فاطمة رضا عطية
الحوار المتمدن-العدد: 8742 - 2026 / 6 / 20 - 20:12
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مقال بقلم : خرم عباس، محلل استراتيجي للأمن الدولي.
ترجمة وتحرير: م. فاطمة رضا عطية/ كلية العلوم السياسية بجامعة بغداد
مقال منشور في 14 حزيران 2026 في موقع DAWN E-Paper
كشفت الحرب الأمريكية على إيران عن هشاشة استراتيجية جوهرية لدول الخليج العربي. فقد أثر الحصار المزدوج الذي فرضته إيران والولايات المتحدة على مضيق هرمز بشكل كبير على صادرات النفط والغاز لدول مجلس التعاون الخليجي. وتفاوت هذا التأثير من دولة إلى أخرى. وكانت قطر والبحرين والكويت أكثر دول مجلس التعاون الخليجي تضرراً نظراً لاعتمادها الكبير على مضيق هرمز في صادراتها. وقد تمكنت السعودية والإمارات من التخفيف جزئياً من حدة هذا الاضطراب بتحويل بعض تدفقات النفط عبر ينبع والفجيرة على التوالي، إلا أن هذه البدائل محدودة الإمكانيات ولا تُغني تماماً عن مضيق هرمز. حتى لو انتهى النزاع واستؤنفت إمدادات النفط، لا تستطيع دول مجلس التعاون الخليجي ضمان استمرار إمدادات النفط دون انقطاع للشركاء الدوليين خلال أي أزمة مستقبلية. ويعود ذلك أساسًا إلى أن مضيق هرمز كان ركيزة أساسية في استراتيجية طهران الردعية ضد الولايات المتحدة خلال النزاع الأخير. ومن المرجح جدًا أن تستمر طهران في استخدام هرمز كرادع في أي عدوان خارجي مستقبلي.
لذا، سيظل الغموض المحيط بمستقبل هرمز يُلقي بظلاله على التفكير الاستراتيجي لدول الخليج العربي. ويمكن تسمية هذا التحدي الناشئ بـ"معضلة هرمز".
وتدرس دول الخليج العربي المصدرة للطاقة، فضلًا عن الدول الآسيوية المستوردة لها، استراتيجيات متنوعة للتغلب على معضلة هرمز. ويشمل ذلك دراسة توسيع طاقات احتياطيات النفط الاستراتيجية الوطنية، وإيجاد أسواق ومسارات إمداد بديلة. وقد أتاحت معضلة هرمز لإسلام آباد فرصة استراتيجية لطرح فكرة "تأجير مرافق تخزين النفط والغاز" على دول الخليج العربي. يتمثل الهدف الرئيسي من إنشاء مرافق تخزين استراتيجية للنفط والغاز لدول الخليج العربي في باكستان في ضمان حصول المشترين على بدائل مقبولة للغاز الطبيعي المسال القطري والنفط الإماراتي والمنتجات البترولية البحرينية المخزنة بالفعل، وربما النفط الخام السعودي من المرافق الموجودة على طول المناطق الساحلية الباكستانية والتي يتم نقلها عبر ميناء جوادر أو ميناء قاسم أو غيرها من مراكز الطاقة المخصصة خلال فترات إغلاق المضيق.
بالنسبة لكبار مستهلكي الطاقة في آسيا، مثل كوريا الجنوبية واليابان والصين وغيرها، سيوفر هذا الترتيب آلية موثوقة لضمان إمدادات الطاقة خلال أي نزاع مستقبلي يشمل إيران ومضيق هرمز. ويمكن أن تعمل الاحتياطيات الاستراتيجية في باكستان كبوليصة تأمين ضد عدم الاستقرار الجيوسياسي للدول التي لا تزال تعتمد بشكل كبير على إمدادات الطاقة الخليجية والمعرضة لانقطاعات في مضيق هرمز.
تُعدّ باكستان مؤهلةً بشكلٍ خاص لمثل هذا الترتيب. فخلال أكثر من مئة يوم من الأعمال العدائية المسلحة بين الولايات المتحدة وإيران، برزت كإحدى الدول القليلة في المنطقة التي حافظت على علاقات ودية مع كلٍّ من إيران ودول الخليج العربي. وفي حال نشوب أي نزاع، سيقلّ احتمال استهداف طهران لمنشآت الاحتياطي الاستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي الواقعة داخل الأراضي الباكستانية. وباعتبارها شريكًا موثوقًا يتمتع بقدرات برية ومصداقية دبلوماسية، تستطيع إسلام آباد استضافة منشآت احتياطي النفط الاستراتيجية لدول مجلس التعاون الخليجي. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، يُمكن أن يُشكّل هذا الترتيب أحد أكثر البدائل العملية لضمان استمرارية إمدادات النفط والغاز خلال الأزمات المستقبلية. وسيُساعد على طمأنة المشترين الدوليين بأنّ الاضطرابات المؤقتة في مضيق هرمز لن تُترجم تلقائيًا إلى نقص في الإمدادات. وسيكون منتجو الخليج في وضعٍ أفضل للوفاء بالتزاماتهم التعاقدية وتجنّب إعلان القوة القاهرة، كما اضطرّ العديد من المُصدّرين إلى القيام بذلك بعد اضطرابات مطوّلة في المضيق. والأهم من ذلك، أن إنشاء مرافق تخزين استراتيجية في باكستان سيوفر منصة تصدير ثانوية خارج منطقة النزاع المباشر. وهذا من شأنه تعزيز مرونة سلاسل إمداد الطاقة لدول مجلس التعاون الخليجي، والحد من الاعتماد المفرط على ممر مائي واحد. ومن الناحية الاستراتيجية، سيُسهم ذلك في تنويع مصادر أمن الطاقة جغرافياً.
أما بالنسبة لباكستان، فيحمل هذا المقترح فوائد بالغة الأهمية. إذ سيساعدها هذا الترتيب على تنويع وتعميق تعاونها مع دول الخليج العربي بما يتجاوز الإطار الأمني البحت. ويمكن أن يصبح أمن الطاقة، والخدمات اللوجستية الاستراتيجية، وتطوير البنية التحتية، وإدارة الموانئ، والتعاون البحري، ركائز جديدة للتعاون بين باكستان ودول مجلس التعاون الخليجي. وهذا من شأنه أن يرتقي بدور باكستان من شريك أمني إلى شريك استراتيجي شامل في استقرار منطقة الخليج العربي. تنسجم هذه الاستراتيجية مع طموح باكستان في أن تُصبح قوة استقرار إقليمية. فمن خلال امتلاك احتياطيات استراتيجية، ستُسهم إسلام آباد بشكل مباشر في تعزيز مرونة أسواق الطاقة الإقليمية، وتُساعد في التخفيف من التداعيات الاقتصادية للنزاعات المستقبلية في آسيا وخارجها.
كما يُكمّل هذا المفهوم طموحات باكستان الجيواقتصادية الأوسع. إضافةً إلى ذلك، يُمكن لإسلام آباد أن تجني فوائد مالية كبيرة من هذه الترتيبات. فميناء جوادر، على وجه الخصوص، يُمكن أن يتحول إلى مركز إقليمي للوجستيات الطاقة، يربط بين مُنتجي الخليج العربي والمستهلكين الآسيويين. ويمكن لمرافق التخزين، وخطوط الأنابيب، وبنية التكرير التحتية، والخدمات المرتبطة بها، أن تجذب استثمارات أجنبية كبيرة، وتُوفر فرصًا اقتصادية طويلة الأجل. كما يُمكن لخدمات مناولة الموانئ، ورسوم التخزين، والتدابير الأمنية، وإدارة اللوجستيات، وتطوير البنية التحتية ذات الصلة، أن تُدرّ عائدات من العملات الأجنبية تشتد الحاجة إليها. وستُحفز هذه المرافق الأنشطة الاقتصادية المحلية في إقليمي السند وبلوشستان.
مع ذلك، فإن نجاح هذه المبادرة الطموحة مرهون بقدرة باكستان على تجاوز تحديات كبيرة في الحوكمة والتنفيذ. إذ يتطلب إنشاء مرافق تخزين استراتيجية واسعة النطاق للبترول والغاز الطبيعي المسال، تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي والاستحواذ عليها، وتخطيطًا طويل الأجل للبنية التحتية، والحصول على الموافقات التنظيمية، والتنسيق بين العديد من المؤسسات الاتحادية والإقليمية. وقد أدت الإجراءات البيروقراطية في باكستان تاريخيًا إلى إبطاء تنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى.
لذا، فإن معضلة هرمز لا تمثل تحديًا لدول الخليج العربي فحسب، بل هي أيضًا فرصة للابتكار الإقليمي. فبينما سيظل مضيق هرمز شريانًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية، وقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن الاعتماد الحصري على مسار واحد ينطوي على مخاطر متزايدة. وبإمكان دول مثل باكستان تحويل هذه الأزمة الإقليمية إلى فرصة استراتيجية من خلال عرض نفسها كموقع آمن لاحتياطيات البترول الاستراتيجية، بما يخدم مصالح دول الخليج العربي ومستهلكي الطاقة في آسيا وباكستان نفسها.
#فاطمة_رضا_عطية (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟