أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - نورا الرافعي - ممداني في الحكم: حدود الاشتراكية الديمقراطية ودور الثوريين















المزيد.....

ممداني في الحكم: حدود الاشتراكية الديمقراطية ودور الثوريين


نورا الرافعي

الحوار المتمدن-العدد: 8735 - 2026 / 6 / 13 - 16:36
المحور: اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم
    


في يناير 2026، أدّى زهران ممداني اليمين الدستورية كعمدة لمدينة نيويورك، في محطة مترو مهجورة تحت قاعة المدينة، واضعًا يده على نسختين من القرآن. حضر بيرني ساندرز، وألقت ألكسندريا أوكاسيو-كورتيز خطابًا أعلنت فيه أن المدينة اختارت الشجاعة على الخوف، والرخاء للكثرة على الغنائم للقلة. وقف ممداني أمام جمهوره وقال إنه رفض أن يُطالب أهل نيويورك بأن يطلبوا القليل وينتظروا الأقل، وأن الأمل الوحيد الذي يسعى إلى إعادة ضبطه هو أمل التوقعات الصغيرة.
كان ممداني أول عمدة مسلم لنيويورك، وأول من ينحدر من أصول جنوب آسيوية يتولى المنصب، وأحد أصغر من شغلوه في التاريخ الحديث. حصد أكثر من مليون صوت من حملة ممولة فقط بالتبرعات. عدد الأصوات لم يبلغه أي مرشح لعمودية المدينة منذ عام 1969. وراء هذا الرقم وقفت كتلة اجتماعية من عاملات الرعاية المنزلية المهاجرات، سائقو سيارات الأجرة، المستأجرون المهددون بالطرد، الشباب الذين خرجوا للتصويت لأول مرة، الجاليات المسلمة والعربية وجنوب آسيوية التي رأت في صعوده اعترافًا متأخرًا بوجودها. هؤلاء هم من وضعوه في الحكم. وإليهم تتوجه هذه المقالة.
ما قدمه ممداني
في يومه الأول، ألغى ممداني الأوامر التنفيذية التي أصدرها سلفه إريك آدامز، ومن بينها أمران منعا أجهزة المدينة من مقاطعة إسرائيل وفرضا تعريف التحالف الدولي لذكرى المحرقة لمعاداة السامية، وهو تعريف يصنّف بعض أشكال نقد إسرائيل بوصفه معاداة للسامية. كان هذا الإلغاء مهم جداُ، خاصة من عمدة جمع أصوات الكثير لتضامنه مع القضية الفلسطينية، يحكم مدينة تُعدّ من أكبر مراكز الضغط الصهيوني في العالم.
وقّع أمرًا تنفيذيًا يُلزم عملاء سلطة الهجرة بالحصول على إذن قضائي قبل دخول أملاك المدينة، بما فيها المدارس والملاجئ والمستشفيات. أطلقت إدارته حملة "اعرف حقوقك" بعشر لغات، ووزّعت ثلاثين ألف منشور في دور العبادة. في مدينة يتربص بها ترامب وأجهزته، كان هذا الفعل درعًا حقيقيًا لمئات آلاف المهاجرين.
في مجال رعاية الطفولة، أطلق ممداني في يومه الثامن برنامج "تو-كاي" بالشراكة مع حاكمة الولاية، ليوفّر رعاية مجانية لآلاف الأطفال في عمر السنتين، خطوة نحو رعاية شاملة للأطفال من ستة أسابيع إلى خمس سنوات. للمرة الأولى في تاريخ المدينة تُقدَّم رعاية مجانية لأطفال السنتين بصرف النظر عن دخل الأهل، في مدينة كان متوسط ما ينفقه الأهل على رعاية الطفل الواحد فيها يتجاوز ثلاثة وعشرين ألف دولار سنويًا.
في مجال الإصلاح العقابي، التزمت إدارته بإغلاق سجن رايكرز، وعيّنت ستانلي ريتشاردز مفوّضًا لإدارة السجون، وهو أول شخص اختبر السجن من الداخل يقود هذه الإدارة. فتحت أول وحدة علاجية بمئة وأربعة أسرّة في مستشفى بلفيو لأكثر النزلاء هشاشة، وأمرت بالامتثال الكامل لحظر الحبس الانفرادي. وفي ملف الإسكان، أصدر خطة "حيًّا بحيّ" الطموحة لبناء مئتي ألف مسكن ميسور والحفاظ على مئتي ألف آخر خلال عقد، وأطلق إصلاحات "السرعة" التي تقلّص زمن تطوير الإسكان الميسور، وأنشأ مكتب حماية المستأجرين، وعيّن ستة من أعضاء مجلس توجيه الإيجارات التسعة، المجلس الذي يقرر تجميد الإيجارات لنحو مليوني ساكن. سجّلت المدينة في أشهره الأولى أدنى معدلات جريمة وأقل وفيات على الطرق في تاريخها المسجّل تقريبًا، بحسب أرقام الشرطة نفسها.
حقق ممداني إنجازات مهمة جداً لسكان نيويورك. العاملات صار بوسعهن العمل دون دفع آلاف الدولارات لرعاية أطفالهن، والمهاجرين واللاجئين صار بيتهم أبعد قليلًا عن متناول سلطة الهجرة. رغم هذه المكاسب يظل ممداني محدود في ما يمكن أن يحققه لأنه يعمل داخل منظومة تخدم الطبقة الحاكمة.
معركة عاملات الرعاية المنزلية ضد يوم العمل الطويل
في نيويورك نحو مئة وثلاثين ألف عاملة رعاية منزلية، تسعون في المئة منهن نساء، وسبعون في المئة منهن مهاجرات. تخضع هؤلاء النسوة لقاعدة وحشية، تعمل العاملة وردية مدتها أربع وعشرون ساعة متواصلة، ويُدفع لها أجر ثلاث عشرة ساعة فقط، بحجة أن الساعات الباقية وقت طعام ونوم. وصفت العاملات هذا اليوم بأنه تعذيب يحرمهن النوم ويصيب أجسادهن بإعاقات دائمة. قالت إحداهن إنها عملت ست عشرة سنة بهذا النظام حتى دمّر صحتها، وإن يوم العمل هذا لا وجود له في أي مكان آخر من العالم.
كان ممداني، نائبًا في برلمان الولاية عام 2022، قد شارك في تقديم مشروع قانون يحظر هذه الورديات حظرًا تامًا. وعد بذلك في حملته. ثم صار عمدة. وتدخّل ليقترح منح العاملات "خيار" العمل أربعًا وعشرين ساعة بدل حظرها، وهو تراجع عن مبدأ الإلغاء.
ردّت العاملات بالتنظيم. بدأن في عيد المرأة العالمي، اعتصامًا أمام قاعة المدينة، ملتفّات بالأغطية في برد مارس القارس. ثم تصاعد الأمر إلى إضراب عن الطعام خاضته خمس عشرة امرأة مهاجرة مسنّة. اتهمت العاملات فريق ممداني القانوني بالعمل على إضعاف صياغة القانون، حتى صار يستثني العاملات النقابيات ويسمح بالورديات الطويلة بـ"موافقة" مكتوبة. في رسالة مفتوحة وقّعتها مئة وست وثلاثون عاملة، قلن إن صاحبات هذا اليوم يُضربن كل ليلة بسلاح خفيّ يُبقيهن مستيقظات. واتهمن ممداني بأنه أبلغ عضو المجلس مارتي أن الحاكمة هوكول هدّدت بحجب تمويل المدينة إن مرّ القانون.
لكن الخذلان لم يقف عند العاملات وحدهن. خلف كل عاملة رعاية يقف مسنّ أو شخص من ذوي الإعاقة تعتمد حياته اليومية على رعايتها؛ وحين تعمل المرأة منهكة بلا نوم، تتدهور جودة الرعاية التي يتلقاها هؤلاء. لهذا وقف كثير من نشطاء حقوق ذوي الإعاقة إلى جانب القانون، وقال أحدهم إن من يبقى هذا اليوم قائمًا "لا يختلف عن مالكي العبيد في الماضي". وخلف العاملات تقف أُسرهنّ التي تعيش على أجر منقوص؛ والمنظِّمات في رابطة العمال والموظفين الصينيين اللواتي بنين هذه الحملة على مدى سنوات؛ وطلبة جامعة نيويورك وأساتذتها الذين تبرّعوا للإضراب وكتبوا رسالة تدين تراجع العمدة. هذه شبكة تضامن طبقية، نسيج من المهاجرين والنساء والمرضى والطلبة، خذلها ممداني دفعة واحدة حين اختار إدارة الضغوط بدل مواجهتها.
وتتكرر البنية نفسها مع كتل أخرى من ناخبيه. المستأجرون الذين صوّتوا له على وعد تجميد الإيجار وإسقاط الاستئناف ضد توسيع برنامج “سيتي فيبس” لدعم الإيجار، وجدوا إدارته تواصل الاستئناف الذي ورثته عن آدامز. قالت كريستين كوين، مديرة أكبر مشغّل للملاجئ في المدينة، إن المرشّح ممداني والعمدة المنتخب ممداني وعدا بإسقاط الاستئناف في اليوم الأول، وإن هذا مثال كلاسيكي على وعد قُطع ووعد نُكث. أمّا بلا مأوى الذين علّق ممداني اجتياح مخيماتهم في يومه الخامس، فقد عادت الاجتياحات بعد أقل من سبعة أسابيع.
إثر موجة برد قاتلة، رغم أن أحدًا من الضحايا لم يكن يقيم في تلك المخيمات.
وراكبو الحافلات من الفقراء، الذين رفع لهم شعار الحافلات المجانية، اعترف ممداني نفسه بأن وعدهم لن يتحقق في 2026؛ بل إن أجرة الحافلة ارتفعت في اليوم نفسه الذي تولّى فيه المنصب.
وفي ملف الشرطة، حيث صعد ممداني بخطاب رفض توسيع جهاز الشرطة، جاء أقسى اختبار. في السادس والعشرين من يناير، أطلق ضابط شرطة النار أربع مرات على جابيز شاكرابورتي، الشاب البنغلاديشي البالغ اثنين وعشرين عامًا، بعد أقل من دقيقة من دخوله بيته، حين كانت عائلته قد طلبت سيارة إسعاف لأزمة نفسية يمر بها. كان رد ممداني أن أعرب عن امتنانه للمستجيبين الأوائل. ردّت العائلة بسؤال يختصر المأساة: لماذا يصفّق العمدة لضباط كادوا يقتلون ابننا أمام أعيننا؟ والأمرّ أن ممداني أبقى جيسيكا تيش، مفوضة آدامز للشرطة، في منصبها، في تناقض صارخ مع وعوده لجاليات بأكملها صوّتت له لتنجو من عنف هذا الجهاز.
هنا يكمن الدرس. وعد ممداني عاملات الرعاية كان عهدًا مع أضعف شريحة في الطبقة العاملة المدينية، نساء مهاجرات ملوّنات يحملن المدينة على ظهورهن. وحين جاءت لحظة الوفاء، اختار ممداني إدارة الضغوط بدل مواجهتها. اختار التفاوض مع رأس المال والمستويات العليا من الدولة بدلا من الاصطفاف الكامل مع من انتخبوه.
لماذا تبقى الاشتراكية الديمقراطية محدودة
من السهل أن نقرأ هذه التراجعات كخيانة شخصية أو ضعفًا في الإرادة. لكن ممداني لم يتراجع لأنه جبان أو انتهازي بالضرورة. تراجع لأن المنصب الذي يشغله محكوم ببنية أكبر منه. العمودية موقع داخل جهاز الدولة الرأسمالية. المدينة محاصرة بميزانية ورثت عجزًا قدره اثنا عشر مليار دولار، وهي خاضعة لحاكمة ولاية تملك سلاح حجب التمويل، ولإدارة فدرالية يقودها ترامب الذي هدّد علنًا بخنق المدينة ماليًا ما دام ممداني فيها. وكالات التصنيف الائتماني تراقب كل قرار. مجلس المدينة يفاوض على كل بند. السلطة البلدية، مهما بلغ راديكالية شاغلها، تبقى مقيّدة بالدولة الأعلى وبرأس المال الذي يموّلها.
هذا هو حدّ الاشتراكية الديمقراطية حين تُختزل في المنصب المنتخب. تَعِد بإعادة توزيع الفائض داخل النظام، دون أن تمسّ بنية الإنتاج نفسها، ولا علاقات الملكية، ولا الدولة كأداة لإدامة سيطرة الطبقة المالكة. تقدّم رعاية أطفال مجانية، وهذا جيد، لكنها تتراجع أمام تهديد بحجب التمويل، لأنها تقبل قواعد وتتحرك داخل النظام نفسه المتسبب في الأزمات التي تحاول حلها. "الاشتراكية" التي تطمح إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع، دون بناء قوة طبقية مستقلة قادرة على فرض إرادتها خارج البرلمان، تجد نفسها دومًا في موقع المساوم. تربح المنصب وتخسر الشرط الذي يجعل المنصب ذا معنى.
العاملات اللاتي اعتصمن أمام قاعة المدينة يفهمن هذا الواقع الطبقي قبل أن يصوغه أي منظّر. العاملات رفضوا ان يَعِدهن ممداني بـحرية"الاختيار" بدلا من الإلغاء، كنّ يعلّمننا درسًا في حدود التمثيل لا أحد يحرّرك بالوكالة. القوة التي ربحت الانتخاب يجب أن تبقى منظَّمة بعده، مستقلة عن المنتَخب، قادرة على محاسبته.
كيف نستثمر وجوده في الحكم: مهمة الثوريين
السؤال هنا ليس هل ندعم ممداني أو نرفضه. هذا سؤال ساذج. السؤال صاغته روزا لوكسمبورغ قبل أكثر من قرن في «إصلاح أم ثورة»: الإصلاح والثورة ليسا طريقين هادئًا وعاصفًا إلى الغاية ذاتها، بل طريقان إلى غايتين مختلفتين. من يكتفي بالإصلاح التشريعي بديلًا عن انتزاع السلطة يستبدل بناء مجتمع جديد ترميمًا لسطح المجتمع القديم، فيصير البرنامج إصلاح الرأسمالية لا تجاوزها، وتخفيف الاستغلال لا إلغاءه. لكن لوكسمبورغ لم تحتقر النضال اليومي؛ رأت فيه الوسيلة الوحيدة لخوض حرب الطبقة، شرط أن يبقى موصولًا بالغاية. حين يُقطع هذا الوصل يتحول الإصلاح إلى عمل سيزيف، صخرة تُدفع إلى القمة لتعود فتتدحرج. مهمتنا إذن أن نمسك بهذا الخيط أن نخوض كل معركة جزئية مع ممداني كمدرسة للطبقة.
أولًا، وجود عمدة يرفع راية الاشتراكية فتح فضاءً سياسيًا واسعًا. صارت كلمات مثل "إعادة التوزيع" و"حقوق المستأجرين" و"تمويل الشرطة" جزءًا من نقاشات ملايين البشر. الانتخاب الذي حمل ممداني إلى قاعة المدينة كشف للملايين أن خصمهم قابل للهزيمة في معركة واحدة على الأقل. لكنّ لوكسمبورغ تحذّرنا أن الوعي الذي يولد في حملة انتخابية يذبل سريعًا ما لم يتجسّد في تنظيم دائم يتجاوز فترة الانتخابات. مهمتنا أن نملأ هذا الفضاء بالتنظيم، لا بالتصفيق. كل عاملة رعاية تعلّمت أن تعتصم، كل مستأجر تعلّم أن مطلبه مشروع، كل شاب خرج للتصويت لأول مرة، هؤلاء مادة خام لحركة طبقية تتجاوز العمدة، شرط أن نحوّل حماسة اللحظة إلى بنية تنظيمية تبقى حين تخفت الأضواء.
ثانيًا، التراجعات نفسها أدوات تعليمية. في «الدولة والثورة» كرّر الدرس الذي استخلصه ماركس من كومونة باريس: الطبقة العاملة تعجز عن أن تقبض على جهاز الدولة الجاهز وتديره لمصلحتها، لأن هذا الجهاز، بجيشه وبيروقراطيته وشرطته، أداة سيطرة طبقية صُمّمت لغاية واحدة هي خدمة مصالح الطبقة الحاكمة. كل الثورات السابقة، يقول لينين، صقلت هذا الجهاز وأكملته، بينما مهمة ثورة الطبقة العاملة أن تحطّمه لا أن ترثه. ممداني يجلس اليوم على رأس هذا الجهاز، يحكم به ومن داخله. حين يحتفظ بمفوضة الشرطة التي عيّنها سلفه، وحين يخضع لتهديد بحجب التمويل، وحين تعود اجتياحات المخيمات بعد أسابيع من تعليقها، يبرهن بفعله، على ما قاله لينين، من يحكم بأداة الطبقة المالكة يحكم لمصلحتها في النهاية، مهما صدقت نواياه. البيروقراطية التي ورثها، والميزانية المكبّلة بالدائنين، ووكالات التصنيف التي تراقب كل بند، هذه ليست عقبات عرضية تزول بعمدة أكثر جسارة، بل هي بنية الدولة الرأسمالية ذاتها تعمل كما صُمّمت. مهمتنا أن نحوّل هذا البرهان الحيّ إلى وعي، لا إلى يأس. أن نقول لكل من خذلهم: غضبكم محقّ، ودرسه أن قوّتكم في تنظيمكم المستقل، لا في وعد رجل يجلس داخل جهاز موروث.
ثالثًا، علينا أن نسند كل معركة جزئية يخوضها الناس من تحت، ونضغط على الإدارة من اليسار بلا هوادة. حين خرجت طالبات وأساتذة جامعة نيويورك في رسالة تدين تراجع ممداني، وحين واصلت العاملات اعتصامهن اليومي، كانت تلك هي السياسة الحقيقية، الوصل اللوكسمبورغي بين النضال اليومي والغاية القصوى. لوكسمبورغ ميّزت بحدّة بين من يطالب بالإصلاح بوصفه محطة في حرب الطبقة، ومن يطالب به بوصفه بديلًا عن تلك الحرب؛ الأول يبني قوة الطبقة، والثاني يطمئنها إلى النوم. دورنا أن نوسّع كل معركة جزئية في الاتجاه الأول، أن نربط بين عاملة الرعاية المهددة بيوم العمل الطويل، والمستأجر المهدد بالطرد، والمهاجر المطارَد من سلطة الهجرة، وراكب الحافلة الذي ارتفعت أجرته. هذه المطالب تبدو منفصلة، لكنها تنبع من علاقة استغلال واحدة، ومهمة الثوري أن يكشف الخيط الذي يربطها، فتتحول مطالب متفرقة إلى وعي طبقي واحد. كل معركة نكسبها بهذه الطريقة تصير منصة للمطلب الأكبر، لا سقفًا يُطمئن إليه ويُكتفى به.
رابعًا، يجب الحفاظ على الاستقلال التنظيمي والفكري. الانخراط في معارك ممداني لا يعني الذوبان في حملته أو حزبه. لينين أسّس حزب البلاشفة بالضبط ليفصل القوى الثورية عن الإصلاحيين المناشفة، لا لأنه احتقر النضال الجماهيري، بل لأنه أدرك أن لحظة الأزمة تفرز الصفوف، وأن الطبقة بلا أداتها المنظَّمة المستقلة تجد نفسها عزلاء حين يحين وقت الحسم. فيجب العمل مع ممداني حيث يتقدّم، والضغط عليه حيث يتراجع.
خاتمة
زهران ممداني ليس عدوًّا، لكنه ليس محرّرًا أيضًا. هو نتاج لحظة طبقية، ومرآة لحدودها. صعوده دليل على أن ملايين البشر في قلب الإمبراطورية يتعطّشون إلى بديل، وأنهم مستعدّون للخروج والتصويت والتنظيم من أجله. وتراجعاته دليل على أن المنصب وحده يعيد تشكيل من يشغله، وأن صناديق الاقتراع تربح الكراسي وتخسر السلطة الحقيقية ما لم تسندها قوة منظَّمة في مواقع الإنتاج وفي الشوارع.
العاملات اللواتي وضعنه في الحكم علّمنه، وعلّمننا، أن التحرر لا يُمنح من فوق، ولا يُشترى بصوت في صندوق، بل يُنتزع من أسفل بأيدي من يملكون المصلحة الوحيدة في انتزاعه. ممداني سيفاوض، لأن موقعه يفرض عليه أن يفاوض. و لذلك يجب تنظيم الطبقة التي لا تفاوض على كرامتها، الطبقة التي ترى في عمدة اشتراكي محطة في طريق طويل. اللحظة التي صنعها هؤلاء الملايين بأجسادهم وأصواتهم أثمن من أن تُترك لرجل واحد يديرها وحده داخل جدران قاعة المدينة.



#نورا_الرافعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- زلزال ممداني: صعود جماهيري وفرصة لليسار الثوري


المزيد.....




- بينهم السيسي ومحمد بن زايد.. مسؤول: ترامب سيلتقي قادة من الش ...
- ترامب يحدد موعد توقيع الاتفاق مع إيران وفتح مضيق هرمز
- مسؤول إيراني: لا خطط سفر خلال اليومين المقبلين لتوقيع اتفاق ...
- -عيد ميلاده-.. الحرس الثوري يعلق بعد إعلان ترامب موعد توقيع ...
- ستارمر يطلع أمين عام الناتو على خطة بريطانيا الدفاعية
- رصد مغادرة طائرات التزود بالوقود الأمريكية مطار بن غوريون ال ...
- ترامب: توقيع اتفاق إنهاء الحرب غداً، وإيران -تستبعد ذلك-
- بعد هجومه على نظامها.. السفارة الإيرانية ترد على وزير خارجية ...
- - قلق غربي ومحاولات استرضاء-: هل يشكل مزاج ترامب ملامح قمة ا ...
- القبض على شخصين يشتبه بتورطهما في سرقة معدات منتخب إنجلترا


المزيد.....

- اليسار بين التراجع والصعود.. الأسباب والتحديات / رشيد غويلب
- قراءة ماركس لنمط الإنتاج الآسيوي وأشكال الملكية في الهند / زهير الخويلدي
- مشاركة الأحزاب الشيوعية في الحكومة: طريقة لخروج الرأسمالية م ... / دلير زنكنة
- عشتار الفصول:14000 قراءات في اللغة العربية والمسيحيون العرب ... / اسحق قومي
- الديمقراطية الغربية من الداخل / دلير زنكنة
- يسار 2023 .. مواجهة اليمين المتطرف والتضامن مع نضال الشعب ال ... / رشيد غويلب
- من الأوروشيوعية إلى المشاركة في الحكومات البرجوازية / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- تنازلات الراسمالية الأميركية للعمال و الفقراء بسبب وجود الإت ... / دلير زنكنة
- عَمَّا يسمى -المنصة العالمية المناهضة للإمبريالية- و تموضعها ... / الحزب الشيوعي اليوناني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار , التحرر , والقوى الانسانية في العالم - نورا الرافعي - ممداني في الحكم: حدود الاشتراكية الديمقراطية ودور الثوريين