هنيه اللاني
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 19:44
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
هنية اللاني / تونس
على الرغم من تغيّر المجتمعات وتغيّر أنماط الحياة، وما لعبته العولمة والتطورات التكنولوجية من دور مهم وتأثير كل هذا على حياة المجتمع العربي على وجه الخصوص والمرأة بشكل أعمق، إلا أن هذا التغيّر والتطور - وإن كان قد لعب دورًا في بعض المجالات - فإنه لم يخترق بعض الجوانب الفكرية والثقافية في حياة المرأة العربية خاصة، نظرًا لتأثر المجتمع بالقيم الدينية والتقاليد القديمة التي ما زالت تمارس سلطتها داخل الحياة الأسرية بشكل خاص، والاجتماعية بشكل عام. ومن هنا يمكننا أن نتحدث عن وضع المرأة العربية، وتجربة المثلية بشكل أدق.
اخترت هذا الموضوع ليس عبثًا، بل هو واقع لا يمكننا أن نُغمض أعيننا عنه، وله أسباب عديدة وعوامل. فاليوم هذه الظاهرة منتشرة بشكل كبير مع كمٍّ هائل من الإنكار والخوف الشديد من نظرة المجتمع ورفضه القاطع لهذه الظاهرة، مع أنه أحد أهم أسباب انتشارها بشكل مباشر أو غير مباشر.
المرأة العربية ما زالت تخضع لسلطة المجتمع الذكورية، وذلك إما عن طريق التربية الأولى داخل الأسرة، ثم عن طريق تعاملها المباشر مع محيطها الاجتماعي، وما يؤثر في غالب الأحيان على الجانب النفسي وحريتها في اختياراتها وطبيعة حياتها. كل هذه العوامل لعبت دورًا كبيرًا في اختيارات المرأة الجنسية.
اليوم لا يمكننا أن نتحدث عن المثلية لدى المرأة دون أن نتجاوز هذه العوامل الرئيسة التي هي في الواقع سبب رئيس في نشوء هذه الظاهرة. ربما هذا ليس السبب الوحيد، إلا أنه يبقى أحد أبرز الأسباب. فالمرأة التي تفقد ذاتها وتعيش كبتًا فكريًا وضغطًا نفسيًا تحت مسمى سلطة الدين والتقاليد، مما يسبب لها صدمة قوية تجعلها تبحث لا شعوريًا عن مهرب من كل تلك الظروف والقهر النفسي الذي تعيشه داخل مجتمعها وداخل الأسرة التي هي السبب الأول في تركيبتها النفسية.
لجوء المرأة إلى امرأة مثلها ومشاركتها حياتها الجنسية هو بحث عن اكتمال كل نقص داخلها، وبحث عن معنى حقيقي لوجودها. من جهة أخرى، فهي تتقاسم معها مشاعر الألم ذاته، لأن كل واحدة منهن هي ضحية للأوضاع الاجتماعية والثقافية.
خضوع المرأة المهين لسلطة الرجل، وتحمّلها قيود التقاليد والضغوط الجسدية والنفسية عليها، والخوف من فكرة الانعتاق والتحرر الفكري والجسدي، وعدم قدرتها على اختيار طريقة حياتها الاجتماعية، ولّد لدى أغلب النساء نوعًا من التمرد الفكري والنفسي وفكرة الهروب من حياة جنسية طبيعية إلى حياة جنسية مختلفة، ككسر لحاجز القيم وتمرد على المبادئ المتعارف عليها، وانتقام من واقع لم يحمِ حقوقها النفسية والجسدية.
اليوم تترك بعض النساء الحياة الزوجية والأسرية لتبحث عن حياة مختلفة مع شريكة مثلية مثلها، لتبدأ معها تجربة مختلفة. كما أن هذه الظاهرة متواجدة أيضًا لدى فئات عمرية متفاوتة تبدأ أحيانًا من سن المراهقة.
تعد هذه الأسباب أحد أهم العوامل لتواجد الظاهرة، كما أنها ليست السبب الوحيد، فحتمًا هناك أسباب أخرى كثيرة. وإن اختلفت الأسباب فإننا اليوم لا ننكر أن المجتمع العربي بصفة عامة ما زال يعيش تحفظًا شديدًا ورفضًا كبيرًا للتطرق والحديث عن هذه الظاهرة، مع علمه بتفاقمها وتواجدها في كل المجتمعات العربية مع تفاوت نسبها.
رفض المجتمع لفكرة المثلية وعدم تقبّل وجودها خلق خوفًا شديدًا داخل الأشخاص الذين لديهم هذه الميول، كما عانوا من رفض المجتمع لهم والاضطهاد الذي يُمارس في حقهم، إما من أفراد المجتمع أو من القانون الذي يسلّط عليهم عقوبات تختلف من بلد إلى آخر، التي تتمثل في السجن والتغريم المالي في بعض الدول مثل المغرب، وتصل أحيانًا إلى عقوبة الإعدام والرجم في بعض الدول الإسلامية المتشددة.
هنا نتحدث عن مجتمع المثليين على اختلاف الجنس على حد سواء. فنظرة المجتمع الرافضة، والتي تعتبر أن هذا الميول الجنسي هو ضرب للقيم الأخلاقية وتراه على أنه جرم محرم دينيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا لابد من الصدّ له والحد منه بشتى وسائل الإكراه والرفض والعنف اللفظي والمادي تجاه المثليين. إن هذا التفكير وهذه الطرق في التعامل مع المثليين لم تكن سوى طرق متخلفة ومنافية للأخلاق ومتعارضة مع مبادئ الحقوق الفردية، فهي لم تعمل على الحد من الظاهرة ولم تعالج هذه المشكلة بقدر ما كانت سببًا في تفاقمها وتزايدها داخل المجتمع.
بالرغم من دور المنظمات الدولية وبعض الجمعيات التي تحاول حماية حقوق المثليين والضغوط الخارجية التي تُمارس على بعض الدول من أجل الحفاظ على حقوق هؤلاء ومحاولتها في حمايتهم، إلا أن رفض المجتمع والأسرة بصفة خاصة لم يمتثل حتى الآن إلى فكرة الاعتراف بحقوقهم في ممارسة حياتهم الطبيعية والاجتماعية، ربما لما تشكّله التقاليد والتمسك الاجتماعي بالفكر الديني من سبب في عدم التسامح مع هذه الفئة والاعتراف بها ومنحها الحق في اختياراتها.
من جانب آخر، إن معالجة هذه الظاهرة التي يعتبرها المجتمع العربي فسادًا لابد من إزالته ودحضه بعيدًا، لا يمكن أن تكون بهذه الطرق السلبية ودون معالجة بعض الأسباب المؤدية لها. وكذلك لا يمكننا أن ننسى أن المثلية ليست وليدة اللحظة، خاصة أنها متواجدة منذ القدم حتى في العصور التي سبقت الإسلام، وأنها ليست دائمًا ما تكون نتاجًا لعوامل وضغوط اجتماعية، بل إنها أحيانًا ما تكون رغبة وميولًا طبيعيًا ينشأ في داخل الشخص الذي يبحث عن الاختلاف والخروج عن المألوف، مع قدرته على ممارسة الحياة الجنسية مع كلا الجنسين دون تأثره بجنس دون آخر. كما أكدت منظمة الصحة العالمية على أن المثلية ليست خللًا عقليًا أو اضطرابًا نفسيًا كما فسّره البعض.
المثليون مجبرون على إخفاء ميولهم الجنسية
نعود إلى القيود الاجتماعية، حيث يضطر المثليون لإخفاء طبيعة حياتهم الجنسية تحت ضغط الخوف، وخاصة عند فئة الرجال الذين يحملون على عاتقهم ومنذ نعومة أظفارهم فكرة الرجولة والفحولة. فالمجتمع العربي كما ذكرنا سابقًا هو مجتمع ذكوري بالأساس، يعتمد على تفضيل الرجل على المرأة على جميع المستويات، مما يجعله عرضة أكثر للانتقاد، خاصة إن تعلق الأمر بحياته الجنسية. يضطر بعض المثليين الذكور للزواج من المرأة فقط خوفًا من افتضاح أمرهم، ومن نظرة المجتمع والعائلة وردة فعلهم. هنا يعود المجتمع القمعي والمضطهد تجاه هذه الفئة، وكذلك النساء، فهن يتعرضن أكثر لهذه الضغوط.
في ظل تزايد جهود الجمعيات والمنظمات التي تسعى جاهدة لإنقاذ المثليين من الانتهاكات والظلم المسلط عليهم، فإنه اليوم تم إسناد حق اللجوء للمثليين إلى دول أخرى، وذلك للحفاظ على سلامتهم وحمايتهم من أي اعتداء أو اضطهاد يُسلّط عليهم داخل مجتمعاتهم.
مع الأسف، فإن فكرة الهروب والنجاة من كل المخاطر المحتملة لم تشمل الجميع، بل هناك الكثير من الضحايا الذين لا يزالون إلى الآن يعانون من الانتهاكات النفسية والجسدية من ذات المجتمع الذي هو أحد أهم الأسباب في تكاثر هذه الظاهرة.
لن يتم التوصل إلى حل نهائي وفتح المجال أمام تقبّل أي اختلاف، ما دامت فكرة التقاليد الخاطئة مهيمنة على عقل المجتمع وتصرفاته. فالخروج من أزمة هذا الواقع الذي أصبح يمثل عائقًا أمام التقدم والتطور الفكري للمجتمع ضرورة.
إن اعتبر البعض أن المثلية ظاهرة عالمية ولها بعد تاريخي ضارب في القدم، فإن هذا لا ينفي دور بعض السلوكيات الاجتماعية في وجودها بشكل مباشر أو غير مباشر....
#هنيه_اللاني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟