تأليف : ضرغام عبدالرحمن الجابري
الحوار المتمدن-العدد: 8683 - 2026 / 4 / 20 - 21:26
المحور:
الادب والفن
نسـيـــــج
( ليلة الاقدام الكبيرة )
الشخصيات :
الأول : اللون او الخيط الأزرق . خيط من بساط او سجادة كان في ورشة نجارة.
الثاني : اللون او الخيط الأصفر. خيط من بساط او سجادة كان في قصر الملك.
الثالث : اللون او الخيط الأحمر. خيط من بساط او سجادة كان في بيت بسيط .
الرابع : اللون او الخيط الاخضر او البنفسجي . خيط من بساط او سجادة كان في متحف.
الخطاب المسرحي :
المكان هو محل او دكان او معرض لبيع السجاد او المنسوجات .
اربع لوحات كبيرة كل لوحة مرسوم عليها سجادة مختلفة عن الاخرى بألوانها. لكن اللوحة الاولى يغلب عليها اللون الأزرق, واللوحة الثانية يغلب عليها اللون الأصفر, واللوحة الثالثة يغلب عليها اللون الأحمر, واللوحة الرابعة يغلب عليها اللون الأخضر او البنفسجي.
تنويه: اللوحات هي بديل عن السجاد اذا توفر سجاد او بساط بذات الالوان مؤكد يكون افضل واكثر وقع.
اربع مكعبات خشبية تصلح للجلوس موزعة على المسرح مكعب احمر ومكعب ازرق ومكعب اصفر ومكعب اخضر او بنفسجي . او كل مكعب مرسوم عليه جزء من اللوحة او السجادة التي هو منها .
خيوط ممدودة من كل لوحة او سجادة. كل لوحة او سجادة متصلة مع المكعب الخشبي بواسطة الخيوط التي تحمل ذات اللون . خيوط كثيرة ممدودة على المسرح . كل ممثل يحمل لون معين وهناك خيوط تربطه مع كل مكعب بذات اللون . ليصبح المنظر خروج الخيوط من السجاد او اللوحات لتتصل بالمكعبات وتمتد من المكعبات ليتصل كل مكعب بممثل من الشخصيات الأربع.
السجاد موزع هنا وهناك في المكان ,الالوان تملئ المكان .
سقف المسرح تتدلى منه اقدام كبيرة او مختلفة الاحجام تنزل من سقف المسرح عند الحاجة او هي موجودة اساسا بارتفاع يصل الى ان الاقدام تصل فوق رؤوس الممثلين بقليل . ويتم الكشف عنها من خلال الاضاءة عند الحاجة .
تبدأ المسرحية . تفتح الستارة على ظلام ونسمع صوت الشخصيات الأربع تقول :
الأربعة : ( جميعهم ) تحت , تحت , تحت , تحت , ......( يبدأ صوتهم ينخفض)
وتدريجيا تظهر كتلة من البشر الأربعة متجمعين فوق بعض كأنهم كور من الخيوط . ومع هذا يدخل صوت ممزوج مع صوت الشخصيات الاربع الذي يتحول الى همس . الصوت يقول :
الصوت : ( ممزوج بهمس الأربعة ) الأيادي المشوهة عندما تعبث بالنسيج المجتمعي تغادره تاركة عقد يصعب حلها , ويأتي احتلال الاقدام الكبيرة بعدها لتقوم باستغلال البسطاء الساكنين بين تلك العقد والمنشغلين بحلها وفكفكت النسيج ليستمر مزاولا ابديته الفطرية , لا دوران لهذه الأرض , مادام الجميع يقف على رؤوسنا ,وتنعدم الرؤية الشاملة للوجود , التي تتخطى حدود الذات , فكيف نصل الى ادراك حقيقة الآخرين , والمشاركة في معانتهم وافراحهم . انه الوعي . الذي يجعل الانسان يدرك , ان الاخرين ليسو مجرد كيانات مستقلة بل هم جزء لا يتجزأ من شبكة العلاقات الانسانية . والتي تقوم على الاحترام المتبادل . ايها اللون المنسي , ويا ايها الخيط المسحوق : تصرف وكأن تصرفك يمكن ان يصبح قانونا كونيا. ليصبح الفهم الاخلاقي هو المعيار الذي يحكم به على السلوك. نحن الان سنخوض في لجة كلمات تربك العقول , وتثير التساؤلات , هل نحن نولد بأوزار الماضي ؟ هل تلاحقنا خطايا من سبقونا؟ فنصير أسرى لحتمية لا فكاك منها ؟ هل العقد اللونية ستفك؟ هل نحن نسيج من الوان قديمة ؟ هل هم الاساسيات ونحن خليطها ؟ ام ان فينا مساحة للتمرد على ارث الآباء و الاجداد؟ ام هي صرخة وجودية متجذرة في قلب شعب حاصرته الاحزان والافكار السوداوية؟ فجعلها ديناميكيات لمواقفه الفكرية ونقده الحاد للوجود؟
نحن المنسوجون على هذه الارض والمسحوقين لدينا نفور شديد مما نراه عبثا ونقصا في الوجود , ونوجه اصابع الاتهام الى الاقدار والى سلسلة الوراثة التي حملها انسان لم يختر مولده, ولا نشأته, ولا مصيره. فالعبث القديم , لايؤدي الا الى عبث جديد.
قطع
ينتهي الصوت . ويبدأ همس الأربعة يرتفع وهم يقولون :
الاربعة : تحت , تحت , تحت , .........
يبدأ صوتهم بالخفوت . وتدخل موسيقى . وتظهر اقدام كبيرة من سقف المسرح . اما هي موجودة وتفتح الاضاءة عليها او تنزل الاقدام الى مسافة فوق رؤوسهم بقليل يرافق هذا المشهد موسيقى تدعو الى السلطة والجبروت وفيها شد وحماس.
تنطفئ الاضاءة من على الاقدام الكبيرة . تدخل موسيقى هادئة.
ينهض الجميع يتوزعون كلا في مكانه كل شخص من الاربعة يقف عند لوحة مسندا ظهره لها .
الأول : هل يوجد هنا لون يشبهني ؟
الثاني : الالوان لا تتشابه بل سحرها واحد.
الثالث : متى يقد قميص التاريخ وتفتح الابواب ويهرب منا الماضي .
الرابع : لاشيء سوى رمال الاحذية فوق رؤوسنا نحن المسحوقون .
الأول : هل هناك لون يشبهني ؟
الثاني : متى يأتي الملك متى أسحق متى احتضن تراب الملوك؟
الثالث: للبيع ام للايجار نحن هنا, متى نخرج من ذاكرة هذه الدكاكين؟
الرابع : جسدي متى يستريح ؟ مرهق هو النوم وقوفا في المتاحف والمعارض .
الأول: هل يوجد هنا لون يشبهني؟
جميعهم : الالوان لا تتشابه بل سحرها واحد, متى يقد قميص التاريخ وتفتح الابواب ويهرب منا الماضي , لاشيء سوى رمال الاحذية فوق رؤوسنا نحن المسحوقون , ( صمت ) هل يوجد هنا لون يشبهني ؟.
تدخل موسيقى هادئة تدعوهم للمسير , يسير الممثلون ليصل كلا الى مكعبه الخاص. يجلس كل ممثل على مكعب. يلتفت بعضهم الى بعض.
الأول : منذ متى ونحن هنا ؟
الثاني : ليس للزمن اهمية هنا .
الثالث : لا يعرف التواريخ من هم مثلنا .
الرابع : تحت , لايوجد موعد , تحت , لايوجد حب.
الأول : هل نحن نتشابه؟
الثاني : ان كنا نحمل ذات الذاكرة اذا نتشابه.
الثالث: لا اتذكر متى اخر مرة سحقت . لاننا في سحق دائم.
الرابع: انا خيط عتيق, لكني لا اتذكر ولادتي , اتذكر فقط اين كنت .
الأول: هل للمهن لون ؟ اود معرفة لون الحرفة التي كنت بها.
الثاني : وما كانت مهنتك؟
الأول: كنت جزء من سجادة او بساط مرمي في ورشة لنجار عجوز.
الثالث: النجار لايحتاجنا في شيء.
الأول: كان عند وضوءه قبل الصلاة, يمسح اقدامه فوق رأسي ويصلي على جسدي .
الرابع: ولماذا انت هنا الان ؟
الأول : مات النجار , ولم يجدوا في ارثا يستحق الاقتناء, اخذني المؤجر الجديد مع بقية العاملين البسطاء فهم مسحوقون مثلنا انا بساط وهم بسطاء , رمانا خارج دكان النجارة انا الى مزبلة قريبة وهم الى منازلهم. بلا عائلة بقيت بلا خيوط تعرفني الزمن جعلنا نهترئ وفرق الخيوط عن بعضها. مارس عمال النظافة سلطتهم وارادوا حملي الى المكب الكبير بين الزجاجات الفارغة والاكياس , لكن هناك رجلا شاهدني وطلب من عمال النضافة ان يأخذني وها انا الان معروض معكم للبيع. هل انا غالي الثمن برأيكم ؟
الثالث: لا نعرف الزمن ولا نعرف اسعارنا, لكننا جميعا معروضين للبيع.
الثاني : الا انا , اعرف قيمتي جيدا. ( الى الاول) بالمناسبة قصتك حزينة جدا فقد تعذبت انت كثيرا.
الرابع : وكيف عرفت قيمتك, وكيف وصلت الى دكان المنسوجات هذا ؟
الثاني : عشت حياتي خيطا فخورا بنفسي كون علية القوم هم فقط من يحق لهم ان يقوموا بسحقي . كنت خيطا ضمن سجادة فاخرة في قصر الملك. كنت اشعر اني جزء من منظومة تأسيس الدولة.
الثالث : تقصد الجزء المسحوق منها ( يضحك ويضحك الجميع ).
الثاني: نعم , وكنت انافس بسطاء الشعب على هذه المنزلة. كان لي الشرف بين اقراني من الخيوط ان يسحقني وزير بقدمه او حتى مرافق الوزير . كان يتجلى بداخلي شموخا يميزني امام نفسي على باقي الخيوط والألوان. ( يقول متفاخرا) كان الملك شخصيا يدوس على رأسي . كان يسحقني نديم الملك كنت استمع الى شعره واغانيه ومجاملاته ومدحه المبالغ فيه. كنت امتص خمرة الملك التي تسقط من كأسه.
الأول : اذا كنت مترفا هكذا ماذا دفع بك الى هنا ؟
الثاني: اخر مرة داستني اقدام الخونة عقدوا مؤامرة لاسقاط الملك فوق رأسي, لم استطع فعل شيء يتآمرون والملك يلهو يتآمرون والملك يشرب يتآمرون والملك يستمع الى الشعراء والى المغنين. الى ان سقط الملك. وبدأ الخراب يعم البلاد سقط كل شيء الملك وحراسه ومعابده , والاخلاق والقيم احترقت مع باقي البنا التحتية وصل الحريق الى القصر وصلت النيران بجانبي لكن دخل السارقون وسط النيران باحثين عن الاشياء الثمينة وكانوا هم اسرع من النار حملوني وتركو ازيز النار يسمع من جسد الجدران وباقي اصدقائي من الخيوط و الالوان الممتدة على الارض. باعوني مثلما باعوا اخر ما في هذه البلاد من استقرار. وها انا معكم الان.
الثالث: (يتحرك ببطء حول مكعبه الأحمر، يجر خيطه خلفه كأنه قيد ثقيل، ويصفق ببطء شديد وبتهكم) يا لها من تراجيديا مخملية, أيها اللون الأصفر, هل تظن أن النيران تطهر الخطايا؟ أنت لم تحترق، أنت فقط تغيرت قيمتك السوقية.
(يتوقف فجأة ويواجهه)
أنت تبكي لأنك فقدت " سحكت" الملك؟ لأن حذاء الوزير لم يعد يلمع وجهك؟ يا لك من عبد يعشق السوط, تتحدث عن السحق كأنه وسام شرف.
الثاني: (بحدة) السحق درجات يا هذا, سحق عن سحق يفرق, أن يدوسك ملك وهو يرسم خارطة امبراطورية، ليس كمن يدوسك وهو يركض خلف رغيف خبز يابس, أنا كنتُ منصة للتاريخ, أما أنت (يشير اليه باحتقار) فمن أنت؟ لونك الأحمر هذا,هل هو دم؟ أم صبغة رخيصة من دكان عطار فقير؟
الثالث: (يضحك بصوت أجش، يقفز فوق مكعبه الأحمر) أنا؟ أنا الخيط الذي نسي أن يموت, أنا لم أكن في قصر، ولم أسمع نفاق الشعراء, كنتُ في غرفة, مجرد غرفة، جدرانها تتقشر من الرطوبة, أرضيتي لم تعرف ملمس الحرير، بل عرفت خشونة الانتظار.
(يغير نبرته الى همس )
هل تعرفون ثقل خطوات امرأة تنتظر غائباً لا يعود؟ عشرون عاماً, وهي تمشي فوقي, جيئة وذهاباً, من النافذة الى الباب, ومن الباب الى النافذة, لم تكن تدوسني بكبرياء الملوك، كانت تدوسني بخوف الأمهات, حفرت في نسيجي خندقاً من القلق, كنت أشرب دموعها المالحة, لا خمرة ملوكك السكارى، بل ملح العيون المحترقة, أنا الأحمر, لون العيون التي لم تنم, ولون الجمر الذي كوى قلوب البسطاء, أنا لست تحفة ولست عرشاً, أنا الندبة في كفوف عمال البناء.
الرابع: (اللون الأخضر/البنفسجي، يتحدث بصوت بارد، ميت، خالي من أي انفعال بشري، وهو يعبث بخيطه بملل) يا لكم من عاطفيين, تبحثون عن مجد في الوجع, واحد يتباهى بعبوديته للملك، وآخر يتاجر بدموع الأمهات، وذلك (يشير للأول) يقدس نشارة خشب النجار, أنتم جميعاً, مستهلكون
(يصرخ فجأة بصوت مرعب)
انظروا الي, أنا الخلود المزيف, أنا كنت في المتحف, خلف الزجاج, هل جرب أحدكم عقوبة ممنوع اللمس؟ أن تمر السنوات، والقرون، وأنت تحدق في عيون الزوار البلهاء, ينظرون اليك بانبهار كاذب: يا الهي، انظروا لدقة النسيج، انظروا لروعة العقدة القديمة, لكن لا أحد, لا أحد يجرؤ أن يضع اصبعه علي ليتأكد ان كنت حقيقياً أم وهماً, كنت أحسد الغبار الذي يستقر على أحذيتهم, كنت أتوق لأن يدوسني طفل مشاغب هرب من يد أمه, أن أتمزق, أن أتسخ, أن أصبح مفيداً, لكنني بقيت, تحفة, جثة محنطة بكامل أناقتها, حتى جاءت "ليلة الأقدام الكبيرة", ليلة الفوضى, حين كُسر الزجاج، وسُحلت التماثيل, لم يأخذوني لأنني جميل, بل أخذوني ليسدوا بي ثقباً في شاحنة تحمل المسروقات, لأول مرة, شعرتُ بالهواء الحقيقي يضرب وجهي الميت, لأول مرة شعرت أنني خيط ولست الهاً صغيراً في جام خانة.
الأول: (ينظر الى السماء، الى الأقدام المعلقة) وهل انتهينا؟
الثاني: نحن هنا, في الدكان, للبيع مرة أخرى.
الأول: هل تغير السعر؟
الرابع: السعر يحدده "الدائس" الجديد.
(تدخل موسيقى ايقاعية تشبه صوت نول النسيج تتسارع دقاتها)
يبدأ الممثلون بالدوران حول المكعبات بشكل عكسي، مما يؤدي الى تشابك الخيوط الموصولة بالمكعبات مع أجسادهم. يصبح المشهد فوضوياً، الخيوط (الأزرق، الأصفر، الأحمر، الأخضر) تتداخل وتخلق شبكة تعيق حركتهم. كلما حاولوا الابتعاد، شدتهم الخيوط الى المركز، الى العقدة.
الثاني: (يحاول فك الخيط الأصفر عن رقبته) هذا القيد يخنقني, أين حرية القصور؟
الثالث: (يشد الخيط الأحمر بقوة) نحن ننسج أنفسنا في سجن جديد, انظروا, نحن نصنع العقدة التي تحدث عنها الصوت في البداية.
الأول: (يركع، والخيط الأزرق يلتف حول يديه كأنه مكبل) ربما هذا هو القدر, أن نكون مشتبكين, لا فكاك للنجار من الملك، ولا للمتحف من البيت البسيط, نحن سجادة واحدة الآن, سجادة قبيحة الألوان, مرقعة بالتناقضات.
الرابع: (يقف في وسط التشابك، يبدو كأنه العنكبوت والضحية في آن واحد) أصمتوا, واسمعوا,
(يشير الى السقف)
انها تنزل..
(اظلام تدريجي)
(مشهد الأقدام الكبيرة)
تبدأ الأقدام المعلقة في السقف بالهبوط ببطء شديد ومخيف، يصاحب نزولها موسيقى . الأقدام بأحجام مختلفة، بعضها ضخم جداً وبعضها بحجم الانسان، لكنها كلها أقدام مجردة، بلا وجوه، بلا أجساد علوية. تتوقف الأقدام على ارتفاع قريب جداً من رؤوس الممثلين.
الأول: (بهمس مرتعش) هل هذه أقدام المشترين الجدد؟
الثاني: انها أكبر من أقدام البشر, هذه أقدام المصير المحتوم.
الثالث: هل ستسحقنا الآن؟
الرابع: هي لا تحتاج أن تدوسنا, ظلها وحده يكفي لكسر ظهورنا.
الأول: (يصرخ للأقدام) أيتها الأقدام العالية, أنا بساط طاهر, سجد علي الصالحون,لا تدوسيني مع هؤلاء الملوثين.
الثاني: (يقاطعه) أنا بساط ملكي, تاريخي يشفع لي, يجب أن أُعلق على الجدار لا أن أفرش على الأرض.
الثالث: أنا شبعت سحقاً, أنا مهترئ, لا مكان لقدم جديدة فوقي, ارحميني.
الرابع: (ببرود) لا تتوسلوا للأحذي الأحذية لا تسمع, الأحذية وظيفتها الهبوط فقط.
يشتد الصراع بينهم، يحاول كل واحد منهم أن يدفع الآخر ليكون هو الطبقة السفلى التي تتلقى الضربة الأولى في حال نزول الأقدام.
الأصفر يدفع الأزرق: كن أنت الأرضية.
الأحمر يشد الأخضر: تعال يا صاحب المتحف، جرب الموت الحقيقي.
يتحولون الى كرة بشرية متدحرجة، تتشابك خيوطهم أكثر فأكثر حتى يعجزوا عن الحركة تماماً. يصبحون كتلة واحدة ملونة، عاجزة، تحت الأقدام المعلقة.
(صمت تام ومفاجئ)
(تتوقف الموسيقى)
الثاني: (من داخل الكتلة البشرية، صوت مخنوق) هل, هل تم بيعنا؟
الرابع: لا, لم يقوموا ببيعنا بعد, نحن في كساد اقتصادي...
الأول: ماذا يعني؟
الرابع: يعني أننا أصبحنا في المخزن, بضاعة كاسدة, العقد كثيرة، والألوان باهتة، والنسيج مهترئ.
الثالث: (ببكاء) يعني لا أحد يريد أن يدوسنا بعد الآن؟
الثاني: يا للفضيحة, حتى الاهانة لم نعد نستحقها؟
الأول: النسيان, هو السحق الأكبر.
(تبقى الأقدام معلقة فوقهم كتهديد أبدي لا يتحقق ولا يزول. الممثلون متكورون على أنفسهم ككومة خيوط مهملة)
(يدخل الصوت ذاته الذي بدأ المسرحية، صوت رخيم، كوني، يملأ الفراغ، بينما تتلاشى الاضاءة عن الممثلين وتبقى مسلطة فقط على الأقدام الكبيرة والخيوط الممتدة منها).
الصوت: وهكذا, تعود الخيوط الى أصلها الأول, لا ملك ولا صعلوك, لا قديس ولا زائر متحف, الجميع مجرد عقدة في نسيج عبثي طويل, تحاولون فك العقد بأيد مرتجفة، لكنكم لا تدركون, أنكم أنتم العقدة, وأنتم الحل الذي لا يريده أحد, تنتظرون الأقدام الكبيرة لتهبط وتنهي الرواية؟ يا لكم من واهمين, الأقدام لا تنزل لتسحقكم, الأقدام معلقة لكي تظل رؤوسكم منحنية للأبد, فالانتظار, هو السحق الحقيقي, والنسيج مستمر, ينسج كفناً واسعاً, بحجم الوطن, وبحجم الوهم, ناموا أيها الألوان المتعبة, ففي دكان التاريخ, لا يوجد باب للخروج, ولا يوجد مشتر عاقل, فقط, غبار, وخيوط, وأقدام.
تحت..
تحت..
تحت..
(يتلاشى الصوت تدريجياً مع تكرار كلمة "تحت" بصدى واسع).
اظلام
2024 السماوة
اكتمل النص بعد جلسة نقاش
مع الفنان التشكيلي السماوي خالد نعيم
للتواصل مع المؤلف:واتساب: 07806066228
فيسبوك: ضرغام ابو آصف
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟