكتيك إلى ضرب من الحتمية الصارمة، وكأن التناقضات التاريخية تُزال من تلقاء نفسها بمجرد وجودها. ولهذا سعى إلى تصحيح هذا التأويل، مؤكدًا في رسالته إلى بلوخ مؤرخة في 21 سبتمبر 1890 أن العلاقة بين العوامل المادية والتاريخية أكثر تعقيدًا من أي اختزال سببي مباشر، وأن تطور التاريخ لا يمكن فهمه بوصفه نتيجة آلية لقوانين تعمل بمعزل عن النشاط البشري والصراع الاجتماعي. يقول في هذا الصدد:
"إن الوضع الاقتصادي هو الأساس، لكن العناصر المختلفة للبنية الفوقية - كالأشكال السياسية للصراع الطبقي، والدساتير التي تُسنّ بعد انتصار الطبقات المنتصرة، والأشكال القانونية، وحتى انعكاس هذه الصراعات الحقيقية في أفكار المشاركين، والنظريات السياسية والقانونية والفلسفية، والمفاهيم الدينية، وتطورها اللاحق إلى أنظمة عقائدية - تُؤثر أيضاً على الصراعات التاريخية، وفي كثير من الحالات، تُحدد شكلها بشكل أساسي"(11).
يمكن فهم هذه المشكلة، من وجهة نظر لينين، بالعودة إلى تصوره للسياسة باعتبارها مجالًا للصراع العملي لا للتأمل الفلسفي المجرد. فالسياسة عنده ليست نسقا نظريا مغلقا، بل هي مواجهة مستمرة بين قوى اجتماعية متعارضة، شبيهة بلعبة شطرنج تُقابل فيها كل حركة موقفًا واقعيًا محددًا وتستدعي ردًا مضادًا. ومن هنا، فإن قيمة النظرية لا تُقاس بمدى اتساقها المنطقي فحسب، بل بقدرتها على توجيه الفعل الثوري داخل شروط تاريخية ملموسة.
ومن المعروف أن لينين كان من أكثر الماركسيين استيعابًا لهذا الدرس الذي استخلصه من أنجلز، وهو ما يظهر بوضوح في كتابه ما العمل؟، الذي ألفه قبل القطيعة التي ستفصله عن بليخانوف سنة 1903. فالكتاب بأكمله يتمحور حول نقد ما عُرف آنذاك بالنزعة "الاقتصادية"، أي النزعة التي كانت تميل إلى حصر نضال الطبقة العاملة في المطالب الاقتصادية المباشرة وتهميش البعد السياسي والتنظيمي للصراع. وقد اكتسب هذا الديالكتيك أهمية حاسمة لاحقًا، إذ شكّل أحد المحاور الأساسية للخلاف الأيديولوجي بين البلاشفة والمناشفة.
لهذا السبب، يبدو من الصعب القول إن لينين كان خاضعًا لتأثير هيغل بصورة سلبية أو أنه كان واقعا تحت تأثير فلسفته بصفة دغمائية. وحتى عندما عاد لاحقًا إلى قراءته ومنح الديالكتيك الهيغلي مكانة مهمة في تفكيره، فإنه قد تعامل معه باعتباره أداة لفهم الواقع المادي والحركة التاريخية، لا باعتباره مبدأً ميتافيزيقيًا مستقلًا عن الممارسة السياسية. ومن ثمّ، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمدى تأثر لينين بهيغل، بل بكيفية توظيفه للعناصر الديالكتيكية داخل مشروع ثوري ظل موجَّهًا، في المقام الأول، نحو تحليل موازين القوى والتدخل في مجرى الصراع الاجتماعي.
يقول لينين بصدد ذلك: "كل ما هو إنساني يتجاوز حدوده (الغريزة، الألم، إلخ)، والعقل، انظر إلى ذلك، "يُفترض أنه عاجز عن تجاوز الحد"! لكن بالطبع، ليس كل تجاوز للحدود تحررًا حقيقيًا منها! لو كان للمغناطيس وعي، لاعتبر اتجاهه نحو الشمال حراً (لايبنتز). – كلا، لأنه كان سيعرف جميع الاتجاهات الأصلية، ولن يعتبر إلا نقطة واحدة كحد لحريته، كقيد، إلخ(12).
إنّ التمييز الذي أقامه لينين بين الوجود المادي والوجود الإنساني، بوصفهما مستويين أو انعطافين للواقع نفسه، لا يهدف إلى إعادة إنتاج النسق الهيغلي، بل إلى بيان الأسلوب الذي يقرأ به لينين هيغل داخل أفق المادية. فالعالم عند لينين يشكل كلية مادية واحدة، غير أن هذه الكلية لا تلغي خصوصية الإنسان، إذ يبقى الوعي سمة تميّزه عن باقي أشكال الوجود المادي. كما أن هذا الوعي لا يمثل خروجًا من المادة أو تجاوزًا لها، بل هو أحد تجلياتها التاريخية الأكثر تعقيدًا.
ومن ثم فإن الفرد، بوصفه كائنًا واعيًا بذاته، لا يكتشف نفسه إلا من خلال علاقته بما هو خارج عنه. فالوعي لا ينشأ في عزلة، بل يتكون داخل شبكة من العلاقات الموضوعية التي تربطه بالآخرين وبالعالم. وهذه العلاقات ليست علاقات مجردة أو فكرية فحسب، وإنما هي قبل كل شيء علاقات مادية، أي علاقات إنتاج بالمعنى الذي بلوره ماركس. لذلك فإن وعي الذات يتخذ منذ البداية شكل إدراك لنوع من الضرورة أو الحتمية التي تفرضها البنية المادية للعلاقات الاجتماعية.
وهنا يتجلى أحد أهم مواضع التقاطع بين هيغل وماركس. ففي منطق هيغل، وتحديدًا في مبحث الجوهر، تظهر مقولة العلاقة باعتبارها الوسيط الذي لا يتحدد الشيء من خلاله بذاته فقط، بل أيضا من خلال ما يقابله ويغايره. فالوجود لا يكتسب معناه إلا عبر الإحالة إلى الآخر. غير أن ماركس يعيد صياغة هذا المنطق الديالكتيكي على أرضية مادية: فبدل أن تكون العلاقة بين الوعي وموضوعه أو بين المفهوم وتعيناته، تصبح العلاقة بين الأفراد داخل شروط إنتاجهم المادية. وهكذا تغدو الغيرية التي تحدث عنها هيغل واقعًا اجتماعيًا وتاريخيًا ملموسًا، حيث لا يدرك الإنسان ذاته إلا عبر موقعه داخل شبكة العلاقات الإنتاجية التي تشكل وجوده الفعلي.
بهذا المعنى، لا يكون الوعي انعكاسًا سلبيًا لعالم جاهز، ولا جوهرًا مستقلًا عن المادة، بل لحظة من لحظات الحركة الكلية للواقع المادي نفسه، لحظة يصبح فيها الوجود قادرًا على أن يعي شروطه الموضوعية وأن يتخذ منها موضوعًا للفكر والممارسة.
"ما هو واحد ومتطابق في العلاقة، أي العلاقة مع الذات المعطاة فيها، هي بالتالي علاقة سلبية مباشرة مع ذاتها، وهذه، بوصفها الوساطة التي بموجبها تكون العلاقة مع ذاتها، السلبية مباشرة، هي التي تدفع نفسها، كانعكاس في ذاتها، لتصبح اختلافًا، وتضع نفسها كانعكاس موجود في آخر، وبالعكس تختزل هذا الانعكاس في آخر إلى العلاقة مع ذاتها وإلى اللامبالاة - القوة وتجسيدها الخارجي"(13).
يمكن فهم النقد الذي يوجهه لينين إلى النزعة الاقتصادية على أنه نقد متصل، لأنه ينتهي إلى إلغاء الفاعلية السياسية للذات الثورية. فحين تفترض النزعة الاقتصادية أن التناقضات الداخلية للرأسمالية ستقود بالضرورة إلى تجاوزها، فإنها تختزل الحركة التاريخية إلى عملية موضوعية مغلقة على ذاتها، لا يبقى فيها للسياسة سوى دور ثانوي أو عرضي. ومن هنا يتهمها لينين أولًا بالواحدية الهيغلية، بمعنى أنها تذيب جميع التحديدات والاختلافات في حركة كلية واحدة، بحيث تصبح الصيرورة التاريخية تعبيرًا عن منطق ضروري يعمل من تلقاء نفسه. وبهذا المعنى، لا يعود الصراع السياسي لحظة حاسمة في إنتاج التاريخ، بل مجرد مظهر خارجي لمسار سبق أن تقرر موضوعيًا.
إلاّ أن هذا الموقف يقود، بصورة مفارقة، إلى شكل من الذاتية الكانطية. فإذا كانت الضرورة التاريخية كافية بذاتها لإنتاج الاشتراكية، فإن الوعي الثوري لا يكون سوى متأمل لحركة الواقع. وهنا ينفصل الوعي عن العالم الفعلي كما ينفصل عند كانط عالم الظواهر عن الفاعلية الحرة للذات. فالذات، بدل أن تكون عنصرًا مكونًا للحركة التاريخية، تصبح مجرد شاهد عليها أو مفسر لها. ومن ثم فإن النزعة الاقتصادية، التي تدّعي الدفاع عن الموضوعية الخالصة، تنتهي في الواقع إلى تجريد الوعي من قدرته العملية وإلى حصره في موقف تأملي.
ولهذا يرفض لينين اعتبار التناقضات الاقتصادية كافية بذاتها لحسم مصير الرأسمالية. فالتناقض لا يحل نفسه سياسيًا كما تحل القوى الفيزيائية تناقضاتها وفق قوانين الطبيعة. صحيح أن التناقضات الموضوعية تخلق شروط الفعل، لكنها لا تنتج الفعل ذاته. إن الانتقال من الإمكان التاريخي إلى التحقيق الفعلي يمر دائمًا عبر الممارسة الواعية والتنظيم والصراع. ومن هنا تكتسب السياسة مكانتها الخاصة بوصفها شكلًا من أشكال حل التناقضات الإنسانية. فهي ليست مجرد انعكاس للضرورة، بل الكيفية التي تتحول بها الضرورة إلى حرية.
في هذا الإطار يصبح "التنظيم" أو الحسم الثوري مفهوما مركزيا. فالحسم ليس قرارًا اعتباطيًا يفرض نفسه على الواقع من الخارج، بل هو الشكل الذي تتعين فيه الحرية داخل شبكة من العلاقات الموضوعية. وكما أن المغناطيس لا يملك خصائصه إلا من خلال علاقته بالأقطاب الأخرى، كذلك لا تتحدد الحرية السياسية إلا من خلال موقعها داخل التناقضات الاجتماعية القائمة. لذلك فإن الحسم الثوري ليس نفيًا للضرورة، بل تعيينًا لها في مستوى الممارسة الواعية. إنه اللحظة التي تتحول فيها الشروط الموضوعية إلى فعل تاريخي.
ومن هذا المنظور، لا يكون نقد لينين للنزعة الاقتصادية مجرد خلاف تكتيكي حول دور الحزب أو الوعي، بل اعتراضًا فلسفيًا أعمق على كل تصور يجعل التاريخ يتحرك بقوة منطقه الداخلي وحده. فالتاريخ لا يُختزل إلى آلية اقتصادية ذاتية الحركة، لأن التناقضات الاجتماعية لا تبلغ حقيقتها إلا عندما تُعاش وتُحسم من قبل ذوات واعية. وهكذا تصبح السياسة، لا الاقتصاد، هي المجال الذي تتجلى فيه حرية الإنسان داخل الضرورة التاريخية، والمجال الذي يتحول فيه الجوهر الموضوعي للعلاقات الاجتماعية إلى ممارسة قادرة على تغيير العالم.
3) نقد الواحدية الهيغلية
في قراءته لهيغل، يحرص لينين باستمرار على تخليص الديالكتيك من كل بقايا المثالية التي ما تزال عالقة به. فهو لا يتعامل مع نصوص هيغل بوصفها بناءً ميتافيزيقيا قائما على أولوية الفكرة أو الروح، بل يسعى إلى إعادة تأويلها من داخل أفق مادي يجعل الحركة الواقعية للعالم هي أساس الفكر لا العكس. ومن ثمّ، فإن قراءته للنصوص الهيغلية الأكثر تجريدًا وتأملًا تدفعه إلى اتخاذ موقف نقدي صارم من كل تفسير يبقي على استقلال الروح أو يمنحها دورًا مؤسسًا للتاريخ. فبالنسبة إليه، لا يمكن فهم ما يسميه هيغل "الروح التاريخية" إلا باعتبارها تعبيرًا نظريًا عن الحركة الفعلية للمجتمع ولعلاقاته المادية. لذلك ينتهي إلى اعتبار أن ما يظهر عند هيغل في صورة تطور للروح ليس في حقيقته سوى انعكاس لمسار العالم الموضوعي ذاته، أي لمسار التاريخ الواقعي الذي تصنعه القوى الاجتماعية والمادية.
ومن هذا المنطلق يخلص إلى أن الديالكتيك الهيغلي لا يكتسب قيمته العلمية إلا بعد قلبه على قدميه، أي بعد تحريره من إطاره المثالي وردّ حركته إلى الواقع المادي الذي يشكّل أساس كل تطور تاريخي. هذه "الروح الداخلية" - انظر... بليخانوف - هو اقتراح مثالي، صوفي، ولكنه عميق للغاية حول الأسباب التاريخية للأحداث. يدمج هيغل التاريخ بالكامل تحت السببية ويفهم السببية بعمق وثراء يفوقان ألف مرة ما يفهمه العديد من "الباحثين" المعاصرين(14).
لا تخلو هذه الاشادة بهيغل من نقد موجّه ضمنيا إلى بليخانوف. فالنص ينبغي أن يُقرأ بوصفه ردًا نقديًا على المقال الذي كتبه بليخانوف بمناسبة الذكرى الستين لوفاة هيغل، حيث عرض فيه الخطوط العامة لفلسفته في التاريخ. غير أن النزعة المثالية التي ينسبها لينين إلى بليخانوف لا تتجلى في ذلك المقال فحسب، بل تظهر بصورة أوضح في دراسته الشهيرة حول " تطور المفهوم الأحادي للتاريخ"(1895). ففي هذا النص، يسعى بليخانوف إلى الدفاع عن المادية التاريخية من خلال إبراز وحدة العملية التاريخية وخضوعها لقوانين موضوعية، لكنه ينتهي، في نظر لينين، إلى منح التاريخ منطقًا داخليًا يكاد يكتسب استقلالًا عن الممارسة البشرية الملموسة. وهكذا تتحول الضرورة التاريخية تدريجيا إلى مبدأ تفسيري شامل، الأمر الذي يهدد بإعادة إدخال عناصر من المثالية إلى قلب النظرية المادية نفسها. ومن هذا المنظور، لا يقتصر نقد لينين على بعض الصياغات النظرية المعزولة، بل يستهدف تصورًا كاملًا للتاريخ يرى في تطوره تحقيقًا متدرجًا لمنطق كامن فيه، بدل أن يفهمه بوصفه سيرورة مادية متناقضة تتحدد من خلال الصراع والممارسة الثورية: "لا شك لدينا في أن العديد من القراء، حتى من يميلون إلى وجهة نظرنا، سيستحضرون عند قراءة هذه السطور أمثلة كثيرة، وكمًا هائلًا من الحقائق التاريخية التي تبدو غير قابلة للتفسير من وجهة نظرنا، وسيشعرون برغبة ملحة في إخبارنا: "أنتم على حق، ولكن ليس تمامًا، وأولئك الذين يحملون الرأي المخالف على حق أيضًا، ولكن ليس تمامًا، فهم وأنتم لا تدركون إلا نصف الحقيقة". قليل من الصبر، أيها القارئ!". لا تسعَ إلى الخلاص في الانتقائية دون محاولة استخلاص جميع الدروس التي يمكن أن يقدمها المفهوم الأحادي الحديث، أي المادي، للتاريخ(15).
ومن أجل تعميق هذا النقد، يصبح من الضروري العودة إلى الديالكتيك الذي طرحه لينين في كتاب ما العمل؟ بخصوص مسألة العلاقة بين الوعي الاقتصادي والحركة العمالية، حيث كان يرفض التصور القائل بتلقائية تطور الوعي الثوري من داخل النضالات النقابية وحدها. ففي السياق السياسي لعام 1901، كان يرى أن الثورة لا تُختزل في تطور اقتصادي حتمي، بل تتطلب تدخلًا واعيًا ومنظمًا من قبل حزب ثوري قادر على نقل الوعي الاشتراكي إلى الطبقة العاملة وتنظيمه في أفق سياسي شامل.
وبهذا المعنى، يميّز لينين بين وعي اقتصادي محدود يقتصر على تحسين شروط العمل داخل النظام القائم، وبين وعي سياسي ثوري يتجاوز هذه المطالب الجزئية نحو هدف تغيير البنية الاجتماعية جذريًا. ومن ثمّ فإن اللحظة الثورية عنده لا تُفهم كتتويج ميكانيكي لتراكم اقتصادي، بل كتقاطع بين تعمّق التناقضات الطبقية ووجود تنظيم سياسي قادر على تحويل الأزمة إلى فعل ثوري حاسم.
"في ظل هذه الظروف، ينبغي على أي إنسان قادر على النظر إلى مجمل نضالنا، دون أن يشتت انتباهه كل "منعطف" في التاريخ، أن يدرك أن شعارنا في هذا الوقت لا يمكن أن يكون "إلى الهجوم!". بل بالأحرى "دعونا نشن حصارًا شاملاً على حصن العدو!" بعبارة أخرى، لا يمكن أن يكون الهدف المباشر لحزبنا هو استدعاء جميع القوات المتاحة له لشن هجوم الآن، بل الدعوة إلى إنشاء منظمة ثورية قادرة على توحيد جميع القوى وأن تكون قائدة ليس فقط بالاسم، ولكن في الواقع، للحركة - أي منظمة مستعدة دائمًا لدعم كل احتجاج وكل انتفاضة، واستخدامها لزيادة وتحصين جيش قادر على خوض المعركة الحاسمة"(16).
ينتقد هذا الاتجاه الاقتصاديين، خصوصًا لعدم تبنيهم نهجًا طويل النفس في التنظيم والتحضير للنضال السياسي، ولتركيزهم بدلًا من ذلك على أولوية “النضال الاقتصادي". لذلك يتساءل لينين:
"ما هو، بحسب تعبير مارتينوف(17)، المعنى الحقيقي والملموس للمهمة التي يُسندها إلى الديمقراطية الاجتماعية: "إضفاء طابع سياسي على النضال الاقتصادي نفسه" ؟ النضال الاقتصادي هو نضال جماعي للعمال ضد أصحاب العمل، لبيع قوة عملهم بربح، ولتحسين ظروف عملهم ومعيشتهم. [...] وهكذا، فإن العبارة الزائفة "إضفاء طابع سياسي على النضال الاقتصادي نفسه"، تخفي وراء مظهرها "العميق" والثوري، النزعة التقليدية لاختزال السياسة الديمقراطية الاجتماعية إلى مستوى السياسة النقابية! تحت ستار تصحيح ضيق أفق "إيسكرا"، التي تُفضل -كما ترون- "تغيير النظرية جذريًا بدلًا من تغيير الحياة جذريًا"، يُقدَّم لنا النضال من أجل الإصلاحات الاقتصادية على أنه شيء جديد.
إنّ كل خطوة للأمام، وكل تقدم حقيقي، لهو أهم من عشرات البرامج، وهو فعل ينطبق على حالة الفوضى الحالية لحركتنا، والتي سبق أن وصفناها أعلاه. وهي في جوهرها ببساطة الترجمة الروسية لعبارة برنشتاين الشهيرة "الحركة هي كل شيء، والغاية النهائية لا شيء"(18).
يكمن العيب الأساسي في هذا الصراع الاقتصادي في ميله إلى الانزلاق نحو الإصلاحية البرجوازية، وإلى إضعاف القضية الثورية الجوهرية، وإلى الاستسلام في نهاية الأمر لأفكار برنشتاين واعتقاده بإصلاحية مستقلة للرأسمالية بعد المرحلة العنيفة من بداياتها. إلا أن هذا النقص يبقى ثانويًا في ضوء ما يلي:
"يشترك الاقتصاديون والإرهابيون اليوم في فكرة واحدة، ألا وهي عبادة العفوية. [...] قد يبدو قولنا متناقضًا للوهلة الأولى، نظرًا للاختلاف الكبير الظاهر بين أولئك الذين يُعطون الأولوية لـ"النضال اليومي الخفي" وأولئك الذين يدعون الفرد المنعزل إلى القتال بأقصى درجات الإيثار. لكن هذا ليس تناقضًا. فالاقتصاديون والإرهابيون ينحنيان أمام قطبين متناقضين من نزعة العفوية: الاقتصاديون، أمام عفوية "حركة العمال الخالصة"، الإرهابيون، في مواجهة عفوية أشد غضب المثقفين الذين لا يعرفون أو لا يستطيعون الجمع بين العمل الثوري وحركة العمال"(19).
إن هذا الاعتقاد بالعفوية، في نظر لينين، هو اعتراف بالضعف، والكسل في غياب برنامج عمل نظري: فبقبولهم أن الحركات الثورية (أو حتى حركات الإصلاح البسيطة !) تحدث تلقائيًا، يعيد الاقتصاديون التواصل مع "المبدأ الداخلي" لبليخانوف، ومع فلسفة هيغل للتاريخ وفقًا لتفسير حتميّ - أي مع طريقة تفكير تخلت جذريًا عن الطبيعة العلمية للعمل الثوري. بتخليه عن العمل الثوري، يتخلى بليخانوف عن فكرة الثورة نفسها. وبتمسكهم بهذه القراءة الحتمية للتاريخ كعملية، يفشل الاقتصاديون في التمييز الذي اقترحناه في الوجود، وبهذا المعنى يختزلون صيرورة الإنسان إلى ضرورة المادة، أي إلى الميكانيكا. تصبح الحرية المحددة حرية حتمية، أو غياب الحرية - أي غياب السياسة، وغياب الوعي الذاتي.
ومن هنا، يظهر فكر لينين أكثر مرونة، لأنه يدمج بين المعطى الموضوعي والشرط الذاتي للعمل الثوري، حيث لا يتحقق التغيير الاجتماعي إلا عبر تفاعل التناقضات الاقتصادية مع التنظيم السياسي الواعي، مما يعيد الاعتبار إلى النضال السياسي بوصفه مجالًا فعّالًا لا مجرد انعكاس لحتميات اقتصادية. وهذا ما يخبرنا به هنري لوفيفر ونوربرت غوترمان تحديدًا في مقدمتهما لكتاب "دفاتر الديالكتيك":
" يتجاوز الوعي، بوصفه تجاوزًا فاعلًا متجذرًا في الفعل، كل الحتميات، وذلك تحديدًا بمعرفتها، وبالتالي باستخدامها وإتقانها. [...] الوعي السياسي، باعتباره إدراكًا وإتقانًا عمليًا للحتمية الاقتصادية والاجتماعية، هو لحظة حرية تمامًا كالوعي العلمي (وهذا صحيح بشكل خاص اليوم). في المقابل، يدخل الوعي السياسي والنشاط الثوري في الحتمية ويهيئان قفزة، انتقالًا من الحتمية إلى الحرية (أنجلز). الحرية الثورية تستوعب كل الحتميات وتحولها إلى حرية الفرد الواعي بطبيعته الإنسانية والذي "استوعب" الطبيعة الخارجية والاجتماعية"(20).
وهكذا يتضح عند لينين وجود تلازم وثيق بين الحرية والسياسة، كما هو الحال عند هيغل، حيث لا يمكن تصور الحرية إلا داخل إطار التحديد والواقع المعيّن. غير أنّ الحرية، في معناها الفعلي، لا تتحقق إلا بوصفها نشاطًا واعيًا يعمل على تحقيق صيرورتها عبر تجاوز التناقضات وحلّها عمليًا. ومن ثمّ، يصبح من الضروري البحث عن تحقق الحرية داخل الوجود نفسه، إذ إنها تظلّ غير مكتملة في ذاتها، وتسعى من خلال هذه الوساطة إلى التوفيق مع التناقض القائم عبر تجاوزه.
ولذلك، تكمن صعوبة المسألة برمتها في الاستخدام المحدد لهذه الحرية. فإذا كانت هذه الحرية هي استخدام الممكن، فإنها بدورها تطرح مشكلة الاستخدام الأمثل لهذه الحرية: أي عدم ارتكاب خطأ سياسي. وهذه المشكلة الثانية، وهي الممارسة العلمية للسياسة في مواجهة الذاتية بوصفها استجابة موضوعية لوضع موضوعي، يجب فهمها على أنها الجزء الثاني من النقد اللينيني للاقتصاديين: "إن المهمة التي حددناها في العدد 47 من مجلة الاشتراكية الديمقراطية مهمة جسيمة. لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال سلسلة طويلة من الصراعات الطبقية الكبرى بين البروليتاريا والبرجوازية. ولكن ليس نفاد صبرنا، ولا رغباتنا، بل الظروف الموضوعية التي أفرزتها الحرب الإمبريالية هي التي أوصلت البشرية جمعاء إلى طريق مسدود ووضعتها أمام معضلة: إما أن ندع ملايين آخرين يهلكون وندمر الحضارة الأوروبية بأكملها، أو أن ننقل السلطة في جميع البلدان المتحضرة إلى البروليتاريا الثورية وننفذ الثورة الاشتراكية"(21).
يمكننا، في ضوء ما سبق من تحليل، أن نلاحظ كيف تتخذ قراءة لينين للجدل الهيغلي موقعًا نقديًا معقدًا ومركّبًا تجاه فلسفة التاريخ عند هيغل. فمحاولة هيغل فهم الحركة العامة للتاريخ انطلاقًا من التناقضات الكامنة في الواقع ذاته، لا من مبدأ خارجي مفروض عليه، تُستقبل بوصفها خطوة مهمة نحو تأسيس فهم عقلاني وعلمي لمسار التاريخ. غير أن لينين يعارض هذا الإرث الهيغلي من زاوية براغماتية، معتبرًا أن فكرة “الحركة التلقائية” ما تزال تحمل أثرًا مثاليًا داخل الديالكتيك، وهو الأثر الذي أشار إليه ألتوسير بوصفه بقايا مثالية تعيق تحقق المادية الديالكتيكية في صورتها الفعالة. لذلك لا يكتفي لينين بكشف هذا البعد المثالي، بل يتجه أيضا إلى نقد إبستمولوجي أعمق يهدف إلى تطهير الديالكتيك المادي من أي نزعة ذاتية أو تأملية قد تعيد إنتاج المثالية في ثوب مادي.
* بقلم سعيـــــد.
--------------------
1. Hegel, Phénoménologie de l’Esprit, t.1, Paris : Aubier, 1999, p. 102.
2. Hegel, Phénoménologie de l’Esprit, t.1, Paris : Aubier, 1999, p. 102.
3. Hegel, Science de la logique, §21 in Encyclopédie des sciences philosophiques, Paris : Gallimard, 1970, p. 96
4. نفس المصدر السابق، ص 144.
5. نفسه، ص 109.
6. نفسه، ص 145.
7. Lénine, Les cahiers sur la dialectique de Hegel, Paris : Gallimard, 1967, p. 60.
8. Hegel, Science de la logique, op. cit. §84, p. 142.
9. Lénine, Les cahiers sur la dialectique de Hegel, op.cit, p 137.
10. نفس المصدر السابق، ص 166.
11. Lettre d’Engels à Bloch du 21 septembre 1890, in Marx et Engels, Études philosophiques, Paris : Éditions sociales, 1961.
12. Lénine, Les cahiers sur la dialectique de Hegel, op. cit. p. 168.
13. Hegel, Science de la logique, §136 in Encyclopédie des sciences philosophiques, op. cit. p. 174.
14. نفس المصدر السابق، ص 243.
15. Plekhanov, Essai sur le développement de la conception moniste de l’histoire, Éd. Du Sandre. [Paris] 2008, p 213.
16. Lénine, Par où Commencer ? in Que faire ? traduction des Œuvres complètes [op. cit.], Paris : Sciences Marxiste, 2004, p. 36.
17. كان ألكسندر مارتينوف في البداية عضواً في حزب نارودنايا فوليا قبل انضمامه إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي العمالي الروسي، حيث كان أحد أبرز الشخصيات الاقتصادية. وانضم فيما بعد إلى بليخانوف والمناشفة سنة 1903.
18. نفس المصدر السابق، ص 104.
19. نفسه، ص 119.
20. Henri Lefebvre et Norbert Guterman, Introduction in Cahiers de la dialectique sur Hegel, op. cit. pp. 84-85.
21. Lénine, Œuvres complètes, op. cit. t. 23, p. 400.
========================================
مجلّة سلاح النّقد، مجلّة فكريّة جامعة، عدد جوان-جويلية-أوت 2026.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟