أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيمن دهبلي - التنمية المفروضة بين تدمير منطق الروابط و ضرورة الوساطة الأنثروبولوجية















المزيد.....

التنمية المفروضة بين تدمير منطق الروابط و ضرورة الوساطة الأنثروبولوجية


أيمن دهبلي

الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 17:56
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ظلّ مفهوم "التنمية" لوقت طويل يُقرأ داخل المؤسسات الدولية، وعلى رأسها البنك الدولي، من زاوية ضيقة تُعطي الأولوية للأرقام والمؤشرات الاقتصادية فقط. في هذا التصور، كانت التنمية تُفهم أساسًا كعملية مادية تقوم على ضخّ الأموال، وبناء الطرق والمنشآت، وتحسين دخل الأفراد. وبهذا المعنى، تم النظر إلى المجتمعات كأنها مجرد آليات إنتاج يمكن إدخالها في عجلة الاقتصاد، دون الالتفات الكافي إلى خصوصياتها الثقافية والاجتماعية، بل إن هذه الجوانب كانت تُعتبر أحيانًا عائقًا أمام ما يُسمّى بالتحديث
غير أن التجربة التاريخية لتدخلات هذه المؤسسات في العديد من الدول النامية كشفت تدريجيًا عن حدود هذا التصور الاختزالي، حيث اصطدمت مشاريع كبرى، رغم الإمكانيات المالية الضخمة التي رُصدت لها، برفض واضح من طرف السكان المحليين، أو انتهت إلى نتائج دون التوقعات. وقد أدى هذا التراكم من الإخفاقات إلى مراجعات داخلية دفعت إلى التساؤل حول "العنصر الغائب" في هذه المقاربات. وهكذا بدأ الانفتاح على العلوم الاجتماعية، وخاصة السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، باعتبارهما أدوات ضرورية لفهم تعقيد البنيات الاجتماعية والرمزية التي تؤطر سلوك الأفراد والجماعات.
انطلاقًا من هذا التحول، يطرح إشكال سوسيولوجي مركزي: إلى أي حد يمثل إدماج البعد الثقافي والأنثروبولوجي في سياسات التنمية المعاصرة اعترافًا فعليًا بخصوصية المجتمعات وبقدرتها على التدبير الذاتي؟ أم أنه يعكس تحولًا استراتيجيًا يهدف إلى توظيف المعرفة الاجتماعية من أجل تكييف المشاريع مع السياقات المحلية وتقليص مقاومتها؟
ولمقاربة هذا الإشكال، سنسلك مسارًا تحليليًا مترابطًا يبدأ بتفكيك الأسس الفكرية للعقل الأداتي الذي حكم السياسات التنموية الكلاسيكية، ثم ينتقل إلى تحليل منطق الروابط الاجتماعية من خلال نظرية الهبة، قبل أن يصل إلى مناقشة مفهوم الانغراس الاقتصادي، وينتهي بتعرية إشكالية تسليع الثقافة ودور الباحث كوسيط.
في هذا السياق، يقتضي فهم إخفاقات السياسات التنموية الكلاسيكية العودة إلى تحليل نمط التفكير الذي حكمها، وهو ما وصفته مدرسة فرانكفورت، خاصة عند Max Horkheimer، بـ "العقل الأداتي". يشير هذا المفهوم إلى نمط من العقلانية يختزل الفعل الاجتماعي في بعده التقني، حيث يتم التركيز على نجاعة الوسائل دون مساءلة الغايات. فالعقل الأداتي لا يتساءل عمّا إذا كان المشروع يخدم الإنسان أو يحافظ على كرامته، بل ينشغل أساسًا بكيفية تحقيق أكبر قدر من النتائج الاقتصادية بأقل تكلفة ممكنة.
ولتوضيح كيفية اشتغال هذا النمط من التفكير، يمكن تشبيهه بآلة حسابية باردة: فهي تستقبل معطيات رقمية (عدد السكان، الموارد المتاحة، الكلفة المالية)، وتنتج قرارًا تقنيًا (بناء سد، إعادة توطين السكان، استثمار زراعي)، دون أن تأخذ بعين الاعتبار الأبعاد غير القابلة للقياس، مثل الروابط الاجتماعية أو المعاني الرمزية المرتبطة بالمجال.
ويتجلى أثر هذا العقل بشكل واضح في مشاريع التهجير المرتبطة ببناء السدود مثلا، حيث يتم تقييم المشروع من خلال قدرته على إنتاج الطاقة أو رفع الدخل القومي، في حين يتم إغفال الأبعاد الاجتماعية والرمزية المرتبطة بالأرض. فالفلاح لا يرتبط بأرضه فقط كمصدر للعيش، بل كفضاء للذاكرة والانتماء، حيث توجد قبور الأجداد، وتتجسد العلاقات الاجتماعية. وبالتالي، فإن نقله إلى سكن حديث لا يعوض هذه الأبعاد، بل يؤدي إلى تفكيك نظام اجتماعي متكامل.
وقد تعزز هذا التوجه بنظرة اختزالية للمجتمعات المحلية، حيث تم تصويرها ككيانات عاجزة تنتظر التدخل الخارجي. غير انه يمكن الإشارة إلى دراسة ميدانية، لفاطمة المرنيسي، كشفت عكس ذلك، حيث ابرزت وجود ديناميات محلية فعالة. فمن خلال صياغتها لمفهوم "آيت سلك" أو "آيت الدبرويلة" التي اعتبرته نمطًا بنيويًا خاصا في تدبير العيش داخل المجتمعات القروية المغربية. فهذه المجتمعات لا تتحرك وفق منطق العجز أو الانتظار، كما تفترضه المقاربات التنموية الكلاسيكية، بل ضمن منطق "التدبير الذاتي المتعدد المجالات"، حيث يعتمد الأفراد على تعددية في الموارد والفضاءات، من خلال التنقل المستمر بين القرية والمدينة، والحفاظ في الآن ذاته على روابط قوية مع "البلد". هذا ما يفسر كيف أن الهجرة لم تعد تعني القطيعة، بل أصبحت شكلًا من أشكال توسيع شبكة العيش، إذ يظل المهاجر مرتبطًا بقريته، يساهم في تمويل المشاريع، ويدعم المبادرات المحلية، بل وقد يلعب دور الوسيط بين الفاعلين المحليين والجهات المانحة. وفي هذا السياق، تبرز الجمعيات المحلية والشباب كفاعلين مركزيين، حيث يشكلون نواة لما يمكن تسميته "بالتنمية من الداخل"، إذ لا تقتصر أدوارهم على تنفيذ مشاريع تقنية كالكهرباء أو الماء، بل تمتد إلى بناء شرعية محلية قائمة على الثقة والقدرة على التعبئة، وهو ما يمنحهم موقعًا قياديًا داخل المجتمع. كما أن هذه الديناميات تتعزز في أوقات الأزمات، حيث تنكشف قوة شبكات التضامن، سواء عبر تعبئة الموارد الغذائية للأسر الهشة، أو من خلال عودة المهاجرين إلى قراهم والمشاركة في أنشطة جماعية تعيد إنتاج الروابط الاجتماعية. وبذلك، فإن ما يبدو من الخارج كـ"هشاشة" أو "فقر"، يخفي في العمق قدرة عالية على التكيف والمرونة، حيث تطور هذه المجتمعات أشكالًا من "الذكاء الاجتماعي الجماعي" الذي يسمح لها بمواجهة التحولات والأزمات دون انهيار بنيتها. وهذا ما يجعل تجاهل هذه الآليات في السياسات التنموية لا يؤدي فقط إلى فشل المشاريع، بل إلى إضعاف نظم اجتماعية قائمة بذاتها، كانت قادرة على إنتاج حلولها الخاصة خارج منطق السوق والدولة معًا.

وانطلاقًا من هذا المستوى، ننتقل إلى فهم أعمق لمنطق الروابط الاجتماعية من خلال أعمال Marcel Mauss حول "الهبة". يرى موس أن التبادل في المجتمعات التقليدية لا يقوم على منطق السوق، بل على نظام من الالتزامات المتبادلة.
فالهبة، في هذا السياق، ليست مجرد عطاء مجاني، بل تندرج ضمن سلسلة من الالتزامات: العطاء، القبول، والرد. هذه السلسلة تخلق روابط اجتماعية قوية، حيث يصبح كل فرد جزءًا من شبكة من العلاقات التي تضمن له الدعم في أوقات الحاجة.
ولتوضيح ذلك، يمكن استحضار مثال "التويزة" في المغرب، حيث يتعاون الفلاحون في الأعمال الزراعية دون مقابل مالي مباشر. هذا التعاون لا يعني غياب المنفعة، بل يعني أن المنفعة موزعة داخل شبكة العلاقات.
وعندما تدخل المشاريع التنموية بمنطق السوق (الربح الفردي والمنافسة)، فإنها قد تؤدي إلى تفكيك هذه الشبكات. فالفلاح الذي يمتلك آلة حديثة قد يستغني عن جيرانه، مما يؤدي إلى إضعاف التضامن.
هذا ما يفسر رفض بعض المشاريع، ليس كرفض للتنمية، بل كرفض لنمط معين منها.
وانطلاقًا من هذا الفهم العميق لمنطق "الهبة" والروابط الاجتماعية كما حلله Marcel Mauss، يمكن تفسير الصدمة التي واجهتها المؤسسات التنموية عندما اكتشفت أن المجتمعات المحلية لا تتصرف وفق منطق الربح الفردي المتوقع في النماذج الاقتصادية الكلاسيكية، وهو ما دفعها إلى مراجعة أدواتها ومقارباتها، وكان من أبرز من قاد هذا التحول داخل البنك الدولي عالم الاجتماع Michael Cernea، الذي انتقد بشكل جذري ما كان يُعرف بـ "النموذج الأزرق" (Blue-print- Approach)، حيث كانت المشاريع تُصمم بالكامل داخل المكاتب المركزية ثم تُنقل كما هي إلى مجتمعات مختلفة دون اعتبار لاختلاف السياقات، وكأن هذه المجتمعات متشابهة في بنيتها واحتياجاتها، وهو ما كان يؤدي إلى التعامل مع السكان إما كعائق يجب تجاوزه أو كمستفيدين سلبيين، غير أن سيرنيا اقترح قلب هذا المنطق عبر شعار "جعل الناس أولًا"، وهي فكرة لا تعني فقط إشراك السكان شكليًا، بل الانطلاق من فهم حياتهم اليومية وعلاقاتهم الاجتماعية قبل تصميم أي تدخل، ولتوضيح هذا التحول يمكن مقارنة مشروع بناء سد في النموذجين: ففي النموذج التقني يتم حساب عدد السكان وتعويضهم ماليًا ونقلهم، بينما في تصور سيرنيا يتم طرح أسئلة أكثر عمقًا مثل طبيعة علاقاتهم، وكيفية عيشهم، وما الذي سيخسرونه فعليًا، وقد طور سيرنيا لاحقًا تصورًا دقيقًا لما سماه "مخاطر التهجير"، حيث بيّن أن نقل السكان لا يؤدي فقط إلى فقدان السكن، بل إلى سلسلة من الخسائر المتداخلة تشمل فقدان الأرض كمورد اقتصادي، وفقدان الشبكات الاجتماعية من جيران وأقارب، وفقدان الهوية المرتبطة بالمكان، وفقدان أشكال الأمان التي يوفرها التضامن المحلي، فالفلاح مثلًا لا يعتمد فقط على أرضه، بل على منظومة كاملة من العلاقات التي تتيح له مواجهة الأزمات، وعندما يُنقل إلى فضاء جديد كالشقق الحضرية، فإنه يفقد هذا النظام بكامله، وهو ما لم يكن ظاهرًا في الحسابات التقنية البحتة، وهذا التحول الذي أدخله سيرنيا فتح الباب أمام تعميق التحليل، خاصة من خلال مساهمة Karl Polanyi الذي قدم مفهوم "الانغراس" ليبين أن الاقتصاد في العديد من المجتمعات ليس مجالًا مستقلاً كما تفترض النظريات الكلاسيكية، بل هو مدمج داخل العلاقات الاجتماعية والثقافية والدينية، ولتوضيح ذلك يمكن أخذ مثال بسيط من الحياة اليومية في المجتمعات القروية، حيث لا يتم التعامل في السوق بمنطق الربح فقط، بل تُراعى القرابة والظروف الاجتماعية، فقد يبيع التاجر سلعة بثمن أقل لقريب أو يمنحها بالدين لشخص في حاجة، ليس لأن السوق يفرض ذلك، بل لأن العلاقة الاجتماعية تفرضه، وهنا يظهر الفرق الذي أشار إليه بولاني بين "مجتمع السوق" حيث تخضع العلاقات للمنطق الاقتصادي، و"مجتمعات بها أسواق" حيث يخضع الاقتصاد للمنطق الاجتماعي، وعندما تحاول مشاريع التنمية إدخال نموذج السوق الحر بشكل مباشر داخل هذه المجتمعات، فإنها تحدث نوعًا من الصدمة، لأن هذا النموذج يتجاهل الانغراس العميق للاقتصاد في البنية الاجتماعية، ومن هذا المستوى ننتقل إلى تحليل أكثر تعقيدًا قدمه Pierre Bourdieu، الذي وسع مفهوم الرأسمال ليشمل أشكالًا متعددة لا تقتصر على المال، بل تضم أيضًا الرأسمال الاجتماعي القائم على العلاقات، والرأسمال الرمزي المرتبط بالهيبة والسمعة، والرأسمال الثقافي المرتبط بالمعرفة والمهارات، والأهم في طرح بورديو هو فكرة قابلية التحويل بين هذه الأشكال، حيث يمكن مثلًا تحويل الثقة الاجتماعية إلى مكسب اقتصادي، وهو ما يظهر بوضوح في سياق المشاريع التنموية، فعندما تواجه مؤسسة ما صعوبة في كسب ثقة السكان، فإنها تلجأ إلى وسيط محلي يتمتع برأسمال رمزي قوي، كشيخ القبيلة ، وبمجرد دعمه للمشروع، يتم تحويل هيبته إلى أداة لتمرير المشروع وتقليل المقاومة، ونفس المنطق ينطبق على التعاونيات النسائية، حيث يتم توظيف المهارات التقليدية والتضامن الاجتماعي في إنتاج سلع موجهة للسوق، وهو ما يعني تحويل الرأسمال الثقافي والاجتماعي إلى رأسمال اقتصادي، غير أن هذا المسار يقودنا إلى إشكالية أعمق تناولها Jean Baudrillard، الذي يرى أن الرأسمالية المعاصرة لم تعد تكتفي بإنتاج السلع، بل أصبحت تنتج الرموز وتبيع المعاني، فالقيمة لم تعد في الشيء نفسه، بل في صورته ودلالته، ويمكن توضيح ذلك من خلال مثال السوق التقليدي، الذي كان في الأصل فضاءً للتبادل الاجتماعي والتواصل وبناء العلاقات، لكنه عندما يُعاد تشكيله في إطار مشاريع السياحة، يتحول إلى فضاء للعرض والاستهلاك، حيث يتم تنظيمه وفق معايير جمالية تستجيب لتوقعات الزائر، ويصبح الحرفي جزءًا من مشهد يُعرض أكثر مما يُعاش، وهنا يتحول الفعل الثقافي من ممارسة يومية إلى عرض موجه، أي أن الثقافة لم تعد تُنتج لذاتها، بل تُعاد صياغتها لتُستهلك، وأخيرًا، تقدم دراسة Emmanuel Pannier وChristian Culas في الفيتنام مثالًا ميدانيًا مكثفًا يجسد كل هذه التحليلات، حيث اعتمد الباحثان على منهج "الملاحظة بالمشاركة" عبر إقامة طويلة دامت ثلاث سنوات داخل قرية ريفية، ما أتاح لهما فهمًا عميقًا لتفاصيل الحياة اليومية والبنية الاجتماعية، ومن خلال هذا الانغماس توصلا إلى نتيجة مفادها أن القرية لا تحتاج إلى مشروع تنموي جديد، لأنها تمتلك توازنًا داخليًا دقيقًا يقوم على علاقات مستقرة وتوزيع واضح للأدوار وآليات محلية فعالة في تدبير الموارد، وأن إدخال مشروع خارجي، مثل مشروع سياحي، قد يؤدي إلى اختلال هذا التوازن عبر خلق تفاوتات جديدة في الدخل، وتغيير أنماط استغلال الأرض، وتحويل بعض السكان إلى فاعلين في اقتصاد موجه للخارج، وهو ما قد يعيد تشكيل العلاقات داخل المجتمع، وأمام هذا الوضع لم يكتف الباحثان بالملاحظة، بل قاما بدور الوسيط، حيث عملا على نقل مطالب السكان إلى الجهات الرسمية، والتفاوض حول طبيعة المشروع، وإدخال تعديلات عليه بما يحد من آثاره السلبية، وهو ما يبرز تحول دور الباحث من مجرد ملاحظ إلى فاعل يساهم في حماية التوازنات الاجتماعية داخل المجتمعات المحلية.
في الختام، وتأسيساً على كل ما سبق تحليله، تتضح لنا الصورة كاملة وبجلاء تام؛ إن مسار التنمية العالمية الموجهة نحو الدول النامية يحمل في طياته تناقضات عميقة وصراعاً خفياً بين الإنساني والمادي. لقد أثبت التحليل السوسيولوجي أن التنمية الحقيقية يجب أن تتحرر جذرياً ونهائياً من قبضة "العقل الأداتي" ولغة الأرقام الباردة التي أسست لها التدخلات الأولى، والتي أدت إلى كوارث اجتماعية واقتلاع هوياتي وتدمير لآليات التدبير المحلي. ورغم أن مؤسسات عملاقة كالبنك الدولي قد أظهرت مرونة ظاهرية وادعت الانفتاح على مفاهيم السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا، إلا أن هذا التحول لم يكن بريئاً. فالنظام الرأسمالي العالمي، بما يملكه من قدرة تاريخية على الابتلاع والتحوير، قام بتطويع هذه النظريات النبيلة وتفريغها من محتواها النقدي، ليستخدمها كأدوات اختراق ناعمة. لقد تم استغلال "الرأسمال الاجتماعي" لتسهيل السيطرة، وتم تحويل تراثنا، وهوياتنا، ومهاراتنا المتوارثة إلى مجرد "علامات استهلاكية" وواجهات سياحية، في تجسيد حرفي ومأساوي لما حذرنا منه بودريار بخصوص فخ "تسليع الثقافة". إن بناء تنمية حقيقية ومستدامة مشروط اليوم قبل كل شيء بالاعتراف العميق بعبقرية مجتمعاتنا في مواجهة الأزمات (كما يتجلى بوضوح في قدرات "آيت سلك" التي أبرزتها فاطمة المرنيسي)، وبضرورة انتقال الباحث وعالم الاجتماع من برج المراقبة الأكاديمي، إلى الميدان ليمارس دور "الدرع والوسيط" الفاعل (كما برهنت التجربة الرائدة لبانييه وكولاس في الفيتنام)، لحماية المجتمعات من آلة الطحن الرأسمالية.
تساؤل مفتوح:
وبناءً على هذه الخلاصة ، ننهي مقالنا بهذا التساؤل المفتوح: إذا كانت التنمية المفروضة من الخارج تنتهي دائماً إما بالاصطدام أو بتسليع هويتنا، فهل نمتلك نحن في الدول النامية الجرأة المعرفية والسياسية لابتكار "نموذج تنموي بديل"؟ نموذج ينبع حصراً من "منطق الروابط" الخاص بنا، ويحترم عمق "انغراس" نشاطنا الاقتصادي في تربتنا الثقافية والأخلاقية، بدلاً من الارتهان المستمر لمشاريع خارجية تحول قيمنا وأقدس أصالتنا إلى مجرد بضائع رخيصة تُتداول في البورصات وأسواق الاستهلاك الدولي؟
قائمة المراجع

Jean Baudrillard
Baudrillard, J. (1970). La société de consommation: ses mythes, ses structures. Paris: Denoël.
Pierre Bourdieu
Bourdieu, P. (1986). The forms of capital. In J. Richardson (Ed.), Handbook of theory and research for the sociology of education (pp. 241–258). New York: Greenwood Press.
Michael Cernea
Cernea, M. M. (Ed.). (1991). Putting people first: Sociological variables in rural development (2nd ed.). Oxford: Oxford University Press.
Max Horkheimer
Horkheimer, M. (2010). خسوف العقل (ترجمة حسن العمراني). مجلة الأزمنة الحديثة، العدد 2، 1 مارس.
Ka-dir-i, Z. (2020). Contemporanéité des concepts de Fatéma Mernissi: Les Aït débrouille. Université Hassan II de Casablanca / Chaire Fatéma Mernissi.
Marcel Mauss
Mauss, M. (2004). بحث في الهبة: شكل التبادل وسببه في المجتمعات القديمة (ترجمة المولدي الأحمر). بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.
Pannier, E., & Culas, C. (2016). Expérience de dialogue entre l’anthropologie et une situation de développement au Vietnam: De la position d’observateur à celle de médiateur. Anthropologie & développement, (44), 123–148.
Karl Polanyi
Polanyi, K. (2007). التحول الكبير: الأصول السياسية والاقتصادية لزماننا (ترجمة محمد فاضل طباخ). بيروت: المنظمة العربية للترجمة






ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295





- أول رد من إيران على إعلان ترامب تمديد وقف إطلاق النار
- لماذا قررت اليابان الآن رفع حظر تصدير الأسلحة الفتاكة؟
- اتهامات إيرانية بالمناورة.. ترمب يمدد وقف إطلاق النار ويتمسك ...
- بعد تمديد وقف إطلاق النار.. بيان أمريكي يوضح مصير رحلة نائب ...
- -حزب الله- يعلن استهداف موقع إسرائيلي ردًا على -الخروقات-.. ...
- ماكرون يدعو إسرائيل للتخلي عن أطماعها في لبنان.. وسلام: لن ن ...
- ترامب يعلن تمديد وقف إطلاق النار وطهران تتحدث عن -مناورة لكس ...
- تقارير إسرائيلية: تل أبيب وواشنطن تستعدان لاستئناف الحرب على ...
- بعد قرار ترمب تمديد الهدنة.. هل تنجح مفاوضات باكستان في نزع ...
- ميلوني ترد على انتقادات ترامب: الشجاعة تعني التعبير عن رأيك ...


المزيد.....

- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أيمن دهبلي - التنمية المفروضة بين تدمير منطق الروابط و ضرورة الوساطة الأنثروبولوجية