|
|
المعتزلة ومشكلة الألوهية
نضال شاكر
الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 20:21
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
"إذا حدثت الفلسفة احتاج أهلها ضرورة إلى أن ينطقوا عن معانٍ لم تكن عندهم معلومة قبل ذلك". (الفارابي، كتاب الحروف).
تعد مسألة الحدوث والقِدم واحدة من أقدم معضلات الفلسفة، ربما لأنها تبحث في أقدم سؤال شغل العقل البشري؛ سؤال أصل العالم والإنسان. وقد تنوعت حلول الفلاسفة في الإسلام لهذه المسألة؛ فعلى سبيل المثال، تبنى أبو بكر الرازي مذهب القدماء الخمسة وعقيدة التناسخ، في حين أن الفارابي وابن سينا قالا بالفيض وإن العالم قديم بالزمان محدث بالذات. وكان لابن رشد رأيان متباينان، أحدهما للخاصة والآخر للعامة، ودلالة الرأي الأول تشي بقِدم كل من الله والعالم، بينما وجد الغزالي خلاصه في التصوف وأن لا فاعل على الحقيقة إلا الله. كما شغلت علماء الكلام بدءاً بالمعتزلة ثم الأشاعرة والماتريدية، وكذلك متكلمي الشيعة من الإمامية والزيدية والإسماعيلية. ونظراً لأن هذه المقالة تركز على الحل الإسلامي الأقدم – أي حل المعتزلة – فإنها ستقتصر على مناقشة الجوانب المرتبطة مباشرة بمسألة الألوهية وعلاقتها بالفاعل المختار، كما بدت لأعلام مدرستي البصرة وبغداد.
كان سؤال المعتزلة على النحو التالي: إذا كان الله يقدر على نفس مقدور العبد فمن هو إذن الفاعل الحقيقي؟
وكان حل المعتزلة في العدم، لأن ما يقع في العدم غير متعلق بفاعل. ماذا يعني هذا؟
لو كان العدم عدماً محضاً لنسبت خصائص الكائن لخالقه. ولذلك قالوا بشيئية المعدوم. وإطلاق الشيئية على العدم يوحي بأن المعدوم ليس مجرداً من كل مفهوم، كما لو أنهم أرادوا أن تكون الحاجة إلى الله مقصورة على إحداث العالم، صحيح أنهم يقرون بأن الله أحدث العالم لا على مثال سابق، ولكن فيما يبدو أن الخلق كان مسبوقاً بمادة، ومتى حدث الخلق وانتفى العدم، أصبح العالم مستغنياً عن الله في وجوده.
ولذا لم يكن من قبيل المصادفة أن ينظر المعتزلة إلى المعدوم لا بكونه نقيضاً للوجود، إنما بكونه في حالة لا توصف بالوجود التام ولا بالعدم المحض. فهو شيء وإن كان لم يكتسب بعد صفة الوجود بالفعل. بل هو ذات، حيث يكون الجوهر جوهراً في العدم، والعَرَض عرضاً في العدم، كالقوة والضعف، النعومة والخشونة، الصحة والمرض، البياض والسواد. أما دور الخالق فإنه يقتصر، لا في إيجاد شيء من لا شيء كما يقول أنصار الخلق من عدم، إنما على إحالة ما هو ممكن للوجود في ذاته وجوداً عيانياً. إذ لم يكن شرط الموجود عندهم متعلقاً بموجده فحسب، بل بإمكان وجوده بالقوة، وبانتفاء هذا الشرط فإنه لن يقبل الوجود على أية صورة. لذلك قيل هو ممكن في ذاته، وهو من حيث الإمكان غير محتاج إلى الفاعل، ولهذا لم ينسبوا الخواص الذاتية للشيء إلى الخالق.
على أن هذا التمييز بين الماهية والوجود ضروري لفهم معنى القديم والمحدث عند المعتزلة، إذ به صار المعدوم شيئاً. فماهية الشيء في حالة العدم، ليست اقتباساً أو محاكاة أو صورة متعلقة في أعراضها بماهية الله، على نحو العلاقة بين المثال والصورة عند أفلاطون، إنما هي بصريح العبارة "وجود بالقوة" لم يخلقه الله. غير أن ما يترتب على هذا التمييز بين الماهية والوجود عند المعتزلة هو الإقرار، صراحة أو ضمناً، بقدم المعدوم، أو ممكنات الوجود، بجانب الوجود الإلهي، بما أن الصفات الذاتية للشيء في حالة العدم لم تكن بفعل فاعل. وبذلك يكون الخلق من "العدم" قد فسره المعتزلة، على عكس عادتهم، حرفياً.
وهكذا أثبت المعتزلة سائر صفات الأجناس في العدم، على نحو الشيئية والجوهرية والعرضية واللونية إلا صفة "الحدوث الذاتي".
بناء على ذلك، فإن بشر بن المعتمر، مؤسس فرع المعتزلة في بغداد، نفى أن يكون الله خالقاً للأعراض، كالحرارة والبرودة، القوة والضعف، الشجاعة والجبن، وحتى الإبصار والعمى، على اعتبار أنها من طباع الأجسام والأشياء. فالله لا يخلق إلا الأجسام، هيئات الوجود، غير أن طباع الأجسام شأن آخر.
في كتاب "نهاية الإقدام في علم الكلام"، نجد الشهرستاني، وقد ضاق صدره بآراء المعتزلة في مبحث الإلهيات، يقول "جلت القدرة الأزلية عن أن يكون لها صلاحية مخصوصة مقصورة على وجوه من الفعل مخصوصة"، بحيث لا تشمل إيجاد الجوهر وكل عرض، إنما تقتصر على بعض الأشياء دون البعض. ومن ثم فإنه راح يشنع على المعتزلة لكونهم، بحسب رأيه، سمعوا كلاماً من الفلاسفة فأثبتوه في كتبهم قبل أن يصلوا إلى إدراك حقيقته، إنما خلطوا علم الكلام بمقولات أصحاب الهيولى، ثم أخذوا من الفلاسفة الإلهيين "كلامهم في تحقيق الأجناس والأنواع والفرق بين المتصورات في الأذهان والموجودات في الأعيان، وهم على صواب ظاهر دون الخناثى من المعتزلة لا رجال ولا نساء؛ لأنهم أثبتوا أحوالاً لا موجودة ولا معدومة"، إذ لم يستطع الشهرستاني أن يتفهم كيف يكون الفاعل موجداً ولا ينسب له من خصائص الموجود إلا فعل الإيجاد، كأن الكائنات مستغنية عن الموجد في جميع وجوهها وصفاتها وأفعالها إلا من حيث ظهورها أعياناً.
ربما غاب عن بال الشهرستاني، أن الفكر الجبري الذي واجهه المعتزلة، كان يتحرج من أن يسلب الله شيئاً، خشية القدح في القدرة الإلهية المطلقة، فقال بوحدانية الأفعال، على اعتبار أنه ليس لغير الله فعل على وجه الإيجاد، من خلق ورزق وإحياء وإماتة، وبالتالي فإن الله هو الذي يخلق على الحقيقة أفعال العباد، وأحوالهم، كالغنى والفقر، السيادة والعبودية.. كما لو أنه إله إغريقي يتمتع بصلاحيات اعتباطية شاملة. وهذا ما يخالف في نظر المعتزلة "لزوم الحكمة في أفعال الله"، وأنه لا يجوز أن تنفك عنها مطلقاً. وخلافاً لخصومهم، فإنه لا يجوز على مذهبهم أن يخلق الله الكافر الفقير الذي يعذب في الدنيا والآخرة.
ولم يكن في الواقع غرض المعتزلة إلا تعطيل الألوهية من هذا المعنى "التوحيدي"، الذي يعزو الشرور في عالم الإنسان إلى الله، في حين أن الأشياء، خيرها وشرها، على مذهبهم، تعزى إلى البشر أنفسهم.
ولذلك، فإن الذي نستخلصه من قولهم بشيئية المعدوم: إرادة نفي المشابهة بين الخالق والمخلوق، من حيث الماهية والوجود، فالمادة التي خلق منها الإنسان ليست متعلقة بماهية الله، ولو كانت متعلقة بها، أو هي جزء منها لما كانت ناقصة وحادثة، وبما أنها شيء آخر تماماً، فإن أعراضها هي غير فعل الله. وبكلام آخر، أن الإنسان لا يحتاج إلى الله إلا من جهة الوجود، وبعد الإيجاد ينقطع الفعل كما تنقطع صلة الباني بالبناء بعد إنشائه، وإلا انتفى الثواب والعقاب. لكن المسألة قد تظل غامضة إذا لم نفهم الفرق بين الإمكان والحدوث عند متكلمي الإسلام والفلاسفة الفيضيين. فالفارابي مثلاً يقول في "عيون المسائل" إن الحاجة إلى الله هي مرتبطة بالإمكان لا الحدوث. بمعنى أن العالم هو ممكن الوجود بذاته ولكنه ليس واجباً بذاته كالباري، إنما بغيره، ولولا الفاعل لما وجد بذاته، فيكون الله هو علة العالم وبانتفاء هذه العلة يصبح العالم عدماً، أي سيعود إلى ما كان عليه، مجرد إمكان، أو حالة ذهنية قابلة للتصور. أما المعتزلة، فإن الحاجة عندهم إلى الله مرتبطة بالحدوث فقط، أي إن حاجة العالم إلى الله تنتهي بعد إحداثه، كمثال البناء الذي ذكرناه، ومع هذا يرى الفارابي قدم العالم بالزمان، ولكنه حادث بالذات، بينما ينفي المعتزلة ذلك، ولهذا فإن فعالية الله في العالم عند الفارابي من خلال "العقل الفعّال" أكثر اتساعاً قياساً بانعدام الفعالية تقريباً عند المعتزلة بعد الحدوث. ذلك أن القول بفعالية الله في الواقع كما فهمها المعتزلة تتعارض في نظرهم مع حرية الإرادة وكون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، خيرها وشرها، ولذلك لم نبالغ في تأكيدنا على إرادة تعطيل الألوهية عند المعتزلة بالمعنى المشار إليه.
وطبيعي بعد ذلك أن يكون إبراهيم بن سيار النظّام، وهو فيلسوف المعتزلة بلا منازع، من القائلين بنظرية الكمون. والنظّام هذا هو أستاذ من هو غني عن التعريف، نعني أبا عثمان عمرو بن محبوب البصري المعروف بالجاحظ، وقد وصف الأخير معلمه في كتاب "الحيوان" بأنه "أنهج للمعتزلة سبلاً وفتق لهم أموراً واختصر لهم أبواباً ظهرت فيها المنفعة... وكان الأوائل يقولون: في كل ألف سنة رجل لا نظير له، فإن كان ذلك صحيحاً فهو النظّام".
وللنظّام تصور غريب في الخلق لم يألفه أصحاب المقالات، إذ كان يرى أن الله خلق كل شيء دفعة واحدة وفي وقت واحد، فلا آدم خلق قبل ذريته أو أن خلق الأمهات تقدم على خلق أبنائهن، ولكنه أكمن الأشياء في بعضها البعض، فيكون التعاقب الظاهري للأشياء يكمن حصراً في خروجها من حالات كمونها، دون أن تخلق من جديد وتخترع. غير أنها لا تظهر من مكامنها إلا بطريقة الحركة. وهذا ما يفسر قوله إن "الأجسام في حال خلق الله لها متحركة حركة اعتماد". وبحسب الشهرستاني، فإن الحركة كما تصورها النظّام مبدأ تغير ما، وليست انتقالاً من مكان إلى مكان، إنما حدوث وضع جديد للكائن في الزمن، من حالة الوجود بالقوة إلى الفعل، أو تحول جوهر أدنى بالمعنى الأرسطي إلى جوهر أعلى. وقد عرّف المعتزلة الحركة بأنها "كون" لا "نقلة"، والكون يعني وصول الجوهر إلى وضع وجودي أكثر كمالاً مما كان عليه، لكن إضافة النظّام كانت في تلك الحالة التي سماها "حركة اعتماد" وهي تصف حالة الكائن ما قبل التكوين، فإذا تحرك هذا الجسم فإن ما اعتمد عليه ابتداء هو الذي يوجب "طبيعته" في وضعه الجديد. ولهذا فإن النظّام لم ير في العالم سوى المادة والحركة. لكن النظّام يستدرك فيستثني آيات الرسل من الخلق الأول، ومعنى ذلك أن آيات الأنبياء لم يخلقها الله إلا وقت ما أظهرها على أيدي رسله، لكونها خلقاً متجدداً فرضته الضرورة.
الإرادة الإلهية
ثم إن النظّام امتنع عن إضافة الإرادة إلى الله، باعتباره غير مريد على الحقيقة، وإذا قيل إنه مريد لأفعال العباد فإنما هو في نظر النظّام آمر وناهٍ عنها. وهذا المعنى هو الذي يتبادر للذهن من قول فلاسفة الإسلام بأن الباري موجب بالذات، لا فاعل بالإرادة.
يحكي الأشعري في "مقالات الإسلاميين" عن مفهوم النظّام للإرادة قائلاً "الوصف لله بأنه مريد لتكوين الأشياء، معناه أنه كونّها. وإرادته للتكوين هي تكوين. والوصف له بأنه مريد لأفعال عباده فمعناه أنه أمر بها، والأمر بها غيرها (أي ليس الأمر هنا هو الأفعال نفسها)".
يتضح من ذلك أن النظّام قد نفى الإرادة الإلهية على وجهين: إرادته لأفعاله، إذ تصدر منه طبعاً، وإرادته لأفعال العباد، بمعنى خلقه لها. لأن إرادة الله عند النظّام هي فعله، أو أمره، أو حكمه، فالمراد في اللغة قد يسمى إرادة على نحو: جئتني بإرادتي، يعني مرادي. والذي نلاحظه أن هذا الرأي قريب من مذهب أستاذه أبي الهذيل العلاف، الذي بدوره لم يميز بين إرادة الله وفعله؛ فإرادته لما خلقه هي خلقه له، لكن خلقه للشيء هو غير سيرورة الشيء، كأمره بالطاعة إلا أن الطاعة هي غير فعله.
كان جعفر ابن حرب، وهو من أعلام معتزلة بغداد، يجوّز القول بأن الله أراد أن "يكون الكفر مخالفاً للإيمان وأن يكون قبيحاً غير حسن"، بمعنى أن الله حكم بذلك، إلا أن سائر المعتزلة، بحسب رواية القاضي عبد الجبار في المغني، أبوا هذا الإطلاق وأنكروه. لماذا؟
لأن الإرادة في نظرهم لا توجب الفعل، أو وقوع المراد، هذا بالإضافة إلى اعتقادهم بأن الله مريد لما علم كونه فقط، لا بمعنى التمني والرغبة. ولهذا زعم المعتزلة أن خصومهم، وإن لم يصفوا الله بالعبارة بأنه "مُتَمنٍّ"، قد جعلوا إرادة الله تبدو بمعنى التمني والاشتهاء، وذلك لقولهم بأنه يريد ما كان في علمه أنه لن يقع، ومن ذلك أيضاً قولهم إن الله لم يرد للكافر اكتساب الكفر، أو إنه لم يرد لأحد أن يكفر به. على أن الله في نظر غالبية المعتزلة، إذا كان مريداً، فإنه مريد بإرادة محدثة. ذلك أن القول بالإرادة القديمة يقتضي إثبات إرادات لا نهاية لها، أو أنه كان يريد أشياء بعينها وجرى في الواقع ما يخالف إرادته.
على أن ما يصح على الإرادة قد لا يصح بالضرورة على العلم، إذ إن علم الله يتعلق بالشيء على ما هو به، لا بكونه حادثاً وفقاً لهذا العلم. وهذا يقتضي ألا يحدث شيء يخالف ما وافق علمه، غير أنه قد تحدث أشياء على خلاف ما أمر به. من هنا كانت الإرادة الإلهية عند المعتزلة غير موجبة. إنما هي حادثة لا في محل، أي صار الله مريداً في الاعتبار الذهني بعد أن لم يكن، ومن أدلتهم النقلية على أن الإرادة مخلوقة آيات المشيئة، من ذلك "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً" (يونس، ٩٩)، على أساس أن معنى المشيئة في الآية معنى مجازي، أي لو صح أن يشاء ذلك منهم، وهذا يعني أن الإرادة محدثة، مقدورة لله، يصح أن يفعلها ويصح ألا يفعلها. وبهذا تكون إرادة الله جارية على مقتضى علمه لا بمعنى التمني والرغبة.
لئن كان الرواقيون ينكرون أن يكون الله فوق القانون، أو كما يقول سينيكا، إن الله وضع نظاماً للأشياء لا يحيد عنه، فإن النظّام كان يرى أن الله لا يفعل المحال الذي هو مناف للحكمة. ولذلك رفض أن يوصف الله بالقدرة على الظلم. ما معنى ذلك؟
إن غالبية معتزلة البصرة، بمن فيهم العلاف، كانوا يرون أن الله يقدر على الظلم، ولكنه لا يفعله، لأن الله، وهو الخير المحض، لا يفعل القبيح فحسب، بل لا يصدر منه إلا الخير لكونه مختاراً أبداً للأصلح الممكن. بيد أن النظّام يقول بوضوح إن الله لا يقدر على فعل القبيح، سواء من حيث الخلق أو التقدير. وإن تجويز وقوع القبيح منه ولو على صعيد القدرة قبح. ولو كان الله قادراً على ذلك فكيف نأمن ألا يفعله؟
لم يكن هذا الرأي وحده الذي كان محل استهجان الإسلاميين؛ بل أضيف له قول النظّام في عدم تجويز وصف الله بالقدرة على فعل كل ما نهى عنه، أو أنه يمكن أن يحرّم شيئاً لعلة لا يعلمها إلا هو. غير أن بعض المعتزلة نقحوا قوله الأول فأضافوا أن الله قادر على فعل الشر لكنه لا يفعله لكونه قبيحاً. في حين أن رأي النظّام أن القبح صفة ذاتية للشيء القبيح، لا لكونه اكتسب صفة القبح من خلال النهي الإلهي؛ إذ إن الأشياء لا تكتسب صفاتها من خارجها أو بواسطة الوحي، كالعبودية مثلاً، التي لم تكتسب صفة القبح لكونها لم تحرّم شرعاً.
اللطيف أن بعض تلاميذ النظّام كانوا أكثر تمرداً من الأستاذ، فأفصحوا عن تفضيلهم لأبي الذر الغفاري على سائر الشخصيات المقدسة، لكونه نموذجاً للإنسان الصادق في زهده، والدليل على ذلك أنه لم يتزوج سوى امرأة واحدة! وكأنهم بذلك قد ساووا بين من يعدد الزوجات ومن يمتلك العبيد. ويبدو أن المعتزلة خشوا من أن تتلطخ سمعتهم بعار "النظّامية"، فأخذوا يعلنون بأن تلاميذ النظّام قد خرجوا على مبادئ الاعتزال. ولم تطرح بعد ذلك هذه المسألة الحساسة عند أحد من شيوخ المعتزلة على الإطلاق، إلى أن ذاب الاعتزال في النقائض، كالأشعرية والإمامية والشافعية والزيدية، ولم يتبق منه حينئذ سوى ملامح باهتة من أصوله الخمسة.
وبالعودة للنظّام، فإن فاعل العدل في تصوره لا يجوز وصفه بالقدرة على ارتكاب الظلم، إذ لو وصفناه بذلك، لكأننا نقول إن لديه نزوعاً نحو الجور حتى وإن لم يرتكبه فعلاً، لأن هذا الميل لا ينشأ إلا من نقص وضعف في النفس. كما لو أن الباري عند أبي إسحاق مشروط بنظام، أو ضرورة طبيعة، لا يسعه خرقها أو الحيد عنها.
وعندما قيل للنظّام إنك تقول بحرية الإرادة للإنسان وتنفيها عن الله، فتجعله مكرهاً على أفعاله، ما دامت تصدر منه بمقتضى الطبع لا القدرة، كأنه لا يملك حرية الفعل والترك. كان جوابه: "إن الذي الزمتموني في القدرة يلزمكم في الفعل، فإن عندكم يستحيل أن يفعله وإن كان مقدوراً، فلا فرق". لكن كلا القولين على مذهب المعتزلة يصلان إلى نتيجة واحدة، أن الظلم ليس من فعل الله وخلقه ولا حتى من تقديره، كما أن عموم المعتزلة يقولون بأن الله لا يقدر على نفس مقدور العبد. وحجتهم انتفاء اجتماع مؤثرين، الله والإنسان، على أثر واحد.
ماذا عن الآية التي تقول "من شر ما خلق"؟ قيل إن "ما" نافية وليست اسم موصول لتقرأ بمعنى "من شر لم يخلقه الله". ولا شك أن هذا التأويل لطيف وضروري في سياقه على ما فيه من تعسف واضح. والذي ألجأ إليه ليس قصور المتأول في العلم بالنص، إنما دلالة الشر، والسببية خارج النص، ولذلك لم يكن المتأول معنياً بما يقول النص، ولا بملاءمة الكلمات للموضوع الذي سيقت من أجله، بقدر إيجاد معنى جديد يغير دلالة قائل النص وطبيعة وظيفته في العالم. إذ كان الرأي الشائع عند أهل السنة بحسب الفخر الرازي في تفسيره، أن الله مالك لجميع المحدثات، وتصرف المالك في ملكه كيفما شاء حسن وصواب على الإطلاق، ولذلك لا يجوز الاعتراض عليه في شيء. كما أن الأشاعرة أنكروا أن يجري في ملكه شيء على خلاف مشيئته. وبهذا الخصوص يرى سعد الدين التفتازاني في "شرح العقائد النسفية"، بأن الله خالق لأفعال العباد سواء تعلق الخلق بالكفر أو الإيمان، لكن بمعنى مغاير لما فهمه المجبرة الذين زعموا أنه لا فعل للعبد أصلاً. لكن هل مضمون الخلق عند الأشاعرة يتضاد حقاً مع مفهوم المجبرة للخلق؟
فالله برأي الأشاعرة يقضي بالكفر، ولكن لا يجوز مع ذلك أن نرضى به، لأن الكفر مقضي لا قضاء، فالكفر مكوَّن، والتكوين غير المكوَّن، ولذلك وجب التسليم بالتكوين لا المكوّن. ماذا يعني هذا؟
إن الله لا يجبر أحداً على الكفر، كل ما هنالك أنه أراد من الكافر الكفر باختياره، دون جبر، لأنه علم منه الكفر بالاختيار، فتكون إرادة الله الأزلية تابعة للاختيار الحادث. وإذن فإن الله حينما يأمر الكافر بالإسلام فإنه يعلم علم اليقين أن هذا الكافر المعين لن يؤمن، إنما هو من باب الأمر غير المراد لحكمة لا يحيط بمعرفتها إلا الله وحده. أو لأنه ببساطة "لا يسأل عما يفعل".
ولو شارك العبدُ الله في "الخالقية" لما قال الله في مقام التمدح بها "أفمن يخلق كمن لا يخلق" (النحل، ١٧) وكقوله أيضاً "خالق كل شيء" (الأنعام، ١٠٢)، وأكثرها وضوحاً: "والله خلقكم وما تعملون" (الصافات، ٩٦). على أن هذا لا يسوغ أن تنسب جميع أفعال العباد إلى الله، لأن المتصف بالشيء هو من قام بذلك الشيء، كالسارق والقاتل، لا من أوجده، فالله يخلق الصفات في الأجسام غير أنه لا يتصف بها. وبهذا يكون الفعل مقدوراً لله بحكم الإيجاد، ومقدوراً للعبد من جهة الكسب. وبالتالي تكون جميع أفعال العباد حادثة وفقاً لإرادة الله ومشيئته، مع الأخذ في الاعتبار أن ما لا يرضي الله فإنه مقضي لا قضاء، والمقصود تعميم إرادة الله وقدرته، وأن الكل بخلقه، ولكن بدون إكراه أو إجبار. ثم يخلص التفتازاني إلى أن الأشاعرة لا ينفون الكسب والاختيار للعبد رغم اعتقادهم في كون كل شيء بخلقه. وفي الواقع أن الكسب ليس سوى صورة مقنّعة من الجبر كما سنرى.
وكذلك، فإن الشيعة الإمامية يجعلون لله مشيئة في ما قضى وقدّر، لأن التقدير عندهم لا يجعله مغلول اليدين، على أساس أن الله ليس محكوماً في سلطانه بشيء ولو كان قدره، إذ يمحو "ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب".
ومن باب التندر على مفهوم القدر عند المعتزلة، روى ابن قتيبة في عيون الأخبار:
"أن أحد القدرية سأل مجوسياً: لم لا تسلم؟ فقال: حتى يشاء الله! فقال القدري: قد شاء الله ذلك، ولكن الشيطان لا يدعك. فقال المجوسي: فأنا أكون مع الشريك الأغلب".
الشاهد محل القدح أن أفعال العباد قد تقع على خلاف إرادة الله بحسب مذهب المعتزلة. ولسنا في حاجة إلى التأكيد هنا على أن ابن قتيبة كان يقصد التهكم من عقيدة القَدَرية في القدر، وهم نفاته، وأسلاف المعتزلة كما هو معلوم، ومع أنه لم يحمل مسألة القدر عند المعتزلة على محمل الجد، فإن ما يريد قوله لا يختلف من حيث المضمون عن قول متأخري الأشاعرة، وهو "أن الله له كل شيء.. ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.. فلا مضل لمن هدى ولا هادي لمن يضل"، ومن الظلم أن ينسب للإنسان ما ليس له، كالقدر والخلق. أما علة نفي القدرية والمعتزلة للقدر فإنها برأي ابن قتيبة تختصر في قول أبي يوسف: من طلب الدين بالكلام، أو بالفلسفة، تزندق. لأن مِلاك الدين التسليم والطاعة. وعندما حاول أهل السنة إحراج المعتزلة بسؤال الملك: هل يقع في ملك الله ما لا يريده؟ كان الجواب بنعم.
لأن المعتزلة، بمن فيهم النظّام، لم ينظروا إلى الله بوصفه مالكاً مطلق الإرادة وغير مقيد بقانون، بحيث يتصرف في ملكه كيف شاء، ولذلك تجرأوا على القول بإن الإنسان قد يحتج على الله لو كان فعله خلاف أمره أو خلاف "الحكمة"، باعتبار أن أفعال الله مقيدة برعاية المصالح والمفاسد بحسب مقتضيات النظر. ولذلك لقب المعتزلة بالعدلية لقولهم بعدل الله وحكمته.
يقول القاضي عبد الجبار في متشابه القرآن:
"إن الكلام لا يدل على الله لشيء في الكلام ذاته (من حيث اللغة)، وإنما يدل لكون فاعله حكيماً".
كما لو أن مفهوم الحكمة هو الذي يحدد دلالة النص لا النص بذاته، وإن كان هذا يعني أن تتلاشى كينونة النص في ظل هذا القيد الإلزامي، وبطبيعة الحال لم يكن هذا مراد عبد الجبار، ولذلك لم يلتزم به عملياً إلا في آيات الصفات الخبرية التي حملها على وجه "الحكمة"، على عكس أسلافه كالعلاف والنظّام وأبي علي الجبائى الذين كانوا أكثر جرأة في إعمال العقل بإزاء النص، ولم يكن عبد الجبار، على أهميته، إلا حلقة وصل بين العصر الذهبي للاعتزال وعصر التقهقر والتمذهب.
وكمثال على ذلك، فإن ابن المرتضى في كتاب "المنية والأمل"، وهو من أئمة الزيدية - وزيدية اليمن على وجه التحديد هم من حافظ على تراث الاعتزال - يقسم المعتزلة إلى اثنتي عشرة طبقة، فيدرج في الطبقة الأولى الخلفاء الراشدين الأربعة، وفي الطبقة الثانية التابعين، وفي الثالثة ذرية محمد بن الحنفية، وابن عباس، بالإضافة إلى زيد بن علي، أما معتزلة البصرة وبغداد كالعلاف والنظّام ومعمر وبشر والفوطي فيدرجهم في الطبقة السادسة. ومع ذلك، فإنه يحسب له أمانته في نقل مقولات شيوخ المعتزلة، البصريين والبغداديين، التي تنسف هذا التقسيم من أساسه، إلا إذا كان الخلفاء الراشدون والصحابة ينفون الصفات والقدر ويقولون بالجوهر الفرد ولا فعل لله إلا الأمر.
أما رأي النظّام في الإرادة الإلهية فلم يكن سوى إطلاق ما كان مقيداً في مفهوم العدل الإلهي عند العدلية الذي يفيد بإيجاب عمل الأصلح على الله.
وقد حاول الفخر الرازي في المحصل، الدفاع عن موقف النظّام، فأوضح أن فعل القبيح من الله محال، والمحال غير مقدور، فهو محال لأنه يدل على الجهل والحاجة، وهما محالان، والمؤدي إلى المحال محال، وبما أن المحال غير مقدور فإن المقدور هو الذي يصح إيجاده. ومع أن النظّام خصم للرازي، إلا أن الأخير حاول أن يصلح بين الفريقين، أهل السنة والمعتزلة، لأن "الكل لا يحاولون إلا التقديس والتعظيم لله"، فالسنة انشغلوا بتعظيم الله من حيث القدرة ونفاذ المشيئة، بينما المعتزلة انهموا بجانب العدل والبراءة عن فعل ما لا ينبغي. ورغم نيات الرازي الطيبة إلا أن الانشغال بنفاذ المشيئة هو غير الانهمام بالعدل.
لكن أبا الحسين الخياط في كتابه الانتصار، ينقل لنا أن النظّام كان يرى أن الله إذا علم أن فعل شيء أصلح من تركه استحال منه تركه والتخلف عنه. وبهذا الخصوص يرى الخياط أن أكثر الأمة توافق النظّام في رأيه "إلا من ثبّت لله القدرة على الظلم من المعتزلة". مع ذلك، فإن النظّام أراد أن يحيل القدرة على الظلم إلى شيء محدث، شيء يمكن لمسه والإشارة إليه، وهذا ما لا يخالف تمييزه بين الأفعال التي تأتي إما بالطبع وإما بالقدرة، وبهذا المعنى كان قوله إن "الظلم والكذب لا يقعان إلا من جسم ذي آفة". أي ثمة حاجة دعته إلى فعله، والذات الإلهية ليست محلاً للحاجات.
ولعله من الجدير بالذكر هنا، أن الخياط، الذي كان هدفه من كتاب الانتصار إبطال حجج ابن الراوندي ضد المعتزلة، بعد انشقاقه عن الجماعة وتأليفه لكتاب "فضيحة المعتزلة" الذي رد به على كتاب الجاحظ "فضيلة المعتزلة"، بدا محرجاً من آراء أبي الهذيل والنظّام وإن تعلل بأنها لا تنقض "توحيداً ولا عدلاً"، على افتراض أنها مما يدخل في الفروع التي لا تمس أصول المدرسة، فهما في نهاية المطاف بحسب رأيه لم يخالفا الإجماع ولا كذبا بصريح القرآن. والطريف في الأمر، أننا نجد في مدونات المعتزلة وغيرهم، أن النظّام كان أول من ألف في نقد الصحابة وعلماء الحديث، كما أنه نقض مفهوم الإجماع وحجية المتواتر. هذا بالإضافة إلى مجاهرته في إنكار المعجزات وكرامات الأولياء.
الكمون عند النظّام
يضرب النظّام عدة أمثلة لمفهومه عن الكمون، ذكرت في كتاب "الحيوان" للجاحظ، منها قابلية الثوب والحطب والقطن للاحتراق، بعلة وجود نار كامنة في هذه الأشياء، لا لأن ناراً من خارجها خلقت قابلية الاحتراق فيها، ولكن لأن النار الكامنة في الحطب على سبيل المثال، تفتقر بذاتها إلى نفي ضدها عنها، فلما اتصلت بنار أخرى، واستمدت منها قوة، زال المانع الذي كان يحول دون اشتعالها، فلما زال المانع ظهرت النار. وهكذا، فإن إحراق شيء ما يعني استخراج ناره الكامنة في جوهره، أو القابلية بالقوة على فعل بعينه. وكذلك حال سم الأفعى المقيم في بدنها، الذي لا يقتل لذاته، "وأنه متى مازج بدناً لا سم فيه لم يقتل ولم يتلف، وإنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ممنوعة مما يضادها، فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السم الممنوع على مانعه، فإذا زال المانع تلف البدن". ثم يضيف الجاحظ فكان المنهوش عند أبي إسحاق (النظّام) إنما كان أكثر ما أتلفه السم الذي كان معه.
وقد حاول الخياط في "الانتصار" أن يجد تخريجاً شرعياً لمفهوم النظّام في الكمون فراح يلوذ بحديث ذرية آدم، الذي يحكي عن مسح الله لظهر آدم، ثم أخرج ذريته قبل موعد ظهورها، فرأى آدم رجلاً جميلاً، فقال: يارب! من هذا؟ فقيل له هذا ابنك داود.
على افتراض أن هذا الحديث يتسق مع المعنى المراد في الآية التي تقول "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى، شهدنا، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم، أفتهلكنا بما فعل المبطلون؟" (الأعراف، ١٧٢ – ١٧٣).
ومع هذا، فإنه يصعب إرجاع فهم النظّام لمعنى الكمون إلى هذه الآية أو ذاك الحديث. وذلك لأن مذهب الكمون، كما لاحظ ابن رشد بحق، في غاية التضاد مع مذهب الإبداع والاختراع. إذ يصور أنصار مذهب الكمون عملية الخلق على أنها خروج الأشياء بعضها من بعض، وهو خروج يضارع معنى الانبثاق الحر، على حين أن الفاعل عندهم لا يخترع شيئاً من لا شيء، إنما يبدو على نحو المحرك الذي احتيج إليه لتسهيل خروج الأشياء من بعضها البعض، والنظّام يقول بنوعين من الكمون؛ كمون الأعراض، وكمون الموجودات. أما أنصار مذهب الاختراع فإنهم يعتقدون بأن الفاعل هو الذي يبدع الموجودات دون أن يكون مشروطاً بوجود مادة سابقة على فعل الاختراع. ويظهر أن ابن رشد كان على مذهب المعتزلة في تفسير "الممكن بالقوة" على أنه ذات في حالة العدم، إذ يرى في "تهافت التهافت" أن المعدوم "من جهة القوة والإمكان الذي له يلزم أن يكون ذاتاً ما في نفسه"، ثم يشير إلى أن المعتزلة قالوا بأن المعدوم ذات، ولو كان العدم يضاد الوجود لما انقلب وجوداً، ويخلص إلى أن "هذه الطبيعة (أي إن الوجود لا يتحقق من عدم محض) اتفق الفلاسفة والمعتزلة على إثباتها". وقد صرح سلفه أبو علي بن سينا في "النجاة" بأن إمكان وجود الشيء، لا يرجع لقدرة الفاعل على إيجاده، إنما هو إمكان وجوده أولاً، لكونه ممكناً في ذاته، ومن ثم كونه مقدوراً عليه بإحالته إلى موجده، وعليه فإن كل حادث لابد أن تسبقه مادة قبل إيجاده. وهذا نصه:
"إن كل كائن فيحتاج أن يكون – قبل كونه – ممكن الوجود في نفسه فإنه أن كان ممتنع الوجود في نفسه لم يكن ألبته. وليس إمكان وجوده هو أن الفاعل قادر عليه، بل الفاعل لا يقدر عليه إذا لم يكن هو في نفسه ممكناً. ألا ترى أنا نقول إن المحال لا قدرة عليه... فالممكن هو ممكن في نفسه باعتبار ذاته ومقدور عليه باعتبار إضافته إلى موجده... ونحن نسمي إمكان الوجود قوة الوجود ونسمي حاملها موضوعاً وهيولى ومادة. فإذاً كل حادث فقد تقدمته مادة".
ومن المعلوم أن ابن سينا كان أقل تحفظاً قياساً ببعض أوائل المعتزلة في تأويل ما لا يقبل التأويل من نصوص السماء، بحجة أن الوحي ما نزل إلا للعامة، وفي كتابه "الأضحوية في أمر المعاد" ذهب إلى أن الشرع لو جاء بلغة الحكماء لما آمن به أحد من "العرب العاربة"، ولكن أسلوب ابن سينا العويص واستشهاداته بآيات قرآنية جعلاه أكثر قبولاً عند بعض المتشرعة مقارنة بجماعة النظّام.
العقل والنقل
يقول أبو مظفر السمعاني في كتابه الانتصار لأهل الحديث "اعلم أن فصل ما بيننا وبين المبتدعة هو مسألة العقل، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول وجعلوا الاتباع والمأثور تبعاً للمعقول. وأما أهل السنة قالوا: الأصل في الدين الاتباع والعقول تبع... وهذا معنى قول القائل من أهل السنة: إن الإسلام قنطرة لا تعبر إلا بالتسليم". هذا صحيح، إذ اعتقد المعتزلة بسلطان العقل على النقل، لكونه قوة بذاته على اكتساب المعارف، بل ليس هناك معرفة بغيره. هذا على المستوى النظري، أما على الجانب التشريعي العملي، فقد اتفقوا على أن العقل هو معيار الحسن والقبح في التحليل والتحريم، وفي تحديد طبيعة الخير والشر؛ سواء من حيث صفة الشيء في ذاته أو من خلال اعتبارات التحسين والتقبيح للفعل المعلومة بالعقل ضرورة قبل ورود السمع، وعلى ضوء ذلك فإنه لا يجوز لله أن يأمر بما هو قبيح، ولا أن يأتي الوحي بما يناقض مقتضيات العقل. وإذا تعارض النص مع العقل، وجب تقديم العقل، أو تأويل النص بما يتفق ومقتضيات المذهب العقلي. بل ذهب بعضهم إلى أن العقل ينسخ الأخبار.
وبخصوص الحسن والقبح العقليين، يقول عبد الجبار في المغني:
"إن السمع لا يوجب قبح شيء ولا حسنه وإنما يكشف عن حال الفعل عن طريق الدلالة، كالعقل... وإنما كان كذلك، لأن الدلالة على الشيء على ما هو به، لا أنه يصير كذلك بالدلالة. وكذلك العلم يتعلق بالشيء على ما هو به، لا أنه يصير كذلك بالعلم". ذلك أن الشرع لا يقرر إلا ما هو موجود في العقل ابتداء، بوصفه كاشفاً عما في الأفعال من معاني الحسن والقبح، لا موجباً، أي الشرع، على الشيء صفة من خارجه بدلالة الإملاء، وإلا تعارض الشرع مع "ما قد ركبه الله في عقولنا". وبتعبير آخر، فإن العقل يدرك الأحكام قبل أن يأتي بها الشرع، والأخير لا يأتي إلا بما هو معروف عقلاً، مما يعني أن لزوميات العقل تفرض لزوميات الشرع.
ويرى عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة، أنه لو كان القبيح يقبح للنهي الإلهي لوجب أن يكون الإنصاف قبيحاً في ذاته إذا نهى الله عنه "لأن العلم بالقبح يتفرع على العلم بوجه القبح... ومعلوم أن الملحدة يعرفون قبح الظلم، وإن لم يعرفوا النهي والناهي".
أما الأشاعرة فإنهم يقولون بالحسن والقبح الشرعيين، على أساس أن الواجبات كلها بالسمع. في حين أن العقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يوجب ولا يلزم. وهذا يعني أن الله لا ينهى عن معصية لكونها قبيحة في ذاتها، كما يرى المعتزلة، إنما اكتسبت صفة القبح بفعل النهي الإلهي لا لنفسها، ولو أباحها الله لأصبحت حسنة. وحجتهم في ذلك أنه لو كان الحسن والقبح صفات ذاتية للأشياء أو الأفعال، لما وقع النسخ في الشرائع، فصار الحلال حراماً والمحظور مباحاً، ولما اختلفت الأحكام باختلاف الزمان والمكان. وهذا ما كان عليه رأي الجويني في "البرهان في أصول الفقه"، حين أكد على أنه "لا يقبح شيء في حكم الله تعالى لعينه، كما لا يحسن شيء لعينه". غير أن هذا يشي بنسبية الأخلاق وصيرورة الوحي، أو كأن الذات الإلهية تتدرج في مراتب الكمال، ما دامت الشرعيات التي يجوز ورود النسخ فيها مبنية على تغير أحوال المكلفين، وهذا بالمناسبة، كان مطلب فلاسفة الفيض بما أن الأخلاق ليست معطى أزلياً.
وكان الشهرستاني في الملل، يقطع بأنه "لم يرد في كل حادثة نص... والنصوص إذا كانت متناهية، والوقائع غير متناهية، وما لا يتناهى لا يضبطه ما يتناهى، علم قطعاً أن الاجتهاد والقياس واجب الاعتبار حتى يكون بصدد كل حادثة اجتهاد".
كما لو أنه أخذ يقرر الاجتهاد على أصول أهل النظر، وإن اشترط ألا يخرج الاجتهاد عن ضوابط الشرع. لكننا عندما نطالع الشروط الخمسة التي أوجب على كل مجتهد الإلمام بها، ومنها التمييز بين العام والخاص، المطلق والمقيد في النص، لا يسعنا إلا أن نتساءل عن علة نقده العنيف لعلماء الكلام، وهو الذي كان، نظرياً على الأقل، واحداً منهم. ثم نلاحظ أن هذا المفكر الذي وجد مسوغات موضوعية للاجتهاد بالرأي في الوقائع التي لم يرد بخصوصها نص، يحكم حكماً قاطعاً على أهل النظر والرأي بمشاكلة إبليس.
نجد الأمر عينه لدى سلفه أبي الحسن الأشعري، الذي عده المؤرخون الإسلاميون ممثلاً للخط المعتدل من المعتزلة؛ لأنه أعاد الاعتبار للنقل على حساب العقل الذي أخرجه من التاريخ، حيث جعل البرهان العقلي حجة للشرع لا عليه. وحين أعلن الأشعري توبته من بدعة الاعتزال، توسل في مقدمة كتابه "الإبانة" بأحمد بن حنبل إمام أهل الحديث، واصفاً إياه بالإمام الفاضل والرئيس الكامل "الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج وقمع به بدع المبتدعين وزيغ الزائغين وشك الشاكين". ثم علل زيغ المعتزلة عن الحق بعلة التقليد لرؤسائهم وأسلافهم، مؤكداً أنهم تأولوا القرآن على آرائهم. مع ذلك، كفره الحنابلة، إذ يروي ابن عساكر أن جماعة من الحنابلة مروا يوماً بقبر الأشعري، فتخلف أحدهم وبال على القبر، فعاتبه فقيه سمع بذلك، فقال للفقيه "لو قدرت على عظامه لنشبتها وأحرقتها".
لهذا لم يكن من المبالغة في شيء أن يصف المعتزلة الأشاعرة ومن شاكلهم من الفرق الإسلامية بالجبريين، لكونهم ردوا كل شيء إلى مشيئة الله وقدرته وإرادته وخلقه، حتى وإن تذرعوا بمفاهيم التقدير أو الكسب فإن النتيجة واحدة، إذ لا شيء قد يحدث دون خلقه وتقديره، وهم راضون بقضاء الله في الجملة على كل حال.
ولنأخذ على سبيل المثال مفهوم الكسب عند الأشاعرة. فمن حيث المبدأ يقول الأشاعرة بأن أفعال العباد اختيارية، ولكنها في الآن ذاته واقعة بقدرة الله، ومن ثم فإنه ليس لقدرتهم تأثير فيها. إنما يجري الله عادته بأن تكون لدى العبد قدرة واختيار، ولكن بشرط، ألا يكون هناك مانع، فمن أين يأتي هذا المانع؟ من الله. فإذا زال هذا المانع يكون فعل العبد مخلوقاً ليس له، بل لله "إبداعاً وإحداثاً"، فإنه وإن كان الفعل إبداعاً إلهياً خالصاً إلا أنه "مكسوب للعبد"، ولا ينبغي أن يبتهج العبد بهذا الكسب فلا فضل له فيه، لأن المراد بذلك هو نفي أي تأثير أو مدخل في وجود هذا الكسب بالنسبة إلى العبد سوى أنه كان محلاً له، كما لو أنه ليس سوى أداة لإرادة خارجية. وكان يمكن اختصار كل ذلك والاكتفاء بالقول إن الله هو الفاعل على الحقيقة، بما أن الاكتساب والمكتسب مخلوقان للباري.
التوحيد المعتزلي
من مقتضيات التوحيد عند المعتزلة نفي صفات الله الزائدة على الذات، أو ما يعرف بالصفات القديمة، وتنزيه الذات عن المادة وأعراضها تنزيهاً مطلقاً، فالله في نظرهم ليس بجسم ولا جوهر ولا يحده زمان أو مكان، ولا تجوز عليه المماسة ولا العزلة ولا الحلول، كما لا يجوز وصفه بشيء من صفات الخلق الدالة على الحدوث، وكل ما قد يخطر بالذهن فهو بخلاف الله. وحين يقول المعتزلة إن الله واحد، فإنهم لا يتحدثون عن الوحدة بالمعنى العددي، إنما بمعنى المفارقة، وعدم المشابهة، ونفي الكثرة في الذات مطلقاً، وكل ما من شأنه أن يشي بصفات التشخص والعضوية.
ولهذا صرفوا آيات الصفات الخبرية التي شابها شيء من التجسيم عن معانيها الظاهرة إلى معان أخرى مجازية، على اعتبار أن النص القرآني "يعتمد النثر الفني دون التقريري المباشر"، وعلى هذا المنوال، طعن فريق منهم في صحة الأحاديث التي تنطوي على تصورات تشبه الخالق بالمخلوق. وهكذا تبدو الذات الإلهية عند المعتزلة مجردة من كل تشخص كما لو أنها ليست سوى قانون يحكم هذا العالم.
لم يرق هذا النمط من التجريد لفيلسوف قرطبة، خصوصاً إذا كان المخاطب به الجمهور الديني، إذ "لا تنتهي أفهام الجمهور إلى مثل هذه الدقائق، وإذا خيض معهم في هذا، بطل معنى الإلهية عندهم" على حد قوله في تهافت التهافت، مستعبداً إمكانية حدوث أي تأثير حقيقي في جمهور اعتاد على التعامل مع الله بمفاهيم حسية، ولذلك "اضطر الشرع إلى تفهيم معان في الباري بتمثيلها بالجوارح الإنسانية... فبعض الآراء هي سم في حق نوع من الناس، وغذاء في حق نوع آخر"، فأن تقول إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وقادر بقدرة هي ذاته، أو إنه مريد بغير إرادة، فإن عامة الناس سيؤثرون ما قرره الشرع في مسألة الصفات، من كون الله متكلماً سميعاً بصيراً، ولهذا قال بعض الأشاعرة: إن إله المعتزلة هو ذلك الإله الذي نهى إبراهيم الخليل أباه عن عبادته في قوله "إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئاً" (مريم، ٤٢).
وعلى هذا النحو جاء إنكار ضرار بن عمرو لسائر صفات الله، بحيث يكون وصف الله بالعلم بقصد نفي الجهل عنه، والقدرة بغرض نفي العجز، إذ لا يوصف الله عند المعتزلة إلا بالسلوب، كوصف القديم يعني نفي الأولية، ووصف الغني يعني نفي الحاجة. وكان هذا أيضاً رأي العلاف، الذي لا يثبت صفة إلا بمعنى نفي نقيضها، غير أنه يثبت بعض الصفات الإيجابية لا بمعنى المغايرة للذات، إنما بوصفها عين الذات، وهذا الذي يظهر من قوله: إنه عالم وعلمه هو ذاته، وقادر وقدرته هي ذاته. بينما يرى النظّام أن اختلاف صفات الله لا بعلة اختلاف في ذاته إنما لاختلاف ما ينفى عنه من المتضادات، على نحو الجهل والعجز والموت، أما ذاته فهي واحدة لا تقبل التعدد.
أما أبو هاشم الجبائي فقد تفرد بإثبات الأحوال، التي نفاها أبوه أبو علي الجبائي، ومن أشهر نقاده بالإضافة لمتكلمي المعتزلة والأشاعرة، الشيخ المفيد في أوائل المقالات، وفي هذا يقول "هو قول فارق به سائر أهل التوحيد، وارتكب أشنع من مقال أهل الصفات"، مع أن المفيد نفسه قد نفى الصفات الخبرية كما سنرى. فالجبائي الابن تصور الصفات على أنها أحوال، فإذا قلنا إن الله قادر، أثبتنا حالة خاصة هي القدرة، وهي وراء كونه ذاتاً، وهذا جارٍ في سائر الصفات، ولكن فوق كل حالة منفردة، ثمة حالة أخرى عامة توجب الحالات كلها، على أن الجبائي ينفي إمكانية معرفة كل حالة على انفراد، فهي ليست موجودة كما يقول المثبتون ولا معدومة كما يقول النفاة، لأنها ليست قديمة كالذات، ولا هي بمنزلة المعدوم بمعنى الشيء أو الإمكان، كما أنها ليست حادثة، ماذا بقي إذن؟ إنها اعتبارات ذهنية لذات واحدة، لا تعلم على انفرادها مطلقاً، وإنما تعلم مع الذات فقط، وهي فيما يظهر بمثابة الصفات النفسية للذات، كما أنها حل وسط بين إثبات الصفات ونفيها.
لقد اتفق كبار الفلاسفة في الإسلام، كأبي بكر الرازي والفارابي وابن سينا وابن رشد، على نفي الصفات الإلهية رغم تباينهم في المذاهب الفكرية، وإن اعتقد الفقهاء أن الفلاسفة لا ينفون أسماء الله وصفاته إلا من حيث كونها في نظرهم مجرد تعابير مجازية، إذ إن نفي الصفات يستتبع بالضرورة نفي غاياتها ونتائجها. فحتى ابن حزم في "الفصل في الملل"، وهو الذي لا ينكر معاني الأسماء ولا يعطل الألوهية من معناها على طريقة المعتزلة، قد تحرج من تجويز إطلاق لفظ الصفات لله، لعدم ورود نص صريح في القرآن يشير إلى كلمة صفة أو صفات، كما لم يرد ذكر الصفات في الأحاديث النبوية. إنما تحدث القرآن عن أسماء الله الحسنى لا عن صفاته، منتهياً إلى أن لفظ الصفات اختراع معتزلي، ثم ذاع بعد ذلك بين المتكلمين وفقهاء المذاهب. وبصرف النظر عما ذهب إليه ابن حزم بشأن مفهوم الصفات في القرآن والنص النبوي، فإن الذي يعنينا هنا هو التأكيد على أن مقالة الصفات عند المعتزلة قد بلغت حداً غير مسبوق من الشهرة والذيوع بحيث أصبح من المستحيل لأي كان الحديث عن الألوهية في الإسلام دون أن تطل برأسها كما لو أنها أصبحت جزءاً لا يتجزأ من مفهوم التوحيد نفسه.
يذكر الشهرستاني في الملل والنحل أن: "الذي يعم طائفة المعتزلة من الاعتقاد: القول بأن الله تعالى قديم، والقدم أخص وصف ذاته. ونفوا الصفات القديمة أصلاً، فقالوا: هو عالم بذاته، وقادر بذاته، حي بذاته، لا بعلم وقدرة وحياة. هي صفات قديمة، ومعان قائمة به. لأنه لو شاركته الصفات في القدم الذي هو أخص الوصف لشاركته في الإلهية. واتفقوا على أن كلامه محدث مخلوق في محل... وسموا هذا النمط: توحيداً".
بينما يرى أبو الحسن الأشعري في مقالاته، أن الله عالم بعلم، وقادر بقدرة ومريد بإرادة. ذلك أن الأشاعرة يثبتون سبع صفات قديمة وما يشتق منها من أسماء، وهي القدرة والقادر والإرادة والمريد والعلم والعالم والحياة والحي والبصر والبصير والسمع والسميع والكلام والمتكلم، ولكن بمعنى أنها صفات كمال. أما أفعال الله كالخلق والرزق فهي في نظر الأشاعرة محدثة غير قديمة. ولذلك عد بعض الأشاعرة الخلق، أو التكوين، أمراً اعتبارياً وليس صفة لله، "يحصل في العقل من نسبة المؤثر إلى الأثر"، وبما أنه كذلك فهو حادث، أي إن التكوين هو عين المكوّن.
على أن التناقض بين القولين ظاهر، لأن المقصود من قول الأشعري هو أزلية الصفات لكونها قائمة في ذات الله، غير أن غرض المعتزلة نفي مشاركة الصفات للذات في القدم، إذ لو شاركتها لكان الله جوهراً تلحقه الأعراض.
فعندما يقول المعتزلة، على سبيل المثال، إنه "لم يخلق الخلق على مثال سابق"، تردف العبارة السابقة بتأكيد مفاده أنه لا يجوز عليه "اجترار المنافع" و "لا يناله السرور واللذات" و "ليس بذي غاية يتناهى". كما لو أن صفات الله ليست سوى اعتبارات ذهنية، لا وجود لها خارج العقل، أو بعبارة الفلاسفة المسلمين، ليس لها وجود في الأعيان، أي عدم وجود حقائق في الذات الإلهية تقابل هذه الاعتبارات الذهنية التي نطلق عليها اسم الصفات.
في مروج الذهب، ينقل المسعودي، أن المعتزلة أجمعوا في باب التوحيد على أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا جوهر ولا شخص. لا تدركه الأبصار ولا يدرك بالحواس، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأنه لا يشبه الخلق بوجه من الوجوه. كما أن كل ما يخطر في العقل والأوهام من تصور لله فليس هو. فهو وحده القديم وما عداه فحادث. وصفة القدم تحيل إلى ما ليس لوجوده بداية.
والذي نلاحظه في هذا النص أن المعتزلة، من حيث المبدأ، لا يقولون من هو الله بقدر ما ليس هو، إذ لا يمكن إدراك "ماهية الله" لا بواسطة الحس ولا بواسطة العقل. وعلى هذا النسق جاء نص عبد الجبار الذي أورده ابن المرتضى في كتابه المنية والأمل، حيث يذكر أن المعتزلة أجمعوا على أن للعالم محدثاً قديماً... لا لمعانٍ (أي إن الصفات ليست معاني أخرى غير ذات الله).
على أن هذه النظرة السكونية للمبدأ الأول، التي تحيل الذات إلى نقيضها، قد أدت بالمعتزلة إلى قولين مشهورين فيما يتعلق بإرادة الله: فغلب على طائفة من البصريين ما عدا جماعة النظّام القول بإنه مريد بإرادة محدثة لا في محل، وذهبت جماعة الأخير كما مر بنا إلى أنه ليست لله إرادة على الحقيقة، نظراً لأن الأفعال تصدر منه بالطبع.
لقد عرفنا رأي النظّام في مسألة الإرادة، فماذا عن الكعبي البلخي الذي كان يرى على غرار أهل الطبائع أن الله لا يوصف بالإرادة على الحقيقة؟
ففي رأيه، أن عدم الإحاطة بالشيء هو الذي يولد عند الفاعل القصد والإرادة، بيد أن علم الباري المطلق بالشي كما هو يغنيه عن الإرادة والقصد. ولو افترضنا جدلاً أن للباري إرادة سابقة على حدوث الشيء أو إرادة حادثة معه، فإن "كانت سابقة فهي عزيمة، والعزم لا يتصور إلا في حق من يتردد"، وإن كانت مساوقة للحادث فهي إما أن "تحدث في ذاته أو في محل، أو لا في ذاته ولا في محل" وهذا كله باطل، ومن هذا المنطلق، يخلص الكعبي إلى أن تعيين إرادة قديمة، أو حادثة لله، مجرد لغو لا معنى له، لا سيما عند إثبات كونه عالماً بالغيوب ومطلعاً على سرائر الأشياء. مع هذا، فإن خصوم الكعبي قد فهموا المعنى ذاته الذي تنبه له نقاد النظّام، بأن الوجه المضمر من إنكار الإرادة هو إنكار كون الأفعال الإلهية اختيارية، بحيث تأتيه طبعاً دون إرادة منه أو قصد. والذي يؤكد هذا الرأي، أن ثمامة بن أشرس من معتزلة بغداد كان على مذهب النظّام في إنكار الإرادة، إذ قال بالإيجاد بالذات، على اعتبار أن الكون "فعل الله بطبعه"، وحجته على ذلك أن الإنسان هو المختار لأنه يقع منه الفعل وضده، في حين أن "المطبوع" هو الذي لا يقع منه سوى نوع واحد من الفعل. يروى في أمالي المرتضى:
"أن أحد المجبرة سأل ثمامة: ألا تحمد الله على إيمانك؟ (بما أن الإيمان على مذهب ثمامة هو فعل الإنسان وليس فعلاً لله) قال: إنني لا أحمد الله على الإيمان، هو يحمدني عليه لأنه أمرني به ففعلته، وأنا أحمده على الأمر به".
أما القائلون من المعتزلة بإرادة حادثة، كالعلاف والجبائيين، فإن المعنى المراد بالحدوث هنا ليس كما يبدو في الظاهر، لأن قولهم إن الباري مريد بإرادة حادثة لا يعني إلا أن الله مريد لأفعاله في وقت بعينه وإنما بمعنى أنه يخلقها بحسب علمه، فتتقدم إرادته على المراد زمنياً، كذلك في قولهم إنه مريد لأفعال العباد، بمعنى أنه يأمر بخيرها وينهى عن شرها، لكن الإرادة في هذا السياق، وهذا هو المهم، لا توجب المراد، كإيجاب العلة والمعلول، أو إيجاب التولد، كما هي الحال في القدرة التي توجب المقدور بواسطة السبب، إنما الإرادة في تصورهم تثبت تلازماً دلالياً بينها وبين الأمر، وهي فكرة اختص بها المعتزلة دون بقية الفرق الإسلامية. إذ كان الرأي الشائع عند الفرق أن بعض الأشياء والأفعال كالشر والمعاصي تحدث بإرادة الله وإن لم يأمر بها، فلا تلازم بين الأمرين، بينما عند المعتزلة لا معنى للإرادة غير الأمر، فإرادة الله ليست سوى أمره بالشيء أو نهيه عنه. وإذا كان الأمر هو حد الإرادة عند المعتزلة، فإن النتيجة المنطقية لذلك أن الشر ليس من خلق الله ولم يحدث بإرادته، إنما هو من خلق الإنسان وإرادته.
الغريب أن الشيخ المفيد خالف متقدمي الشيعة من الإمامية بشأن الإرادة، فقال بتلازم صفتي الأمر والإرادة على منهج المعتزلة، مع أن إنكار الإرادة على هذا النحو يقتضي بأن تكون الصفة عين الذات، ومن ثم فإن كلام الله محدث، وهذا مما لا ينكره المفيد مبدئياً، إلا أنه في الوقت الذي ينفي فيه الصفات على مذهب المعتزلة ينسب رأيه في "أوائل المقالات" إلى الآثار التي جاءت عن آل محمد.
ولئن كان ابن بابويه القمي يرى أن أفعال العباد مخلوقة خلق تقدير، لا خلق تكوين، وهو في هذا الرأي يتفق مع غالبية الفرق السنية وأوائل الشيعة، فإن المفيد في "تصحيح اعتقادات الإمامية" يفصح عن عدم اعتقاده في كون أفعال العباد مخلوقة لله، ولا حتى بمعنى التقدير كما يقول أستاذه القمي، لأن التقدير في تصوره لا يكون إلا بالفعل، ولهذا وجد نفسه مرغماً كي يتسق الفكر مع ذاته على التشكيك في صحة ما نسب إلى الإمام جعفر الصادق من أحاديث الإرادة والقدر. وليس من الصدفة أن ينتهي إلى أن العلم بمآل الشيء لا يعني خلقه. وبتعبير اعتزالي، الإرادة غير موجبة، والعلم بالشيء غير حدوثه. ويستتبع هذا المذهب بالضرورة مذهب حرية الإرادة، وأن إرادة الله لا تؤثر على قدرة الإنسان وإرادته.
لكن في المقابل، نجد أن الأشاعرة يحكمون على الأفعال كلها بأنها مرادة للباري، لكونها تعبر في نهاية المطاف عن نظام الخيرات في الوجود. إلا أن هذا لا ينفي أن الأمر الإلهي قد يكون على خلاف الإرادة، على نحو أمر الرب لإبراهيم بذبح ابنه، إذ لم يرد الله أن يحصل الذبح وإن كان قد أمر به. ومن ذلك قول جعفر الصادق: "إن الله تعالى أراد بنا شيئاً وأراد منا شيئاً، فما أراده بنا أظهره لنا، وما أراده منا طواه عنا، فما بالنا نشتغل بما أراده منا عما أراده بنا".
الملاحظ أن الإرادة في الوجه الأول تعني الأمر، أما في وجهها الآخر فهي ما كانت متعلقة بعلم الله دون علم الإنسان، وبالتالي تكون الإرادة واحدة عند الأشاعرة، إلا أن حكمها يختلف باختلاف وجه تعلقها بالمراد. هذا المعنى لتعلق الإرادة على الوجهين المذكورين؛ في إرادته بنا وإرادته منا، هو الذي أثار فزع المعتزلة، لأنه يمكن بسهولة من خلال هذا النسق العقائدي، وبدعوى القضاء والقدر، إرجاع الكوارث والحروب والمجاعات في عالم الإنسان إلى نظام الخيرات والعلم الأزلي والإرادة السرمدية، ومن ثم يمكن أن يقال عن شرور السلطان إنها مجرد نقص في الوجود، لأن الشر المطلق لا وجود له إلا في اللفظ والذهن، بل إن في كل شر بالعرض وجهاً للخير.
والمعتزلة يقولون بوضوح لا يقبل اللبس إن هذا النمط من التفكير الجبري يخدم "الظلمة". لأنه، أي هذا النمط من التفكير، يقوم على الإيهام بالشرعية، بما أن الأشياء لا تحدث إلا بأمره تعالى، وتغييب الحس بالواقع، مادام الواقع ليس سوى فعل الله، وتأثيم النقد، لكون التاريخ نتاجاً طبيعياً لحكمة لا يحيط بها النظر. وهكذا تحصن السلطة غلبتها بخرافة القدر. غير أن اللافت أن التنكر للقدر لطالما اعتبر ضرباً من الردة.
العلم الإلهي
نقرأ عند الأشعري والخياط، أن أبا الهذيل والنظّام اتفقا على القول بقدم العلم الإلهي. فماذا يعني ذلك؟ هل علم الله هو علم بذاته دون المحدثات أو الجزئيات؟ أم أن علمه الأزلي يعني أنه عالم بما سيكون لا بمعنى التقدير؟ أم أنه لا يعلم الشيء قبل كونه على ما كان يقول أحد أسلاف المعتزلة الجهم بن صفوان؟
تعددت آراء المعتزلة واجتهاداتهم بخصوص العلم الإلهي، وإن غلب عليهم القول لفظاً بالعلم الأزلي. فعلى سبيل المثال، كان أبو على الجبائي يرى أن الله يعلم الأشياء قبل كونها، إلا أن هذا لا يعني أن حرية الإنسان مقيدة بعلم الله المسبق، لأن علم الله في هذا المقام هو تحقق في الزمان لا بمعنى تصريف للشؤون البشرية بمقتضى هذا العلم. ومن الواضح أن الجبائي يريد أن يثبت أن عدم القول بحرية الاختيار يتنافى مع عدالة الله.
وقد تفرد معمر بن عبّاد السلمي، الذي أنكر أن يكون الله خالقاً لشيء غير الأجسام، برأي خاص في هذا الصدد. ومفاده بحسب رواية الشهرستاني، أنه من المحال أن يعلم الله نفسه أو غيره، لكيلا يكون العالم والمعلوم واحداً. ذلك لأنه أراد أن ينفي كون علم الله علماً انفعالياً، تابعاً للمعلوم، إنما "علمه فعلي، فهو من حيث هو فاعل، عالم. وعلمه هو الذي أوجب الفعل" بحيث يتعلق علمه بالموجود حين حدوثه، لا بالمعدوم في حالة استمرار عدمه، أو يكون علمه بالشيء هو إيجاده، فعلمه يوجب الفعل. وهذا رأي درج فيما بعد عند الفلاسفة المشائين الذين جعلوا علم الله بالأشياء من ذاته لا من ذات الأشياء، لكي يقال إن كل معلوم كان مفعولاً له ومعلوماً لعلمه.
وإن كنا نشك في تفسير الشهرستاني لرأي معمر، خصوصاً أن الأخير يقدم في نصوص المعتزلة على أنه من أنصار مذهب الطبائع. ومعمر هو القائل بإن الله غير قادر إلا على الجواهر. ولذلك لا يجوز أن تنسب الأعراض إلى الله، لأنه لم يخلق لا صحة ولا سقماً ولا قوة ولا عجزاً، إنما هذه الأعراض فعل الجواهر بطبائعها، فالله يمنح الوجود للذوات لا للأعراض التي تصدر منها، وعليه فإن الله لم يخلق قابلية أو "استعداداً فطرياً" للإيمان عند بعضهم ولا ميلاً للكفر عند آخرين، وهذا ما يدل عليه قول معمر "إن الله لا يفعل عرضاً". إنما تكون الأعراض بحسب طبيعة كل جسم.
أما أبو الهذيل العلاف، فإن له مقاربة مغايرة لموضوع العلم، نقلها ابن حزم في "الفصل في الملل"، وملخصها أن كل ما يقع في عالم ما بعد الخلق، وإن كان معلوماً لله منذ الأزل، فهو خارج عن القدرة ولو كان يقتصر على تحريك ورقة من موضعها. ثم أضاف الأسواري، تلميذ النظّام النابه، أن من يعلم الله أنه سيموت في لحظة معينة، فإنه لا يقدر على أن يميته قبل ذلك، أو أن يطيل عمره طرفة عين بعد ذلك. لأن علم الله هو قدرته، فلا يقدر إلا على ما وافق علمه. فمن مات قتلاً، لولا وقوع القتل لجاز أن يعيش إلى وقت آخر، فعلة موته هي قاتله لا أجله. وعلى المعنى نفسه كان رأي الكعبي، الذي قال إن للمقتول أجلين؛ القتل والموت، وإن القاتل هو الذي منع المقتول من أن يعيش إلى أجله.
السببية الطبيعية
ذهب القاضي عبد الجبار إلى تحريم وصف الله بالرازق في حالة استيلاء السلطان على ممتلكات الناس، لأن في ذلك إيهاماً بأن هذا "الرزق" بأمر الله، كما لو أن الله سمح بفعل القبيح، أو أباحه بمعنى ما، أو حتى قضى به وقدره، ولهذا يقول عبد الجبار بأنه لا يجوز أن نسمي ما تم انتزاعه من أقوات الناس رزقاً ولو كان ذلك على سبيل المجاز. وإن كان هذا المعنى يتضارب مع الظاهر من آيات الرزق والتفضيل، كقوله تعالى" نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً" (الزخرف، ٣٢)، وقوله "والله فضل بعضكم على بعض في الرزق" (النحل، ٧١)". بينما الأشاعرة يجعلون الله منفرداً بتولي الأرزاق، سواء كانت حلالاً أم حراماً، فكما أنه ينفرد بالإحياء والإماتة، فإنه كذلك يرزق من يشاء، لا بمعنى الإباحة والتمليك، إنما يوزع الأرزاق على مقتضى حكمته لكيلا تفسد الأرض. ولاذ الإمامية في مسألة الرزق بمبدأ "البداء"، فقالوا إن الإنسان ليس محكوماً بقدر واحد، إنما المقدّر يمكن أن يتغير بالأعمال الصالحة، فالاستغفار مثلاً قد يكون سبباً في نزول المطر وجريان الأنهار.
وتعليقاً على فكرة الأرزاق عند الفرق قال ابن الراوندي: قسمت بين الورى معيشتهم/ قسمة سكران بيّن الغلط، لو قسم الرزق هكذا رجل/ قلنا له قد جننت فاستعط (أي استعمل السعوط وهو دواء للجنون).
على أن الفقر كسائر أحوال الإنسان في نظر المعتزلة التي لا تتعلق بفعل الله، لا من حيث الحكم ولا من حيث الخلق. وبخصوص "الفعل المتولد" يقول عبد الجبار:
"إنه لا يمتنع عندنا أن يستحق على الفعل (يعني فعل الإنسان) المتولد الذم أو المدح، والعقاب أو الثواب، لأنه كالمباشر عندنا في هذا الوجه إذا فعله وهو عالم بحاله أو متمكن من العلم بذلك، وما له يقال باستحقاق ذلك على المباشر قائم في المتولد، فالتفرقة بينهما فيه لا تصح".
لأن الفعل المتولد إنما يقع بحسب قصده ودواعيه، كالفعل المباشر، فيجب بناء على ذلك إثباته فعلاً للفاعل. ولا يصح عزو أفعال الإنسان على مذهب عبد الجبار عند الجهل بأسبابها إلى المصادفة أو ما شاكل ذلك، لأن الجهل بالأسباب لا يقضي بانتفائها.
ورغم أن عبد الجبار كان في مجال الطبيعيات أقرب هوى لمعتزلة عصره منه إلى أوائل معتزلة البصرة والفلاسفة، إلا أن هذا لم يمنعه من الإقرار بأن الموجودات تتصرف ذاتياً وفقاً لقوانين ثابتة أودعها الله فيها لمصالح هذا العالم ومنافعه. أو كما يرى الخياط، بأن المطبوع هو الذي لا يكون منه إلا جنس واحد من الأفعال، كأفعال النار والثلج والشمس وما شابه ذلك، وأما من تكون منه الأفعال المختلفة، (الإرادية وغير الإرادية)، فهو المختار لأفعاله. وهذا كما نعلم كان مذهب النظّام أيضاً الذي يقرر وجود طبائع ثابتة في أجسام الطبيعة غير قابلة للتغير.
وقد بالغ عبد الجبار في تأكيده على حرية الإرادة إلى حد إبطال قول أصحاب الطبائع من أسلافه الذين لم يختلفوا معه من حيث المبدأ في كون الإنسان مسؤولاً عن أفعاله، كالنظّام والجاحظ ومعمر، إذ يرى أنهم في الوقت الذي فيه يثبتون الفاعل المختار يقررون أن الأفعال تحدث بالطبع. غير أنه لا يوجد تناقض بين الأمرين، فالجاحظ مثلاً يعزو اكتساب المعتقدات إلى "داء المنشأ والتقليد" ولكنه في الوقت ذاته لا ينكر حرية الإرادة ودواعيها. كما أن قوله بأن للأجسام طبائع وأفعالاً مخصوصة بها، هو تأكيد على وجود قوانين طبيعية قائمة في الأشياء، إذ إن غالبية المعتزلة لا يفصلون بين مبدأ العلية، أو قانون السببية، في الطبيعة والحقل الاجتماعي، وعدم الفصل هذا لا يعني إغفال التمييز بين الفعل الآلي في الظواهر الطبيعية وبين حرية الإرادة لدى الإنسان، وهذا ما يعنيه الجاحظ بقوله: إن الإنسان لا فعل له غير الإرادة، وأن سائر الأعراض أفعال الأجسام طبعاً.
على أن مفهوم السببية كان موضع خلاف عميق بين عموم المعتزلة والأشاعرة؛ فالمعتزلة لا يقرون بإطلاق القدرة الإلهية في الطبيعة بحيث يتم إنكار فعل الموجودات، لطبع خاص بها أو قدرة لديها على الفعل الذاتي دون أن تكون متعلقة في فعلها بإرادة الله كما رأينا. بينما ينكر الأشاعرة قانون السببية، أو وجود قوانين حتمية في الطبيعة. فالله يخلق القوانين، وبإمكانه خرقها أو تغيير مجراها متى ما شاء. وعلى سبيل المثال، فإن أبا بكر الباقلاني ينكر أن يكون للظاهرة الطبيعية فعل خاص بها. إنما الفاعل الحقيقي هو الله. فالنار لا تحرق لأن طبيعتها الإحراق، ولا الخمر من طبيعته الإسكار. أي ليس هناك مبدأ ارتباط حقيقي بين العلة والمعلول، بين السبب والمسبب. والذي قضى بأن تجري الأشياء مجرى العادة، حركة وتولداً، بإمكانه أن يقضي بما يخالف الضرورة فيما هو معلوم بالحس. كوقوع المعجزات. وهذا لا يعني أن الأشاعرة، بمن فيهم الباقلاني، لا يقرون بوجود قوانين في الطبيعة، ولكنها في نظرهم ممكنة وليست واجبة، أي ليس هناك اطراد في حوادث الطبيعة، ومن هنا تكمن خطورة هذا المعتقد، إذ يفضي إلى إنكار وجود قوانين فاعلة على الحقيقة وبالضرورة، ومن ثم إنكار الحرية في الأفعال الإنسانية، على أساس أن القدرة الإلهية هي الفاعل الحقيقي في الواقع. وفي الحين الذي يسعى فيه المعتزلة إلى تقديم تفسير عقلاني لأفعال الله بلحاظ الحكمة وفعل الأصلح لكيلا تكون الأعراض طريقاً لمعرفة الله، فينسب إليه من بعد ذلك فعل الإنسان أو فعل الطبيعة، مؤكدين على مفهوم السببية في المجالين الطبيعي والبشري، نجد الأشاعرة يرفضون رفضاً قاطعاً أي تعليل يوجب على الله فعلاً بعينه. على قاعدة أن الله لا يسأل عما يفعل. لكن الاختلاف النظري أو المعرفي بين الفريقين هو في الواقع اختلاف أيديولوجي يتعلق بمفهوم السلطة. ففي كتاب "التمهيد" يرجع الباقلاني مسألة الغلاء والرخص في الأسعار إلى إرادة الله، لأنه يرى أن الله هو "الذي يخلق الرغائب في الشراء ويوفر الدواعي على الاحتكار"، ولو مات الناس جوعاً فإن السلطان قد أماتهم مجازاً لأن الذي يحدث الأسباب على الحقيقة هو الله. على حين أن عبد الجبار في كتابه "المغني" يعزو أسباب الغلاء إلى "قلة الشيء مع شدة الحاجة إليه، أو كثرة المحتاجين بالنسبة إلى ما هو موجود، وإن ما يجري من التسعير إنما أنشأه بعض الظلمة، ويؤدي هذا إلى فساد يعم الفقراء".
مصادر:
في مسألة المعدوم والإرادة:
-القاضي عبد الجبار: "المغني"، باب الإرادة، ص ٦٠.
-المصدر نفسه، باب المخلوق، ج٨، ص ١٣.
-عبد الجبار: "شرح الأصول الخمسة"، ص ٩٢ ١١٨.
-الخياط: "الانتصار"، ص ٨٣.
-الشيخ نصير الدين الطوسي: "في شيئية المعدوم"، ص ٧٧.
-ألبير نصري: "فلسفة المعتزلة"، ص ١١٩.
في مسألة الكمون عند النظّام:
-الجاحظ: "الحيوان"، ج٥، ص ٣٤ – ٤٠، ٩٢ ٩٣.
- آراء النظّام في "الانتصار" (١٣، ١٧، ٢٠، ٢١، ٦١، ١٠٠، ١٦٨).
-ابن المرتضى: "طبقات المعتزلة"، ص ٥٠.
في مسألة أفعال العباد:
-القاضي عبد الجبار: "شرح الأصول الخمسة"، ص ٣٣٢ ٣٦٢.
-الأشعري: "اللمع"، ص ٣٨ ٤٧.
السببية عند المعتزلة والأشاعرة:
-"شرح الأصول الخمسة"، ص٣٦٤ -٣٨٣.
الباقلاني: "التمهيد"، ص ٢٨٦ ٣٣١.
في مسألة القديم والحدوث عند فلاسفة الإسلام:
-الفارابي: "الجمع بن رأيي الحكيمين"، ص ٢٣ -٢٥.
- الفارابي: "الدعاوى القلبية"، ص ٧.
-ابن سينا: "تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات"، ص ٦٨ –٦٩.
- ابن سينا: "النجاة"، ص ٣٥٦ -
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
جدلية التطرف ..بين التقليد والتداعي الحر للرمز المقدس
المزيد.....
-
ممثل قائد الثورة في حرس الثورة حاجي صادقي: الجمهورية الإسلا
...
-
بابا الفاتيكان البابا ليو: قادة العالم يؤججون الحروب بدلا م
...
-
الأمن الفيدرالي الروسي يكشف وثائق مرعبة توثق تفاصيل إبادة ال
...
-
أملاك الكنيسة في عين العاصفة: كيف تدافع البطريركية الأرثوذكس
...
-
تاريخ موجز للدول والممالك الإسلامية.. حضارة صنعت التاريخ
-
بقائي لـ -إرنا-: طُرحت مواقف الجمهورية الإسلامية الإيرانية
...
-
تشييع جثمان قائد الثورة الإسلامية الإمام الشهيد آية الله علي
...
-
تشييع جثمان قائد الثورة الإسلامية الإمام الشهيد آية الله عل
...
-
وزير دفاع ايران بالوكالة يدعو لتوحيد دول العالم الاسلامي وتش
...
-
-نريد الفوز، لكننا نكره الجمهورية الإسلامية-، المعضلة التي ي
...
المزيد.....
-
قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية
/ محمد جعفر ال عيسى
-
حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان
/ أحمد التاوتي
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
الإسلام ضد الحداثة
/ فرغان أزيهاري
-
مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ
...
/ مؤمن عقلاني
-
محادثات مع الله الجزء الرابع
/ نيل دونالد والش
-
مختصر كتاب الأرواح
/ آلان كاردك
-
الفقيه لي نتسناو براكتو
/ عبد العزيز سعدي
-
الوحي الجديد
/ يل دونالد والش
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|