أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد مصطفى العبادي - المسار الوجداني لنهري دجلة والفرات: قراءة في علم النفس البيئي لرحلة الأنهار














المزيد.....

المسار الوجداني لنهري دجلة والفرات: قراءة في علم النفس البيئي لرحلة الأنهار


محمد مصطفى العبادي
باحث في علم النفس

(Mohammed Mustafa)


الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 00:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة:
من منظور علم النفس البيئي (Environmental Psychology) ، لا تنفصل النفس البشرية عن بيئتها المحيطة، بل تتأثر وتؤثر فيه ، يمثل نهرا دجلة والفرات أكثر من مجرد مجريين مائيين؛ فهما فضاءان نفسيان وثقافيان تشكلت حولهما الحضارات والقصص والطقوس وأنماط الحياة ، يمكن النظر إليهما بوصفهما "مسارات وجدانية" تربط الإنسان بالمكان وتؤثر في مشاعره وهويته وإدراكه للعالم.

الأنهار والارتباط بالمكان:

يؤكد علم النفس البيئي أن الإنسان يطور مع الأماكن التي يعيش فيها روابط عاطفية تعرف بـ"التعلق بالمكان". وفي حالة دجلة والفرات، لا ينشأ هذا التعلق من القرب الجغرافي فحسب، بل من حضور النهر في الذاكرة اليومية: أصوات المياه، مشاهد الضفاف، مواسم الفيضان، وقصص الأجداد المرتبطة بالنهر.
يتحول النهر هنا إلى جزء من الهوية النفسية، بحيث يشعر الفرد أن فقدان النهر أو تدهوره البيئي يمثل فقدانًا لجزء من ذاته وتاريخه.

المسار الوجداني: من المنبع إلى المصب (رحلة الحياة):

تشبه رحلة النهرين من أعالي الجبال التركية وصولاً إلى شط العرب ثم الخليج، رحلة النفس البشرية وتطورها:
المنبع (الطفولة والاندفاع): يبدأ النهران من تدفقات جبلية وعرة، يرمز هذا المسار النفسي إلى مرحلة الطفولة والشباب؛ طاقة متفجرة، حيوية، ومندفعة، تبحث عن مسارها وتتجاوز العقبات والصخور.
الوسط (النضج والاستيعاب): عندما يدخل النهران السهول الرسوبية، يهدأ روعهما ويتسع مجراهما. في علم النفس البيئي، تعكس هذه المرحلة "النضج والعطاء". يصبح النهر هنا مستوعباً للثقافات، مبنياً للحضارات، وملاذاً للتأمل الروحي.
المصب والاهوار (الشيخوخة، الحكمة، والاندماج): في جنوب العراق، حيث تتداخل المياه باليابسة في الأهوار، يقل الاندفاع المادي ويزداد العمق الروحي. يرمز المصب إلى نهاية الرحلة والاندماج ، وهو ما يشبه نفسياً مرحلة الحكمة، والتصالح مع حتمية النهايات، والعودة إلى الجذور الأولى.

التأثيرات النفسية للمشهد النهري:

تشير دراسات علم النفس البيئي إلى أن البيئات المائية تسهم في:
(*خفض مستويات التوتر والقلق , /*تعزيز التأمل والاسترخاء. /*تحسين الإحساس بالانتماء للمكان. /*تنشيط الذاكرة العاطفية والحنين).
وعلى ضفاف دجلة والفرات، تتعزز هذه التأثيرات عبر الامتزاج بين الطبيعة والتاريخ، حيث لا يرى الفرد الماء فقط، بل يرى طبقات من الذكريات الحضارية والإنسانية الممتدة لآلاف السنين.

الصدمة البيئية والاضطراب النفسي (عندما يجف الوجدان):

يدرس علم النفس البيئي حديثاً مفهوم " السولاستالجيا" (Solastalgia) ، وهو الحزن والاضطراب النفسي الناتج عن التغير البيئي السلبي للمكان الذي تعتبره وطناً.
جفاف النهرين كصدمة وجودية: إن تراجع منسوب دجلة والفرات في السنوات الأخيرة لا يمثل كارثة زراعية أو اقتصادية فحسب، بل هو صدمة نفسية وجدانية. رؤية النهر يجف أو يتلوث تولد شعوراً بالفقدان، العجز، واغتراب الذات.
تصدع الهوية: حين يضعف النهر، يشعر الإنسان المرتبط به بنوع من "التهديد الوجودي" لهويته وتاريخه، وكأن جزءاً من ذاكرته وجسده الروحي يتم تجفيفه عنوة.

الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية:

يشكل النهران عنصرًا محوريًا في الذاكرة الجمعية لسكان العراق وبلاد الرافدين. فهما حاضران في الأدب والشعر والفنون والحكايات الشعبية. ومن ثم فإن العلاقة مع النهر ليست فردية فقط، بل جماعية أيضًا،إذ يشعر الناس بأنهم يشتركون في إرث وجداني واحد تشكله المياه التي عبرت أجيالًا متعاقبة.
يعكس الفلكلور والأغاني العراقية (المواويل، الأبوذية، السجعات الوجدانية) كيف تحول النهر إلى "معالج نفسي" ومستودع للأسرار:
النهر كصديق ومستمع: تاريخياً، كان العراقيون يذهبون إلى الشاطئ "ليشكوا همومهم للنهر". النهر في علم النفس البيئي هنا يلعب دور "المساحة العلاجية" (Therapeutic Landscape)، حيث يبعث صوت الماء وجريانه المستمر على الاسترخاء، وتفريغ الشحنات العاطفية السلبية (Catharsis).
ثنائية دجلة والفرات: لطالما تمثل دجلة في الوجدان الشعبي بالحدة، والسرعة، والجمال الآسر الشبيه بالمرأة (دجلة الخير)، بينما تمثل الفرات بالهدوء، الصبر، والعمق والوقار الصامت. هذه الثنائية تعكس التوازن النفسي بين القوة واللين في الشخصية العراقية.

خاتمة:
من منظور علم النفس البيئي، لا يمكن اختزال دجلة والفرات في وظيفتهما الطبيعية أو الاقتصادية. فهما يمثلان مسارين وجدانيين يربطان الإنسان بالمكان والزمن والهوية. إن رحلة النهر ليست حركة ماء فحسب، بل رحلة رمزية وعاطفية تسكن الذاكرة الفردية والجماعية، وتمنح سكان بلاد الرافدين شعورًا مستمرًا بالانتماء والاستمرارية عبر التاريخ.



#محمد_مصطفى_العبادي (هاشتاغ)       Mohammed_Mustafa#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحليل الشامل لأثر عيد الأضحى في المجتمع العراقي من منظور ن ...
- المقارنة الاجتماعية على وسائل التواصل الاجتماعي


المزيد.....




- -هزيمة نادرة- لترمب.. هل يتمكن النواب الأمريكيون أخيرا من إن ...
- الجيش السوداني يعلن صد هجوم للدعم السريع بالنيل الأزرق
- مصدر يكشف لـCNN محاولات ترامب لتجنب تكرار -اتفاق أوباما- مع ...
- على خطى ترمب.. أوروبا تشدد سياسات الهجرة والترحيل
- إيران تضع -شرطاً- يرتبط بلبنان لإنهاء حربها مع أمريكا وإسرائ ...
- ما الخيارات أمام إسرائيل إذا توصلت إيران والولايات المتحدة إ ...
- 9 شهداء في غارات إسرائيلية استهدفت شققا سكنية بمدينة غزة
- مقتل 3 عسكريين في تحطم مروحية تابعة للبحرية البريطانية
- الذكاء الاصطناعي يكشف أسرار مؤامرات ورسائل حب ووصفات طبية غا ...
- أين تخفي إيران مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب؟


المزيد.....

- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد مصطفى العبادي - المسار الوجداني لنهري دجلة والفرات: قراءة في علم النفس البيئي لرحلة الأنهار