أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أحمد بلمحظي - جوهر يالطا: مجالات النفوذ وأزمة التراكم















المزيد.....

جوهر يالطا: مجالات النفوذ وأزمة التراكم


أحمد بلمحظي

الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 16:09
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


هل تصنع الشعارات التاريخ ام تصنعه الجغرافيا وموازين القوى؟ وهل تتحدد مصائر الدول بارادة حكامها وحدها ام ايضا بالموقع الذي تحتله داخل النظام الدولي وبالازمات البنيوية التي تعصف بالاقتصاد العالمي؟ تلك هي الاسئلة التي تفرض نفسها عند محاولة فهم ما يجري من اوكرانيا الى فنزويلا ومن طهران الى غيرها من بؤر التوتر في عالم يبدو متغيرا في الظاهر، لكنه ما زال محكوما بقواعد عميقة لم تتغير كثيرا.

 نننطلق من ضرورة الإشارة إلى أن اشراف تونس على مضيق صقلية واهمية الملاحة  البحرية جعلاها تاريخيا نقطة ارتكاز جيواستراتيجية ثابتة، وهو دور حددته توازنات ما بعد يالطا، ولن تسمح القوى العظمى بتغييره مهما تبدلت الواجهات السياسية. الامر ذاته ينطبق على اوكرانيا التي تقع في قلب مجال جيواستراتيجي حساس، خصوصا من زاوية الملاحة والامن والطاقة، ولا يمكنها واقعيا الخروج من نطاق النفوذ الروسي دون دفع اثمان باهظة. مغامرات زيلنسكي الشعبوية لم تؤد الا الى تحويل بلاده الى ساحة حرب مفتوحة يدفع الشعب الاوكراني كلفتها دما واقتصادا ومجتمعا. الحاكم الرشيد هو من يجنب بلاده الصراعات بالوكالة وتدخلات القوى العظمى، ويدرك ان هامش حركته الحقيقي يقتصر على تطوير الاقتصاد وبناء المجتمع وضمان كرامة الشعب وحقوقه وفق القيم والمعايير الكونية، مع اندماج ايجابي ومتوازن في العلاقات الدولية دون اصطفافات استقطابية. ما عدا ذلك ليس سياسة بل هراء وضراط لفظي.
اعتقال نيكولاس مادورو بتدخل امريكي مباشر لم يكن حدثا استثنائيا او انحرافا عن قواعد النظام الدولي، بل تطبيقا فجا لمنطق مجالات النفوذ الذي تأسس منذ يالطا ولم يتوقف عن العمل رغم كل الخطاب عن السيادة وتعدد الاقطاب. فنزويلا مثل اوكرانيا وقبلها دول عديدة ليست دولة حرة الحركة في الفراغ الدولي، بل وحدة جيوسياسية واقعة داخل مجال حيوي تعتبره قوة عظمى جزءا من امنها ومصالحها الاستراتيجية. وعندما تتجاوز دولة متوسطة او صغيرة حدود الهامش المسموح به، لا يكون الرد دائما دبلوماسيا او اقتصاديا، بل قد يتحول الى تدخل مباشر يعاد من خلاله رسم حدود الممكن والممنوع.
غير ان الاقتصار على التفسير الجيوسياسي وحده لم يعد كافيا لفهم ما يجري في العالم. فخلف الصراع على مجالات النفوذ تختبئ ازمة اعمق تتعلق بطبيعة النظام الرأسمالي العالمي نفسه. فمنذ عقود تتراكم كميات هائلة من رؤوس الاموال وفوائض القيمة التي يصعب اعادة استثمارها في الاقتصاد المنتج بمعدلات ربح مرضية. ومع تشبع الاسواق وتراجع فرص الاستثمار الصناعي والتكنولوجي المربح مقارنة بحجم الرساميل المتراكمة، تتجه هذه الفوائض نحو المضاربة المالية والديون والاستحواذات الكبرى، كما تتجه الدول الكبرى نحو البحث عن موارد جديدة واسواق جديدة وممرات استراتيجية جديدة تسمح باستمرار عملية التراكم.
وقد وجد جزء مهم من هذه الفوائض طريقه نحو الاقتصاد المالي والمضاربات والديون والاصول الورقية بمختلف اشكالها. فبدل ان تتجه الرساميل نحو الاستثمار المنتج القادر على خلق الثروة وفرص العمل، اتجهت بدرجات متزايدة نحو الانشطة المالية التي تحقق ارباحا سريعة دون ان تضيف بالضرورة قيمة حقيقية للاقتصاد. غير ان هذا الحل يبقى مؤقتا، اذ يؤدي دوريا الى تضخم الفقاعات المالية وتفاقم الاختلالات البنيوية، مما يدفع النظام العالمي الى البحث عن منافذ جديدة للتراكم عبر اعادة تشكيل الاسواق وموازين القوى ومناطق النفوذ.
ومن هذه الزاوية لا تبدو الحروب مجرد صدامات سياسية او عسكرية، بل تؤدي ايضا وظيفة اقتصادية ضمنية في بعض مراحل النظام الرأسمالي. فالحرب تستهلك كميات هائلة من الذخائر والمعدات والموارد التي يتطلب تعويضها دورات انتاج جديدة. كما ان تدمير البنى التحتية والمنشآت يخلق لاحقا اسواقا ضخمة لاعادة الاعمار والاستثمار. وبذلك تتحول عملية التدمير نفسها الى مقدمة لدورة جديدة من التراكم. لا يعني هذا ان الحروب تندلع حصرا لهذا السبب، لكنه يفسر لماذا تجد بعض القطاعات الاقتصادية الكبرى في الصراعات الواسعة متنفسا مؤقتا لازمة فائض الرساميل وضعف فرص الاستثمار المنتج.
ورغم اختلاف السياقات التاريخية والسياسية بين فنزويلا واوكرانيا وايران، فان المقصود ليس المساواة بينها او تجاهل خصوصياتها، بل الاشارة الى اشتراكها في معضلة واحدة تتمثل في العلاقة المعقدة بين طموحات الدول المتوسطة وحدود الحركة التي تفرضها بنية النظام الدولي. فلكل حالة اسبابها الخاصة، غير ان القاسم المشترك بينها هو الاصطدام بموازين قوى تتجاوز قدراتها الذاتية.
في هذا السياق لا تصبح فنزويلا مهمة فقط بسبب موقعها داخل المجال الحيوي الامريكي، بل ايضا بسبب احتياطاتها النفطية الضخمة. ولا تصبح اوكرانيا مجرد منطقة تماس بين روسيا والغرب، بل عقدة مركزية للطاقة والنقل والحبوب والممرات التجارية. كما لا تصبح ايران مجرد دولة متمردة على الهيمنة الغربية، بل قوة اقليمية تتحكم جزئيا في احد اهم شرايين الطاقة العالمية وتقع في قلب شبكة من الممرات البحرية والبرية التي تربط الشرق بالغرب.
من هنا يمكن فهم التصعيد المستمر تجاه ايران. فالقضية لا تتعلق فقط بالبرنامج النووي او بالشعارات الايديولوجية او بالخلافات الدبلوماسية. ايران تمثل في الوقت نفسه عقدة جيواستراتيجية واقتصادية. فهي تشرف على منطقة يمر عبرها جزء اساسي من تجارة الطاقة العالمية، وتمتلك موارد ضخمة، وتتمتع بقدرة على التأثير في توازنات الشرق الاوسط. ولذلك فان الصراع حولها يتجاوز طبيعة النظام السياسي القائم فيها ليصبح جزءا من صراع اشمل حول التحكم في مسارات التجارة والطاقة واعادة تشكيل موازين القوى الاقليمية والدولية.
كما ان الضغوط الخارجية على ايران لا تعفي النظام الثيوقراطي القائم من مسؤوليته التاريخية. فالنزعة الشعبوية المغامرتية التي حكمت جزءا من سياساته الاقليمية قامت على المبالغة في تقدير القدرة الذاتية للدولة وفي التقليل من وزن موازين القوى الفعلية. ومثل كل الشعبويات الجيوسياسية، حولت الصراع الخارجي الى مصدر شرعية داخلية، وقدمت المواجهة الدائمة باعتبارها غاية في حد ذاتها، بينما كانت النتيجة استنزافا للاقتصاد والمجتمع وتضييقا لهامش التنمية. فالحاكم الرشيد لا يقاس بقدرته على رفع سقف الشعارات، بل بقدرته على تجنيب شعبه صراعات تتجاوز امكاناته وتوظيف موارده في بناء القوة الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية التي تشكل في النهاية اساس الاستقلال الحقيقي.
بهذا المعنى لا تبدو فنزويلا واوكرانيا وايران ملفات منفصلة، بل تعبيرات مختلفة عن ظاهرة واحدة. فكلما اشتدت ازمة التراكم الرأسمالي وازدادت صعوبة توظيف فوائض القيمة في الاستثمار المنتج، ازدادت اهمية السيطرة على الموارد الطبيعية والممرات البحرية والاسواق والمواقع الاستراتيجية. وعندما تتقاطع هذه المصالح الاقتصادية مع اعتبارات الامن القومي ومجالات النفوذ التقليدية، تصبح احتمالات الصدام والعقوبات والتدخلات المباشرة اكثر حضورا.
هذا لا يعني ان كل ما يحدث في العالم يمكن اختزاله في الاقتصاد او في مؤامرة كونية كبرى. لكنه يعني ان الجيوسياسة والاقتصاد السياسي وجهان لعملة واحدة. فالدول لا تتحرك فقط بدافع الافكار والقيم والشعارات، بل ايضا بدافع المصالح المادية العميقة المرتبطة باستمرار عملية التراكم والحفاظ على مواقعها في النظام العالمي.
الخطأ الذي تقع فيه كثير من النخب في الدول المتوسطة والصغيرة هو الاعتقاد ان الخطاب الايديولوجي قادر على تجاوز حقائق الجغرافيا وحقائق الاقتصاد السياسي العالمي. فيتم تقديم الصراع مع القوى الكبرى باعتباره بطولة تاريخية، بينما يكون الثمن الحقيقي انهيار الاقتصاد واستنزاف المجتمع وهجرة الكفاءات وتفكك المؤسسات. وعندما تصل الازمة الى ذروتها يكتشف الجميع ان الشعارات لم تغير موازين القوى ولم توفر الخبز ولا الامن ولا التنمية.
الحاكم الرشيد لا يقاس بحدة خطابه ولا بعدد خصومه الخارجيين، بل بقدرته على فهم موقع بلاده داخل شبكة المصالح والتوازنات الدولية. وهو يدرك ان دوره ليس خوض معارك كونية نيابة عن الاخرين، بل بناء اقتصاد قوي ومؤسسات فعالة ومجتمع متماسك. فالدول التي تحقق النجاح ليست تلك التي تتوهم تغيير العالم من خارج موازين القوى، بل تلك التي تستثمر بذكاء هامش الحركة المتاح لها من اجل تحسين حياة مواطنيها وتعزيز قدرتها التفاوضية.
اعتقال مادورو والتصعيد حول ايران والحرب في اوكرانيا ليست احداثا معزولة، بل مؤشرات على عالم يدخل مرحلة جديدة من اعادة التشكل. عالم تتقاطع فيه ازمة التراكم الرأسمالي مع استمرار منطق مجالات النفوذ الذي يظن كثيرون انه انتهى بانتهاء الحرب الباردة. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية تصبح الدول الضعيفة والمتوسطة مطالبة بقدر اكبر من الواقعية والعقلانية، لان ثمن الاوهام يصبح باهظا جدا. اما الذين يعتقدون ان الشعارات وحدها قادرة على تغيير الجغرافيا او كسر منطق المصالح او تجاوز قوانين الاقتصاد السياسي العالمي، فان التاريخ لا يلبث ان يقدم لهم دروسا قاسية. وما عدا ذلك ليس سياسة بل هراء وضراط لفظي.



#أحمد_بلمحظي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التعديل الدستوري المطلوب الملح: لا ديمقراطية بدون حياد الدول ...


المزيد.....




- بواحدة من أقسى بيئات العالم.. كيف يعيد معماري بريطاني تشكيل ...
- المتحدث باسم خارجية إيران لـCNN: التفاوض مع إدارة ترامب يفتق ...
- مسؤول: إيران قد تحدد مهلة 30 يوماً بشأن إعادة فتح مضيق هرمز ...
- واشنطن تبحث توظيف أصول إيرانية مجمدة لتعويض دول الخليج
- أكثر من مليون شخص يشارك في قداس البابا في مدريد
- مدرجات ملعب اليرموك في غزة تتحول إلى فصول دراسية
- عاجل | ترمب: لا أطالب بأن يكون لبنان جزءا من اتفاق قصير الأج ...
- أطفال زامبيا محاصرون بتلوث التعدين ويطالبون بالعدالة
- سيارات لا تموت.. 5 طرازات كسبت رهان الشارع المصري
- تعلم كيف تستخدم مزايا متصفح كروم -السرية-


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - أحمد بلمحظي - جوهر يالطا: مجالات النفوذ وأزمة التراكم