بدر ازلماض
الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 08:47
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
ارتبط ظهور مفهوم التنمية في سياق اتسم بمجموعة من التحولات التي عاشها النظام العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ساهمت هذه التحولات في ظهور مؤسسات عالمية وعلى قائمتها البنك الدولي كفاعل أساسي ومركزي في رسم السياسات التنموية عبر العالم، مند مؤتمر "بريتون وودز" التأسيسي الذي استهدف أساسا إعادة إعمار وتنمية الدول المتضررة من الحرب. انصبت تدخلات البنك الدولي على تحليل وضعية الدول المستفيدة وفق مقاربة اقتصادية صرفة، مرتكزة على مؤشرات النمو الاقتصادي ورفع الناتج الداخلي الخام باعتبارهما الرافعتين الاساسيين لتحقيق التنمية.
إذا كانت سياقات النشأة الأولى لهذه المؤسسة جعلت قاعدته المعرفية تقف على المقاربة الاقتصادية ذات البعد الكمي الاحصائي فإن هذه المقاربة ظلت مهينة نتيجة استحواذ الخبراء الاقتصاديين على مراكز الأبحاث مما أدى إلى حصر مفهوم التنمية في زاوية ضيقة تختزل التنمية في المؤشرات الرقمية مع تغييب تام الابعاد الاجتماعية وثقافية المجتمعات المستهدفة. ما خلف فجوة تنموية عميقة في المجتمعات، تجلت في تفاقم الفقر اتساع صارخ للفوارق الاجتماعية عكس الاحصائيات التي تشير إلى تصاعد وتيرة النمو الاقتصادي.
وذا ما ربطنا معطى سقوط مفهوم التنمية في قبضة الليبيرالية، وفي ضل محدودية النتائج التنموية ذات الطابع الاقتصادي، برزت الحاجة إلى دمج المسألة الاجتماعية كبعد أساسي ضمن رهانات التنمية وذلك من خلال دمج خبراء من مختلف حقول العلوم الاجتماعية في دراسة وتنزيل النماذج التنموية في البلدان النامية، بناء على هذا المسار تتبلور إشكالية مقالنا حول كيفية صناعة وصياغة السياسات التنموية داخل أوراق البنك الدولي؟ ثم ما هي طبيعة التحديات والرهانات التي تواجه هذه السياسات في ضل المتغيرات الدولية؟
1) صياغة السياسات التنموية لدى البنك الدولي:
في ضل الاهداف التي سطرها البنك الدولي عبر وتائقه الرسمية والتي تشكل هويته، والمتمثلة في تشجيع السياسات الهادفة إلى الحد من الفقر وتحقيق التنمية المستدامة. يعمل البنك على تمويل حكومات الدول الأعضاء و توجيه سياساتها عبر حزمة من القروض والنصائح و المساعدات وكذا البرامج التي ترمي إلى تحسين الظروف المعيشة في البلدان المعنية، ويشكل النموذج التنموي لديه مجموعة من الارشادات التي توجه عمل الدول وفق المؤشرات الوطنية والدولية تشمل الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وباعتبار البنك الدولي مؤسسة رائدة في مجال التنمية، لا يمكن قراءة نماذجه التنموية دون استحضار الصراع المعرفي بين الخبراء الاقتصاديين من جهة و الخبراء السوسيولوجيين والانتروبولوجيين من جهة ثانية بالرغم من أن الفئة الأخيرة لا تشكل الى أقلية عددية وتنظيمية داخل بنية المؤسسة وبالموازاة مع ذلك نجد وفرة في الموضوعات المتعلقة بالبرامج والدراسات وكذا الخطط والتقارير المنجزة من طرف المؤسسة حول مشاريع موجهة لبلد بعينه أو منطقة إقليمية كاملة ضمن دول العالم الثالث باعتبار أن البنك الدولي مؤسسة تعنى ببلورة وإنتاج فلسفة هادفة بالتنمية تم الإفصاح عن هذه الفلسفة من خلال سلسلة من الدراسات والتقارير التي يتم إنتاجها عبر مراكز الخبرة ومكاتب دراسات دولية أو ما يعرف ب "مراكز التفكير" والتي امتد تأثيرها من المجال العسكري الى التخطيط للسياسات العامة، وتعتبر المراكز الأمريكية الاكثر تأثيرا في صياغة الأجندات الدولية.
نتاجا للأثار الاجتماعية السلبية للنظريات الكلاسيكية عمد البنك الدولي على تبني استراتيجيات تنموية جديدة في العديد من الدول "المغرب نموذجا"، استهدفت القطاع الاجتماعي من أجل تحقيق تنمية متوازنة ومعالجة اختلالات النمو الاقتصادي حيت وقع تغيير في النموذج من داخل المؤسسة مما أسفر عن تبني مجموعة من السياسات والاستراتيجيات المرتكزة على الابعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية خاصة بعد فترة " التقويم الهيكلي" في الثمانينات ويقوم هذا النموذج الجديد لدى البنك الدولي على إرساء استراتيجيات لمكافحة الفقر عبر تمكين الفقراء بناء على ثلاث مبادئ : الاندماج الاجتماعي، التماسك الاجتماعي، والمسؤولية المؤسساتية. حيت تروم هذه المبادئ الى تمكين الأفراد والجماعات من الوصول إلى الفرص الاقتصادية، السياسية والاجتماعية وتعزيز القدرة على الفعل الاجتماعي السلمي عبر التزام الممسكين بالسلطة والموارد الجماعية بخدمة المصلحة العامة بطريقة فعالة وعادلة توصل قادة العالم إلى توافق جديد يجعل الأفراد في صلب التنمية.
2: بين التخطيط والتنزيل معيقات السياسات التنموية بالمغرب.
تشكلت علاقة المغرب بالبنك الدولي منذ انتمائه للمؤسسة سنة 1958 وعرفة سنوات الستينات من القرن الماضي بداية ملامح التعاون الفعلية حيت تقدم المغرب بطلب الاستشارة رسمية من البنك الدولي من أجل النظر في المخطط الخماسي الثاني بعد المخطط الخماسي الأول الذي أطلقته حكومة عبد الله ابراهيم بعد الاستقلال قام المخطط الثاني على محاولات إصلاحية طموحة وعلى توجيهات جديدة في مجال التنمية، إلا أنها حسب أحد الاقتصاديين المغاربة تابعوا سياسات التنمية في تلك المرحلة، ونظرا للتحديات الهيكلية التي تجلت في ارتفاع النفقات العمومية مقابل ضعف في الموارد، و نتيجة الاضطرابات السياسية والاجتماعية التي شهدها المغرب صرح بأنه غير صالح للعمل به، نتجة ارتفاع في النفقات العمومية في مقابل ارتفاع طفيف في الإرادات وكذا الاوضاع التي عاشها المغرب من احتجاجات وصراعات أنداك تقدم البنك الدولي بمساعدات مالية الى الحكومة المغربية أنداك وأيضا من مؤسسات مالية عالمية كصندوق النقد الدولي مما أدى تدريجيا إلى خضوع السياسات العمومية للتوجيهات هذه المؤسسات وضرورة الامتثال الكلي الى توصياتها
وقد بلغت هذه الوصاية ذروتها مع برنامج التقويم الهيكلي لسنة 1983 حيت انتقل دور البنك الدولي من " الاستشارة" الى " المراقبة المباشرة" عبر تقارير الخبرة السنوية التي ترهن الإصلاحات الاقتصادية والمالية بمؤشرات الناتج الداخلي الخام، مما ادى الى تهميش السيادة في رسم السياسات التنموية المستقلة.
تلا ذلك تبني المغرب النموذج التنموي الاول المراكز على أسس تنمية البشرية المستدامة كمشروع مجتمعي متكامل الى حدود سنة 2017 حيت دعا الى إعادة النظر في الاختيارات التنموية القائمة وبلورة جيل جديد من المخططات القطاعية الكبرى تقوم على التكامل والاتقائية، ارتباطا بالتحولات التي عرفتها العشرية الأخيرة جاء للاعتراف الواضح من ملك البلاد بكون النموذج التنموي القديم انتهى الى فشل ملحوظ لم تنفع معه الإصلاحات الشكلية المتواصلة. وهو ما دفع عاهل البلاد الى تشكيل لجنة ملكية استشارية مهمتها صياغة نموذج تنموي جديد قادر على تحقيق الرفاه والتقدم وازدهار المغاربة دولة ومجتمعا.
في سياق هذا الفشل والحاجة إلى ضرورة بناء نموذج تنموي جديد جاء تقرير البنك الدولي تحت عنوان "المغرب في أفق 2040" بإشراف كبير الخبراء الاقتصاديين بمكتب البنك الدولي بالمغرب "جون بيير شوفور" "jean pierre chaufour" حيت رصد التقرير بعض سمات عدم نجاعة النموذج الحالي، إذ كان معدل النمو حسب هذا التقرير لا يتعدى 4,5٪ بالمغرب وهو غير كاف لتقليص معدل البطالة.
إن بناء نموذج تنموي يتطلب الاستناد إلى أسس ومرجعيات مفاهيمية ذات خلفية نظرية وفلسفية، وفي هذا صدد لا يمكن اعتبار نموذج البنك الدولي نموذجا متاليا فرغم مساره الحافل بالابتكار المفاهيمي الا انه يضل يستدعي النقد والمراجعة لما لها من عيوب مفاهيمية انطلاقا من هيمنة الطابع الاقتصادي على تقارير المؤسسة، وهو ما ينتج عنه أثر في بناء المفاهيم وأيضاً في مربع خبراء البنك الدولي الذي يعرف حالة من التناقض والتجاذب نضرا لتعدد انتماءاتهم المعرفية، حيت سجل الخبراء السوسيولوجيين ملاحظات نقدية تجاه المقاربات الاقتصادية الصرفة، وحسب "مايكل سيرينيا" فإن هذه النماذج تعتريها عيوب مفاهيمية ذات عواقب وخيمة على المدى البعيد لكونها تقلل من هيمنة الاشكال الاجتماعية والثقافية للمجتمعات، وقد حدد هذه الاخفاقات في ثلاثية نقدية: مركزة الاقتصاد: اي الاعتماد على تحليل مفهوم التنمية انطلاقا من نزعة اقتصادية وإغفال الجانب الاجتماعي مما يؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية و يقلص من فعالية تحقيق تنمية شاملة و متوازنة، الاغراق في التقنوية: و يقصد بها هيمنة المنظور التقني الضيق على أغلب الخبراء الذين اعتادوا على إنجاز دراسات الخبرة لصالح المؤسسات الدولية والوطنية التي تفرض نفسها في صناعة القرار دون المراعات لخصوصيات المجتمعات المستهدفة عبر التدخل في غياب استحضار السياقات الاجتماعية لهذه التدخلات الاقتصادية، واخيرا التركيز على المنتوج وإهمال المنتج: حيت تعطى الأولوية لنتائج الاقتصادية على حساب تنمية القدرات البشرية، مما يقلل من فعالية البعد الاجتماعي بتكريس الهشاشة و تهميش الفئات المنتجة للثروة مما يؤدي الى فشل أي نموذج تنموي . ومن هنا تبرز ضرورة استحضار خبراء محليين لتزويد التقارير والنماذج التنموية بما يميز البلد المستهدف من خصائص مجالية تراعي البعد الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الخاص به، وفي سياق حديتنا عن المسار التنموي للمغرب وما تمخض عنه من نتائج، أصبح من الضروري على الفاعليين السياسيين، وكل الجهات الرسمية وكذا الباحثين الانخراط في هندسة نموذج تنموي يراعي التحديات الراهنة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية وكذا الاستجابة للمطالب الملحة والحاجيات المتزايدة للمواطنين مما يضمن الحد من الفوارق والتفاوتات المجالية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
من خلال استعراضنا للسياسات التنموية للبنك الدولي نخلص على أنها تكشف عن رهان مزدوج بين طموح التنزيل الذي يعتمد بالأساس على نماذج اقتصادية مهيمنة وإكراهات الواقع التي تفصح عن فجوات اجتماعية وثقافية عميقة خاصة في سياقات وطنية مثل المغرب، حيت أدت برامج التقويم الهيكلي و السياسات اللاحقة الى نمو اقتصادي جزئي مقابل تفاقم الفقر والتفاوتات الاجتماعية، إن استمرار هيمنة المقاربات الاقتصادية، رغم محاولات دمج البعد الاجتماعي مند ثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي تظل مسحوبة بعيوب مفاهيمية يعتريها الطابع الاقتصادي والاغراق التقنوي، ويهمش الفاعل البشري، وهو ما يفرض اليوم ضرورة إعادة صياغة النماذج التنموية واستحضار خبراء محليين لترسيخ قيم الاندماج والتماسك الاجتماعي في صلب السياسات التنموية ومع إقرار فشل النموذج التنموي المغربي القديم كما أكده تقرير "المغرب في أفق 2040" يبقى سؤال الجوهري قائما، الى اي حد يمكن للبنك الدولي أن يتحرر من البعد الاقتصادي الكمي الاحصائي ليتحول الى شريك استراتيجي في بناء تنمية متوازنة تحترم السيادات الوطنية و خصوصيات المجتمعات النامية؟
لائحة المراجع:
1: نورالدين لشكر، البنك الدولي: التنمية بين الخبرة والسيادة، قراءة في بعض مسارات التدخل بالبلدان النامية، حالة المغرب، طبعة الأولى.
2: نورالدين لشكر، سوسيولوجيا الخبرة والخبراء: في اتجاه صناعة المجتمعات، الطبعة الثالثة مزيدة ومنقحة.
3: عياد أبلال، التنمية المفقودة: النموذج التنموي الجديد في المغرب بين إرادة التغير وإدارة التنمية، الطبعة الثانية.
5: سوسيولوجيا الخبرة والخبراء4: الهوية العلمية والأيديولوجية لبرامج التدخل في المؤسسات الدولية "البنك الدولي نموذجا" الجزء الأول والثاني، مركز ضياء للمؤتمرات والأبحاث.
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟