أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد أمزال - التدليل في الخطاب الإشهاري: بين الأيقوني واللساني















المزيد.....


التدليل في الخطاب الإشهاري: بين الأيقوني واللساني


خالد أمزال
كاتب وباحث في القضايا السياسية والفكرية

(Khalid Amazzal)


الحوار المتمدن-العدد: 8748 - 2026 / 6 / 26 - 18:48
المحور: الادب والفن
    




مقدمة:
لا مراء في كون الخطاب الإشهاري خطابا تواصليا بامتياز ذا بعد سوسيو اقتصادي، يستثمر كل المعطيات الأيقونية والبصرية والآليات اللغوية واللسانية من أجل توجيه المتلقي للاقتناء والاستهلاك، وفي سبيل هذه الغاية ما يفتأ الخطاب الإشهاري ذي الطابع التركيبي والمخاتل، والذي تتشاكل داخله مجموعة من الخطابات، يمتص ويتشرب مختلف صيغ وأشكال التعبير وكذلك القيم والأنماط الثقافية من أجل بناء دلالات جديدة. فالإشهار لا يقف عند حدود إبراز الطابع المادي والفائدة النفعية للمنتوج، بل يحلق بالمتلقي بعيدا نحو عوالم الفرجة والمتعة والإغراء لتجعل من استهلاك المنتوج هدفا مرحليا فقط، لأن الغاية النهائية هي القيمة الاجتماعية للمنتوج، والأثر السيكولوجي المترتب عن استهلاكه.
إن هذا الطابع المركب للإشهار ينتج أساسا من كونه بؤرة لتقاطع العديد من العلامات المختلفة والمتكاملة، هي العلامات الإيقونية والعلامات التشكيلية والعلامات اللغوية (1)، والتي تتداخل وتتمازج بشكل متناغم، وتعمل على إنتاج الدلالة وفق ما يمكن تسميته بـ "التعضيد الدلالي"، لأن التدليل الإشهاري لا تقوم به علامات بعينها، بل هو نتاج ذلك التفاعل الحيوي بينها جميعا. فالعلامة اللسانية رغم مركزيتها لا تنفرد بالتدليل وحدها، والعلامة الأيقونية رغم كل ما يمكن أن يقال عن فقرها التدليلي، وحاجتها الملحة للمكون اللساني، وكونها لا تحمل دلالة في ذاتها، بالنظر لوظيفتها "لأنها عالم مفتوح على مصراعيه لكل التأويلات والتصورات، وهي تحاور اللاوعي وتوحي بمشاعر تختلف في طبيعتها من مشاهد إلى آخر" (2)، فإنها (أي العلامة الأيقونية) تظل قادرة على توليد المعنى. فلا وجود لشيء مجاني وعفوي داخل الخطاب الإشهاري، فكل العناصر التي نشاهدها على أديم ملصق أو وصلة إشهارية ما عامل فاعل في الإشهار الناجح، فجميع عناصر الخطاب الإشهاري تتكلم، ولا وجود كما يقول بارت لأيقون أخرس(3).
لذلك ستعمل هذه الصفحات القليلة مقاربة قضية إنتاج الدلالة في الخطاب الإشهاري، ودور التعاضد الدلالي لعلاماته الأيقونية ولعلاماته اللسانية في التدليل، عبر محاولة الإجابة عن تساؤلين مركزيين هما: كيف يتفاعل المكون الأيقوني والمكون اللساني داخل الخطاب الإشهاري من أجل إنشاء الإرسالية الإشهارية وبناء الدلالة؟ وما هي القيمة التدليلية لكل واحد منهما؟
أولا - التفاعل بين الإيقوني واللساني وبناء الدلالة:
أ - جدل العلامة الأيقونية والعلامة اللسانية:
إن المتأمل لطبيعة كل من العلامة الأيقونية ونظيرتها اللسانية سيلاحظ مبدئيا فروقات واضحة بينهما، فإذا كانت دوال العلامة اللسانية تتخذ داخل الرسالة الإشهاري طابعا خطيا،، بحيث تدرك حسب نظام تحدده بنية الجملة، فإن دوال الشفرة الأيقونية تنتشر في فضاء الصورة، بحيث أن إدراك عنصر من عناصرها لا يتم قبل العناصر الأخرى ضرورة، فالبدء بهذا العنصر عوض ذاك مسألة متروكة لاختيار المتلقي. ومن ثمة فإن الرسائل اللفظية تظل سجينة قواعد النحو والتداول خلافا للخطاب البصري الذي لا يخضع لقواعد تركيبية صارمة، إضافة إلى أن عناصره تدرك بشكل متزامن.
ثم إن الخطاب اللفظي يقبل التفكيك إلى عناصر يقوم المتلقي بإعادة تركيبها ليتحصل له معناها، في حين أن خطاب الصورة تركيبي، لا يقبل التقطيع إلى عناصر صغرى مستقلة، بحيث تبدو الصورة ككتلة تختزن في بنياتها دلالات لا تتجزأ. ذلك لأن اللسان يشتمل على تمفصل مزدوج، بموجبه تنفصل العلامة اللسانية إلى عناصر التمفصل الأول وهي الوحدات الدالة أو المونيمات، وعناصر التمفصل الثاني وهي الوحدات الدنيا غير الدالة أو الفونيمات، بينما الحديث عن هذا التمفصل المزدوج داخل العلامة الأيقونية يعد أمرا صعبا كما ذهب إلى ذلك "أمبرتو إيكو". من هنا، يمكن القول إن الصورة الفوتوغرافية تشتغل وفق وحدة تامة تقدم نفسها على شكل كلية totalité. فمجموع العناصر المشكلة للعلامة الأيقونية تفرض على المتلقي تصورها بوصفها وحدة شاملة يصعب التقديم أو التأخير في نظامها المتجانس.
ينضاف إلى هذا أن العلامات اللسانية تقوم على الاعتباط والمواضعة (أي العلاقة بين الدال والمرجع فيها غير معللة) في حين أن الصورة تقوم على التعليل والمشابهة. ولعل هذا ما يجعل الرسائل اللسانية شديدة التشفير، في حين تبدو الصورة وكأنها نقل للواقع كما هو، إلى حد أن البعض اعتبرهارسالة غير مشفرة (4).
في ضوء هذا، يمكن القول إن العلامة الأيقونية نسق سيميائي غير دال بنفسه، فإذا كانت العلامة داخل النسق اللساني تتميز بالطابع الاعتباطي Arbitraire في علاقة الدال بالمدلول: "فالسلسلة الصوتية: ق.ط.ة، لا تحيل بالضرورة على مفهوم قطة"، فإن العلامة الأيقونية على العكس من ذلك تتميز بخاصية تعليلية "Motivé". فبين صورة الحصان من جهة، وحقيقته المرجعية كحيوان في العالم من جهة أخرى علاقة مشابهة. ولعل هذا ما حذا بـ"غي غوتييه" إلى القول "إذا كان ثقل اللسان يتجه نحو الاعتباطية، فإن الصورة الفوتوغرافية تزن أكثر إلى جانب التعليل" (5).
هكذا، نلاحظ أن الوحدات المركبة للصورة الفوتوغرافية بانبنائها على مبدأ التماثل من جهة، وخضوعها لسلطة الكلية من جهة أخرى، تنفلت من عملية التقسيم الثنائي (دال ومدلول). وهو ما يجعل أشكال التعبيرية الأيقونية عموما والإشهار خصوصا مضطرة إلى إقحام ملفوظات لسانية إلى جانب الصورة، حتى تتمكن من إحداث ثغرة داخل ديمومة واستمرارية الإدراك البصري، وتمنح بالتالي المتلقي فرصة تقسيم الخطاب البصري إلى مشاهدة بالعين واستماع بالأذن. إن غياب التمفصل المزدوج في الصورة الفوتوغرافية كما قلنا سالفا، والارتباط القوي والعميق بالمرجع وإدراكها المتزامن، عوامل تجعل قراءتها تأويلها بمعزل عن المكون اللساني عملية منفتحة ومشرعة لا تخلو من محاذير.
ب - وظائف التعالق بين الأيقوني واللساني:
يعتقد بارت في مقالته الشهيرة "بلاغة الصورة" أن النص اللغوي الذي يحضر إلى جوار الصورة يلعب إحدى الوظيفتين التاليتين (6):
ـ وظيفة الترسيخ (Ancrage): ذلك أن الصورة تتسم بالتعدد الدلالي، أي أنها تقدم للمشاهد عددا كبيرا من المدلولات لا ينتقي إلا بعضها ويهمل البعض الآخر. ومن ثمة فإن النص اللفظي يوجه إدراك المتلقي ويقود قراءته للصورة بحيث لا يتجاوز حدودا معينة في التأويل، فالنص اللغوي إذن يمارس سلطة على الصورة ما دام يتحكم في قراءتها ويكبح جماحها الدلالي، وتشيع هذه الوظيفة في الصور الثابتة كالصور الفوتوغرافية الصحفية والملصقات الإشهارية.
ـ وظيفة الربط (relais): وتكون حين يقوم النص اللغوي بإضافة دلالات جديدة للصورة، بحيث تتكامل مدلولاتهما وتنصهر في إطار وحدة أكبر، وتندر هذه الوظيفة في الصور الثابتة. لكنها الأكثر شيوعا في الصور المتحركة كالفيلم السينمائي والتلفزي والرسوم المتحركة. فهي وظيفة تكميلية، فمادامت الصورة على غناها التواصلي هي مجرد رسالة بصرية قاصرة عن أداء بعض المهام التعبيرية ، فإنها تستعين باللغة لتكملة دلالتها وتدعيمها.
تتجلى الوظيفة الأولى من خلال تقديم النص اللساني للقراءة المقبولة للصورة، وذلك حتى لا تتسيب التأويلات وتنجرف في كل واد، "فالنسق اللساني تكمن أهميته بالنسبة للنسق الأيقوني من حيث كونه يوجه القارئ نحو قراءة محددة، ويربط بين مختلف مقاطع النسق الأيقوني، لا سيما عندما يتعلق الأمر بصورة ثابتة" (7). إذ بالاستعانة بالعلامة اللغوية يصير بمقدور المتلقي انتقاء الدلالة المتوخاة من العلامة الأيقونية، وهنا تتبدى سلطة اللسان في توجيه الصورة دلاليا، فهو الذي يثبت معناها، ويمنعها من الانحراف التي قد تتعرض لها خلال عمليات التلقي. أما الوظيفة الثانية فيتم من خلالها تكملة معنى الصورة، وسد العوز الدلالي الذي قد يعتريها، لأن الصورة في هذه الحالة شبه مكتفية بذاتها تدليليا، فتكون مرفقة فقط بتعليق لغوي يحيلنا على قراءة النص من أجل تثبيت الدلالة.
وقد تتعايش الوظيفتان في نفس الخطاب الإشهاري، إضافة إلى إمكانية هيمنة إحداهما على الأخرى، وهذا الأمر لا يعدم الدلالة، لكون طغيان الترسيخ على الربط معناه أن المتلقي ملزم بمعرفة اللسان لإدراك فحوى الرسالة، في حين أن طغيان الربط معناه أن الملفوظ قائم على الحشو، وأن جهل المتلقي باللغة قد لا يحرمه من استيعاب دلالة الصورة (8).
ثانيا - القيمة التدليلية للغة والصورة :
يكاد الباحثون يجمعون على أن اللغة هي النظام الترميزي الأكثر قدرة على تعيين الأشياء من خلال تسميتها وتسويرها بما يدل عليها، سواء أكان منطق التسمية ذاته في علاقته بالمسمى مسألة اعتباطية أم غير اعتباطية، هذا إلى جانب أن اللغة هي الكفيلة وحدها بامتلاك العالم رمزيا وهذا ما تعجز عنه الصورة.
لكن أولوية اللغة على مستوى التدليل بالمقارنة مع الصورة لا تلغي الأهمية التدليلية للعلامات الأيقونية، فالعلامة اللسانية تبقى بالنسبة للبعض رغم كل شيء قاصرة أمام بلاغة الصورة وإوالياتها المتفاعلة والمؤثرة، فهي ذات التأثير السحري في نفس المتلقي، كما تستوقف المشاهد لتثير فيه الرغبة والاستجابة نظرا لوظيفتها الجمالية، وعمقها التدليلي بالنظر لكونها فضاء مفتوحا على كل التأويلات. هذا إلى جانب طاقتها التمثيلية التي تمكنها من تقديم الأشياء والأشخاص في أبعادها وأشكالها بدقة تامة، الشيء الذي تعجز عنه اللغة في كثير من الأحيان.
هكذا نكون إزاء موقفين متعارضين، سنحاول مقاربتهما في السطور القادمة، أولهما يرى العلامات اللسانية أساس التدليل وأن الصورة في حال وجودها هي عالة عليه، بينما الموقف الثاني فيعتقد بأن العلامة الأيقونية نسق دلالي مستقل لا يحتاج دائما للغة.
أ - اللغة أساس التدليل (موقف رولان بارت):
وينطلق بارت في تصوره للصورة من زاوية مختلفة جذريا عن تصور دوسوسير، ومن منطلق مغاير تمامًا عن تصوره للسيميائيات، ففي حين يجعلها دو سوسير الفرع الأشمل الذي يضم بين جنابته اللغة بوصفها فرعًا معرفيًا يندرج تحتها، يرى بارت على النقيض تمامًا أن اللغة الكل الأشمل الذي تندرج تحتها السيميوطيقا، وسنده في ذلك أنه ليس من المؤكد وجود أنساق من العلامات في حياتنا الاجتماعية الراهنة تضاهي اللغة شمولا، فكل "نسق سيميولوجي يمتزج باللغة. فالمادة البصرية مثلا تثبت مدلولاتها عن طريق مضاعفتها برسالة لفظية (وهو حال السينما والإشهار والتصوير الفوتوغرافي الصحفي) ،بحيث يقيم جزء من الرسالة الأيقونة علاقة بنيوية مع نسق اللغة، هذا في الوقت الذي لا تحوز فيه أشياء كاللباس والأكل صفة النسق إلا إذا هي مرت عبر محطة اللغة التي تقطع دوالها وتسمي مدلولاتها" (9).
وعلى هذا النحو يكون من الصعب وجود نسق من الصور أو الأشياء تتحقق مدلولاتها خارج اللغة، ولقد أحدثت أطروحة بارت هذه كثيرًا من الجدل، فـ "بيرشي" Percher سجل عليها مجموعة من الملاحظات أهمها أن العالم يصبح في ضوء تصور بارت عالما أبكم لا يتكلم إلا من خلال اللغة، ومن ثم فالعالم الوحيد الموجود هو عالم اللسان، و هذا الفرض لا يخلو من جانب الصحة، لكنه يفرض ويكرس ديكتاتورية اللغة، لتصبح الدلالة دومًا لسانية فقط، كذلك فإن بارت يخلط في تصوره بين اللغة واللغة الواصفة في تصوره لتعينها للأشياء. إذ أنه يستنتج من قدرة اللغة على ترجمة مدلولات غير لسانية، أنها هي النسق الوحيد الذي ينتج دلالة بحق، وهو أمر غير كاف للزعم بأن الدلالة ذات منشأ لساني فقط (10).
وفي هذا الإطار يؤكد "بيوزنس" على وجود أنسقة علامية غير لسانية مستقلة وتامة، "وهو لا ينفي أن هذه الأنسقة يرتبط إدراكها باللغة، ولكن في حدود معينة. وهو أمر لا غرابة فيه من الناحية الإبستمولوجية، وبذلك فلا طائل من المبالغة في الاعتداد بأولوية هذا النظام العلامي وشموليته، وسيكون من الأجدى البحث في سر هذه الأولوية وهذا الشيوع.
ب - العلامة الأيقونية نسق دلالي مستقل (موقف جماعة مو ):
انطلقت جماعة "مو" البلجيكية Groupe  من اعتبار الصورة ملفوظا له دال ومدلول، وذلك عبر التفريق داخلها بين العلامة الإيقونية والعلامة التشكيلية، مدللة على عكس ما ذهب إليه بارت عندما اعتبر غياب التمفصل المزدوج في الصورة نقصا في قدرتها على التمثيل التشاكلي، ومعتبرة هذا المعطى اللساني، أي التمفصل المزدوج حاضرا في الصورة كذلك، فالعلامة الإيقونية تمثل الفونيم لكونها تشتغل كوحدة صورية دالة داخل الصورة، بينما الوحدات غير الدالة المتعددة الأشكال فتتجسد في العلامة التشكيلية، وهذه التمييزات هي ما دفعت جماعة "مو" لاعتبار الصورة علامات مستقلة بذاتها (11).
وفي هذا الإطار عاكست الجماعة بارت في تصوراته التي تعطي اللساني أولوية على الأيقوني في مسألة التدليل، رافضة اعتبار اللغة السنن الأمثل لمجرد قدرتها على التسمية والتعيين. فعملية التلفيظ التي يعتقد بارت أنها لا محيد عنها في عملية بناء الدلالة، فكرة غير صحيحة ونابعة عن جهل بسيرورة اشتغال العلامة الأيقونية، فإذا كانت هذه الأخيرة قابلة للتلفيظ فإن ذلك لا يعني أن الدال اللساني يتمنع على "الأيقنة". هذا إضافة إلى أن اللسان لا يستغني عن الأيقون من أجل التدليل، وتستدل الجماعة على ذلك بالموسوعات وكتب الفيزياء والكيمياء والطب، التي تتفاعل وتتجاور داخلها العلامات الأيقونية واللسانية، من خلال تداخل المعطيات المعرفية والمثيرات البصرية، والدلالية اللسانية والمسارات الأيقونية (12).
ثالثا - التقرير والإيحاء فـي الخطاب الإشهاري:
أ - ثنائية التقرير والإيحاء عند بارت:
ترتكز هذه النقطة على مبدأين لسانيين وسيميائيين مهمين يعتمدهما كل مشتغل على سيميائيات الصورة، وبهما تنتقل الصورة من عالم التحقيق إلى عالم التخييل المنفتح على كل تأويل، وهما مفهوم التعيين ومفهوم التضمين، فقد قام رولان بارث باستثمرهما في قراءته للصورة، بعدما أخذهما من "يالمسليف" وطوعهما لجهازه المفاهيمي والمصطلحي، آخذا بهما كمصطلحين ووظيفتين في نفس الوقت، فإذا كانت الوظيفية التعيينية أو التقريرية تطرح سؤال ماذا تقول الصورة ؟ والتي ستجيب عنها القراءة الوصفية، فإن الوظيفة التضمينية أو الإيحائية ستطرح سؤالا إجرائيا وتأويليا، وهو كيف تقول الصورة ما تقوله.
فداخل الخطاب الإشهاري يميز بارت بين ثلاث رسائل : رسالة لسانية، ورسالة أيقونية غير مسننة، ورسالة أيقونية مسننة، فإذا كانت الرسالة الأولى تضطلع بمهمة توجيه القارئ نحو مسار محدد لانتقاء الدلالة المنشودة سلفا، فإن الرسالة الأيقونية غير المسننة هي ما يمكن أن نعرفه بالتقرير Dénotationداخل الصورة، أي الأشكال والخطوط والاشياء كما هي دون أي معنى خاص، أو بلغة أخرى هي حاملا للرسالة الأيقونية المسننة، أما هذه الأخيرة فتقوم بإضافة دلالات غير متجلية في الرسالة الثانية، وذلك بانفتاح الصورة الإشهارية على القراءات التي يوفرها السياق السوسيو-ثقافي، وتشغيلها ذلك سقف قيمي معيين، وهذا المستوى هو ما يمكن تسميته بالإيحاء Connotation، وهنا تكمن المفارقة بتعبير بارت، وذلك لكون الصورة الإشهارية تتضمن، في ذاتها وفي نفس الوقت، الرسالتين الأخيرتين معا (13).
وتلعب الصور البلاغية، كانزياحات تعبيرية متعارف عليها، دورا مهما في التأثير على المتلقي، مما جعل رولان بارت يحدد البلاغة كإيحاء. "فالخطاب الإشهاري حسب بارت يتميز بالازدواجية التي يكون فيها التقرير الأول بكليته، على المستوى اللساني، بمثابة الدال بالنسبة للخطاب الثاني الإيحائي الذي يحيل على المدلول والمتمثل في جودة البضاعة، والذي يحفز المستهلك على الشراء" (14). من هنا، تفرض مسألة الإيحاء نفسها، بحيث إن الحديث عن البلاغة الإشهارية هو إلى حد بعيد حديث عن الإيحاء الذي يعني حضور وإدماج الذاكرة السياقية في سيرورة التدليل.
ويتمثل دور المستوى التقريري للخطاب الإشهاري في كونه يقوم بمهمة تعريف المنتوج وجعله مألوفا من طرف محيط ترويجه وتسويقه، وذلك بغرس صورته في ذهن ومخيلة المتلقي، أما المستوى الإيحائي فيكمن دوره في شحن المنتوج بقيمة مضافة، لأنه لا يمثل بعده النفعي بل يشير إلى قيمته الاجتماعية والنفسية، وهو الأمر الذي تعمل الصورة الإشهارية على تفعيله من خلال الانتقال من دوالها إلى مدولالتها الاستهامية.
انطلاقا من هذا المستوى، تصبح الصورة انبناء وليست بنية، تدليلا وليست دلالة فحسب، حيث يتم تحديد البعد الآخر غير التماثلي وغير المحاكي للصورة أو الرسالة الثالثة على حد تعبير بارت، أي تحديد العلاقات بين الأشكال الأيقونية التي يمثلها إطار الصورة الإشهارية وبين السنن الثقافي العام الذي تنبثق داخله.
ب - قراءة تطبيقية لثنائية التقرير والإيحاء في نموذج لوصلة إشهارية:
سنتناول في ما سيأتي تحليلا لنموذج من وصلة إشهارية لـ "سيارة مرسيدس-بنز" (15) نستجلي من خلاله حدود تفاعل العلامات الأيقونية والعلامات اللسانية، وميكانيزمات الانتقال من مستوى التقرير إلى مستوى الإيحاء، وذلك من خلال تتبع مقاطع هذه الوصلة، والوقوف بشكل مقتضب عند تلازم تجاور الدلالتين التقريرية والإيحائية، وتجاوز الأولى نحو الثانية.
• المقطع الأول: من بداية الوصلة إلى الثانية 5
- قراءة وصفية-تقريرية: على نغمات موسيقى إيقاعية سريعة، يقوم الأسد الذي يرتدي بذلة عصرية أنيقة بتسريح شعره أمام المرآة، ثم يزيل شيئا عالقا بين أنيابه،
- قراءة دلالية-تأويلية: الأسد رمز القوة والاعتداد بالنفس، حريص على مظهره الجيد، وحركة إزالة ما علق بين أنيابه تُذَكِّرُ بأنه حيوان مفترس.

• المقطع الثاني: من الثانية 6 إلى الثانية 22
- قراءة وصفية-تقريرية: يحضر الأسد اجتماعا مع بعض الموظفين، يبدأ أحدهم بتقديم عرض على الشاشة، لكن يحدث عطل يقطع العرض، يحاول هذا الموظف إصلاحه، تظهر علامات الضجر على الأسد، يزيد من توتره طبق سلطة خضراء تتناوله سكرتيرته الذي يمسكه بيده وينظر إليه بازدراء، يتواصل العرض لكن ينقطع مرة ثانية، يزداد توتر الأسد بمرور الوقت لدرجة يكسر فيها قلم الرصاص الذي يمسكه به.
- قراءة دلالية-تأويلية: الأسد رغم كل سطوته معرض للتوتر بفعل ضغط العمل، تستفزه مجموعة من السلوكات مثل تكرار الأعطال خلال العرض، زيادة على طبق السلطة الخضراء خصوصا وأن الأسد حيوان لاحم، لكن في هذا المقطع إشارة ضمنية لسيارة مرسيدس-بنز والمتمثلة في القرص الذي يظهر خلال العرض، والذي يشبه الهوية للبصرية لهذه الأخيرة.

• المقطع الثالث: من الثانية 23 إلى الثانية 32
- قراءة وصفية-تقريرية: تندلق القهوة بدون قصد على قميص الأسد، يحاول سدى تنظيف أثارها، تظهر على أيقونة البريد الإلكتروني لهاتفه مئات الرسائل، يواصل الحديث بانفعال عبر هاتفه النقال، يضغط بيده على مجسم لـ"إيموجي المبتسم"، يلقي بهاتفه على مجلة تظهر صورته على غلافها، ثم ينظر إلى الشمس من زجاج النافذة التي تشير لقرب موعد الغروب.
- قراءة دلالية-تأويلية: لا شيء يخفف من التوتر الذي يشعر به الأسد (والذي لقبته المجلة بملك المدينة-الدُّغْل) بفعل ضغوط ساعات العمل الطويلة، لكن الساعة التي تظهر على شاشة هاتفه النقال، شكلها الدائري وعقاربها الثلاثة تحيل على الهوية البصرية لسيارة مرسيدس-بنز، مما يعني أن التوتر سيزول عندما سيستقل الأسد هذه الأخيرة.

• المقطع الرابع: من الثانية 33 إلى الثانية 45
- قراءة وصفية-تقريرية: يغادر الأسد المكتب، يستقل المصعد من الطابق رقم 16 متجها نحو الطابق تحت الأرضي، وعلامات الإنهاك بادية على وجهه، يركب سيارته، لكن توتره يزيد لكن هذه المرة بسبب اختناق مروري.
- قراءة دلالية-تأويلية: يحتاج الأسد للارتخاء وتجاوز التوتر الذي صاحبه طيلة اليوم، لذلك نلاحظ ظهور رقم 16 مرتين: مرة في المصعد، وأخرى على أرضية مرآب السيارات، إذ هذا الرقم يرمز للتوازن الذي يحاول الأسد بلوغه بعد يوم طويل من العمل.

• المقطع الخامس: من الثانية 46 إلى الدقيقة الواحدة و14ثانية
- قراءة وصفية-تقريرية: يضغط الأسد على أحد الأزرار فَيُسْمَعُ صوتٌ يقول: "تكنولوجيا تغيير المزاج ... بكبسة واحدة"، يتغير لون داخل السيارة ليصير بنفسجيا، تتغير الموسيقى الإيقاعية إذ تصبح هادئة، تتسع حدقة عين الأسد، تتحرك أذنه، تدلك يدان ظهره، ينبعث رذاذ عطر يجعله يشعر بالانتعاش، يبدأ بالاسترخاء، ثم يبتسم بسخرية من توتر سائق يضغط بعنف على المنبه، يواصل الأسد سياقة سيارته منتشيا، يقطع جسرا قديما، ثم تظهر على شاشة سوداء عبارة: "سيارة فئة إس الجديدة ... اشعر بالقيادة الذكية".
- قراءة دلالية-تأويلية: تتيح سيارة مرسيدس-بنز فئة إس الجديدة أول نظام تكنولوجي لتحسين الحالة المزاجية للسائق من خلال ضبط الموسيقى ودرجة الحرارة والعطر والإضاءة والألوان (اللون البنفسجي يرمز للاعتدال والتوازن بين الروح والجسد) بلمسة زر واحدة، إذ حتى الأسد الذي يصعب ترويضه يتحسن مزاجه عند تشغيل هذا النظام.

• المقطع السادس: من الدقيقة الواحدة و15ثانية إلى آخر الوصلة
- قراءة وصفية-تقريرية: يصل الأسد إلى منزله الفخم بمزاج جيد، تلوح له زوجته اللبؤة بكلتا يديها من خلف الواجهة الزجاجية، يحييها مبتسما بيده اليسرى، لتظهر أخيرا نجمة مرسيدس الفضية داخل خلفية سوداء.
- قراءة دلالية-تأويلية: يتمكن نظام تحسين الحالة المزاجية من جعل الأسد يعود لعرينه وقد تخلص من عناء يوم متعب، إذ تعود النجمة للَّمَعَان في سواد الليل.

خاتمة:
إن التعايش بين الصورة واللغة تعايش ضارب بجذوره في عمق التاريخ، فمنذ ظهور الكتاب صار الارتباط بين الصورة والنص عاديا، لأنه ليس هناك في الحقيقة أي معنى أن نكون ضد اللغة أو معها، ولا مع الصورة أو ضدها، إن محاولاتنا تصدر عن قناعة بأن سيميولوجيا الصورة ستشتغل جنبا إلى جنب مع سيميولوجيا الموضوعات اللسانية وأحيانا تتقاطع معها كما يرى ك.ميتز (16).
فرغم أهمية اللسان على مستوى الترميز، وقدرته على وصف الأنساق التواصلية غير اللسانية وتفسيرها، فإن العلامات الأيقونية ليست عاجزة عن التدليل خارجه، ما دامت تشتغل داخل سياق ثقافي معين، فكما لا وجود لعلامات لسانية مفرغة من المحتوى الثقافي، فإنه لا وجود كذلك لأيقون صامت، فلكل نسق أوالياته ومساراته في توليد الدلالة.


الإحالات:
1 - M. Joly, Introduction à l analyse de l image, éd.Nathan Université.1993.p.30
2 - عمراني المصطفى: الخطاب الإشهاري بين التقرير والإيحاء – مجلة "فكر ونقد" العدد 34 ص 30
3 - نقلا عن : عبد العالي بوطيب : آليات الخطاب الإشهاري– مجلة علامات العدد 13 ص 118
4 - محمد العماري : الصورة واللغة (مقاربة سيميوطيقية) – مجلة "فكر ونقد" العدد 13
5 - محسين الدموش :الصورة الفوتوغرافية بين الدلالة والتدليل – مجلة "فكر ونقد" العدد 57
6 -Barthes(Rolland), "Rhétorique de l image", in communications, N°4, Paris, seuil 1964 pp 44-45.
7- عمراني المصطفى: الخطاب الإشهاري بين التقرير والإيحاء ص 32
8- محسين الدموش : الصورة الفوتوغرافية بين الدلالة والتدليل ص 65
9- رولان بارت : تقديم العدد 4 من مجلة communications ، 1964 الصفحات 1-3
- 10 L. Porcher: Introduction à une sémiologie des images, Didier 1976, p 172-173.
1 - Groupe μ : Traité du signe visuel ,Pour une rhétorique de l image, Seuil ,1992,.p 118. 12 - Groupe μ : Traité du signe visuel ,Pour une rhétorique de l image, Seuil ,1992,.p 52. 13 -R.Barthes : Rhétorique de l image.pp31-32 In L’obvie & l’obtus, Essais critiques III. Ed du Seuil.1982.
14- عبد المجيد نوسي : الخطاب الإشهاري مكوناته وآليات اشتغاله ، مجلة "الفكر العربي المعاصر"، عدد 84-85، مركز الإنماء القومي، ص 92 .
15- https://www.youtube.com/watch?v=-yFP-Zq6ug4
16 -C.Metz: au delà de l’analogie l image, in communication,n°15, 1970,p 4-3



#خالد_أمزال (هاشتاغ)       Khalid_Amazzal#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفضاء والزمان: تأملات شذرية
- في مفهوم -مجتمع المعرفة-: الحدود والمحدودية
- - قانون العدالة ضد رعاة الإرهاب - : لماذا الآن ؟ ولماذا إقرا ...
- فورست غامب أو باروديا لتاريخ أمريكا المعاصر
- الخطاب الإشهاري الغربي واستراتيجية الاستعلاء
- مبادئ القراءة والتأويل عند الجابري وأركون


المزيد.....




- حذف وثائق من حواسيب الشرطة الإسرائيلية مرتبطة بالحفل الموسيق ...
- وفاة الفنان قادر إنانير أحد أبرز نجوم السينما التركية إثر وع ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- وفاة وزير الدفاع الروسي الأسبق والممثل الخاص للرئيس الروسي س ...
- من قلب الركام.. شقيقتان تؤسسان -سينما هوس- لإعادة البهجة لأط ...
- من فوهات انفجارات لإطارات أفلام.. شقيقتان تطلقان -سينما هوس- ...
- -المشهد كان أشبه بفيلم رعب-.. ماذا نعرف عن أكبر زلزال يضرب ف ...
- السلطات الإستونية تأمر بإزالة الرموز السوفيتية من المركز الث ...
- -حدث أسطوري-.. بوتين يشيد بمسابقة موسكو للباليه
- وزارة الثقافة الروسية تعلن نمو الإقبال السنوي على المكتبات ب ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد أمزال - التدليل في الخطاب الإشهاري: بين الأيقوني واللساني