أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضياء بوسالمي - بيدرو لاتَاس: رحلة بحث عن الصّوت المتعدّد














المزيد.....

بيدرو لاتَاس: رحلة بحث عن الصّوت المتعدّد


ضياء بوسالمي

الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 20:13
المحور: الادب والفن
    


ماذا لو لم يكن الصوت مجرد أثر عابر في الهواء، بل طبقة معرفية تكشف عن العالم وتعيد تشكيله؟ هذا السؤال يشكّل نقطة الانطلاق في تجربة الفنان البرتغالي بيدرو لاَتاس، الذي يحوّل الصوت من مادة سمعية إلى أداة بحث في الذاكرة والهوية والعلاقة بين الإنسان ومحيطه.
خلال إقامته الفنية في تونس، ضمن برنامج تنظّمه جمعية "الشارع فن" بين فيفري وجوان 2026، لا يكتفي لاتاس بإنجاز عمل موسيقي بالمعنى التقليدي، بل ينخرط في تجربة أقرب إلى البحث الميداني. فَالصوت لديه ليس نتيجة نهائية، بل مدخل إلى تفكيك العالم وإعادة فهمه. ومن هنا تتجاوز تجربته حدود الموسيقى لتقترب من تقاطعات دقيقة مع العلوم الإنسانية، واللسانيات، والأنثروبولوجيا، وحتى فلسفة المكان.
ينتقل الفنان بين فضاءات ثقافية متعددة، من لشبونة إلى أمستردام وصولًا إلى تونس، وكأنه يجمع أرشيفًا صوتيًا غير مرئي للعالم. في كل محطة، يتعامل مع الصوت بوصفه علامة على طريقة عيش البشر، وعلى البنية العميقة للعلاقات الاجتماعية. لذلك، لا يبحث عن “الاختلاف” كفلكلور أو خصوصية سطحية، بل عن البنية المشتركة التي تجعل من التعدد شكلًا من أشكال الوحدة.
في تونس، يتخذ هذا البحث بعدًا خاصًا. فَالمدينة العتيقة، بأسوَاقها وأزقتها وحركتها اليومية، تتحول إلى مختبر مفتوح. هنا، يصبح كل تفصيل صوتي—نداء بائع، صدى خطوات، ضحكات عابرة، أو حتى صمت مفاجئ جزءًا من مادة العمل. لا يتم التعامل مع هذه الأصوات كعناصر منفصلة، بل كنسيج حيّ يعكس طريقة اشتغال المجتمع ذاته.
اللغة، في هذا السياق، ليست مجرد وسيلة تواصل، بل بنية تفكير وذاكرة جماعية. لذلك يولي لاتاس اهتمامًا خاصًا بالتنوع اللغوي والنبرات اليومية، معتبرًا أن كل اختلاف صوتي هو اختلاف في الرؤية إلى العالم. ومن خلال هذا المنظور، تصبح الأصوات امتدادًا للجغرافيَا، لكنها في الوقت نفسه قادرة على تجاوزها.
ما يميّز تجربة لاتاس هو أنه يحمل معه إلى تونس أصوات مدن أخرى: لشبونة، أمستردام، وربما أماكن أخرى غير مرئية داخل عمله. هذا التداخل بين “الأصوات القادمة” و“الأصوات المحلية” لا يخلق صراعًا، بل طبقات متراكبة من الاستماع، تجعل من المدينة فضاءً مفتوحًا على تعدد التجارب الإنسانية. وهكذا يتشكل جسر صوتي غير مادي بين ضفتي المتوسط، لا يعتمد على السياسة أو الخرائط، بل على الاهتزازات الدقيقة للحياة اليومية.
«أسكت»: الإنصات إلى التنوّع وإعادة اكتشاف الفضاء العام
في هذا السّياق البحثّ، يأتي العرض الفني "أسكت" بوصفه لحظة تكثيف لكل هذه الأسئلة. غير أن العنوان، رغم إشارته إلى الصمت، لا يدعو إلى إلغاء الصوت، بل إلى إعادة اكتشافه عبر الإنصات العميق. إنه صمت من نوع آخر: صمت يسمح بسماع ما لا يُسمع عادة.
يستند العمل إلى فكرة فلسفية قريبة من تصور إدغار موران حول “الوحدة في التعدد والتعدد في الوحدة”. لكن هذه الفكرة لا تبقى في مستوى النظرية، بل تتحول إلى تجربة حسية مباشرة. إذ يقوم العرض على جمع أصوات تبدو في حياتها اليومية متفرقة، بل أحيانًا غير منتبهة إلى بعضها البعض، داخل تركيب صوتي واحد.
نسمع الأذان في تداخل مع ضجيج السوق، وأصوات التلاميذ في المدارس، ومحادثات المقاهي، وحركة الشوارع، وصدى الحياة اليومية بكل عفويتها. لكن ما يفعله العمل ليس تسجيل الواقع كما هو، بل إعادة ترتيبه، وتفكيكه، وإعادة بنائه داخل فضاء فني يجعلنا نعيد النظر في ما نعتبره “عاديًا” أو “غير مهم”.
هنا تحديدًا تتحول التجربة إلى فعل إدراكي. فالمُتلقّي لا يبقى مستمعًا سلبيًا، بل يصبح مشاركًا في إعادة اكتشاف المكان الذي يعيش فيه. الأصوات التي كان يتجاهلها تتحول إلى علامات، وكل علامة تفتح بابًا جديدًا للتأمل في العلاقة بين الإنسان ومحيطه. بهذا المعنى، لا يعرض العمل مدينة، بل يعرض طريقة جديدة لرؤيتها عبر السمع.
كما يطرح "أسكت" سؤالًا عميقًا حول الحدود. فبينما تبدو الحدود السياسية والجغرافية صلبة وثابتة، يكشف الصوت عن هشاشتها. الصوت لا يعترف بجواز سفر، ولا يتوقف عند نقطة تفتيش، بل يتدفق، يتداخل، ويعيد تشكيل نفسه باستمرار. ومن هنا يصبح العمل الفني تأملًا في إمكانية وجود عالم أكثر انفتاحًا، لا يُبنى على الفصل، بل على التداخل.
في هذا التداخل، تصبح المدينة فضاءً متعدد الطبقات، لا يمكن اختزاله في صورة واحدة. فكل صوت هو احتمال مختلف للمدينة نفسها. وكل استماع هو إعادة كتابة لها. وهكذا يتحول الفضاء العام من مكان مألوف إلى تجربة معرفية مفتوحة، تدفعنا إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالآخر، وبالزمن، وبالذاكرة.
إن قوة تجربة بيدرو لاتاس تكمن في أنها لا تقدم إجابات جاهزة. فهي لا تقول ما هو الصوت، بل تسائل كيف نسمعه. ولا تحدد ما هي المدينة، بل تدعونا إلى إعادة اكتشافها. وبين البحث والعمل، بين الإنصات والتأليف، تتشكل مساحة فنية تتجاوز التصنيفات التقليدية.
في المحصّلة، يمكن القول إن مشروع بيدرو لاتَاس لا يتعلق بالموسيقى فقط، بل بطريقة جديدة لفهم العالم عبر الصوت. إنه دعوة إلى التوقف عن اعتبار السمع فعلًا ثانويًا، وإعادة الاعتبار للإنصات بوصفه شكلًا من أشكال المعرفة.
من خلال تتبع الأصوات اليومية وتحويلها إلى مادة فنية، يكشف العمل عن طبقات خفية من الواقع، ويقترح رؤية بديلة للمدينة والإنسان والحدود. وهكذا يصبح الصوت ليس مجرد أثر، بل أفقًا مفتوحًا للتفكير، ومساحة لإعادة تخيل العالم بوصفه شبكة من العلاقات المتداخلة بدلًا من كونه مجموعًا من الانفصالات.
في هذا المعنى، لا ينتهي "أسكت" عند لحظة العرض، بل يستمر في ذهن المتلقي كطريقة مختلفة لسماع العالم: أقل سرعة، أكثر انتباهًا، وأكثر قدرة على التقاط ما كان يبدو غير مسموع.



#ضياء_بوسالمي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماهي البورنوغرافيا ؟ : [ مقدّمة ] /
- ماهي البورنوغرافيا ؟ : [ مقدّمة ] / (1)


المزيد.....




- ترجمة خاصة | شبهات اختفاء ملايين الشواكل تثير أزمة في قطاع ا ...
- زاخاروفا: تصرفات زيلينسكي ضد اللغة الروسية نازية جديدة
- تحديات إنتاج أفلام الرسوم المتحركة في العالم العربي: رؤية ال ...
- وفاة الفنان البريطاني ديفيد هوكني أحد أبرز وجوه الفن المعاصر ...
- طهران: لا التزامات نووية جديدة.. وترمب يرفض الرواية الإيراني ...
- -هوليوود أفريقيا-.. متحف تاريخ السينما بورزازات المغربية شاه ...
- معرض أربيل الأول للكتاب الكردي.. تعزيز اللغة والثقافة بمشارك ...
- سجن وإبعاد وتهم فضفاضة.. كيف يواجه صحفيو القدس حرب الرواية؟ ...
- المخرج يحيى جابر والممثلة آنجو ريحان في باريس: جنوب لبنان وا ...
- -سويوزمولتفيلم- تطلق المعرض التفاعلي المتنقل -مصنع العجائب- ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ضياء بوسالمي - بيدرو لاتَاس: رحلة بحث عن الصّوت المتعدّد