أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وائل محمد - رواية عرائس السماء كتابة المجاهدة الروحية وسؤال الهوية














المزيد.....

رواية عرائس السماء كتابة المجاهدة الروحية وسؤال الهوية


وائل محمد

الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 10:01
المحور: الادب والفن
    


قراءة نقدية في رواية
سمية صبحي سرور
تنتمي رواية عرائس السماء للأديبة سمية صبحي سرور إلى نمط من الكتابة يجمع بين السيرة الذاتية، والتأمل الفلسفي، والحكي الروحي، وهي في بنائها ونبرتها وأسلوبها، نصٌّ يتجاوز التصنيفات الصارمة ليقدم تجربةً سردية خاصة، تتشابك فيها الذات الكاتبة مع الذاكرة، والحنين، والبحث عن الله، وفقدان اليقين، واغتراب الهوية

الرواية لا تقدّم نفسها كحكاية بالمعنى التقليدي، بل تُبنى على هيئة مقاطع سردية متداخلة، تُشبه حلقات تُحيط بالذات الراوية من جهات متعددة: الطفولة، الغربة، الفقد، الحلم، الحب، الانتماء، الشك، ثم الصعود التدريجي نحو طمأنينة مكتسبة

في هذا السياق، يمكن قراءة عرائس السماء عبر خمسة محاور نقدية متقاطعة:

أولًا: أدب الاعترافات – البوح كفغل وجودي

تمثّل الرواية نموذجًا حيًّا لأدب الاعترافات، ليس فقط لكونها نصًا ذاتيًّا، بل لأنها تنطلق من موقف نفسي صادق يعترف بتصدّع الذات، وتمزقها بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون

الراوية تكشف عن مراحل تخلّق وعيها، من يقين الطفولة، إلى اغتراب الشابة، إلى تمزق المنفية داخل ذاتها، ثم إلى لحظة الانبعاث من رماد الفقد. والاعتراف هنا لا يأتي بصيغة درامية، بل بصيغة تأملية شفيفة، تُجسّد رحلة ذات تُعيد تأويل نفسها من الداخل، لا تبرر، ولا تتزيّن، بل تتطهّر بالكلمات.

ثانيًا: البنية الملتفّة – سرد حلقي على طريقة ألف ليلة

تعتمد الرواية بنية الحكي الملتف أو الحلقي، حيث تتوالد الحكايات من بعضها البعض دون خط سردي صريح، وإنما عبر تشظي زمني ومكاني ووجداني.
يمكن قراءة كل فصل كقصة شبه مكتفية، لكن العلاقة بينها ليست مفككة، بل نُسجت عبر خيوط شعورية دقيقة: المئذنة، الأب، المدينة، اللغة، الغربة، النداء، الصوت، إلخ

يشبه هذا البناء بنية ألف ليلة وليلة من حيث

تعدد الحكايات داخل إطار واحد.

غياب العقدة التقليدية.

تشابك الزمن والمكان.

الالتفاف المستمر حول مركز دلالي واحد: الذات الباحثة.

ثالثًا: البعد الصوفي – الكتابة بوصفها مجاهدة.

تنتمي عرائس السماء بعمقها إلى روح التصوف، وإن لم تستخدم المصطلحات الصوفية صراحة. تتخذ الكاتبة من الكتابة وسيلة للترقي الروحي، حيث تتحول المآذن إلى رموز علوية، والبحر إلى مرآة للغيب، والملح إلى أداة تطهير مؤلم.

تمر الرواية بمقامات تشبه مقامات السالك الصوفي:

مقام الفقد: بموت الأب، وانهيار السند و التهجير الإجباري.

مقام التيه: في الغربة، واللغة، والصوت.

مقام الإشارة: في الحلم الذي يتجلى فيه الأب كمكلف ومنتظر.

مقام التكليف: "قولي لي... وأنتِ؟" كسؤال وجودي عميق.

مقام الصعود: حين تتجاوز الذات المكان والزمن وتستعيد نفسها في الروح.

الذات لا تعود إلى الله بوصفه عقيدة جاهزة، بل بوصفه أفقًا داخليًا يولد من عمق الحزن، وتعيد صياغة الإيمان كحالة حُب والتزام ومسؤولية.

رابعًا: سؤال الهوية – الغربة كمختبر للذات

تحفر الرواية عميقًا في سؤال الانتماء، ليس من منطلق الانتماء السياسي أو الجغرافي، بل من منطلق الانتماء الوجودي.
تُطرَح الهوية في الرواية بوصفها محاكمة قاسية:

"أنتِ من القاهرة؟"

"لكن أصلك منين؟"

"إنتِ إيه اللي جابك هنا؟"

تتحول اللهجة، واللون، والتعبير، إلى أدلة تُدين الذات دون ذنب.
لكن الذات ترفض أن تُختزل في الجغرافيا، وتعيد بناء انتمائها روحيًا، من خلال:

الذكريات.
الروائح.
الحنين.
الحكي.
تنتصر الكاتبة للهوية المتصالحة مع نفسها، لا التي تبحث عن الاعتراف الخارجي، فتقول:

"لم أعد أنتمي للقاهرة وحدها، بل أصبحتُ في وضعٍ روحي جديد، حيث السماء بأسرها وطن، وعروستي السماوية ليست من حجر، بل من روح."
خامسًا: الشك وسؤال الله – الإيمان الجريح

من أبرز ما تحمله الرواية من جرأة فكرية وروحية، هو مواجهتها الصادقة للشك في الله والدين، دون تبجّح أو استسلام.
فالراوية تمرّ بتجربة شعورية قاسية، تضعها أمام:
صمت السماء.
جفاف المدينة الجديدة.
انقطاع النداء
غياب العلامات.
"البحر لا يجيب، فقط يبتلع السؤال كما ابتلع كل شيء."
تُجسّد هذه العبارة لحظة الفقد المطلق. لكن الرواية لا تسقط في العدم، بل تستمر في البحث، لتصل إلى:
الله الجديد: الذي يُكتشف في الحب، في الحلم، في الكتابة.

الإيمان المتحوّل: من فكرة جاهزة إلى مسؤولية ذاتية.

الطمأنينة المكتسبة: لا كمنحة، بل كنتيجة مجاهدة طويلة في الليل الروحي.

عرائس السماء عمل أدبي ناضج، يُعيد تعريف الرواية الذاتية من الداخل، ويؤسس لنمط كتابة خاص تتلاقى فيه الاعترافات النسوية، والتجربة الصوفية، والتمزق الوجودي، وحميمية اللغة.
هي رواية لا تروي فقط، بل تفكر، وتسأل، وتكتب لتفهم.

إنها نصّ يليق بأن يُقرأ ببطء، وأن يُرافق القارئ لا كأحداث بل كمرآة، حيث قد يجد فيها ظلّ ذاته التائهة، أو ضوء خلاصه المنتظر






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- انهيار فنان مصري شهير في بث مباشر
- بقائي: جولة سويسرا أحرزت تقدمًا والملفات الفنية مستمرة
- بقائي لـ-إرنا- عقب انتهاء مفاوضات سويسرا: تقرر أن تواصل الو ...
- من زارايسك الأثرية.. روسيا تبدأ رحلة تحضيرية نحو -المعرض الث ...
- في ذكرى ميلاده.. -الليل الطويل- يعيد حاتم علي إلى شاشة صالون ...
- انتهاء المفاوضات الأمريكية الإيرانية والمحادثات الفنية ستستم ...
- إسحاق دار: أعتقد أن ملف احتياطيات اليورانيوم يمكن حله من خلا ...
- الخارجية الإيرانية: انتهى عمل فرق التفاوض في هذه المرحلة لك ...
- د. سناء الشعلان: -نعيش زمن الانتحار الجماعيّ... ولا أحد يملك ...
- العمودالثامن: البحث عن وزير للثقافة


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وائل محمد - رواية عرائس السماء كتابة المجاهدة الروحية وسؤال الهوية