طه علي حسين
الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 00:07
المحور:
قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
"إن الاستعمار، من حيث هو نفي منظم للآخر، من حيث هو قرار صارم بإنكار كل صفة إنسانية على الآخر، يحمل الشعب على أن يتساءل دائمًا هذا التساؤل: من أنا في الواقع؟" – فرانز فانون
منذ فانون إلى سعيد وهومي بابا، تبعًا إلى مجمل التيارات التي يمكن نظمها على أنها تمثل إمدادًا طبيعيًا لمدرسة ما بعد الاستعمار، كانت الجهود تكمن في فهم واقع مجتمعاتنا المحلية وكيف يمكن حصر معالمها وإشكالياتها بمعزل عن السرديات المعرفية التي تبلورت من خلال احتكاكنا المباشر وغير المباشر أيضًا بالغرب. وذلك عندما التمست هذه التيارات محاولة أوروبية تسعى إلى فهم واقع مجتمعاتهم المحلية (الجنوب) وإعادة تعريفها في المخيال الأوروبي والعالمي بكيفية تمهد إلى تأمين الحالة الاستعمارية وتعديد مصفوفات بسط السيطرة (الاستشراق). إلا أن هذه الاتجاهات لم تجد في سعيها نحو التحرر سوى المزيد من التحديات.
ففي سنة 2022، صدر للدكتور محمد عبد الرحمن حسن—كاتب ومدرس للنقد والعلوم الإنسانية بجامعة النيلين—"نقد فكر الجنوب العالمي" من مركز مناظير جديدة للنشر والبحوث؛ كامتداد لسلسلة من المؤلفات التي عملت على مسألة الأحوال الحضارية للغرب، إضافة إلى نقد وتفكيك مزاعم الرواية الغربية للتاريخ والنهضة وفض حيادية مقدماتها. حاول من خلاله "أن يرسم خارطة للتيارات الفكرية الأساسية" التي تبلورت خارج أوروبا (م. ع. حسن، نقد فكر الجنوب، 2022، ص 11). تناول فيه اشتغالات معظم وأهم مفكري الجنوب. وانتهى فيه إلى: "أن أطر التفكير الغربي ما زالت تهيمن على مفكري الجنوب رغم سعيهم للانفكاك عنها، وأن مصدر ذلك... [يكمن في] أنهم لم يمارسوا نقدًا جذريًا لتلك الأطر" (نفس المرجع، ص 405). سعيد، مثلًا، كان "يفكر ضد الاضطهاد مستخدمًا ثقافة تقر مبدأ الاضطهاد" (نفس المرجع، ص 93).
نكرر: يحاول الدكتور محمد عبد الرحمن حسن، إذن، أن يعيد التفكير في واقع مجتمعات الجنوب من خارج الأنساق التاريخية والمعرفية الأوروبية بدعوى أنها لم تكن محايدة. فأهمية المراجعة، حسب الدكتور محمد عبد الرحمن، لا في رفض الغرب وإسهاماته، بل في الصور والكيفيات الإيديولوجية التي صورتها في المخيال العالمي حول النهضة وسبل تحصيلها، ومدى، بالتالي، فاعلية هذه الصور المركبة على مستوى الفكر والتنظير في سياق الجنوب.
كيف السبيل إلى تجاوز هذه الأطر والأنساق؟
يقول الدكتور من خلال:
• فهم نظرة الغرب إلى البشر والمجتمعات" (م. ع. حسن، ذاتيات، 2020، ص 8).
• تصفية التركة المعرفية "التي هيأت لأوروبا السيطرة على وعي شعوب العالم والتحكم في مصائرها" (م. ع. حسن، الثورات، 2020، ص 7).
• فحص الكيفيات "التي يروي بها الأوروبيون تاريخهم الحديث مختبرًا دعوى أن معرفتهم لها طبيعة عقلانية وموضوعية، وفض الادعاءات التي تعمل على تصوير هذه الروايات على أنها متفوقة على معارف الشعوب... التي يصفونها بأنها تصدر عن أهواء ذاتية وعقل ذات طابع أسطوري" (م. ع. حسن، فتوحات، 2020، ص 11):
• تشريح فكرة الانبعاث الذاتي للنهضة الأوروبية (م. ع. حسن، كشوفات، 2020)
واقترح ثمة قراءة—لا يدعي جدتها—ترمي إلى مقارنة التواريخ المحلية بالتاريخ الأوروبي كمحاولة نقدية تسعى إلى تقعيد الروايات التاريخية التي صاغها الغرب للعالم من خلال التاريخ والمعرفة، والتي وجد أنها لم تكن محايدة. من هنا، كان ولا بد أن تستشري الحاجة إلى تجاوز هذه الأنساق المعرفية وبناء أخرى متجاوزة للرؤية الغربية، انطلاقًا من مقدّمتين تفيدان بأن "شعوب الجنوب لم تطور قراءة نقدية لهذه العلوم من منظور أوضاعها المحلية، واعتمدت كليًا على النقد الصادر من أوروبا الغربية... ولم تتوصل إلى فهم سليم لواقعها وطرق حل مشكلاته" (م. ع. حسن، الذاتيات، 2020، ص 10). سعيد، مثلًا، والذي "لا ينطلق من نقد جذري للحداثة، يجد نفسه مضطرًا لأن يتخذ موقفًا وسطًا بينها وبين الذين يعانون عنفها، مطالبًا بهوية... ذات طابع هجين" (م. ع. حسن، نقد فكر الجنوب، 2022، ص 93)
نفس القوالب المنهجية التي أجهضت مشروع سعيد بدت لنا هي نفسها القوالب التي أجهضت وما زالت تجهض المشاريع الفكرية عند المفكرين العرب؛ فما كدت أن أستكمل رحلتي في الاطلاع على مؤلفات الدكتور محمد عبد الرحمن حسن، حتى وجدتني أهم بأن هذه الاشتغالات تستوجب علينا الشروع في مراجعة رصيدنا المعرفي والفكري وطموحاته الحضارية. لأجد، بالفعل، أن للدكتور أوراقًا ودراسات تناولت مجموعة من المفكرين العرب، منها: "فض تبعية المعرفة العربية المعاصرة: في فهم الحاضر وحق تفسير الحداثة". إذ تصدت هذه الدراسة إلى بعض التساؤلات التي يمكن اختزالها في: "لماذا لم ينتج الفكر العربي، طوال فترة الخمسين سنة التي أعقبت انفكاك الشعوب العربية من الاستعمار، تقاليد فكرية قادرة على الإحاطة بالحاضر العربي، سواء كان ذلك في مجال إنتاج الأفكار أو في مجال نقدها؟" في مقابل تطور واضح في إفريقيا وآسيا؛ وتحرك هذه الدول "نحو ترسيخ تقاليد فكرية وبحثية تعنى بحاضر [ومستقبل] تلك الأمم" (حسن، فض تبعية المعرفة العربية، 2015، ص 41–42)
ولا بد من الإشارة إلى أن الدكتور محمد عبد الرحمن حسن، حسب قراءتنا، لم يشرع في وصف الأحوال الاجتماعية والثقافية، بشكلها الأفقي، على أنها جزر منفصلة، بل الكل الذي لا يكون الكلام عنه ممكنًا دون أن نتأتى مع عوامله التكوينية المتعددة. ولذلك، لا مجال للحديث حول الغرب ونهضته الحضارية بمعزل عن تجربة حضارات جنوب شرق المتوسط.
نرجح أن الدكتور لا يباشر نقده من مقدمات راديكالية—أي في سياق معالجة الأحوال الحضارية الغربية وتداعياتها على حيوات مجتمعات ودول الجنوب—بل من أرضيات متعددة، شبيهة بتلك التي يتحرك فيها معظم النقاد والمفكرين. كما نجده أقرب، من حيث المنهج، إلى هربرت ماركوزه ودعوته إلى فض ارتباط التكنولوجيا بالسلطة والهيمنة (dominance)، لا نفيها.
فمن نقده للبنى الفلسفية، وفض الرواية الغربية للتاريخ، تبعًا إلى تفنيد مزاعم دور الثورة والتنوير في نهضة أوروبا، ختامًا بالفتوحات، انتقل إلى نقد وتحليل المدارس الفكرية التي تربت على أدبيات فانون وما بعد بنيوية (كفوكو ودريدا)
واستخلص بجهوده إلى أن ما يُطلق عليه اليوم اسم "فكر الجنوب العالمي" وضع نفسه في مقابل فكر الشمال بوصفه معارضًا له، وظلّ يتحرك في أفق مقيد بمعارضة أطروحات فكر الشمال، متجهًا "بالنقد لفكر الجنوب من حيث أنه يعيد إنتاج الثنائيات التي ميّزت فكر السيطرة الغربية، المستند إلى ثنائيات ضدية ذات طابع إقصائي، مثل: الحضارة والبربرية، التقدّم والتخلف، الحداثة والتقليدية" (م. ع. حسن، نقد فكر الجنوب، 2022، ص 10.)
هذا من جملة وأهم ما توصلنا إليه من خلال اطلاعنا—المتواضع—على دراسات الدكتور محمد عبد الرحمن حسن وطموحاته التي تهدف إلى تشريح المآخذ والأعطاب التي لازمت مشاريع التحرر في سياق دول ومجتمعات الجنوب، محاولًا الرفع من حظوة المعارف والتاريخ المحلي بوصفهما المخارج الوحيدة من سطوة المرجعية الغربية (western paradigms) إذ "رغم النقد العميق للفكر الغربي الذي قدمه فكر الجنوب، ممثّلًا في تيارات ما بعد الاستعمار ودراسات التابع ونقض الاستعمارية"، إلا أنها اقتصرت على كيفية التخلص "من المركزية الأوروبية على مستوى المفاهيم وتطوير خطاب نظري مضاد، دون أن يتم تحدي تلك المركزية الأوروبية في المجال المعرفي الذي يشكل معقلها". لينتهي إلى: "إن المطلب الأكثر إلحاحًا... هو فض منطق التمركز في جوهره، لا نقد المركزية الأوروبية التي هي نتاج عمل هذا المنطق" (نفس المرجع، ص 406–410).
ويبقى، إلى هنا، أن المداخل النقدية التي وظفها الدكتور في فهم واقع الحداثة والمجتمعات المحلية هي مداخل ذات طابع فلسفي-بينِي-نقدي؛ تتبع حركة الحضارة الغربية على مستويات عدة، أهمها الفلسفة والعلوم، التاريخ والأنثروبولوجيا.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟