|
|
الاقتصاد بين لغة الأرقام ولغة الضمير: من سؤال الأخلاق إلى أزمات العالم المعاصر
عبدالوهاب الرماضي
الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 18:25
المحور:
الادارة و الاقتصاد
لم يكن الاقتصاد في نشأته الأولى علما محايدا ولا معادلات تقنية حسابية باردة، بل كان تعبيرا عن انشغال إنساني عميق بتنظيم الحياة الاجتماعية، وتحسين شروط العيش المشترك، بضمان التوازن بين الحاجات والموارد، وهو ما يكشفه أصل الكلمة ذاته، إذ تعود إلى اللفظ اليوناني "Oikonomia" الذي يجمع بين "Oikos" بمعنى البيت و"Nomos" بمعنى التذبير، بما يحيل إلى فن إدارة شؤون الناس في إطار من التوازن والمسؤولية. لقد كان الاقتصاد، بهذا المعنى، عملا أخلاقيا واجتماعيا قبل أن يكون علما حسابيا للثروة، وكان موجها نحو تحقيق العدالة والاكتفاء والتجاوب مع حاجيات الناس لا نحو تعظيم الربح. ولقد قدم أرسطو " Aristote" قولا بليغا في هذا الباب، حين ميز بين الاقتصاد كتذبير عقلاني للحاجات، وبين السعي اللامحدود للثروة الذي اعتبره عملا لا أخلاقيا، بل انحرافا عن الغاية الإنسانية، بما يعنيه ذلك من تصور يرى في النشاط الاقتصادي وسيلة لخدمة الانسان، لا غاية قائمة بذاتها، محكومة بهرولة مستمرة نحو الربح والجشع في مراكمة الثروة. ولقد استمر هذا النمط من التفكير الاقتصادي، الذي يربط بين الاقتصاد وحاجيات المجتمع الأساسية وقيمه ومعاييره الأخلاقية، لقرون طويلة، حتى وإن اختلفت المرجعيات الإيديولوجية والعقائدية المؤطرة للتصورات الاقتصادية المتواترة، وذلك حتى في العصور الوسطى. نستدعي هنا مفكرون مسيحيون من أمثال "طوماس الأكويني" /"Thomas Aquinas" الذين سعوا إلى ضبط السوق بمفهوم "السعر العادل"، معتبرين أن القيمة لا تقاس فقط بمنطق العرض والطلب، بل أيضا باعتبارات كرامة الإنسان والعدالة الاجتماعية. وفي التراث الإسلامي، نستحضر عبدالرحمان ابن خلدون " Ibn Khaldoun" الذي قدم تصورا متقدما للعلاقة بين الاقتصاد والمجتمع، حين نظر إلى النشاط الاقتصادي باعتباره جزءا من العمران البشري، ورأى أن ازدهار الإنتاج والتجارة يرتبط ارتباطا وثيقا باستقرار الدولة وعدالة الحكم وتماسك المجتمع. كما أكد أن العمل هو أساس الكسب والثروة، وأن الظلم والجباية المفرطة يؤديان إلى إضعاف الحوافز الاقتصادية وتراجع النشاط الإنتاجي. ومن هذا المنطلق، لم يتعامل ابن خلدون مع الاقتصاد باعتباره مجرد عملية لتبادل السلع والمنافع، بل اعتبره ظاهرة اجتماعية وسياسية وأخلاقية تتأثر بطبيعة العلاقات والمؤسسات والقيم السائدة في المجتمع. لذلك لم يكن عبثا، بأن اعتبرت أفكاره بوصفها البواكير الأولى لمحاولات لفهم التنمية الاقتصادية في إطارها الاجتماعي والحضاري الشامل. إذن، سواء في الفكر المسيحي الوسيط مع "توماس الأكويني" أو في الفكر الإسلامي مع "ابن خلدون"، ظل الاقتصاد مرتبطا بقضايا العدالة والأخلاق والعمران البشري، قبل أن يتجه الفكر الاقتصادي الحديث تدريجيا نحو بناء نماذج تحليلية أكثر استقلالا عن الاعتبارات الأخلاقية، خاصة مع صعود الرأسمالية وظهور الاقتصاد الكلاسيكي في القرن الثامن عشر. في هذا السياق، نستحضر "آدم سميث" "Adam Smith" كشخصية مفصلية، ليس فقط كمؤسس للاقتصاد الكلاسيكي، بل أيضا بالوقوف عند مسألة هامة في فكره. فلو سألنا أناس اليوم (بما فيهم طلبة الاقتصاد)، عن اسم آدم سميث، سيذهب تفكيرهم مباشرة إلى مفهوم "اليد الخفية La main invisible" وإلى كتاب "بحث في طبيعة وأسباب ثروة الأمم Recherche sur la nature et les causes de la richesse des nations "، لكن، قليلون من يعرفون أن لهذا الاقتصادي الكبير، كتاب آخر تحت عنوان "نظرية المشاعر الأخلاقية" " Théorie des sentiments moraux "، هذا الكتاب، يجعلنا نطلع، ولو بتحفظ، عن وجه آخر "لآدم سميث"، "أبو الليبرالية"، حين حاول التوفيق بين المصلحة الفردية والمصلحة العامة، بقوله أن الإنسان كائن اجتماعي تحكمه مشاعر التعاطف، وأن السوق لا يمكن أن يستقر دون قاعدة أخلاقية تنظم العلاقات بين الأفراد. وحتى عندما دافع عن آلية السوق في "ثروة الأمم"، لم يكن ذلك تبريرا للأنانية المطلقة، بل تصورا لنظام يقوم على تفاعل معقد بين الحرية الاقتصادية والضوابط الاجتماعية. وقد واصل هذا النهج مفكرون مثل David Ricardo وJohn Stuart Mill، الذين رغم انشغالهم بمسائل الإنتاج والتوزيع، ظلوا واعين بضرورة تحقيق قدر من العدالة، معتبرين أن الاقتصاد لا ينفصل عن البنية الاجتماعية التي تحتضنه.
غير أن هذا الجانب من نظرية الاقتصاد السياسي الكلاسيكي، المدافع عن الرأسمالية الصاعدة، لم يكن في قدرته الصمود أمام منطق تطور الرأسمالية القائم استغلال الرأسمال للعمل المأجور، ومراكمة الأرباح والثروة يد الأقلية من المجتمع والفقر والهشاشة لدى الغالبية. وهذا ما أغطى مشروعية واقعية وتاريخية للنقد الماركسي، حين كشف "كارل ماركس" Karl Marx أن الاقتصاد الرأسمالي ليس مجرد نظام للإنتاج والمبادلة، بل بناءا اجتماعيا قائما على الاستغلال، جعل الانسان مستلبا ومغتربا، بتحويله قوة العمل إلى سلعة، ومن ثم اختزال الانسان في قدرته على الإنتاج. لقد كشف ماركس أصل الشر، أي الملكية الخاصة، وأعاد الاقتصاد إلى جدوره الاجتماعية والإنسانية بوصفه ساحة للصراع بين العمل ورأس المال، وكشف أن تراكم الثروة في قطب يقابله بالضرورة تراكم للفقر في قطب آخر، مما يجعل السؤال الاقتصادي أيضا سؤالا أخلاقيا يتعلق بتوزيع السلطة والثروة داخل المجتمع. وفي هذا الإطار، لم يعد الاقتصاد علما محايدا، بل أداة لفهم التفاوتات البنيوية والنضال من أجل مجتمع العدالة الحقة، حيث تكون وسائل الإنتاج في خدمة المجتمع ككل لا في خدمة الأقلية. وربما لأن الشروط التاريخية لم تكن قد نضجت بعد، ولأن النظام الرأسمالي كان في عنفوانه، لم يؤد هذا النقد الجذري إلى إعادة بناء الاقتصاد على أسس اجتماعية واقعية، سوف يتم دفعه إلى المزيد من التجريد بظهور المدرسة "الكلاسيكية الجديدة"، التي شكلت علامة فارقة في فصل الاقتصاد عن جدوره الاجتماعية وأبعاده الأخلاقية، بتحويله شيئا فشيئا إلى علم "صوري" قائم على الحقيقة النمدجة الرياضة "Modélisation mathématique". ففي أعمال Léon Walras، أصبح الاقتصاد نظاما من المعادلات يهدف إلى تحقيق التوازن العام، بينما قدم Wilfred Pareto معيارا للكفاءة يستبدل العدالة بالفعالية، بحيث يمكن لنظام غير عادل أن يعتبر "مثاليا" ما دام لا يمكن تحسين وضع أحد دون الإضرار بآخر. ومع Paul Samuelson، بلغ هذا المسار ذروته، حيث تم اختزال الاقتصاد في علم للاختيار تحت الندرة، يعتمد على نماذج رياضية تفترض عقلانية الأفراد وسعيهم لتعظيم المنفعة، متجاهلا الشروط التاريخية والاجتماعية التي تشكل سلوك الافراد ووعيهم. هكذا إدن، مع الكلاسيكيين الجدد، لم يعد الاقتصاد يقدم باعتباره تفكيرا في شروط الحياة الجيدة، بل باعتباره علما للحسابات والتوازنات. لقد جرى إبعاد الفلسفة الأخلاق إلى خارج المجال الاقتصادي، وكأن الأسئلة المتعلقة بالعدالة والكرامة والغاية من الثروة لا تنتمي إلى الاقتصاد، بل إلى مجالات أخرى. لم يعد السؤال: من ينتج الثروة؟ ولأي غاية؟ ومن يستفيد منها؟ بل أصبح: كيف نزيد الإنتاج؟ وكيف نرفع الكفاءة؟ وكيف نعظم الأرباح؟ وشيئا فشيئا، تحولت الفعالية الاقتصادية إلى معيار وحيد للحكم على الأفراد والمؤسسات. فأصبح الاحتفاء بالشركات العملاقة وبالأرقام القياسية في الأرباح أمرا بديهيا، حتى عندما تكون هذه النجاحات قائمة على هشاشة العمل، أو اتساع الفوارق الاجتماعية، أو استنزاف الموارد الطبيعية وتدمير التوازنات الايكولوجية. وهكذا، لم يعد النجاح يقاس بما يضيفه الاقتصاد إلى حياة البشر، بل بما يضيفه إلى دفاتر الحسابات، وكأن الأرقام أصبحت تتحدث باسم الحقيقة، بينما ظل صوت وجع الإنسان والطبيعة مدفون وراء صخب التفاهة والرفاهية الكاذبة. هذا الأمر، لطالما كان واضحا في الأزمات الدورية التي عرفها النظام الرأسمالي المعاصر. فعلى سبيل المثال، لم تكن الأزمة المالية لسنة 2008 مجرد خلل تقني، بل نتيجة مباشرة لمنطق اقتصادي اختزل الإنسان في شيفرات وأرقام، وحول "المخاطر" إلى مادة اشتق منها كل المنتجات القابلة للمضاربة (Les produits dérivés). بينما كشفت جائحة كوفيد-19 أن اقتصادا يقوم على الفعالية القصوى دون اعتبار للواقع الاجتماعي وقيمه، يفتقر إلى القدرة على حماية الإنسان في أوقات الأزمات. كما أظهرت الأزمات الاجتماعية والبيئية المتفاقمة أن منطق الربح غير المقيد يؤدي إلى المزيد من تهميش العمال والفقراء واستنزاف الموارد الطبيعية، مما يهدد أسس الحياة البشرية نفسها. في مواجهة هذه الاختلالات، برزت تيارات فكرية تسعى إلى إعادة ربط الاقتصاد بجذوره الانسانية، من أمثال "أمارتيا صن" Amartya Senالذي أكد أن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالنمو، بل بقدرة الأفراد على تحقيق ذواتهم والتمتع بحرياتهم، داعيا إلى إعادة الاعتبار للعدالة والكرامة في التحليل الاقتصادي، بينما شدد، وفي نفس الاتجاه، حذر "كارل بولاني" Karl Polanyi من أن تحويل السوق إلى قوة مهيمنة على المجتمع يؤدي إلى تفكيك الروابط الاجتماعية، داعيا إلى إعادة إدماج الاقتصاد داخل النسيج الاجتماعي بدل جعله قوة متحكمة فيه. إن القراءة التاريخية لتطور الفكر الاقتصادي تكشف بوضوح أن الاقتصاد لم يكن يوما مجرد علم تقني، بل كان دائما انعكاسا لاختيارات اجتماعية وأخلاقية، وأن محاولات فصله عن هذه الأبعاد لم تؤد إلا إلى تعميق الأزمات. ومن هنا، فإن إعادة بناء الاقتصاد على أسس تهدف في غايتها إلى إعادة أنسنته، لا تعني فقط نقد الرأسمالية، بل تعني أيضا إعادة تعريف الغاية من النشاط الاقتصادي ذاته، بحيث يصبح موجها نحو تلبية الحاجات البشرية بشكل عادل، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وضمان الكرامة لكل إنسان. اقتصاد يعيد الاعتبار للعمل كقيمة إنسانية، وجوهر القوى الإنسانية الخلاقة، والعقول والسواعد التي بنيت على كاهلها كل مآثر الحضارة البشرية. لا يكمن التحدي اليوم، خاصة مع الزحف المتصاعد لذكاء الآلة، في تحسين كفاءة النماذج الاقتصادية، بل في إعادة توجيهها نحو خدمة الإنسان، من خلال بناء نموذج اقتصادي يوازن بين الإنتاج والتوزيع، بين الحرية والعدالة، وبين النمو والاستدامة. نموذج يضع الإنسان في مركز التحليل، لا كوسيلة للإنتاج، بل كغاية لكل نشاط اقتصادي، ويعيد وصل ما انقطع بين الحساب والضمير، بين الاقتصاد والمجتمع، في أفق بناء نظام عادل وإنساني. لكن السؤال الذي يضل مطروحا، هل يمكن التأسيس للعلم الاقتصادي من هذا المنظور في ظل النموذج الاقتصادي الرأسمالي أم بتجاوزه؟ وتلك ضرورة تاريخية.
#عبدالوهاب_الرماضي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
كورونا-كوفيد 19:أسئلة للتناول
المزيد.....
-
صادرات الملابس الجاهزة المصرية ترتفع 15% خلال 4 أشهر
-
المغرب ومصر ضمن الوجهات الـ 15 الأفضل عالميا بارتفاع عائدات
...
-
مصر.. الاحتياطي النقدي يواصل صعوده ليصل إلى 53 مليار دولار..
...
-
مختص اقتصادي يحذر من خيارات استثنائية لتأمين السيولة: العراق
...
-
شركات خليجية تترقب مليارات من طروحات عمالقة الذكاء الاصطناعي
...
-
شركات الطيران قلقة من الضرائب والتشريعات أكثر من تبعات الحرب
...
-
قصة نجاح اقتصادي مفاجئ.. كيف ربحت كوريا الشمالية من فوضى الع
...
-
من مجاني إلى مدفوع.. هل تُغيّر -ميتا- قواعد السوشيال ميديا إ
...
-
ميزانية 2026-2027: هل تضع بنغلاديش على طريق اقتصاد التريليون
...
-
إمبراطورية ماسك الفضائية تفتح أبوابها للمستثمرين
المزيد.....
-
الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي
...
/ سالان مصطفى
-
دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ د. جاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق
/ مجدى عبد الهادى
-
الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري
/ مجدى عبد الهادى
-
تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر
...
/ محمد امين حسن عثمان
المزيد.....
|