الكاتب و الصحفي يوسف محمد لمين
الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 11:17
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
كنت أتصفح منصة فيسبوك كعادتي اليومية، حتى استوقفني مقطع مرئي تظهر فيه ديلسي رودريغيز وهي تقود مظاهرة صاخبة للحزب الاشتراكي الموحد في فنزويلا، وتذكرت حينها أنني نسيت إلغاء متابعة صفحة الحزب بعد التطورات الأخيرة وتوليها سدة الرئاسة؛ ديلسي التي أرى من وجهة نظري الشخصية أنها هي من سلمت نيكولاس مادورو للأمريكيين، بتنسيق وثيق مع وزير الدفاع فلاديمير لادرينو، في صفقة صيغت بدقة لحفظ ماء وجه إدارة ترامب، التي ما كان لها أن تجرؤ أو تقدر على اختطافه بتلك الطريقة لولا الخيانة الداخلية. إن نفس الدفاعات الجوية الفنزويلية التي تحيط بالعاصمة كاراكاس هي ذاتها المنظومات الكفوءة التي رأيناها تشتبك بنجاح في إيران ضد أحدث الطائرات الأمريكية، فهل يُعقل أنها عجزت فجأة عن إسقاط مروحيات معادية تحلق على ارتفاع منخفض؟ ثم كيف لوحدة كوماندوز أجنبية أن تقضي على اثنين وثلاثين جندياً كوبياً من النخبة المتمرسة في غضون ثوانٍ معدودة قبل أن يتمكن مادورو من التوجّه إلى مخبئه السري، وقبل أن يتدخل الجيش أو فرق الدفاع الوطني التابعة لوزير الداخلية سيودادو كابيللو؟
إذا أردنا تفكيك هذه المعادلة بإنصاف، فلنخرج سيودادو كابيللو من مسرح الجريمة اللحظي؛ فالرجل كان في تلك الدقيقة بالتحديد في بث مباشر برفقة جنوده، يطمئنون سكان إحدى القرى القريبة من العاصمة على استقرار الأوضاع الأمنية، وحالما تناهى إلى مسامعهم الخبر هرعوا فوراً نحو ثكنة الجيش التي تبعد عنهم مسافة ساعة كاملة، مما يرجح بشكل قاطع أن رجال وزير الدفاع فلاديمير هم من نفذوا عملية تصفية العناصر الكوبية والقبض على مادورو داخلياً، بينما اقتصر دور الأمريكيين على عملية تسلم برية وبحرية لبضاعة جهزت ووُضبت لهم سلفاً، ولكي تكتمل فصول هذا الفيلم السينمائي هوليوودي الإخراج، تم افتعال بعض الأضرار الجانبية عبر قصف أحياء سكنية وأجزاء من الثكنة العسكرية إمعاناً في التمويه، وكل هذا جرى مقابل شروط محددة تضمن رفع بعض القيود الاقتصادية عن فنزويلا، ونفذت الطبخة السياسية بطريقة مدروسة تحول دون سقوط البلاد في آتون الفوضى أو تحولها إلى دولة عصابات تتنازعها الأطراف، ومن هنا ندرك أبعاد زيارة ديلسي رودريغيز الأخيرة إلى دولة الإمارات، التي نعلم جميعاً أنها تحولت إلى ما يشبه المكتب المخابراتي الإقليمي المشترك، لتطرح الأسئلة الحارقة نفسها: ما كان الهدف الحقيقي لتلك الزيارة؟ وبمن التقت هناك في الخفاء؟ وما هي التفاهمات التي أبرمت لجعل رأس الدولة كبش فداء بتنسيق ناعم مع قيادة الجيش، يضمن انتقال السلطة بسلاسة ودون انقلاب مفاجئ يعصف بالنظام؟
إن المشهد الفنزويلي يتلخص في أن أقوى شخصيتين ورثا تركة الحزب عن الراحل هوغو تشافيز هما نيكولاس مادورو وسيودادو كابيللو، ولو تأملت نظرات كابيللو المتوجسة نحو ديلسي في يوم تنصيبها، لشعرت على الفور بمرارة الخوف من الغدر، ذات الغدر الذي أطاح بمادورو، لكن ديلسي تدرك تماماً أنها لا تستطيع التضحية بكابيللو حالياً نظراً لسيطرته المطلقة على وزارة الداخلية وجهاز الحزب والميليشيات الشعبية الموزعة لحفظ الأمن في كامل الأراضي الفنزويلية، لذلك اكتفت بقرص أذنه سياسياً وتحجيمه، مستغلة الإعلان الأمريكي عن مكافأة مالية قدرها عشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات تؤدي إليه، رغم أن الرجل يمارس مهامه علناً من مكتبه طوال اليوم، ويطل مرة في الأسبوع عبر برنامجه المعهود على التلفزيون الرسمي للحفاظ على إرث تشافيز وتوعية الرأي العام بمجريات الحصار المفروض عليهم منذ عقدين، وجاءت هذه الضغوط عقب مناوشات وإطلاق نار وقع بين قوة تابعة لكابيللو والحرس الرئاسي بعد يومين من اختطاف مادورو، وهو الاشتباك الذي فضه الجيش مباشرة لتأتي بعده قرصة الأذن الأمريكية المفتعلة، لكن الأمور هدأت في نهاية المطاف كون الرجل يواصل الخروج في بث مباشر بشكل يومي على فيسبوك محتفظاً بقاعدته.
لقد أدى تعيين نيكولاس مادورو سابقاً لديلسي في منصب نائبة الرئيس إلى إرضاء جميع الأجنحة المتصارعة، لتؤول إليها الرئاسة اليوم، ويتولى شقيقها خورخي رودريغيز رئاسة البرلمان، مع الاحتفاظ بفلاديمير على رأس الجيش وكابيللو في الداخلية مستنداً لأغلبيته الحزبية، وفور جلوسها على الكرسي، فتحت ديلسي صنبور النفط الفنزويلي على مصراعيه أمام المستثمرين الأمريكيين، بالتزامن مع بث صور وتصريحات جوفاء تظهر تضامنها المصطنع مع نيكولاس وضد عملية اختطافه هو وزوجته "المقاتلة الأولى" سيليا فلوريس التي رفضت تركه ولو للحظة واحدة. لقد كان مادورو يثق في ديلسي ثقة عمياء بلغت حد تفويضها بجميع الصلاحيات والمناصب، وإبرام الصفقات السياسية والاقتصادية دون الرجوع إليه، وهي ثقة نابعة من رصيدها النضالي الطويل ضد الإمبريالية، وكونها ابنة مناضل يساري اغتيل وهو يدافع عن حقوق العمال في حقبة الحكم الموالي للغرب، لكن مادورو لم يدر في خلدة قط أن الصفقة الأخيرة التي ستبرمها ديلسي سيكون ثمنها رأسه هو، ليصدق عليها المثل العربي القديم: "لا تثق في الملوك ولو توجوك، ولا في النساء ولو عبدوك".
كلما تصفحت صور ديلسي رودريغيز، يقفز إلى ذهني لحن أغنية الروك المكسيكية الكلاسيكية الشهيرة لفرقة مانَّا "ماريبوسا ترايسيونيرا" أو الفراشة الخائنة، ورغم أن الموقف أبعد ما يكون عن الفكاهة، إلا أن رمزية الأغنية تنطبق تماماً على خيانة هذه السيدة لمن منحها الثقة المطلقة واحتضنها سياسياً، ليمتد غدرها حتى إلى قطع إمدادات النفط عن الحليفة كوبا رغم التزام الأخيرة بدفع المستحقات ماليّاً، وتعيدنا هذه الواقعة الأليمة بالذاكرة إلى واحدة من أشهر قصص الغدر العاطفي والسياسي في الميثولوجيا الإغريقية، والتي وثقها الشاعر الروماني "أوفيد" في ملحمته الخالدة "التحولات"، وهي قصة الأميرة "سكيلا" ابنة الملك "نيسوس" حاكم مدينة ميغارا؛ حيث كان الملك يمتلك في رأسه خصلة شعر أرجوانية سحرية تشكل درعاً وطلسماً يمنع سقوط المدينة أو هزيمتها بحسب النبوءة، وعندما حاصر الملك "مينوس" حاكم كريت المدينة للقضاء عليها، كانت سكيلا تراقبه من فوق الأسوار المنيعة، فجردها العشق الأعمى لعدو بلادها من كل ولاء لشعبها وعائلتها، وتسللت في جوف الليل لتقطع خصلة الشعر الأرجوانية من رأس أبيها وهو نائم لتسلبه قوته، ثم خرجت إلى معسكر الأعداء لتقدم الخصلة السحرية والمدينة بأكملها على طبق من ذهب للملك مينوس كدليل على حبها، لكن مينوس شُحذ بالاشمئزاز والنفور من امرأة تخون أباها وتبيع وطنها لأجل غريب، وبعد اجتياح المدينة وتدميرها، أمر بربط سكيلا في مؤخرة سفينته وسحبها خلفه في عرض البحر عقاباً لها على خستها ونذالتها حتى ماتت غرقاً وتحولت إلى طائر بحري مطارد، لتبلور الأسطورة حقيقة فلسفية أزلية عبرت العصور والأزمان، وهي أن الخائن لا يُؤتمن حتى من قِبل من خان لأجلهم، وأن الخيانة تسقط صاحبها في هاوية الهلاك والازدراء مهما كانت الدوافع والمبررات.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟