أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السايس - التنظيم كقوة مادية: لماذا تنتصر الشبكات على المبادئ؟














المزيد.....

التنظيم كقوة مادية: لماذا تنتصر الشبكات على المبادئ؟


محمد السايس

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 18:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


أثار موقف الحركة المدنية في الدفاع عن قصر مملوك لرجل الأعمال أكمل قرطام موجة واسعة من الانتقاد، ويمكن تفهم هذا الغضب باعتباره رد فعل طبيعي على ما يبدو تعارض بين الخطاب المعلن للحركة وبين سلوكها الفعلي. غير أن اختزال القضية في “تناقض أخلاقي” أو “سقوط سياسي” لا يفسر ما حدث بقدر ما يحجبه.

المسألة أبعد من الأشخاص، وأعمق من الواقعة، نحن أمام نموذج متكرر في السياسة المصرية تنظيم سياسي يتصرف وفق منطق بقاءه الداخلي وشبكة مصالحه، لا وفق الصورة المثالية التي يتخيلها الجمهور عن السياسة.

أي تنظيم، بمجرد استقراره، يتحول من “فكرة” إلى “بنية”. هذه البنية لا تُدار بالشعارات، بل بعلاقات عضوية: تمويل، داعمين، تحالفات، امتدادات اجتماعية، ومساحات نفوذ، ومع تراكم الوقت، يصبح الحفاظ على هذه البنية شرطًا لبقاء التنظيم نفسه، في هذه اللحظة تحديدًا، تتراجع الاعتبارات المعلنة، وتتصدر اعتبارات التماسك والحماية وإعادة إنتاج النفوذ.

من هذا المنظور، لم يكن سلوك الحركة المدنية استثناءً ولا انحرافًا، بل نتيجة منطقية لبنية تنظيمية تعمل داخل سياق محدود الهامش. يمكن نقد هذا المنطق، لكن لا يمكن إنكاره. المشكلة ليست في أن التنظيمات تحمي شبكاتها، بل في أن الجمهور يتعامل مع هذه التنظيمات كما لو كانت كيانات أخلاقية مجردة خارج هذا القانون.

غير أن الخطأ الأكبر لا يقع هنا فقط، الأخطر هو ما يقابله على الجانب الآخر من المشهد، اتساع دائرة العزوف عن التنظيم السياسي نفسه. فبينما تمتلك القوى المنظمة – مهما كان حجمها أو ضعفها- أدوات عمل جماعي، يبقى القطاع الواسع من المهتمين بالسياسة خارج أي إطار تنظيمي حقيقي.

هذا العزوف لا يعني غياب الاهتمام، بل يعني انفصال الاهتمام عن الفعل. هناك متابعة، تعليق، نقد، وغضب، لكن دون تحويل أي من ذلك إلى عمل حقيقي يساهم في خلق بنية تنظيمية مستقرة، والنتيجة أن المجال السياسي يُترك عمليًا لمن قرروا التنظيم، حتى لو كانت تنظيماتهم محدودة أو انتقائية أو منحازة لمصالح فئة معينة.

فليس من المنطقي أن تُحمَّل التنظيمات وحدها مسؤولية انحيازاتها، بينما لا توجد في المقابل تنظيمات بديلة تفرض توازنًا مختلفًا في القوة. السياسة لا تُدار بالنوايا، بل بتوازن القوى ومن لا ينظم نفسه لا يدخل فعليًا في هذا التوازن.

من هذا المنظور، يصبح الجدل حول الحركة المدنية عرضًا لخلل أعمق وجود فجوة بين كثافة الوعي السياسي لدى قطاعات واسعة، وبين هشاشة أو غياب أدواتها التنظيمية. هذه الفجوة هي التي تجعل القوى القائمة- حتى الضعيفة منها بفعل القمع السياسي او ضعفها الذاتي – قادرة على فرض منطقها، لأن البديل غير موجود على مستوى الفعل المنظم.

أما المثال الذي أثار الجدل، فيمكن قراءته باعتباره تجليًا بسيطًا لهذه القاعدة، من يبني تنظيمًا، يبني معه بالضرورة شبكة علاقات ومصالح، وهذه الشبكة تصبح جزءًا من قراراته السياسية، ليس لأن الأفراد “أسوأ أخلاقيًا”، بل لأن التنظيم نفسه يعمل وفق منطق الحفاظ على الذات داخل بيئة سياسية محدودة الموارد.

لكن الاكتفاء بهذا التحليل يقود إلى نتيجة ناقصة إذا لم يُستكمل بالسؤال الأهم: لماذا تُترك هذه البنية دون بدائل منظمة قادرة على منافستها أو على الأقل موازنتها؟ لماذا لا تنمو المنظمات التي تدافع عن جزيرة الوراق؟ لماذا لا ينخرط أهل الوراق في تلك الكيانات؟ لماذا لا ينخرط المثقفون والثوريين في تنظيمات سياسية تعبر عنهم بدل من مطالبة حمدين صباحي بالتعبير عنهم؟

هنا يتحول النقد من مستوى التنظيمات القائمة إلى مستوى البنية الاجتماعية الأوسع. فغياب التنظيمات الجادة التي تمثل المصالح الواسعة للفئات غير المنظمة يجعل المجال السياسي محكومًا مسبقًا بمنطق من يملك التنظيم يملك التأثير، بغض النظر عن مستوى القبول الشعبي أو الاعتراض الأخلاقي.

بهذا المعنى، فإن المشكلة ليست فقط في سلوك الحركة المدنية أو غيرها، بل في الفراغ التنظيمي الذي يسمح لهذا السلوك بأن يصبح طبيعيًا ومتكررًا دون كلفة سياسية حقيقية.

إن الاستنتاج الأكثر قسوة هنا ليس أن بعض التنظيمات تمارس سياسة انتقائية، بل أن المجال العام نفسه لا ينتج ما يكفي من التنظيمات البديلة القادرة على كسر هذا النمط أو حتى موازنته.

من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس “لماذا تصرفت الحركة المدنية بهذه الطريقة؟”، بل “لماذا لا يوجد مقابل تنظيمي يمثل مصالح اجتماعية أوسع ويجبر كل التنظيمات القائمة على إعادة تعريف سلوكها؟”.

إن أي مشروع سياسي يسعى للتغيير لا يمكن أن يبقى في مستوى النقد أو المراقبة أو التعليق. فهذه كلها أشكال وعي بلا وزن إذا لم تتحول إلى قوة منظمة، التنظيم ليس خيارًا إضافيًا، بل هو شرط وجود الفعل السياسي نفسه.

ومن هنا يمكن فهم أهمية بناء تنظيم سياسي جاد، لا بوصفه هوية أو شعارًا، بل بوصفه محاولة لإعادة توزيع القوة داخل المجتمع، بحيث لا يبقى المجال العام محصورًا بين تنظيمات قائمة لها شبكات مصالح شخصية، وبين جمهور واسع بلا أدوات.

المفارقة الأساسية التي تكشفها هذه الواقعة إذن ليست في موقف بعينه، بل في التفاوت بين من يمتلكون التنظيم ومن لا يمتلكونه. وكلما استمر هذا التفاوت، استمر إعادة إنتاج نفس المشاهد، بغض النظر عن الأسماء أو الوقائع.

ولهذا فإن أي نقد حقيقي لا يكتفي بتوصيف سلوك القوى القائمة، بل ينتقل إلى السؤال الأصعب: كيف يمكن بناء تنظيم مختلف، قادر على تمثيل مصالح أوسع، وعلى فرض توازن جديد داخل المجال السياسي؟

بدون الإجابة عن هذا السؤال، يظل النقد نفسه جزءًا من دائرة لا تنتج تأثيرًا، بينما يظل التنظيم — أي تنظيم — هو الفاعل الحقيقي في النهاية والقادر على تمثيل مصالحه.



#محمد_السايس (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجمهورية الأمنية: كل مواطن ضابط وكل خلاف جنحة
- الوطنية الجوفاء كأداة للهيمنة: إحدى أوراق التضليل في إعادة ت ...
- الإصلاح السياسي والاصطفاف الوطني ووهم البحث عن “رجل رشيد”


المزيد.....




- إسرائيل تنذر سكان الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تعليمات نتنياه ...
- تحليل: تمرد جمهوري وأزمة إيران.. ترامب يواجه خطر التعثر على ...
- وكالة: إيران تعلّق المباحثات مع واشنطن بسبب التصعيد في لبنان ...
- بانتظار نقطة الصفر.. إسرائيل تهدد باستهداف ضاحية بيروت الجنو ...
- وسط تصفيات مدنية وخرق مستمر لوقف إطلاق النار: هل لا يزال اتف ...
- إسرائيل تهدد وتحذر: العاصمة اللبنانية لن تنعم بـ-الهدوء- إذا ...
- تحقيق: تدخل إسرائيلي محتمل في الحملة الانتخابية لمرشحين من ح ...
- -فرنسا فخورة-.. باريس سان جرمان يحافظ على عرشه ويتوج بطلا لأ ...
- باستخدام كلود.. استنسخ نفسك بالذكاء الاصطناعي في 5 خطوات فقط ...
- عبر الخريطة التفاعلية.. التطورات الميدانية في الضاحية الجنوب ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمد السايس - التنظيم كقوة مادية: لماذا تنتصر الشبكات على المبادئ؟