مريم المالكي
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 19:48
المحور:
الادب والفن
مسرحية:
(ظَلَامٌ دَامِسٌ. صَوْتُ ضَحَكَاتٍ عَالِيَةٍ وَمُبَالَغٍ فِيهَا فِي الْخَلْفِيَّةِ. فَجْأَةً تَتَوَقَّفُ الضَّحَكَاتُ دَفْعَةً وَاحِدَةً. ضَوْءٌ أَبْيَضُ حَادٌّ يُسَلَّطُ عَلَى سَلْمَى وَحْدَهَا، وَاقِفَةً وَسْطَ الْخَشَبَةِ، تُحَدِّقُ فِي الْجُمْهُورِ).
سَلْمَى (بِبُطْءٍ): هَلْ سَبَقَ أَنْ ضَحِكْتُمْ... وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ بِشَيْءٍ؟
(صَمْتٌ. تَدْخُلُ لَيْلَى وَمَرْيَمُ وَهُدَى مِنَ الْخَلْفِ وَهُنَّ يَضْحَكْنَ ضِحْكَةً مُصْطَنَعَةً وَاضِحَةً، ثُمَّ تَتَجَمَّدُ الضِّحْكَةُ عَلَى وُجُوهِهِنَّ فَجْأَةً... إِضَاءَةٌ مُرَكَّزَةٌ عَلَى سَلْمَى).
سَلْمَى: إِنَّ الْأَمْرَ الْمُثِيرَ لِلسُّخْرِيَّةِ فِي الْحَيَاةِ فِعْلًا هُوَ أَنْ تَرَى أَتْرَابَكَ مِنَ الْفَتَيَاتِ أَوِ الْفِتْيَانِ يُبْصِرُونَ الْعَالَمَ كَأَيِّ مَخْلُوقٍ بَشَرِيٍّ طَبِيعِيٍّ... يُمَارِسُ حَيَاتَهُ بِحَمَاسَةٍ... يَضْحَكُ حَتَّى يُؤْلِمَهُ فَكُّهُ مِنْ شِدَّةِ الضِّحْكِ... يُمْسِكُ بِبَطْنِهِ مُتَوَجِّعًا بِمَرَحٍ حِيَالَ مَا يَدَّعِي ذَلِكَ... كُلُّ ذَلِكَ يَفْعَلُهُ بِصِدْقٍ... وَالْأَمْرُ ذَاتُهُ يُمْكِنُكَ فِعْلُهُ... لَكِنَّ الِاخْتِلَافَ يَكْمُنُ فِي الطَّرِيقَةِ... فِي الْكَيْفِيَّةِ... فِي النَّظْرَةِ أَثْنَاءَ قِيَامِكَ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَبْدُو لَكَ لَيْسَتْ أَشْيَاءً أَبَدًا... بَلْ تُخَيِّلُ لَكَ أَسْرَابًا تُحَاوِلُ سَحْبَكَ مِنْ عَالَمِكَ اللَّامَنْطِقِيِّ... اللَّابَشَرِيِّ... عَالَمٍ يَرَاهُ الْآخَرُ كَحَمَاقَةٍ تُحَاوِلُ الْهُرُوبَ مِنْ خِلَالِهَا مِمَّا يَجْرِي حَوْلَكَ... لَكِنْ... أَهُمْ يَشْعُرُونَ بِالضَّيَاعِ الَّذِي يَتَّقِدُ دَاخِلَكَ؟ وَالَّذِي يَزْدَادُ كُلَّ ثَانِيَةٍ... خَاصَّةً بِالنَّظَرِ إِلَى بَشَرِيٍّ يَسْتَطِيعُ الِانْدِمَاجَ مَعَ مَنْ حَوْلَهُ؟
اَلْأَمْرُ أَشْبَهُ بِأَنْ يَكُونَ ضَجَرًا... أَوْ كَلَلًا مِنَ الطَّبِيعَةِ... مِنَ الْأَشْيَاءِ... مِنَ الْأَشْخَاصِ... مِنَ التَّصَنُّعِ الَّذِي بَاتَ قِنَاعَ كُلِّ مَخْلُوقٍ يَوَدُّ الدُّلُوفَ لِمَجْمَعٍ بَشَرِيٍّ... مِنَ الرَّتْلِ اللَّاإِنْسَانِيِّ الَّذِي يَقْبَعُ أَيْنَمَا وَلَّيْتَ وَجْهَكَ... فَيَدْفَعُكَ بَعِيدًا عِنْدَمَا تُطِيلُ التَّأَمُّلَ فِيهِ بِبَلَادَةٍ... وَكَأَنَّكَ مُخْتَلِفٌ عَنِ الْإِنْسِ... لَكِنْ بَعْدَهَا تَكْتَشِفُ أَنَّكَ لَمْ وَلَنْ تَقْدِرَ عَلَى الِانْخِرَاطِ دَاخِلَ ذَاكَ الرَّتْلِ... لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَطَلَّبُ مِنْكَ التَّخَلِّي عَنْ أَشْيَاءَ عَظِيمَةٍ... مَبَادِئَ... أَخْلَاقٍ... إِنْسَانِيَّتِكَ الَّتِي خُلِقْتَ بِهَا... وَالَّتِي لَطَالَمَا كَرَّسَ الْإِنْسَانُ حَيَاتَهُ لِيُثْبِتَ أَنَّهُ لَا يُشْبِهُ الْحَيَوَانَ... لِيُصْفَعَ بِالْحَقِيقَةِ فِي الْأَخِيرِ... أَنَّ هَذَا الْأَخِيرَ بَاتَ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً مِنْهُ... مَعَ الْأَسَفِ الشَّدِيدِ...
تِلْكَ الْمِيزَةُ الَّتِي اخْتَفَتْ وَسْطَ دَيْجُورٍ قَاتِمٍ... حَيْثُ الشَّمْسُ لَمْ تَعُدْ أَبَدًا لِتُبَدِّدَهُ... (صَمْتٌ طَوِيلٌ) أُفَكِّرُ... وَأُفَكِّرُ... وَفِي الْأَخِيرِ، كَكُلِّ مَرَّةٍ، أَخْلُصُ إِلَى أَنَّ التَّأَمُّلَ فِي مُسْتَحِيلَاتِ الْعَرَبِ الثَّلَاثِ أَمْرٌ مُفِيدٌ... لِتُضِيفَ لَهُمْ تَقَبُّلَ الْمَرْءِ لِلْآخَرِ بِطَبِيعَتِهِ الَّتِي تَفْتَقِدُ التَّصَنُّعَ... بِإِنْسَانِيَّتِهِ الْغَرِيزِيَّةِ... لِتَصِيرَ أَرْبَعًا... وَتَصْطَفَّ وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى... مُنْتَظِرِينَ وَاحِدَةً أُخْرَى... الَّتِي غَالِبًا مَا سَتَكُونُ صَنِيعَةَ الْبَشَرِ... تُفَكِّرُ وَتُفَكِّرُ ،فَتُنْهَكُ أَيْضًا مِنَ التَّفْكِيرِ لِتَسْتَسْلِمَ لِلْقَدَرِ فَتَدَعَهُ يَجُولُ بِكَ أَصْقَاعَ الْحَيَاةِ غَيْرَ مُبَالٍ... رَاضِيًا ، صَابِرًا تَنْتَظِرُ النُّصْرَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى مَا مَنَحَتْكَ إِيَّاهُ الْأَرْضُ (تَنْخَفِضُ الْإِضَاءَةُ قَلِيلًا.)
مَرْيَمُ: أَتَعْلَمِينَ يَا سَلْمَى؟ بَعْضُهُمْ لَا يَضْحَكُ لِأَنَّهُ سَعِيدٌ... بَلْ لِأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُرَى حَزِينًا.
لَيْلَى: وَالْبَعْضُ يُتْقِنُ ارْتِدَاءَ الْقِنَاعِ حَتَّى يَنْسَى مَلَامِحَهُ الْحَقِيقِيَّةَ.
هُدَى: لَكِنَّ الْأَقْنِعَةَ، مَهْمَا أَتْقَنْتَ صَقْلَهَا، تَخْتَنِقُ بِدَاخِلِهَا الْأَرْوَاحُ.
سَلْمَى: وَكَأَنَّ الصِّدْقَ صَارَ غَرَابَةً... وَالِانْسِجَامَ مَعَ النَّفْسِ تُهْمَةٌ.
مَرْيَمُ: رُبَّمَا لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تَصْرُخُ... بَلْ تَهْمَسُ. وَمَنِ اعْتَادَ الضَّجِيجَ لَا يَسْمَعُ الْهَمْسَ.
لَيْلَى: لَسْنَا مُضْطَرَّاتٍ لِأَنْ نَكُونَ نُسْخَةً تُرْضِي الرَّتْلَ.
هُدَى (تَمُدُّ يَدَهَا): يَكْفِي أَنْ نَبْقَى كَمَا نَحْنُ... حَتَّى وَإِنْ سِرْنَا وَحْدَنَا.
(تَنْظُرُ سَلْمَى إِلَى يَدِهَا، ثُمَّ تُمْسِكُ بِهَا بِبُطْءٍ).
سَلْمَى: لَعَلَّ الشَّمْسَ لَا تُبَدِّدُ الدَّيْجُورَ سَرِيعًا... لَكِنَّهَا لَا تَمُوتُ.
(تَلْتَفِتُ الشَّخْصِيَّاتُ الْأَرْبَعُ نَحْوَ الْجُمْهُورِ).
اَلْجَمِيعُ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ مُتَنَاسِقٍ: وَمَنِ اخْتَارَ وَجْهَهُ الْحَقِيقِيَّ... لَمْ يَحْتَجْ قِنَاعًا.
(إِظْلَامٌ تَامٌّ. سِتَارٌ).
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟